فبراير
19

شكرا لكم لأنكم أهملتموني… قصة فلكية واقعية

هذه التدوينة تسرد أحداث قصة لم أشأ أن تكون طويلة، إلا أن تتابع الأحداث المثيرة أجبرني على ذكرها ولم أشأ أن أفوت ذكر بعض التفاصيل التي أرى أنها مهمة لتوثيق الأحداث!

 الزمان: السبت 25 يناير الساعة الثامنة مساء…. شرارة الحدث: رسالة تصلني من الزميل إبراهيم الحذيفي، الصحفي في صحيفة سبق السعودية، وهي من أكثر وسائل الإعلام شهرة وشعبية في السعودية… الرسالة تقول: “ما عندكم تعليق على الكتلة النارية التي تم مشاهدتها في السعودية؟ هل كان صاروخ أم جرم سماوي؟”. في الواقع لقد سمعت من بعيد عن القصة ولكن لم أتابعها أبدا، وقرأت فيما بعد تعليقا بدا لي وكأن البعض اختلفوا في تفسير الظاهرة، ولكن لم أكن حتى متأكدا من أن التعليق كان على تلك الظاهرة ولم أعلم علام اختلفوا. باختصار لم تكن عندي أدنى فكرة عن القصة! فطلبت من الأخ إبراهيم إعلامي بزمان ووقت الحدث، وبالفعل أرسل لي ثلاث روابط للخبر، كنت على عجلة من أمري ففتحت الرابط الأول، ولما وجدت فيه مبتغاي لم أفتح الرابطين الآخرين.

 قرأت الخبر وهو موجود على هذا الرابط (http://sabq.org/4FOfde) ومنه علمت مكان وزمان الحدث، بل وشاهدت الحدث نفسه من خلال مقاطع اليوتيوب الموجودة في الصفحة. تمت مشاهدة الجرم المتوهج من المدينة المنورة ورابغ وجدة وغيرها، وذلك يوم الأحد 16 يناير في الساعة 11:08 مساء بتوقيت السعودية (غرينتش + 3). شككت للوهلة الأولى أن الجرم المتوهج عبارة عن قمر صناعي يدخل الأرض، لأن هيئة الجرم المحترق تشبه تصرف عودة الأقمار الصناعية إلى الأرض، ولكن أردت التأكد. فأرسلت رسالة لصديق لي يعمل مع وكالة الفضاء الأمريكية ناسا وهو مهتم بالأقمار الصناعية وهو Paul Maley وهذا الرجل أعرفه منذ عام 1997 والتقيت معه عدة مرات، فأرسلت له مقطع الفيديو وطلبت رأيه، وأرسلت المقطع أيضا لصديق آخر يعمل في ناسا وقد تحدثنا عدة مرات سابقا عن سقوط أجرام على الأرض كان آخرها ما سقط على السودان منذ عدة سنوات ويدعى  Peter Jenniskens، وهو من علماء الفلك المعروفين على مستوى العالم. وأكملت بحثي السريع، وبدأت بالبحث عن الأقمار الصناعية المتوقع عودتها إلى الأرض. وما هي إلا دقائق قليلة حتى وجدت أنه كان من المتوقع أصلا سقوط أحد الأقمار الصناعية فوق السعودية فوق نفس المنطقة التي شاهد منها الناس الجرم المحترق وفي نفس الدقيقة تماما، وكان اتجاه القمر الصناعي بنفس اتجاه الجسم الذي تمت مشاهدته في مقاطع اليوتيوب! فهنا انحسم الأمر ولم يعد فيه أي نقاش! فأخبرت زميلي إبراهيم بالنتائج، وأرسلت لأصدقائي في ناسا أنني وجدت “المتهم” وشكرتهم. وما هي إلا دقائق ورد أحدهم وأكد أنه يؤيد أن الجسم المتوهج هو دخول قمر صناعي، وفي اليوم التالي رد الآخر وأكد ذلك أيضا. وبعد ذلك نشر الأخ إبراهيم الحذيفي تقريرا جديدا في صحيفة سبق حول الموضوع ويمكن مشاهدته على الرابط التالي: (http://sabq.org/iDPfde). بعد ذلك دفعني الفضول لفتح الرابطين الآخرين الذيْن أرسلهما الأخ إبراهيم! فتحت الأول وانصدمت!

 فقد كان هناك من فسر الأمر في وقتها بكل دقة وفي الواقع لقد حسم الأمر، وهو الدكتور منصور بن عطية المزروعي رئيس قسم الأرصاد بجامعة الملك عبد العزيز. في الواقع لا أعرف الدكتور وقد أصاب الحقيقة، وأحييه على دقته وعلى معلوماته الفلكية. ويمكن الاطلاع على تصريحه على الموقع التالي: (http://sabaq.org/OROfde). هنا بدأ الفضول يدب في نفسي أكثر فأكثر! فماذا سأجد في الرابط الثالث! الأصل أن الموضوع انتهى! ولكن كان هناك من اعترض على تصريح الدكتور المزروعي، وعارض أن يكون ما شوهد هو حطام القمر الصناعي، بل هو جرم سماوي طبيعي. تسبب هذا الاعتراض في انتشار الموضوع بشكل أكبر في السعودية، واتهم الفلكيين بالتضارب وعدم الدقة، وبدأ هذا الكلام يسري ما بين الناس في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا جلي من خلال اتصال الأخ إبراهيم معنا بعد تسعة أيام من الحدث!

 على أية حال، انحسم موضوع الجرم المتوهج إعلاميا، ولكن لم ينحسم عندي فلكيا! لم يعجبني أداؤنا إطلاقا! فالأصل أن نكون عارفين بهذا الجرم قبل سقوطه… وإن تجاوزت هذه النقطة وسامحنا أنفسنا أننا لم نكن نعرف عنه، فالذي لا يمكن السكوت عنه هو الفترة التي احتجناها للوصول إلى المعلومة كاملة وبشكل دقيق! في الواقع لقد اختصرت القصة في الأعلى، إلا أن الوصول إلى المصدر الرسمي وإلى الجهات الفلكية المعنية تطلب مني بحثا استمر أكثر من يومين كاملين! وأقصد بذلك، بأنني كنت أسأل نفسي أثناء البحث، ماذا لو سألني شخص عن القمر التالي الذي سيقع! ما هو؟ وأين سيقع؟! إنّ جواب كل واحد من هذين السؤالين قد يوجد في مكان أو عند جهة مختلفة عن الأخرى! وكنت طيلة البحث أقول لنفسي سأعتبر مهمتي غير منتهية حتى أعرف إجابة هذين السؤالين وتكون عندي إجابة شافية وافية أطمئن لصحتها ودقتها. 

 إن اهتمامي برصد الأقمار الصناعية قديم، فما زلت أذكر كيف تعلمت رصد الأقمار الصناعية من الزميل المتميز علاء شاهين، وهو كان من أبرز أعضاء الجمعية الفلكية الأردنية، وكان ذلك في منتصف التسعينات، فذهبت إلى منزلة وجلسنا سوية أمام شاشة الحاسوب، وأخذ يشرح لي كيف أستخدم أحد البرامج الفلكية لمعرفة مواعيد مرور الأقمار الصناعية فوق أي منطقة! لا زلت أذكر الفرحة التي شعرت بها بأنني أصبحت قادرا على معرفة مواعيد مرور الأقمار الصناعية وبدأت أرصدها فعلا! نقلت هذه التجربة إلى بقية أعضاء الجمعية! واهتم بها عدد جيد من الأعضاء وشكلنا في ذلك الوقت لجنة خاصة أسميناها “لجنة رصد الأقمار الصناعية” وكانت برئاسة الزميل محمد علاونة! واهتم علاونة بالموضوع اهتماما كبيرا وألقى لاحقا محاضرة في الجمعية عن الأقمار الصناعية وكيفية رصدها! وبعد عدة سنوات أوكلت المهمة لعضو آخر شغوف بهذا الموضوع وهو أحمد الهدبان! وما زال أحمد مهتم بشكل كبير برصد الأقمار الصناعية لغاية الآن.

 كان اهتمامي بموضوع رصد الأقمار الصناعية يتناوب ما بين مد وجزر، ولكنه بقي دوما أحد الظواهر الفلكية التي تستهوينا! وفجأة ظهرت أقمار الإيريديوم، وهذه لها حكايتها المستقلة، وهي باختصار أقمار صناعية تظهر بشكل لامع جدا لمدة ثواني وقد ترى بالعين المجردة نهارا. والطريف في القصة أن أول قمر صناعي إريديوم رأيته كان بصحبة محمد علاونة وكان ذلك في وضح النهار وبالعين المجردة! ثم استهواني في نهاية التسعينات موضوع مرور الأقمار الصناعية أمام الشمس والقمر، وحصلت على برنامج جديد يحسب هذه المواعيد، إلا أن استخدام البرنامج كان مملا مما دفعني لترك هذه الجزئية دون أن أنجح في رؤية أي عبور لقمر صناعي أمام قرص الشمس أو القمر. ولكنها بقيت في ذاكرتي إلا أن توفرت برامج جديدة رائعة في هذا المجال ونجحت في تصوير مرور مركبة الفضاء الدولية أمام قرص القمر وفي تصوير مرور تلسكوب هابل الفضائي أما قرص الشمس كما هو مبين أدناه.

 

 وقبل عدة سنوات بدأ اهتمامي بموضوع سقوط الأقمار الصناعية نحو الأرض وهي تسمى فلكيا بـ Satellite Reentry أو Satellite Decay. وبحثت حينها عن المصادر والبرامج التي قد تفيدني في هذا الصدد، وأذكر أنني صرفت وقتا جيدا في البحث والتقصي إلى أن حصلت على بعض المواقع والبرامج التي تتنبؤ بمواعيد سقوط الأقمار الصناعية على الأرض، ولكن خفت اهتمامي بالموضوع تدريجا لأسباب مختلفة.

