يوليو
05

واقع الهلال والشفق – نصيب الفلكيين من القلق

تعددت معايير رؤية الأهلة وتفاوتت تقديراتها. فعلى سبيل المثال، نجد أن نتيجة استقراءات عشرات العقود الزمنية تفيد أنه لا يمكن رؤية هلال ارتفاعه عن الأفق لحظة غروب الشمس أقل من أربع درجات.

على هذا، فعندما تأتي شهادات برؤية أهلة على ارتفاع خمس أو ست درجات أو اكثر، فإن ذلك لا يعتبر إنجازًا أو سبقًا لأنه متوقع. ولا يكون الإشكال من الناحية الفلكية إلا عند ظهور شهادات أقل بكثير من التي يقدرها المعيار، هنا يقدم الفلكيون ما لديهم من إشارات علمية لإصحاب الرائي، إبراءً للذمة. هذا عن الأهلة، أما موضوع الشفق، فنجد أن الوضع منعكس.

وكما كان علماؤنا يتحرون قديمًا رؤية الأهلة بشكل شهري، فإنهم تابعوا ظهور الشفق بشكل يومي. وكانت نتائج أرصاد مئات السنيين متقاربة؛ وخلاصتها، أن الفجر الصادق يظهر عندما تكون الشمس تحت الأفق الشرقي بين 18-19 درجة. ومن عمالقة علماء الفلك الإسلامي ، الذين شهد لهم التاريخ بدقة الأرصاد، إضافة إلى نظافة بيئتهم مقارنة بأجوائنا غير النظيفة: البتاني (317هـ)، والبيروني (440هـ)، وابن الشاطر (777هـ). وبالقياس لما ذُكر أعلاه بالنسبة للهلال، فإن القول بظهور الشفق الصادق والشمس تحت الأفق بـ 16 أو 15 درجة قول لا تميز فيه ولا جديد، تمامًا كما تم التعامل معه في رؤية الهلال أعلاه. كما ظهرت أبحاث معاصرة تشير إلى ان ظهور الشفق الصادق، والشمس تحت الأفق بحدود 18 درجة. ونظرًا لتنوع أساليب الأرصاد، يقدر الخطاء المعياري فيها بنصف درجة. لذا فإن الحد 18.5 درجة يعتبر في نطاق الأرصاد التاريخية، وهي القيمة المعتمدة اليوم في تقويم أم القرى.

الخلاصة: إن عدم إدراك الشفق والشمس بانحطاط 18 درجة، يكمن خلفه حائل حال دون ظهور الشفق إلا بعد ارتفاع الشمس درجتان أو ثلاث، مما يوهم بعدم دخول وقت الفجر. لذا فلا داع لتكرار ما يبث القلق بشأن دخول وقت صلاة الفجر بين الفينة والأخرى. تقبل الله من الجميع صالح الأعمال.

أ.د. حسن محمد باصرة
رئيس قسم العلوم الفلكية، جامعة الملك عبدالعزيز
الاثنين 12 رمضان 1436هـ

يونيو
27

مفاجأة رصد الفجر من الطائرة!

ركبت الطائرة متجها من أبوظبي إلى مدينة الرباط… كان ذلك ليلة الأحد على الإثنين… حيث أقلعت الطائرة في الساعة الثالثة من فجر يوم الإثنين 22 يونيو 2015م، الموافق للخامس من شهر رمضان 1436هـ. وعلى الرغم من رخصة الإفطار إلا أنني فضلت الصوم ذلك اليوم، ولتجربتي السابقة في غير مرة أن طاقم الطائرة غير قادر على تحديد موعد الإمساك والإفطار بشكل دقيق، فقد أخذت على عاتقي تحديد موعد الإمساك وهو طلوع الفجر! علما بأن موعد الفجر في ذلك اليوم في مدينة أبوظبي كان يحين في الساعة 04:05 بتوقيت الإمارات (غرينتش + 4)، وحيث أننا سنسير غربا فمن المؤكد أن موعد الإمساك سيكون بعد ذلك الوقت. ولكن كما توقعت، ارتبك المضيفون فور الإقلاع وأخبرونا أن موعد الإمساك في الساعة 03:15 وأنه لم يبق وقت إلا بالكاد لشربة ماء! فنظرت لهم وقلت لهم لا عليكم… أحضروا لي الطعام كاملا وليس هذا موعد الإمساك، فقالت لي المضيفة ولكننا بسبب الارتفاع فالمواعيد مختلفة! فقلت لها بلطف أعلم ذلك فأنا فلكي وأحسب مواقيت الصلاة! فأحضري الطعام لو سمحت! فبالطبع قالت لي: كما تشاء!