 نعود الآن إلى صلب الموضوع… فبعد أن كلمني الأخ إبراهيم الحذيفي وأجبته عن الجرم المتوهج الذي ظهر والذي تبين أنه قمر صناعي سقط على الأرض، وبعد أن أدركت أننا مقصرون في هذا المجال رجعت إلى تلك المواقع والبرامج التي كنت قد احتفظت بها منذ سنوات لمعرفة ما هي الأقمار التي ستقع لاحقا وأين ستقع، ووقعت حينها في حيرة ما بعدها حيرة! ما هذا!؟ لا يوجد موقعين يتفقان مع بعضهما البعض! وكل موقع يعطي موعدا مختلفا لموعد سقوط القمر الصناعي، بل حتى إن الأقمار التي ستقع مختلفة بين موقع وآخر! إذا من اعتمد؟ وأيهما أدق! وأنا هنا لا أتكلم عن القمر الصناعي الذي وقع حينها فوق السعودية، فلحسن الحظ كان هناك اتفاق تقريبا بين الجميع، بل إنني أتحدث عن الأقمار الصناعية التي ستقع لاحقا. هذه أسئلة احتاجت مني بحثا وتقصيا مضنيين واستمرت المهمة عدة أيام إلى أن عرفت النتيجة أخيرا، وعرفت من هي الجهة التي عندها الخبر اليقين، وهي الأدق والأشمل…. هي لمن يريد معرفة الجواب “قيادة سلاح الجو الفضائي الأمريكية”. فمنها يمكن معرفة الأقمار الصناعية التي ستقع على الأرض والمكان والموعد المتوقع لسقوطها. إلا أن الدخول إلى المعلومات يحتاج إلى تسجيل وموافقة تحتاج إلى وقت، وبعدها يمكن الدخول إلى المعلومات، إلا أنها معروضة بطريقة يصعب على غير المتخصص فهمها وتحليلها.

 الحمد لله، انتهيت من جزء صعب من المهمة، وبعد أن استرحت قليلا، عدت إلى اليوتيوب وبحثت عن مقاطع الفيديو التي صورت حدث وقوع القمر الصناعي. أردت أن أعرف هل سقط القمر الصناعي فوق الأراضي السعودية أم أنه استطاع المسير وسقط في المحيط الهندي أم أنه سقط في البحر الأحمر قبالة الساحل الغربي للمملكة؟! بدأت أجمع مقاطع الفيديو، ودار بيني وبين Paul Maley عدة نقاشات بهذا الصدد. كان من المهم معرفة موقع الشخص الذي صور الحدث، والجهة في السماء التي ظهر فيها القمر الصناعي، ولحسن الحظ، كان معظم المصورين يذكرون المنطقة وقليل منهم يذكر الجهة، ولكن ظهور القمر (قمرنا الطبيعي الجميل) -الذي كان يقع في جهة الشرق في ذلك الوقت- في الصور دل على أن القمر الصناعي الذي كان يسير من الغرب إلى الشرق استطاع الوصول إلى جهة الشرق بالنسبة لغرب السعودية، إذا لم يقع القمر الصناعي في البحر الأحمر، ولا حتى في غرب السعودية، فهو إما وقع في وسطها أو شرقها أو أنه استطاع الإكمال وسقط في سلطنة عمان أو المحيط الهندي. وحيث أنه لم ترد أي تقارير لا من سلطنة عمان ولا من الإمارات عن رؤية جرم ملتهب في السماء فهذا يعني قطعا أن القمر الصناعي في الواقع سقط فوق السعودية.

 إن تحليل النتائج أعلاه يحتاج إلى برنامج حاسوب يقوم برسم مسار القمر الصناعي فوق الأرض بشكل تفصيلي، بحيث يبين أسماء المدن ومسار القمر الصناعي بالنسبة لها، وعلى الرغم من أنه عندي أكثر من خمسة برامج متخصصة لرصد الأقمار الصناعية إلا أن أيا منها لا توجد فيه هذه الميزة! بحثت كثيرا وطويلا عن برنامج فلكي متخصص في رصد الأقمار الصناعية فيه هذه الميزة، ولم أجدها إلا في موقع واحد على الإنترنت ووجدتها في برنامج متخصص وصفه يفوق الخيال! فأما بالنسبة للموقع فالتعامل معه أحيانا صعب وممل مما قد يفقد الشخص أعصابه! فكان البرنامج هو الحل الأمثل.

 نعم البرنامج! وصلنا الآن إلى بيت القصيد! البرنامج! هو برنامج بحق خيالي، مليء بالميزات والخيارات التي في الواقع لا يلزمني إلا عشرها أو أقل! هو برنامج مخصص للمتخصصين والشركات الكبرى، فوكالة ناسا من ضمن الشركات التي تستخدمه مثلا! وهو مخصص لشركات الدفاع أو الملاحة الجوية أو الفلكيين وغيرهم! هو برنامج كبير وشامل! لزمني من الوقت أكثر من حوالي ثلاث ساعات حتى استطعت تشغيل البرنامج وعرض مسار القمر الصناعي! أعجبني! فتنت بالبرنامج!! كل ما أريده موجود فيه! وبالمناسبة لا أريد الكثير! كل ما أريده برنامج يعرض مسار القمر الصناعي فوق خريطة تفصيلية أنا أتحكم بمساحتها فتارة أريد أن أرى المنظر من بعيد وتارة أريد أن أرى التفاصيل، ومن المهم جدا أن يظهر على الخريطة المناطق التي ترى القمر الصناعي الآن (Satellite Footprint)! البرنامج فيه كل ذلك بل حتى فيه إضافة لم تخطر على بالي من قبل، وهو أنه لا يعرض الـ (Satellite Footprint) على شكل دائرة واحدة فقط! بل يمكنه رسم عدة دوائر، كل واحدة تبين ارتفاع القمر الصناعي عن الأفق في تلك المنطقة! للوهلة الأولى لم أكترث لهذه الميزة، ولكن أدركت لاحقا أنها غاية في الأهمية! فتبين لي أن جزءا كبيرا من الدائرة هي لمناطق يكون فيها ارتفاع القمر الصناعي عن الأفق أقل من 10 درجات، وهذه المناطق على الأغلب لن ترى القمر الصناعي وقت دخوله الغلاف الجوي! وسأعرض ذلك لاحقا.

 هذه كله جميل! أما الكلام غير الجميل، هو أن البرنامج ليس مجانيا تماما! بل إنه حتى لا يعمل إلا بعد الحصول على رخصة (License File) تؤخذ من الموقع وتنتهي بعد 7 أيام. فهمت من الموقع أنه يمكن اختيار إحدى النسخ البسيطة من البرنامج وتكون مجانية، لم أكترث كثيرا بالموضوع، إلا أن انتهت الأيام السبعة! راسلت الشركة! ولكن لا جواب! راسلتهم مرة أخرى ولكن أيضا لا جواب! على الرغم من وصول إشعار بأن رسالتي قرأت! ما الحل!؟ لا أريد العودة إلى الوراء! بدأت البحث عن بديل! بل حتى بدأت البحث في جميع الاتجاهات التي قد تخطر في بال أي أحد! فشلت جميعها بعد مرور حوالي ثلاثة أيام! بعد تحميل أكثر من عشرة برامج، لم أجد أي برنامج فيه هذه الميزة الهامة التي أريدها! وكذلك لم أستطع الحصول على البرنامج لا بطرق شرعية ولا غير شرعية! لم ترد على الشركة! نعم لقد أهملوني! هذا هو موقعهم وبرنامجهم (http://www.agi.com).

 إذا!؟ ما العمل! سردت القصة على زميلي سامح العشي، وقلت له مازحا: “والله شكله مافي حل إلا أنا أعمل برنامج” في الواقع قلتها بقصد الدعابة فقط! وبقيت على أمل أن ترد علي الشركة! ولكنها لم ترد! قلت في نفسي هل عمل البرنامج هو السبيل الوحيد!!؟ نعم إنني أعرف عدة لغات برمجة، ولكن بكل صدق وأمانة الموضوع أكبر مني بكثير! فالعائق الأول أنني لا أعرف كيف أربط خريطة العالم متغيرة الأبعاد مع لغة البرمجة المفضلة عندي! كما أنني لا أفقه شيئا في حساب مدار الأقمار الصناعية! نعم إنني أرصدها ولكن لا أحسبها! البرامج التي أستخدمها هي التي تحسبها! الموضوع أشبه عندي بتعلم اللغة الصينية! فكل ما أعرفه في القصة هي العناصر المدارية للقمر الصناعي! فلحساب مواعيد مرور أي قمر صناعي، يجب الحصول أولا على شيء يسمى بالعناصر المدارية وهي قيم تعبر عن وضعية القمر في مداره، وهذه متوفرة بسهولة على شبكة الإنترنت، وبمجرد إدخال هذه العناصر المدارية لأي برنامج متخصص يقوم هو برسم مدار القمر الصناعي أو تحديد موقعة في السماء بالنسبة للراصد! فخبرتي تنحصر بمعرفة العناصر المدارية ومن ثم قراءة النتائج! أما طبيعة الحسابات التي تحول العناصر المدارية إلى إحداثيات سماوية معروفة فهي عبارة عن صندوق مغلق مبهم بالنسبة لي!

 فجأة وبدون مقدمات قبلت التحدي! وقررت المضي قدما بعمل البرنامج، مهيئا نفسي لقبول الخسارة والخروج بروح رياضية! أمامي تحديان؛ الأول عرض خارطة العالم متغيرة الأبعاد في البرنامج ورسم نقطة عليها في إحداثيات معينة، والتحدي الثاني هو باختصار حساب موقع القمر الصناعي حول الأرض في أي لحظة بمجرد إدخال العناصر المدارية! لا أعرف أيهما أكثر تحديا من الآخر، فاحتمالية الفشل كانت عندي أعلى من النجاح طيلة الوقت! بدأت بتحدي الخريطة، ظننت الموضوع بسيطا، وهو ببساطة إدخال خارطة Google Maps في البرنامج! الكلام يبدو سخيفا وسهلا، ولكن التطبيق كان أعقد بكثير مما تخيلت! أجبرت على تعلم أساسيات لغة برمجة جديدة لا أعرفها، وأجبرت على الغوص في أعماق البرمجة وربط الخارطة مع البرنامج! كان تحديا رائعا وجميلا! وما إن أنتهي من عقبة إلا وبرزت عقبات! هناك بعض العقبات التي تبدو غاية في السخافة ولكن حلها استلزم ثلاث أو أربع ساعات أحيانا! ولكن طعم النصر جميل! وهكذا توالت حل الإشكاليات إلا أن وصلت إلى مرحلة حمدت الله حينها على أن يسر حل المشكلة الأولى.

 انتقلت بعدها إلى تحدي الحسابات الفلكية، وجعلت تحدي الحسابات الفلكية ثانيا لأنني ظننته الأسهل، ولكن تبين لي أن الموضوع أكبر بكثير مما تخيلت! فالحصول على حسابات دقيقة للأقمار الصناعية ليس بتلك الصورة التي قد تخطر بالبال! بدأت بالبحث والقراءة، وتعلمت الكثير، ووجدت الحسابات وبدأت بتطبيقها، ولكن بعد يومين لم تنجح الحسابات وكانت النتائج خاطئة! حاولت ثم حاولت ولكن بقي الفشل هو المصير! راجعت المعادلات حوالي خمس مرات ولم أجد أي خطأ ولكن النتائج خطأ. كان أمامي حلان؛ فإما أن استسلم أو أن أحاول إيجاد شرح آخر للمعادلات! بدأت أشعر بالإحباط! ولكن قررت البحث عن معادلات أخرى! وبعد يوم وجدتها! ولكنها معادلات عملاقة! وتحتاج إلى برمجة أكبر وهي مكتوبة بلغة أخرى غير التي أبرمج بها، ولكني أعرفها أيضا! بدأت بالتحويل وإعادة البرمجة، وكنت متأكدا أنها لن تنجح! فالأبسط منها لم ينجح! وهذه معادلات مهولة! على كل حال بدأت بالبرمجة الثانية، وبعد يومين انتهيت من البرمجة… وكما توقعت… النتائج خاطئة! لم أتفاجأ بل كنت سأتفاجأ إن حصل العكس! أخذت أراجعها ولم أجد الخطأ! بدأت أشعر باليأس نوعا ما.

 نحن الآن في يوم السبت 15 فبراير! وفي هذا اليوم كنت أتابع قمرا سيقع على الأرض في اليوم التالي: الأحد 16 فبراير، وكانت التقديرات تشير إلى أنه سيسقط بعيدا عنا، ولكنه سيمر فوق السعودية في نهاية حياته، وكان مروره فوق السعودية بعيدا عن موعد السقوط المتوقع بمقدار ساعة تقريبا ولكنه ضمن نطاق الخطأ المتوقع أصلا! لم أهتم كثيرا بالموضوع، وهذا خطأ! وفي صباح يوم الأحد قرأت تقريرا فلكيا مقتضبا أنه سقط فوق السعودية، وأيضا لم أهتم كثيرا بالموضوع لأنني كنت على عجلة من أمري وكنت أقود السيارة. وما هي إلا سويعات، وإذ بالزميل إبراهيم الحذيفي يقول برسالة لي: “جرم سماوي على شكل كرة يحترق في سماء المملكة… فجرا”. في الحقيقة ابتسمت لأننا هذه المرة كنا نتابع القمر الصناعي! قرأت الخبر الذي أرسله الأخ إبراهيم وإذ به ينص على أن شهود عيان من حائل والمدينة ورابغ وغيرها شاهدوا جسما محترقا يتحرك من الشمال إلى الجنوب في الساعة 01:40 فجرا بتوقيت غرينتش! هذه المرة لن نحتاج وقتا لأننا نعلم أين سنجد المعلومة، تأكدت ووجدت أن هناك تقريرا يشير إلى أن القمر الصناعي سقط على الأرض الساعة 01:40 أيضا! أي أنه تطابق كامل بين الحسابات وبين ما تمت مشاهدته.  أرسلت للأخ إبراهيم التفاصيل وكتبها في الخبر التالي: (http://sabq.org/Y5Rfde).

 وخلال ذلك اليوم أرسلت الخبر لبعض الأصدقاء الفلكيين، وتفاجأت من ردة الفعل! راسلني علماء كبار متخصصون بموضوع الأقمار الصناعية من ألمانيا وأمريكا وطلبوا مزيدا من التفاصيل، وكانت ردة فعل المواطنين في السعودية مشجعة على الاهتمام بالموضوع أكثر. كان يوما حافلا بمعنى الكلمة، لم أهدأ خلاله! ومما أثار الموضوع إلى أقصى حد أن أصحاب القمر الصناعي أنفسهم وهم وزارة الدفاع الروسية لم تكن تعلم أين وقع قمرها، بل صرح مسؤولون فيها تصريحات خاطئة عن موعد ومكان سقوط القمر الصناعي! مما أربك معظم المهتمين! ولكنني كنت أنظر للإرباك بنظرة مختلفة! فهكذا كان شعوري عندما سقط القمر الأول! تضارب واختلاف! ولم أكن أعلم أيهما الأصدق والأصوب! ولكن هذه المرة كنت أعلم! وكنت أعلم أن تصريحات وزارة الدفاع الروسية خطأ! ولكن تفاقم هذا الإرباك إلا أن وصل إلى صحيفة الإندبندنت البريطانية التي أشارت إلى التضارب وأشارت إلى تصريح الروس وإلى تصريحنا نحن ومشاهدتنا لسقوط القمر فوق السعودية، وذلك على الموقع التالي:

http://www.independent.co.uk/news/science/russian-satellite-kosmos1220-burned-up-in-atmosphere-claims-defence-ministry-official-9133157.html

 وفي المساء رأيت الحيرة على وجوه فلكيين كبار، فكتب أحدهم وهو عالم فلك ألماني مشهور على صفحته في الفيسبوك: ساعدوني! أين ومتى وقع القمر الصناعي وأشار إلى عدة مراجع متضاربة! فما هي إلا دقائق إلا وأجابه متخصصون في الأقمار الصناعية وأشاروا إليه بالمرجع الصحيح والدقيق وهو نفس المرجع الذي نعتمد عليه، والذي صرح بوضوح أن القمر وقع الساعة 01:40 بالتوقيت العالمي فوق السعودية! على أية حال نحن بالذات في هذه الحالة لسنا بحاجة لمن يقول لنا أين سقط! فنحن شاهدناه فعلا وهو يسقط ونحن من يفترض أن يخبر العالم أين سقط! وعلى الرغم من هذا كله ضرب موقع العربية نت الحائط بكل هذه الحقائق والخبرات ونشر خبرا هزيلا حول الموضوع على الرابط التالي: (http://bit.ly/1dL1syq ).

 هل نسيتم أين وصلت في البرنامج!؟ كنت قد بدأت باليأس! ولكن أحداث هذا اليوم كانت حافزا كبيرا لي، فتحمست قليلا، وراجعت البرنامج مرة أخرى، ولكن أيضا لم أجد مشكلة! لا أريد أن أكون يؤوسا ولكن أريد أن أكون واقعيا! يبدو أنه لا أمل، وعلي أن أرضى بالواقع! وأن استخدم برنامجا بديلا! فلن ينهار العلم إن لم ينجح البرنامج!! أمهلت نفسي ساعتين نهائيتين أراجع فيهما البرنامج مرة أخيرة، وبعدها سأغلق الملف نهائيا! وبعد 10 دقائق فقط! وجدت الخطأ وأصلحته، جربت البرنامج، ولم أصدق!!!! الأرقام صحيحة! كانت فرحة كبيرة جدا! تأكدت أكثر وأكثر، وكل الأرقام صحيحة لعدة أقمار صناعية وفي عدة أوقات. الحمد لله!

 وصلنا الآن إلى يوم الثلاثاء 18 فبراير! لم تبق مشاكل حقيقية، وبقيت رتوش على البرنامج! ورويدا رويدا بدأ البرنامج يرى النور وتشرق بسمته البهية! وفي مساء ذلك اليوم وبينما كنت أقوم باللمسات الأخيرة على البرنامج، كنت أتابع أحد الأقمار الصناعية التي ستقع على الأرض في ذلك اليوم، وإذ بآخر تحديث يشير إلى أنه سيمر أيضا فوق السعودية في نهاياته! كانت فرصة رائعة لأجرب برنامجي! أحضرت العناصر المدارية من الإنترنت، وأدخلتها إلى البرنامج! ورسم موقع القمر، والأماكن التي تراه! وفيما يلي وضعية القمر يوم الأربعاء 19 فبراير الساعة 00:17 بالتوقيت العالمي. المناطق الواقعة داخل الدائرة الحمراء هي التي تشاهد القمر في ذلك الوقت، والأماكن داخل الدائرة الزرقاء سيكون ارتفاع القمر فيها أكثر من 10 درجات عن الأفق، والأماكن داخل الدائرة الخضراء، سيكون ارتفاع القمر فيها أكثر من 20 درجات عن الأفق! بالمناسبة عندما شرعت بعمل البرنامج، قلت لنفسي قد لا أتمكن من عمل كل شيء أريده، فعلى الأغلب لن أتمكن من رسم عدة دوائر للمناطق التي تشاهد القمر، وستبقى هذه ميزة حسرة في قلبي! ولكن سبحان الله، فقد كان هذا الأمر تحديدا أبسط مما تخيلت، ولله الحمد.

 الصورة التالية، صورة مكبرة تظهر موقع القمر بالنسبة للمدن السعودية المختلفة.

 أردت أن أتأكد مرة أخرى من دقة البرنامج، فكبرت الخارطة أكثر لأرى أطراف الدائرة الحمراء، فوجدتها على حدود الرياض وبريدة شرقا، وبالكاد تلامس جنوب سيناء شمالا، وقارنتها مع أحد المواقع المعتبرة فكانت الصور أدناه، والتي تبين التطابق الكامل بين نتائج برنامجي وبين نتائج المواقع المتخصصة المعتبرة.

ونظرا لما لمسناه من رغبة الكثيرين بمتابعة مواعيد سقوط الأقمار الصناعية على الأرض، ومعرفتهم لها مسبقا، فقد بدأنا بنشر هذه المواعيد على حسابنا على تويتر icoproject@

 ختاما لا أملك إلا أن أحمد الله وأشكره على فضله في إتمام هذا البرنامج، فما كان توفيقي إلا بالله، وأتقدم بالشكر الجزيل لصحيفة سبق وأخص بالذكر الأستاذ إبراهيم الحذيفي على اهتمامهم بالشؤون العلمية وتعاونهم معنا، ولا يفوتني أن أتقدم بعظيم الشكر لزوجتي العزيزة التي انشغلت عنها خلال الشهر الماضي. كما لا يسعني إلا أن أتقدم من شركة AGI التي أهملتني بجزيل الشكر والامتنان، فكثيرة جدا هي الأشياء التي تعلمتها خلال هذه التجربة، وهي بحق أكثر بكثير من أن أحصيها في عجالة هنا، فهناك العديد من الأمور التي كنت أجهلها وكنت أتمنى معرفتها، فجاءت هذه الفرصة لأتعلم الكثير. فلولا تجاهلهم وإهمالهم لي لما غصت في أعماق البرمجة ولا في أعماق الحسابات الفلكية للأقمار الصناعية وغيرها من الأمور الكثيرة. وصدق الله تعالى القائل: “فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا”.