ابتداء من الآن، من المفترض أن يتبادر إلى ذهنك عزيزي القارئ عدة أسئلة، منها؛ كيف سأعلم موعد طلوع الفجر؟ هل سأحسبه أم سأراقبه؟ وإذا افترضنا أنني سأحسبه، فكيف سأفعل ذلك؟ أي زاوية سأعتمد؟ وماذا سأفعل بالارتفاع؟ هل سأدخله بعين الاعتبار أم لا!

أسئلة وجيهة بالطبع، فأما الزاوية فمن المعروف أنني من المتعصبين بشدة للزاوية 18، ولا أعتقد أنه يمكن زحزحتي عن هذه الزاوية في يوم من الأيام، والسبب قد يجده القارئ في بحثي المطول حول هذه المسألة، والتي خلصت فيها أن الزاوية 18 بل وحتى 19 هي الزاوية التي قال بها جميع علمائنا العظام السابقين من الصوفي والبتاني والخوارزمي والطوسي وابن الشاطر وغيرهم الكثير. وفضلا على ذلك أكدتها الأرصاد الحديثة أيضا التي تمت في ظروف مثالية… أذا، علمنا أنني سأعتمد الزاوية 18، ولكن ماذا سأفعل بالارتفاع!؟

في الواقع هذا موضوع ليس بالهين، فقد بحثته بشيء من التفصيل قبل قرابة 15 سنة، وسألت خبراء فلكيين كبار وقرأت كل ما استطعت قراءته حول الموضوع على ندرته، فوجدت أن للعلماء والخبراء في هذه المسألة جميع الآراء! فكان منهم من قال أن الفجر والعشاء ليس كالشروق والغروب، فهو لا يتأثر بالارتفاع عن سطح البحر، وفي الواقع هذا هو المعتمد في جميع الدول الإسلامية تقريبا، وممن قال بهذا الرأي على سبيل المثال لا الحصر هو الدكتور Roy Bishop وهو محرر كتاب Observer’s Handbook الشهير. وقد دخلت معه في نقاش مطول وقد كان مصرا على هذ الرأي على الرغم من مخالفتي له! ومن جهة أخرى وجدت من قال أن الفجر والعشاء يتأثر بالارتفاع كما يتأثر الشروق والغروب، فكلما ازداد الارتفاع عن سطح البحر تقدم الفجر وتأخر العشاء، وقد كنت أميل لهذا الرأي في البداية، ولكن سرعان بعدها ما اختلف رأيي وأصبحت أرى هذا القول ضعيفا وأظنه غير صحيح، وإن كنت وجدته مذكورا في بعض الكتب. ومن جهة أخرى هناك رأي ثالث وجدته مكتوبا في إحدى المراجع الأجنبية المعتبرة ويقول إن الفجر والعشاء يتأثر بالارتفاع ولكنه يتأثر بعكس ما يتأثر به الشروق والغروب! فكلما ازداد الارتفاع تأخر ظهور الفجر وتقدم دخول وقت العشاء! والسبب في هذا أنه كلما ارتفعنا عن سطح البحر قل الغلاف الجوي وبالتالي قل التشتت، وما الفجر إلا تشتت لأشعة الشمس في الغلاف الجوي! وهذا الرأي أقرب إلى نفسي وأظنه الصواب! وخير دليل على ذلك ازدياد زرقة السماء كلما ارتفعنا أكثر في الغلاف الجوي! هكذا كان رأيي قبل هذه الرحلة!