ديسمبر
24

تكنولوجيا الفضاء تقيس تقدم الأمة

خلال الأسابيع القليلة الماضية، حدثت عدة تطورات مثيرة للإعجاب في عالم تكنولوجيا الفضاء، ربما كان أبرزها إطلاق الهند لمركبة فضائية إلى المريخ، تلاها إطلاق الصين لرحلة روبوتية إلى القمر، ووضع الإمارات العربية المتحدة القمر الصناعيّ دبي سات- 2 في مداره بواسطة صاروخ روسيّ.

في العام الماضي، ومع امتلاك الإمارات العربية لثلاثة أقمار صناعية تدور حول كوكبنا (دبي سات-1، ياه سات-A1 وياه سات-B1)، كتبت مقالاً للتأكيد على أهمية الأقمار في حياتنا وفي مجال الاستراتيجية الوطنية. لقد بدأ سباق الفضاء في عام 1957 عندما أطلق السوفييت بنجاح أول قمر صناعيّ في التاريخ، فاعتبره الأمريكيون خطوة قوية للغاية تصدّوا لها بإنشاء وكالة الفضاء “ناسا”، وتجديد المناهج الدراسية الخاصة بالرياضيات والعلوم، وبذل جهد وطنيّ متعدّد التخصصات، وأدّى ذلك كلّه إلى نجاحهم في الوصول للقمر والهبوط على سطحه في أقلّ من 12 عاماّ.

وبالمثل، وفي حين أن الهند متواجدة في الفضاء منذ 40 عاما تقريبا، تطلق الصواريخ وتضع الأقمار الصناعية في مدارات مختلفة، فإنّ بعثتها إلى المريخ تجعلها بين قلّة مختارة من الدول على وجه الأرض وتبعث برسالة إلى الجميع (داخل البلاد وخارجها) مفادها أنّ الهند الآن أمة متقدمة للغاية، تقنياً وعلمياً. وقد سألني بعض طلبتي: ما الذي يجعل الهند تنفق عشرات أو مئات الملايين من الدولارات في مهمّة لن تجلب لها فائدة ملموسة، في حين أن لديها الملايين من الفقراء لتطعمهم؟ وقد أجبت أن الهند تريد أن تنظر للمستقبل وتسير قدماً وتضع أهدافاً عُليا لشعبها.

ويجدر بنا أن نذكّر بأنّ الهند أرسلت قبل بضع سنوات مركبة فضائية إلى القمر، شاندرايان-1، ووجدت الماء هناك، وربما كان ذلك أوّل تأكيد حقيقيّ لوجوده على القمر. كما أعلنت أيضاً عزمها على تطوير برنامج لرحلات فضائية مأهولة في غضون السنوات القليلة القادمة.

وبالإضافة إلى مجموعتها الخاصة من الأقمار الصناعية، للاستشعار عن بعد عالي الدقة ومختلف التطبيقات الأخرى، أصبح للهند مشروع فضائيّ تجاريّ رئيسيّ، يطلق الأقمار الصناعية، بل أحياناً عدة أقمار في آن، لصالح الدول الأقل تطوّرا، بما في ذلك بعض الدول العربية. ولديها أيضا برنامج تعليميّ قويّ مرتبط بأهداف برنامجها الفضائيّ ، مثل “Stud-Sat” (القمر الصناعيّ للطلاب)، والذي تم بناؤه من قبل طلاب الهندسة في جامعات بنجالورو و حيدر أباد.

وقد وعت الإمارات العربية المتحدة أيضاً أهمية تطوير برنامج للفضاء فكان بناء الأقمار سالفة الذكر باعتماد من المالية الإماراتية و(جزئياً على الأقل) بمساهمة الكفاءات الإماراتية، وهذا بحدّ ذاته مسعى نبيل للتنمية البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن الأقمار “دبي سات” و “ياه سات” توفّر بيانات مهمة، وهو هدف كبير آخر من أهداف البرنامج. وربما في المستقبل القريب، سيتم تطوير قدرات إطلاق وطنية، كما فعلت دول أخرى في المنطقة.

لقد كان العراق أول دولة عربية تطلق قمراً صناعياً (في ديسمبر 1989)، لتصبح الدولة العاشرة في العالم في وضع قمر صناعيّ لها حول الأرض. وفيما بعد، تمّ إطلاق أقمار لصالح دول عربية، وكانت أغراضها تركّز إلى حد كبير على الاستشعار عن بعد، ومثال ذلك المغرب (Maroc-Tubsat ، الذي أُطلق في ديسمبر 2001)، والجزائر (مع قمرها ألسات-1، الذي أطلق في نوفمبر 2002)، أو شبكات الاتصال، كمثل أقمار ثريّا للإمارات العربية (التي بنتها شركة بوينغ، وكان أول إطلاق لها في أكتوبر 2000، والثاني في يناير 2003).

أمّا إقليميا، ولعدد من السنوات الآن، فقد طوّرت إيران برامج فضائية في اتجاهين متكاملين: بناء أقمار صناعية محلية الصنع وتطوير تكنولوجيا الصواريخ التي يمكنها وضع الأقمار بدقة في مدار ما. وقد نجحت إيران قبل بضعة سنوات في القيام بكلا المهمتين، وقبل بضعة أشهر أعلنت عن إنشاء مركز فضاء جديد يمكنه، من بين أمور أخرى، تتبّع أي “أجسام” تمرّ فوق البلاد. وبعد فترة وجيزة أرسلت قرداً إلى الفضاء (القريب) وكان هذا في الربيع الماضي، وقد أعلنت أنها تخطط لإرسال بشر للفضاء بحلول عام 2018.

أخيرا، وعلى مدى عقود، صارت إسرائيل قوة فضائية، فقد أطلقت عشرات من الأقمار الصناعية، ولا يعرف عددها بدقة، حيث أنّ كثيراً منها “سرّيّ للغاية”… ولكنّ الأهمّ من ذلك، أنها ذات زعامة معترف بها في عدة مجالات لتكنولوجيا الفضاء، مثل الأقمار الصناعية الأصغر (“أقمار النانو”) والبعثات الفضائية الروبوتية. وتأمل إسرائيل في أن تنزل مركبة فضائية صغيرة على سطح القمر في العام المقبل. كما أنها وضعت برامج تعليمية متطوّرة ترتبط بمشاريعها الفضائية.

قبل عامين، عقدت لجنة العلوم والفضاء والتكنولوجيا في الكونغرس الأميركي جلسة لمناقشة وضع برنامج الفضاء الأمريكي. وقد قدّم أوّل الذين مشوا على سطح القمر وآخرهم، نيل أرمسترونغ ويوجين سيرنان، وجهتي نظرهما. قال “سيرنان” بوضوح وبلاغة : “إن برنامج الفضاء هو استثمار في المستقبل، استثمار في التكنولوجيا، وفي فرص العمل، وفي التقدير الدوليّ وفي الريادة السياسية، وربما الأهمّ هو أنه استثمار في إلهام شبابنا وتعليمهم. الآن هو الوقت المناسب لنكون جريئين ومبتكرين وحكيمين في كيفية الاستثمار في مستقبل أمريكا. الآن هو الوقت المناسب لإعادة التأكيد على التزام أمّتنا بالتميّز. إنّ الموضوع ليس في الفضاء ذاته، بل هو في الدولة نفسها”.

ذلك هو ملخّص ما تنطوي عليه برامج الفضاء: قدرة تكنولوجية عالية، وأهداف تعليمية عظيمة، واقتصاد قائم على المعرفة والعلوم، ورؤية استراتيجية كبرى…

ترجمة أ. بسمة ذياب

ديسمبر
05

كتاب: “براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه”

يعلم الجميع أن علاقة القرآن الكريم ، بالكشوف العلمية الحديثة، علاقة شائكة!

ومثلما نرى انجرافاً واسع النطاق في دعم إيجابيات هذه العلاقة، منها القليل الرصين، والكثير المتهافت (حاولت الرد على بعضها على هذا الرابط)

إلا أن هناك أيضاً معارضة سلبية متفاوتة: [من التردد، إلى التوجس، إلى الشك، إلى الامتعاض، إلى النقد، إلى الاستخفاف، إلى الانتقاص، إلى المعاندة، إلى الجحود، إلى التجريح، إلى الإفشال، ووصولاً إلى الحرب المعلنة!]

وفي سعيي للرد على هذه المعارضة السلبية، وعلى كل نطاقات هذا الطيف الممتد، وضعت كتاباً بعنوان:  “براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه”

وأعرض الكتاب الآن فصولاً متتابعة ومتصاعدة على درجة السلبية، على هذا الرابط. وذلك قبل نشره، .. لعل من يكون له خبرة وحنكة بالمادة المعروضة، أن يكون له اعتراض وجيه، أو ملاحظة مفيدة، فآخذهما بالاعتبار.

وهنا تجدون الفهرس الحالي للكتاب، إلا أن الروابط الشاغرة ستضاف إليه قريباً – إن شاء الله تعالى- مع تجهيزها على الفهرس المحدّث على المدونة، وذلك لمن له رغبه في مدوامة الاطلاع.

الفهـــرس

       التمــــــهيد

       المقدمـــــــــــة

(أ) المدرسة الوسطية:

       (أ1) أبو حيان الأندلسي

       (أ2) محمد عبدالله دراز

       (أ3) محمد متولي الشعراوي

       (أ4) محمود شلتوت

       (أ5) يوسف القرضاوي

       (أ6) محمد رشيد رضا

       (أ7) سيد قطب

       (أ8) بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن)

       (أ9)  أبو إسحاق الشاطبي

       (أ10) محمد حسين الذهبي

       (أ11) محمود محمد شاكر

       (أ12) أمين الخولي

       (أ13) عباس محمود العقاد

       (أ14) زكي نجيب محمود

       (أ15) شوقي ضيف

       (أ16) أحمد محمود صبحي

       (أ17) محمد عزة دروزة

       (أ18) طه جابر العلواني

       (أ19) عبدالمجيد عبدالسلام المحتسب

       (أ20) محمد الصادق عرجون

       (أ21) محمد لطفي الصباغ

       (أ22) محمد فريد وجدي

       (أ23) أبو عبد المعز

 المدرسة السلفية:   

        (ب1) عبدالعزيز بن باز

        (ب2) محمد بن صالح العثيمين

        (ب3) صالح الفوزان

        (ب4) مساعد بن سليمان الطيار

        (ب5) سعود بن عبدالعزيز العريفي

        (ب6) عبدالله الأهدل

المدرسة الإصلاحية:   

        (ج1) جمال الدين الأفغاني

        (ج2) محمد عبده

المدرسة الفلسفية الصوفية:   

        (د1) محمد إقبال

        (د2) ظفر إسحاق أنصاري

        (د3) سيد حسين نصر

        (د4) عبد الكريم سروش

(هـالمدرسة الفلسفية العلموية:

        (هـ1) عبدالوهاب المسيري

        (هـ2) عادل ضاهر

        (هـ3) أبو يعرب المرزوقي

        (هـ4) رضوان السيد

        (هـ5) محمد أبو القاسم حاج حمد

        (هـ6) أحميدة النيفر

        (هـ7) محمد البغدادي

المدرسة العلموية:       

        (و1) رشدي راشد

        (و2) نِضال قَسُّوم

        (و3) برويز هوودبهوي

        (و4) عبد الحق برونو كيدردوني

المدرسة الثقافية:

        (ز1) حسام تمام

        (ز2) الحسن مصباح

       (ز3) علي أسعد

        (ز4) معتز الخطيب

        (ز5) عبدالرحمن حللي

        (ز6) محمد رضا محرم

المدرسة العلمانية:     

        (ح1) مراد وهبه

        (ح2) نصر حامد أبو زيد

        (ح3) عزيز محمد أبوخلف

        (ح4) محمد كامل حسين

        (ح5) طه حسين

        (ح6) محمد أحمد خلف الله

        (ح7) محمد أركون

        (ح8) محمد عابد الجابري

        (ح9) حسن حنفي

(ط) المدرسة الرعناء:       

        (ط1) خالد منتصر

        (ط2) كامل النجار

        (ط3) جواد البشيتي

        (ط4) عايد سعيد السراج

        (ط5) أحمد القاضي

المراجع

وأُذكِّر أنه، من شاء أن يتابع ما يطرأ من تحديث على فهرس الكتاب وروابط الفصول، فسوف يجده هنا الفهرس المُحَدَّث.

نوفمبر
14

تقويم أم القرى «العلماني»!

يبدأ «اليوم» في التقويم «القمري» أو «العربي»، أو «الإسلامي» بغروب شمس اليوم السابق وينتهي بغروبها في الغد. ويبدأ «الشهر» فيه بغروب القمر بعد غروب الشمس في أول ليلة من الشهر وينتهي بغروبه بعد غروبها في آخر يوم منه.

والمشكل في تحديد بداية الشهر في هذا التقويم صعوبة التحقق من غروب القمر بعد غروب الشمس. ذلك أنه يَلزم عن إمكان غروب القمر قبل غروب الشمس، أو قبيل غروبها، أو معها، أو بعدها بقليل أو كثير التأكدُ من توقيت الغروبين ليبدأ الشهر الجديد أو ليكون اليوم التالي إكمالا للشهر السابق.

وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم بداية شهر رمضان ونهايته بأن يشهد بعض المسلمين برؤية الهلال بعد غروب الشمس رؤية صحيحة، وهي الطريقةُ الطبيعية المباشرة المتوفرة لعامة المسلمين. ويرافق استخدام هذه الطريقة منذ صدر الإسلام إلى الآن كثير من النقاش عن صحة رؤية الشهود من عدمها.

وألجأ ذلك بعضَ المسلمين قديما إلى الاستعانة بالحساب الفلكي لرصد الهلال بعد غروب الشمس. وأنجز علماء الفلك المسلمون القدماء تقاويم حسابية دقيقة حددوا فيها بدايات الأشهر القمرية. لكن أكثر الفقهاء ظلوا يرفضون هذا الخيار حتى الوقت الحاضر.

ومن المحاولات الحديثة لتحديد بداية الشهر الهجري تقويمُ أم القرى، المعتمد في المملكة. وهو يعتمد على إحداثيات الكعبة المشرفة. والغرض منه أن يكون تقويما لتسيير الأعمال الحكومية، كاحتساب سنوات التوظيف، وصرف الرواتب، والتقاعد وغير ذلك. وقد مر بأطوار متعددة حتى استقر أخيرا على الاعتماد على معيارين، هما: -1 أن يحدث الاقتران قبل غروب الشمس عن أفق مكة المكرمة، و-2 أن يمكث القمر في أفق مكة المكرمة بعد غروب الشمس ولو للحظات.

ويوصف هذا التقويم بأنه «هجري» لأنه يحدد أوائل الأشهر القمرية الهجرية ونهاياتها للأغراض الحكومية السابقة، ويُنسب إلى مكة المكرمة لإضفاء ما يُشبه القداسة عليه. ومع هذا يوصف بأنه «مدني»، أي أنه يحدد بداية الأشهر القمرية بالحساب الفلكي لا الرؤية، ولا يُستخدم لتحديد بدايات أشهر العبادات الموسمية ولا نهاياتها ولا المناسبات الدينية عموما. لكنه يعتمد، من ناحية أخرى، في توقيت مواعيد الصلوات في مدن المملكة.

واللافت للنظر أن الهيئات الدينية الرسمية في بلادنا لم تعترض على الطريقة التي يُدخِل بها هذا التقويم الأشهر الهجرية باستخدام الحساب الفلكي! وربما تَعتذر عن ذلك بعدم استخدامه في إهلال أشهر العبادات الموسمية وكفى. لكن هناك كثيرا من المعاملات التي تؤكد النصوص الكريمة على تواريخها كعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها وصيام عاشوراء وصيام الأيام البيض، وهي كلها تُحتسب الآن بهذا التقويم «المدني»!

ويمكن أن تنشأ مشكلات عدة أخرى عن تقويم أم القرى. ومنها أنه يبدو أن المحكمة العليا لا تستقبل من يتقدم بالشهادة لرؤية الهلال إلا إن قال هذا التقويم إنه سيكون في ليلة الترائي فوق الأفق. وهذا الأفق هو أفق مكة المكرمة، لكن المبادرين بالشهادة برؤية الهلال يأتون دائما من المنطقة الوسطى التي ربما يكون الهلال الذي يبقى بعد غروب الشمس في أفق مكة المكرمة قد غرب فيها. ولا يبدو أن المحكمة الموقرة تقيم اعتبارا لهذا الوضع. وهي تصدر قراراتها وكأن أفق مكة المكرمة أفقٌ للمملكة كلها. ويفاقم هذه المشكلة رأي الشيخ عبد الله بن منيع، عضو هيئة كبار العلماء، بأن الله سبحانه وتعالى ربما ميز بعض الناس بقدرات بصرية تفوق قدرات غيرهم، وهو ما يجعل المحكمة العليا تقبل شهادات المبادرين بالشهادة لأن الهلال «فوق الأفق»(!)، ولأن هؤلاء «شهود عدول»، ويتفوقون على الناس بقوة أبصارهم!

ويُدخٍل هذا التقويم الأشهر القمرية بطريقة متسرعة أحيانا إعمالا لمعياره الثاني. وهذا ما حدث في إدخاله شهر محرم 1435 هـ. ويقول الدكتور حسن باصرة، أستاذ الفلك في جامعة الملك عبدالعزيز، في تدوينة نشرها المشروع الإسلامي لرصد الأهلة في1435/1/7 هـ، عن ذلك: «يشير غروب الشمس وهي في حالة كسوف جزئي إلى أن جزءا من القمر كان أمام الشمس وأنهما غربا سويا (بتفاوت بسيط بين مركزي قرصيهما) أي أن الحافة السفلى لقرص القمر التي تمثل الهلال المطلوب ترائيه لدخول الشهر (كانت) تحت الأفق قبل غروب قرص الشمس تماما، مما يؤكد عدم وجود هلال للترائي على الأفق الغربي وأن يوم الإثنين مكمل لشهر ذي الحجة».

ويعني هذا كله أنه لا يصح أن يسمى تقويم أم القرى تقويما «هجريا» لأنه لا يُدخل الشهر بالطريقة المنصوص عليها شرعا. فهو «تقويم مدني» بمعنى أنه غير مرتبط بالنصوص الدينية بقدر ارتباطه بالحساب الفلكي. وهو مساو في ذلك للتقويم الميلادي من حيث اعتباطية تحديده للشهر. ولا أجد حرجا في الاقتراح بأن يوصف بالتقويم «العلماني»، وهو الوصف الأقرب إلى الدقة لأنه غير معني بالجانب الشرعي في إهلال الأهلة إطلاقا!

والسؤال الأهم هو: كيف يمكن أن تقبل الهيئات الدينية الرسمية في بلادنا أن يرتبط هذا التقويم «العلماني» بأقدس مكان في الإسلام؟ وكيف ترضى به تقويما لتحديد أوقات كثير من العبادات والمعاملات الشرعية؟

وإذا أردنا أن يكون هذا التقويم «شرعيا» حقيقيا فلابد من إصلاحه كالتالي (وكنت تقدمت بهذا الاقتراح في مقال «التنسيق المستحيل»:

-1 أن يغيَّر المعيار الثاني ليحدد بداية الشهر بأن يكون ارتفاع الهلال فوق أفق مكة المكرمة بعد غروب الشمس على سبع درجات في الأقل. وهذا ضروري ليكون الهلال «فوق الأفق»، لا في مكة المكرمة وحسب، بل في المملكة كلها.