ما زلت لم أجب على سؤال القارئ وهو ما عساي أفعل بالارتفاع؟ هل سأدخله مثل الشروق والغروب أم سأهمله أم سأعتبره يؤخر الفجر بدل من أن يبكره؟ في الواقع أنا نفسي ترددت ولكني في النهاية قررت أن اعتمد أن الارتفاع لا يؤثر على موعدي الفجر والعشاء فهذا الرأي هو الأحوط على اعتبار أنني أميل إلى أن الفجر في الواقع سيتأخر عن سطح البحر بسبب قلة التشتت على مثل هذا الارتفاع الشاهق! إذا باختصار سأستخدم جوالي بين الفترة والأخرى لأعرف إحداثيات المنطقة التي أنا فوقها، ثم سأدخل هذه الإحداثيات إلى برنامج “المواقيت الدقيقة” معتمدا الزاوية 18 لأعرف موعد الفجر على سطح البحر وسأعتبره هو نفسه الفجر عندي!

ومن الجدير ذكره أن نافذتي كانت تطل على جهة الجنوب والجنوب الغربي، فكنت أرى برج العقرب والقوس، أي كنت أرى ذراع مجرة درب التبانة، ولكن -وهذه جزئية غاية في الأهمية- وعلى الرغم من أن إضاءة الطائرة الداخلية كانت مطفأة، إلا أنه وبسبب بعض الإضاءات البسيطة هنا وهناك لم أكن أستطيع تمييز مجرة درب التبانة بوضوح، فكنت بالكاد أراها وبصعوبة بالغة! إذا هذا يعطينا خلاصة أنني كنت في مكان يمكن اعتباره ملوثا ضوئيا! ولدرجة غير بسيطة. ومن الجدير ذكره أنني لو أردت أن اعتبر أن الفجر سيتأثر بالارتفاع كما يتأثر الشروق فإن الفجر سيظهر من على ارتفاع الطائرة قبل 18 دقيقة من سطح البحر.

وبقيت آكل وأشرب وأحسب طيلة الوقت، وأصبحنا الآن فوق السعودية قريبا من الرياض، وكنت أرى وهجها في الأفق على الرغم من أننا كنا بعيدين عنها جدا! وبدأنا نقترب من وقت الإمساك، والذي كان يتأخر بمرور الوقت لأننا كنا نسير غربا! راودتني فكرة أن أذهب إلى الجهة الأخرى من الطائرة وأنظر من النافذة جهة الأفق الشرقي أملا في أن أرى الفجر، ولكن سرعان ما سخرت من هذه الفكرة! فأي فجر هذا الذي سأراه من الطائرة في مثل هذه الظروف!! فبالكاد أستطيع رؤية ذراع مجرة درب التبانة! ومن الأرض وفي مثل هذه الظروف بالكاد يمكن رؤية الفجر على الزاوية 15 وربما أقل، كما صدع البعض رؤوسنا بهذه الزاوية!

كان من الصعب معرفة وقت الإمساك بدقة لأننا كنا نسير غربا، فكان الموعد يتغير كل دقيقة، إلا أنني قدرته أنه سيكون في الساعة 04:46، ومع الاقتراب من هذا الموعد قررت التوقف عن الأكل والشرب، وكان ذلك حوالي الساعة 04:42، وذهبت حينها للوضوء! وأنا في طريق عودتي إلى مقعدي، هداني الله وقررت أن انظر من النافذة الشرقية، وكانت الساعة 04:44! ويا للمفاجأة!!!