-2 أو أن يتخذ أفق الدمام مرجعا لإهلال الأهلة لوقوعها شرق المملكة، وألا يقل ارتفاعه عن ست درجات. ذلك أنه إذا مكث في أفق الدمام فترة فسيمكث حتما في المناطق التي تقع غربها أطول من تلك الفترة. أما أخذ أفق مكة المكرمة من غير أن يحدد ارتفاع الهلال بسبع درجات فيعني أنه ربما يمكث في أفق مكة لكنه يكون قد غرب عن أفق المناطق الشرقية من المملكة.
ومما يجب أن يلاحظ أن الهيئات الدينية تقول إن لكل بلد مطلعه، لكنها لم تلحظ أنها تأخذ أفق مكة المكرمة مطلعا للمناطق التي ربما يكون الهلال قد غرب فيها قبل الشمس أو معها! ذلك أن كون الهلال على درجة منخفضة في أفق مكة المكرمة، أو أنه غرب قبيل غروب الشمس، أو معها يعني أنه ربما غرب قبل غروب الشمس، أو معها، في المناطق التي تقع شرق مكة. وهو ما يعني أنه إذا صام الناس أو أفطروا بشهادة تأخذ في حسبانها غروبه عن أفق مكة المكرمة أنهم صاموا قبل دخول رمضان وأفطروا قبل انتهائه.

نوفمبر
12

إن كان للإحصاءات معنى!

أوردت في مقال سابق ما كتبه الدكتور محمد عبدالرحمن البابطين «الداعية الإسلامي والمستشار في وزارة العدل السعودية لشؤون الأهلة» عن مشاهداته لبعض من يتراءون الهلال بالعين المجردة التي يحوطها الشك مقارنة بالترائي بالمناظير الفلكية؛ حيث يكون الترائي سهلا ويقينيا. وما كتبه الدكتور البابطين ليس جديدا؛ فهو مما أشار إليه المتخصصون طويلا، واشتكوا منه، وأشرت إليه في مقالات عدة طوال السنين الماضية.

ولبيان ذلك أورد في هذا المقال الإحصاءات التي وصل إليها المهندس عدنان قاضي عن النِّسب الكبرى لعدم التوافق بين قرارات مجلس القضاء الأعلى، المكلَّف سابقا بإصدار قرارات إدخال الشهور المتصلة بالعبادات الموسمية، على مدى 50 عاما، اعتمادا على شهادة بعض المبادرين بالشهادة برؤيته، وحقيقةِ الهلال في الليالي التي يتقدمون فيها بالشهادة (عدنان قاضي: الأهلة: نظرة شمولية ودراسات فلكية. 50 عاما لأهلة رمضان وشوال وذي الحجة (1380هـ ـــ 1430هـ). ط2، 1430هـ، ص ص 210 – 218). (وأرجو أن يعذرني القارئ الكريم على إيراد النقولات الطويلة).

ومن أهم النتائج لهذه الدراسة الإحصائية الموثَّقة ما قاله المؤلف في بداية تلخيصه لتلك النتائج (ص211): «لم يحصل قط أن أظهر الحساب العلمي الفلكي أن رمضان كان من المفروض أن يدخل قبل إعلانه رسميا خلال الفترة، لقد كان أهل الرؤية دائما سباقين».

وكنت لاحظت هذه الظاهرة في كثير من المقالات التي كتبتُها عن الموضوع. ذلك أن هؤلاء «الشهود العدول» يبادرون بالشهادة برؤية الهلال في ليلة الترائي التي كان يحددها مجلس القضاء الأعلى (وما زالت المحكمة العليا تفعل ذلك) بمساء التاسع والعشرين من الشهر بغض النظر عن الحقيقة الطبيعية للهلال. وكثيرا ما يدعي أولئك الشهود رؤيته في تلك الليلة.

يقول المهندس قاضي عن إحصائياته عن دخول شهر رمضان (بتصرف):

وافقت طريقةُ الرؤية التقليدية المتبعة الحسابَ الفلكي في إعلان دخول رمضان في 6 مرات من الـ 50 مرة، أي بنسبة 12%.

* عارضتْ طريقةُ الرؤية التقليدية المتبعة الحسابَ الفلكي في إعلان دخول رمضان في 44 مرة من الـ 50 مرة، أو 88%.

* كان الهلال تحت الأفق في ليلة إعلان دخول رمضان في 28 مرة من الـ 50 مرة (56%)، وفوق الأفق في 22 مرة من الـ 50 مرة (44%)، منها 16 مرة فوق الأفق لكن ارتفاع زاوية القمر كانت أقل من المعيار المطلوب وهو خمس درجات.

* كان الهلال بعيدا تحت الأفق (4 درجات ونصف تقريبا إلى 12 درجة ونصف تقريبا) في ليلة إعلان دخول رمضان في 9 من 28 مرة (32.14%)، بحيث لابد من مضي يومين لدخول رمضان، وهذه أقصى مدة سُجلت. بينما كان هناك 19 من الـ 28 مرة (67.86%) كان الهلال تحت الأفق بحيث إنه لابد من مضي يوم آخر لدخول رمضان.

* ولد الهلال في أول يوم من رمضان (كما أُعلن) في 14 مرة من مرات التعارض الـ 44 (31.82%)؛ أي بدأ رمضان (كما أُعلن) ولم يكمل الهلال دورتَه الشهرية بيوم.

* يعتبر إعلان بدء وانتهاء رمضان 1404هـ أقصر رمضان لكل الفترة. حيث أُعلن رسميا أن يوم الجمعة 1984/6/1مم أولُ أيام رمضان، كما أُعلن رسميا أن يوم الجمعة 1984/6/29مم أولُ أيام عيد الفطر. هذا يجعل عدد أيام الصيام 28 يوما، وهو خطأ واضح. لقد كان دخول الشهر صحيحا وهو أحد السنين الست التي وافقت الرؤية البصرية الحساب الفلكي. ففي يوم الأربعاء 1984/5/30م، وبتوقيت مكة المكرمة، غرب الهلال الساعة 6 و52 دقيقة ثم غربت الشمس الساعة 6 و58 دقيقة ثم ولد هلال رمضان في الساعة 7 و49 دقيقة؛ وبالتالي من المستحيل أن يكون يوم الخميس أول رمضان. ثم أُعلن رسميا أن العيد يوم الجمعة 1984/6/29م، وهذا خطأ مركَّب. ففي ليلة العيد، وبتوقيت مكة المكرمة يوم 1984/6/28م غرب الهلال الساعة 6 و40 دقيقة ثم غربت الشمس الساعة 7 و8 دقائق. وفي صبيحة يوم 1984/6/29م ولد الهلال الساعة 6 و20 دقيقة والناس تستمع لخطبة العيد.

(وكان عبدالله الخضيري «الرائي المشهور» هو الذي تسبب في هذين الخطأين بسبب شهادته فيهما، ومن الغريب أن يكون هذان الخطآن سبب شهرته وتمتعه بثقة مجلس القضاء الأعلى وثقة المحكمة العليا بصفة مطلقة إلى الآن!).

أما عن مدى توافق الإعلان الرسمي عن هلال شهر شوال فبلغت مرات التوافق مع المعايير الفلكية 7 حالات (14%) وبلغت مرات التعارض 43 مرة (86%) وكان الهلال تحت الأفق في تلك المرات في 32 مرة، وكان فوق الأفق 18 (36%) لكنه كان أقل من المعيار المطلوب وهو 5 درجات.

ومن الحوادث المشهورة التي تسببت فيها هذه الأخطاء في الرؤية ما حدث عن إعلان بدء شوال 1389هـ، في يوم الثلاثاء 1969/12/9م. فقد كان الهلال في مساء الإثنين، 29 رمضان، بعيدا تحت الأفق (13 درجة ونصف)، وغرب الهلال قبل غروب الشمس بـ 64 دقيقة. وقد ولد الهلال الساعة 12 و43 دقيقة ظهر الثلاثاء، في أثناء ما كان الناس صائمين، وانتشرت سيارات النجدة في شوارع مكة المكرمة وجدة تخبر الناس أن اليوم عيد وعليهم الإفطار.

أما الإعلان عن بدء ذي الحجة فقد وافق المعايير الفلكية في 12 مرة (24%)، وعارضها في 38 مرة (76%)، وكان الهلال في مرات التعارض تحت الأفق في 15 مرة».

ومن أشهر حالات عدم توافق الرؤية مع المعايير الفلكية تغيير المجلس الأعلى للقضاء بداية شهر ذي الحجة 1425هـ في اليوم الرابع من الشهر بناء على ادعاء شاهدين كبيري السن أنهما رأياه في ليلة سبقت الليلة التي أعلن في البداية أنها بداية الشهر.

وحين ننظر إلى هذه الإحصاءات بمجموعها نجد أن الإعلان الرسمي لبداية الأشهر الثلاثة توافق مع المعايير الفلكية 25 مرة من 150 مرة (أقل من 17%) وربما كانت بعض حالات التوافق تلك نتيجة للصدفة المحض؛ وهو ما سيزيد من حالات الخطأ في نسبة الرؤية لو استقصي، وكان القمر تحت الأفق في 75 مرة (50%). وبلغت نسبة الخطأ الإجمالية (83% تقريبا).

واللافت للنظر أن المجلس الأعلى للقضاء سابقا، والمحكمة العليا الآن، لم يلتفتا قط إلى نسبة الخطأ العالية هذه. وكان يجب أن تلفت نظريهما، إن كان للإحصاءات معنى، وأن تجعل المسؤولين فيهما يتنبهون إلى أن «عدالة» الشهود» لا تضمن عدم وقوعهم في الخطأ والوهم برواية ما يظنون أنهم رأوه.

نوفمبر
12

لا عبرة لدخول الشهر بارتفاع الهلال أو حجمه

لقد نوه المولى عز وجل في محكم التنزيل إلى انتقال الهلال في منازله حتى يصبح في مراحلة النهائية كالعرجون القديم، وفي ذلك اشارة لآخر اطوار القمر والتي تبدأ بالهلال ونتيجة حركته التقهقرية نحو الشرق يظهر في مرحلة التربيع ثم البدر ثم التربيع الاخير واخيرا كالعرجون الذي يتبعة الاستتار الذي يتخلله الاقتران، وهو أن يكون القمر بمحاذاة الشمس تماما.

ولان مدار القمر حول الارض مائل بحوالي خمس درجات فان هذه المحاذاة غالبا لا تكون مرئية إلا في حالات كسوف الشمس حيث يكون القمر مغطيا لقرص الشمس كليا او جزئيا. وقد غربت شمس يوم الاحد 29 من شهر ذو الحجة 1434هـ الموافق 3 نوفمبر 2013م وهي في حالة كسوف جزئي شوهد في كل انحاء الجزيرة العربية وهذا ما يوضحه الشكل الذي تم تصويرة على ساحل ينبع. في الشكل يتضح ان مركز قرص الشمس سيغرب قبل مركز قرص القمر وانهما كانا متحاذيان (أي لحظة الاقتران) قبل ذلك وقد تأخر القمر إلى الأعلى (باتجاه الشرق) نتيجة حركته التقهقرية حول الأرض، ولعلني هذا الوضع افند بعض الامور الخاصة بدخول الشهور القمرية.

اولا : يشير غروب الشمس وهي في حالة كسوف جزئي إلى ان جزءً من القمر كان امام الشمس وأنهما غربا سويا (بتفاوت بسيط بين مركزي قرصيهما) أي ان الحافة السفلية لقرص القمر والتي تمثل الهلال المطلوب ترائية لدخول الشهر، اصبحت تحت الافق قبل غروب قرص الشمس تماما، مما يؤكد عدم وجود هلالا للترائي على الأفق الغربي وان يوم الاثنين مكملا لشهر ذي الحجة. 

ثانيا : نجد أنه مع غروب شمس يوم الاثنين (اي ثاني ليلة بعد الكسوف) كان قد مضى على الاقتران ما يزيد على اليوم الكامل مما اعطي القمر فرصة اكبر ليتحرك تقهقريا مبتعدا عن الشمس اكثر، وهذا ما تجلى في ارتفاع الهلال بحوالي عشر درجات ونصف كما تاخر غروبه إلى حوالي السابعة إلا ثلث.

 وهكذا إذا لم تتم رؤية هلالا كان غروبه بعد الشمس مباشرة  ووقوعه في النطاق اللامع حول الشمس فإنه سيظهر مرتفعا في الليلة التالية وفي هذا دلالة قوية وواضحة انه لا عبرة لارتفاع الهلال في التشكيك في صحة دخول الشهر وذلك كما حدث في دخول شهر المحرم من عامنا الحالي 1435هـ. واخيرا فلإمكانية رؤية الهلال هنالك عدة معاملات من اهمها: 1- ارتفاع الهلال عن الافق لحظة غروب الحافة العلوية للشمس (وعلاقته بعمر الهلال موضح في ثانيا اعلاه)، 2- ابتعاد الهلال الظاهري عن الشمس. والعلاقة بين ارتفاع الهلال عن الأفق وابتعاده عن الشمس علاقة عكسية نوعا ما.  هذا وكل عام والجميع بخير وعافية.

 

 

أكتوبر
29

ماذا نستفيد من كسوف الشمس القادم؟

يعتبر كسوف الشمس من أكثر الظواهر الفلكية إثارة بين هواة الفلك، ولطالما استخدم حتى من قبل العلماء لإجراء بعض الدراسات والتجارب، فقد استخدمه العديد من العلماء لدراسة النظرية (التي أصبحت حقيقة لاحقا) القائلة بانحراف مسار الضوء عند مروره بجانب مصدر جاذبي قوي…. وها هو كسوف الشمس على الأبواب، فما عسانا نستفيد منه؟

 أعتقد أن طلبي وأملي في الفائدة المرجوة من الكسوف متواضع جدا، وفي الواقع هما طلبان، وقد ذكرناهما قبل أيام في بيانين منفصلين أصدرهما المشروع الإسلامي لرصد الاهلة، وعلى الرغم من ذلك شعرت أنه من الأفضل أن أكتب شيئا يجمع الطلبين في مقالة واحدة، فسيكون ذلك أوضح من جهة، كما أنه سيكون أكثر توثيقا للمستقبل من جهة أخرى.

 أما الطلب الأول، فلطالما ذكرنا خلال السنوات الماضية وبينّا لبعض المسؤولين أن غروب القمر بعد الشمس بدقيقة أو دقيقتين لا يعني أن الهلال موجود في السماء بعد غروب الشمس! فالشمس والقمر عبارة عن أقراص وليس نقاط، والغروب يحسب دائما للحافة العليا لقرص الجرم السماوي (الشمس أو القمر). ومن الجدير بالذكر أن المدة التي يحتاجها القمر (أو الشمس) لغروب كامل قرصه -من خطوط العرض المعتدلة- يصل إلى حوالي دقيقتين ونصف. فإذا قلنا مثلا أن القمر يغيب بعد غروب الشمس بدقيقة واحدة فهذا يعني أن قرص القمر سيبدأ بالغروب قبل اكتمال غروب جميع قرص الشمس. ولذلك لا يمكن أن نقول أن الهلال يغيب فعليا بعد الشمس إلا إذا غاب القمر بعدها بأكثر من ثلاث دقائق، فإن غاب قبل ذلك فرؤية الهلال حينها تلحق بالمستحيلة. ولكن أين المشكلة في ذلك؟

 المشكلة تكمن في أن تقويم أم القرى السعودي يُدخل الشهر إذا حدث الاقتران قبل غروب الشمس وإذا غاب القمر بعد غروب الشمس ولو بدقيقة واحدة فقط بالنسبة لمكة المكرمة، ولذلك يجعل تقويم أم القرى رأس السنة الهجرية يوم الإثنين 04 نوفمبر 2013م، وذلك لأن القمر يغرب في مكة المكرمة يوم الأحد 03 نوفمبر بعد غروب الشمس بدقيقة واحدة. في الواقع ما كانت هذه المشكلة لتقع لو كان شرط التقويم هو أن يمكث القمر بعد غروب الشمس لمدة ثلاث دقائق على الأقل بدلا من دقيقة واحدة. والسؤال الآن ما علاقة الكسوف بهذا الموضوع!؟ والجواب هو أن ما سلف ذكره الآن حدث عدة مرات، وتقدم الأشخاص الذين اعتادوا على الشهادة برؤية الهلال حتى والرؤية غير ممكنة، وقد قبلت شهادتهم فقط لأن القمر غرب بعد الشمس بدقيقة أو دقيقتين، ومثال ذلك بداية شهر شوال لعام 1432 هـ. ولو أدرك المسؤولون حينها معنى أن يغيب القمر بعد الشمس بدقيقة أو دقيقتين لرفضوا تلك الشهادة ولما قبلوها ولما بدأنا الشهر حينها، وهذا الكسوف الآن هو فرصة لكي يرى الناس بأعينهم هذه الحقيقة وليعيها كل من لم يدركها بعد! فالشمس يوم الأحد ستغيب مكسوفة في مكة المكرمة، والقمر سيغيب حينها بعد الشمس بدقيقة، ولذلك كما ذكرنا قبل قليل جعل التقويم يوم الإثنين غرة شهر محرم.

 فالناظر إلى الأفق الغربي من مكة المكرمة وقت الغروب سيرى الشمس تغيب وقد اختفى منها جزء وأصبح باللون الأسود! وهذا الشيء الأسود هو القمر المحاق وقد غطى جزء منه جزءا من قرص الشمس! وسيرى الناس أن القمر الذي يغيب بعد الشمس بدقيقة هو في الحقيقة يغيب معها، إلا أن جزء يسيرا من حافة قرص القمر العليا ستبقى بعد الشمس لمدة دقيقة!

 إذا ما هو المطلوب؟ المطلوب هو أن يتم تعديل شرط بدء الشهر في تقويم أم القرى ليصبح الشرط أن يمكث القمر بعد غروب الشمس لمدة ثلاث دقائق على الأقل حتى ينتفي دخول الشهر والرؤية مستحيلة أحيانا. علما بأن جميع علماء الفلك المختصين في رصد الهلال يجمعون على أن رؤية الهلال غير ممكنة بل هي أقرب إلى المستحيلة إذا كان مكث القمر بعد غروب الشمس أقل من عشر دقائق، بل إن رؤيته بالعين المجردة أمر غير وارد إذا كان مكثه أقل من عشرين دقيقة، وهذا يتفق مع نتائج خبراء رصد الهلال الحقيقيين على مدى مئات السنين الخالية.

 وأما الطلب الثاني، فلقد درجت العادة عند بعض الفلكيين أن يبينوا موعد حدوث الاقتران (تولد الهلال) كموعد ثابت لا يتغير من منطقة لأخرى، وهذا غير دقيق، فموعد اقتران القمر (تولد الهلال) يختلف من منطقة لأخرى، والموعد الثابت الذي يبينه الفلكيون في العادة يسمى الاقتران المركزي، أي موعد الاقتران بالنسبة لمركز الأرض، ولكننا نحن الناس نعيش على سطح كوكب الأرض وليس في مركزه، وما يهمنا ويعنينا هو موعد الاقتران بالنسبة لنا وليس بالنسبة لمركز الأرض! ولكل منطقة على سطح الأرض موعد معين للاقتران يسمى الاقتران السطحي، ويصل أكبر فارق بين الاقتران المركزي والسطحي إلى ساعتين. ولقد بينا في غير مرة أهمية أن يعتمد الفلكيون ومعدو التقاويم موعد الاقتران السطحي وليس المركزي. لأن اعتماد موعد الاقتران المركزي لحساب بداية الشهر الهجري بالنسبة لمنطقة معينة تشوبه بعض الإشكاليات! فكما ذكرنا قبل قليل فإن تقويم أم القرى يبدأ الشهر إذا حدث الاقتران قبل غروب الشمس بالنسبة لمكة المكرمة وإذا غاب القمر بعد غروب الشمس في مكة المكرمة، إلا أن موعد الاقتران المعتمد هو الاقتران المركزي! فقد يبدأ الشهر في تقويم أم القرى لأن الاقتران المركزي قد حدث قبل غروب الشمس، ولكن في الواقع قد يحدث الاقتران السطحي (وهو الحقيقي) بعد غروب الشمس. وإضافة إلى ذلك فإن اعتماد موعد الاقتران المركزي قد يكون مربكا للناس أحيانا بل وحتى يوقع الناس في شك تجاه الفلكيين! فالفلكيون ما فتئوا يؤكدون أن كسوف الشمس هو اقتران مرئي، وهو شاهد يراه الناس يؤكد دقة الحسابات الفلكية! ولكن فلنلقي نظرة مرة أخرى على الوضع في اقتران شهر محرم القادم:-

 سيحدث اقتران القمر (تولد الهلال) يوم الأحد في الساعة الثالثة عصرا و50 دقيقة بتوقيت مكة المكرمة، وكما ذكرنا في نفس هذا اليوم سيشاهد سكان مكة المكرمة كسوفا جزئيا للشمس، والأصل أن يكون موعد ذروة الكسوف (منتصف الكسوف) هو موعد اقتران القمر! وإلا دل ذلك على خطأ الحسابات الفلكية! ولكن بالعودة إلى الحسابات الفلكية نجد أن كسوف الشمس في مكة المكرمة سيبدأ بمشيئة الله في الساعة الرابعة عصرا و14 دقيقة، وستكون الذروة في الساعة الخامسة عصرا و15 دقيقة، وستغيب الشمس مكسوفة في الساعة الخامسة و42 دقيقة. فلنلاحظ أن كسوف الشمس قد بدأ بعد موعد اقتران القمر بـ 24 دقيقة، وأن موعد الذروة بعد 85 دقيقة من موعد الاقتران! إذا هل هناك خلل في الحسابات الفلكية؟! في الحقيقة لا يوجد أي خلل أو خطأ، إنما غاية من هنالك أن موعد الاقتران المبين سابقا هو موعد الاقتران المركزي وليس السطحي! وإذا حسبنا موعد الاقتران السطحي (تولد الهلال السطحي) لمدينة مكة المكرمة سنجد أن موعد الاقتران هو في الساعة الخامسة عصرا و09 دقائق! وهو مقارب جدا لموعد ذروة الكسوف، وهناك سبب علمي لوجود الفارق بينهما والبالغ 06 دقائق، إلا أن المجال لا يسمح الآن لهذا الشرح. وخلاصة ذلك أننا نرى أنه من الضروري أن يعتمد معدو التقاويم على الاقتران السطحي وليس المركزي، وهذا الكسوف خير دليل على ذلك.