ما هذا!؟ الفجر!! مستحيل!! الشمس لم تصل للزاوية 18! وأنا في مكان غير مظلم أصلا! وهكذا أرى الفجر!؟ بهذه السهولة! ركزت… دققت… محصت! نعم هو الفجر! أتراه يكون الفجر الكاذب! أحدث نفسي! لا لا بالطبع! الفجر الكاذب أعرفه جيدا ورصدته كثيرا! ليست هذه هيأته إطلاقا! فهو على شكل مثلث رأسه إلى الأعلى، أما ما أراه فهو منبسط عل كامل الأفق! والفجر الكاذب لن يرى إن كنت لا أرى مجرة درب التبانة بوضوح، فهو أخفت منها، ثم ما هذا! ملون!! نعم ملون!! فالإضاءة عند الأفق مائلة إلى اللون النحاسي-البني! هل أرهقني التعب!؟ نظرت مليا! السماء في الأعلى مظلمة وبعيدا عن الأفق الشرقي أيضا مظلمة! وفي ذلك الاتجاه لا توجد مدن إطلاقا، كبيرة كانت أو صغيرة! والضياء واضح لا لبس فيه! وهو ضوء الفجر الصادق!

وحتى أتأكد أكثر أنني فعلا أرى إضاءة الفجر فقد علمته بالنجوم، وهو بدا ممتدا من الثريا تقريبا وحتى نجم العيوق، فرجعت إلى أحد البرامج الفلكية، ووجدت أن الشمس فعلا في ذلك الوقت كانت تحت الأفق في منتصف المسافة بينهما كما في الصورة التالية.

لا أنكر… جلست في ذهول لفترة! لماذا؟ كيف؟! كيف ظهر في هذا الوقت؟ مهلا! كم انخفاض الشمس بالضبط؟ وأين نحن؟ سريعا فتحت جوالي فعلمت أن موقعنا هو:
خط طول: 42:15:14 شرقا.
دائرة عرض: 27:22:00 شمالا.
الارتفاع: 11 كم.
الساعة 04:44 (غرينتش + 4).

حسبت انخفاض الشمس حينئذ وإذ به 18 درجة! بقيت أفكر كيف ظهر الفجر على هذا الارتفاع بمثل هذه الظروف على هذه الزاوية! نظرت من النافذة بعد حوالي 5 دقائق، وبدا لي الفجر واضحا جدا حينها، وعلينا أن نتذكر أنه بسبب حركتنا غربا فإن الخمس دقائق تعادل فعليا حوالي ثلاث دقائق تقريبا! أي أن انخفاض الشمس حاليا حوالي 17.5، وبعد حوالي 10-15 دقيقة نظرت مرة ثالثة، وإذ بالسماء أصبحت مزرقة بشكل كبير والألوان ظاهرة بشكل واضح! حسبت انخفاض الشمس وقتئذ وإذ به 16.5! ! كنت أتمنى لو كان معي كاميرا تصوير مناسبة، فكاميرا الجوال لم تظهر ما أقول، وهنا أتحدث تحديدا عن لون وضياء السماء وقت الفجر.

إذا ماذا نستنتج؟ في الحقيقة من المبكر جدا أن نستنتج أي حقيقة راسخة، فلا بد من إعادة الرصد مرة أخرى، ويا حبذا لو أمكن الرصد من جبل مرتفع على الأرض في ظروف مثالية، فقد تتضح أمور أكثر وبدقة أفضل! فالرصد من جبل ارتفاعه 3 أو 4 كم أعتقد أنه سيؤدي الغرض، ومثل هذه الارتفاعات موجودة في الوطن العربي، إنما تحتاج فقط إلى همة وراغبة صادقة في تحري المزيد حول هذه المسألة المرتبطة بشعيرتي الصلاة والصيام!

انتهت القصة؟ كلا كلا… فهناك رحلة العودة! وشاءت إرادة الله أن تتضمن رحلة العودة غروب الشمس والعشاء أيضا! فرصة نادرة تسنح لي مرة أخرى! ولكن لم أكن متحمسا كثيرا لرصد العشاء فإضاءة القمر هذه المرة ستؤثر! على أية حال، يستحق الموضوع تجربة أخرى بعناية أكثر هذه المرة، وهذه فرصتي لاختبر دقة برنامج “المواقيت الدقيقة” لحساب موعد صلاة المغرب من ارتفاع شاهق! فأنا أعلم أن البرنامج دقيق، وأعلم أن دقته لغروب الشمس على سطح البحر تصل إلى أقل من ثانيتين وربما أفضل، ولكني لست متأكدا من الدقة عندما نصبح على ارتفاعات شاهقة! فكان لدي ظن أنه قد يخطئ بمقدار دقيقة أو دقيقتين! ولكنني لست متيقنا من هذا! فها قد جاءت الفرصة على طبق من ذهب! فرتبت مقعدي ليكون مطلا على جهة الغرب لإجراء هذه التجارب، وهكذا كان.

انطلقت الطائرة من الرباط يوم الخميس 25 يونيو 2015م في الساعة 14:45 بتوقيت الإمارات (غرينتش+4). وأيضا كنت صائما، ويهمني معرفة موعد الإفطار! علما بأن الطائرة ستصل إلى أبوظبي في الساعة 22:15 بتوقيت الإمارات، وقدرت أن الشمس ستغيب في مكان ما ونحن فوق السعودية! ربما قبل ساعتين من الهبوط! هكذا قدرت مبدئيا!

وبالفعل عند الاقتراب من موعد غروب الشمس بدأت أحسب وأرصد، وكانت السماء صافية جدا وخالية من الغيوم، وكنت أرى الشمس ولكن في الحقيقة لم أكن أستطيع النظر إليها بسبب شدة إضاءتها، وقبل غروبها بحوالي دقيقة فقط أصبحت قادرا على النظر إليها، وبقيت أراقب أفولها شيئا فشيئا إلى أن اختفت كاملا خلف الأفق في الساعة 20:26:23 بتوقيت الإمارات، وكان ارتفاعنا 11887 مترا، والإحداثيات كما هي مبينة في الصورة التالية. وحيث إن غروب الشمس يتأثر بدرجة الحرارة والضغط الجوي، فكان علي معرفتها، وكانت الطائرة تشير إن درجة الحرارة الخارجية هي 47 درجة مئوية تحت الصفر، أما الضغط الجوي فكان علي حسابه من الارتفاع ودرجة الحرارة، فوجدته 215 ملبار.

وبإدخال الإحداثيات ودرجة الحرارة والضغط الجوي إلى برنامج “المواقيت الدقيقة” وجدت أن موعد غروب الشمس قد حدده البرنامج في الساعة 20:25:44، أي بخطأ مقداره 39 ثانية! في الحقيقة هو خطأ أقل مما توقعت، وأعلم سببه وهو أن دقة حساب الانكسار التي يستخدمها البرنامج ليست عالية جدا، بل غاية ما يمكن وصفها أنها دقيقة، وفي الواقع البرامج المماثلة تستخدم في الغالب طرقا أقل دقة منها. وحساب الانكسار هذا يدخل في حساب انخفاض الأفق أيضا فضلا على أنه يحسب قيمة الانكسار ذاتها! ونؤكد هنا أن هذا الخطأ -الذي اعتبره كبيرا- موجود فقط على مثل هذه الارتفاعات أما من على سطح الأرض وجبالها غير الشاهقة، فكما ذكرت آنفا أن الدقة بحدود الثواني اليسيرة التي في الغالب لا تتجاوز الثانيتين. وتجدر الإشارة إلى أن غروب الشمس من على سطح البحر تحت موقع الطائرة كان في الساعة 20:08، أي أن ارتفاع الطائرة هذا أدى إلى تأخر غروب الشمس عن سطح البحر بمقدار 18 دقيقة. وفيما يلي بعض الصور لغروب الشمس من الطائرة.