 كما بدأت كلامي فإنني أعتقد أن هذه الطلبات متواضعة جدا أمام الدروس المستفادة التي جناها الغرب من رصد كسوف الشمس، ولكن على الرغم من ذلك، هل سيدرك هذه الأمور البسيطة جدا بعض من مطلوب منه أن يدركها؟ وهل سيترتب على ذلك تعديل على الوضع القائم؟ لا أريد أن أكون متشائما، ولذلك سأقول… إن شاء الله!

 

 

أكتوبر
17

وعن «الشهود العدول» يحدَّثونك!

تقول المحكمة العليا في بياناتها عن إثبات الهلال دائماً إن قرارتها مبنية على شهادة عدد من «الشهود العدول». وكنتُ طلبتُ ـ وغيري ـ من المحكمة الموقرة أن تبيِّن أولئك الشهود لنعرف إن كانوا هم الأشخاص أنفسهم الذين يشهدون في كل مرة أم لا. لكنها لم تستجب لذلك يوماً.
وقد جاء البيان أخيراً في مقال كتبه الدكتور محمد عبدالرحمن البابطين «الداعية الإسلامي والمستشار في وزارة العدل السعودية لشؤون الأهلَّة» بعنوان «المراصد الفلكية وعلاقتها برؤية الهلال من الناحيتين الشرعية والفلكية» (مجلة «الدعوة، العدد 2414، 1434/12/5هـ، ص 12- 14) كشف فيه، ولأول مرة ربما، بعضاً من ممارسات هؤلاء.

وهو شهادة مهمة على كيفية عمل هؤلاء الشهود ومدى اتفاق شهاداتهم أو اختلافها مع الذين يتراءون الأهلة بالتلسكوبات. فقد أورد أربع حالات من مشاهداته لشهادات بعض الذين يتراءون الهلال بأعينهم المجردة، وتشهد هذه الحالات كلها على ما يحيط بالترائي بالعين المجردة من مشكلات، وأرجو أن يعذرني القارئ الكريم لإيراد ما كتبه الدكتور البابطين حرفياً، مما يتسبب في طول المنقول «ولا تعليق لي على أسلوبه!».

يقول عن الحالة الأولى: «فقد تم الوقوف عليها في موقع الترائي في أقصى الجهة الغربية من ضاحية لبن، حيث تم وضع التلسكوب الإلكتروني الذي يعمل وفق إحداثيات حركة القمر، ويعتبر هذا التلسكوب في غاية الدقة وقوة الرصد للقمر، وكان يوجد في الموقع أحد الإخوة من مدينة تبوك ممن يُعتمد عليه في إثبات الأهلة، وفي الوقت نفسه يعد من حديدي البصر، وعندما غربت الشمس من ناحية الأفق الغربي تم وقوف الجميع على الهلال في التلسكوب الذي كانت رؤيته فيه واضحة وجلية، إذ لم يكن بمقدورنا رؤية الهلال بالعين المجردة في تلك اللحظة، وفي الوقت نفسه لم يتم إطلاع الأخ المعروف بحدة البصر بذلك. وعليه فقد طلب منه أن يدلنا على الهلال إن كان موجوداً أم لا، وعندما تم تحديد جهته له أخذ يمعن النظر حتى دمعت عيناه (!) ورؤي فيها الجهد، وعندها أخبرنا بوجود الهلال، وأن هذا الهلال هو نفسه الهلال الذي يراه في تبوك (!!)، وعندها تم أخذه إلى التلسكوب لتأكيد صحة ما رآه، وقد ظهر لنا من هذا التطبيق أن الرؤية بالتلسكوب وما في حكمه تعد في غاية الدقة والوضوح وتفوق الرؤية بالعين المجردة؛ كونها يتحصل عليها من غير مشقة ولا كلفة، كما أن استدامة الهلال في التلسكوب مستمرة بخلاف رؤية العين المجردة التي تذهب وتعود ويُحتاج معها إلى مزيد من إمعان النظر».

«وأما الحالة الثانية، فقد تمت في جهة شمال الرياض حيث تم رصد الهلال على أحد الجبال المرتفعة في المنطقة، وكان يوجد معنا عدد من المترائين وكذلك تلسكوب (منظار) يبلغ حجم تكبيره قرابة 300 مرة من العين المجردة، وكان يوجد معنا الأخ نفسه المعروف بحدة البصر في تبوك. وعندما غربت الشمس قمنا بمتابعة الهلال من خلال التلسكوب، ولم نشاهد شيئاً، وكذلك لم نشاهده من خلال منظار آخر كان يوجد مع بعض الحاضرين، هذا عدا أن الأخ المعروف بحدة البصر لم يشاهده بالعين المجردة، وقد فوجئنا ونحن في الموقع بتقدم أحد الحاضرين يخبر برؤيته للهلال في حالة كانت مدعاة للتعجب والاستغراب، كيف يتمكن آحاد الناس من رؤية هلال لم يُشاهد في تلك اللحظة من خلال أجهزة متطورة تفوق الرؤية البصرية المجردة، وفي الوقت نفسه لم يشاهده من يُعرف بحدة البصر الذي جُرِّب في غير مرة».

«أما الحالة الثالثة، فقد تمت في الجهة الغربية من ضاحية لبن في الرياض حيث أُحضِر تلسكوب إلكتروني يرصد القمر ويتابعه وفق إحداثيات حركته، وفي الوقت نفسه كان الأخ المعروف بحدة البصر الذي شارك معنا سابقاً موجوداً في منطقة الهدا بمحافظة الطائف، وعندما غربت الشمس في الرياض تابعنا رؤية الهلال من خلال التلسكوب، ولم نعد نشاهده نظراً لوجود بعض السحب الخفيفة في الأفق الغربي، والضعف الشديد في النور المتخلِّق فيه، وفي الوقت نفسه لم نره بالعين المجردة. وقد تم الاتصال بالأخ الموجود في الهدا ليتابع لنا رؤية الهلال بعد غروب الشمس في محافظة الطائف، وبعد وقت اتصل بنا وأفادنا بأنه رأى الهلال لمدة دقيقة أو أقل ثم اختفى ولم يشاهده بعد ذلك (ويُراعَى هنا بعد وقت الغروب بين المكانين)».

أما الحالة الرابعة التي لم يفردها الدكتور البابطين فهي أنه «سبق القيام برصد الهلال حال كونه يغرب قبل الشمس، حيث تم تشغيل التلسكوب الإلكتروني تجاه الأفق الغربي من ضاحية لبن، وكان السهم فيه يشير إلى أن الهلال موجود تحت الأفق وليس فوقه؛ بما يعني عدم استهلاله، وقد كان معنا اثنان من الشهود المعروفين بحدة البصر، ولم يتم إخبارهم بهذه النتيجة المتحققة في التلسكوب. وقد طُلب منهما رؤية الهلال بعد أن حُدد لهما جهته دون إعلامهما أنه تحت الأفق. وبعد أن أمعنا النظر والرصد أفادا بأنهما لم يريا أو يشاهدا هلالاً وفق ما لدى التلسكوب».

وهذه الحالات الأربع نماذج لرؤية من يدَّعون أنهم يرون الهلال بأعينهم المجردة، ونماذج لغرائبهم، وأطرفها أن يُجهد الرائي في الحالة الأولى عينيه حتى «دمعتا!» ليجد الهلال الذي رآه الآخرون بالتلسكوب بسهولة بالغة. والأكثر طرافة أن قوله إن هذا الهلال هو الهلال «الذي يراه في تبوك»، لم يلفت نظر أحد!!.

أما الحالة الثانية، فيشهد شاهد برؤية الهلال على الرغم من عدم قدرة المترائين بالتلسكوب الفائقة رؤيته! وتشهد الحالة الثالثة بالادعاء المعتاد برؤية الهلال لبرهة قصيرة ثم اختفائه! وليست الحالة الرابعة ببعيدة عن أن «الشاهدين» كانا يعرفان مسبقاً أن الهلال تحت الأفق!
ولاحظ الدكتور البابطين في نهاية المقال مفارقةَ «انفراد آحاد من الناس بالإخبار عن رؤيته الهلال مع وجود الجمع من الناس فضلاً عن وجود التقنية العصرية»، وهو ما يجب أن يكون «مدعاة للتحقق من تلك الرؤية وتمحيصها بما يحقق الضمانة ويبعث على الطمأنينة تجاه صحة تلك الرؤية»؛ ذلك «لأن التساهل في مثل هذا يجعلنا في حرج من تعريف الإمام الشافعي للشاذ كما هو معلوم في قواعد التحديث وعلم الحديث».

ولم يبيِّن ما إن كانت المحكمة العليا أخذت بشهادة الذي «دمعت عيناه من الجهد»، والآخر الذي ادعى رؤيته في الحالة الثانية، والثالث الذي رآه لدقيقة.

وكم سيكون رائعاً لو أورد الدكتور البابطين حالات أخرى شهد فيها أشهر «الشهود العدول» الذين تعتمد المحكمة العليا شهاداتهم دائماً!

مشاركات سابقة «