تناولت الإفطار في الساعة 20:28 احتياطا، أما الطاقم فقد أعلن الإفطار في الساعة 20:33، فكان خطأ أو سمه احتياطا مقبولا، وليس كما فعلوا في السحور، الذي احتاطوا له أكثر من ساعة على أقل تقدير! والآن جاء دور رصد العشاء! فبقيت أراقب السماء وخفوت الإضاءة، وفي الساعة 21:07 كان الشفق واضحا لا نقاش فيه واللون الأحمر (أو بشكل أدق النحاسي-البني) واضحا. وكانت الإحداثيات كما في الصورة أدناه، وقد وجدت أن انخفاض الشمس حينئذ كان 16.5 درجة.

إلى أن أصبحت الإضاءة في رمقها الأخير، وإن كنت ما أزال أراها بصعوبة في الساعة 21:11، وكانت الإحداثيات كما في الصورة أدناه. وقد وجدت أن انخفاض الشمس حينئذ كان 17.3 درجة.

 

ويمكن القول أن إضاءة الشفق ستختفي بشكل كامل ضمن ظروفنا -التي وصفناها في رحلة القدوم- بعد دقائق بسيطة من هذا الوقت إذا لم تتحرك الطائرة طبعا. وبعد ذلك الوقت بقليل اختفت الإضاءة بشكل كامل وأصبح الأفق الغربي مظلما كباقي الجهات في السماء.

كانت بالفعل تجربة مميزة ومفاجئة بجميع المقاييس، وكما ذكرت سابقا، يستحق هذا الموضوع مزيدا من البحث بطريقة علمية ومن أماكن مرتفعة لمعرفة تأثير الارتفاع على موعدي الفجر والعشاء! فهل يا ترى يتأثر الفجر والعشاء بالارتفاع عن سطح البحر كما يتأثر الشروق والغروب؟ فهل لو كانت الظروف في الطائرة مثالية، بمعنى أنه لا وجود لأي أثر لتلوث ضوئي، وأمكنني رؤية ذراع مجرة درب التبانة بوضوح، فهل كنت سأرى الفجر على الزاوية 19 مثلا؟ أو ربما أكثر؟ فقد رأيته بسهولة على الزاوية 18 على الرغم من كل الظروف غير المثالية! وإذا علمنا أن انخفاض الأفق نتيجة لارتفاعنا هو 3.8 درجة، فهذا يعني أن انخفاض الشمس تحت الأفق لن يكون 19 درجة بل سيكون 15.2 درجة! هل ما أقوله صحيحا؟ أم أن الارتفاع في الواقع لا يؤثر على موعد الفجر والعشاء، وإنما رأيت الفجر على الزاوية 18 لأنه في الواقع يظهر على الزاوية 19 كما ذكر ذلك العديد من علمائنا السابقون، وإنما تأخرت رؤيتي له بسبب الظروف غير المثالية، وساعد على ذلك طبعا صفاء الغلاف الجوي التام! فمن الأرض فإن وجود القليل القليل من الغبار، أو في حالة الجو غير الصافي فإن ظهور الفجر سيتأخر! فأي الرأيين أصوب؟ أم أن الواقع هو أمر ثالث؟ أي أن الفجر والعشاء يتأثران بالارتفاع، ولكن ليس بالضرورة بنفس طريقة تأثر الشروق والغروب؟

الأكيد، والنتيجة الوحيدة التي خرجت بها بيقين هي أن الرأي القائل أن الفجر يتأخر كلما ازداد ارتفاعنا بسبب قلة التشتت هو رأي خاطئ بكل تأكيد! على الأقل على الارتفاعات حتى ارتفاع الطائرة! آملين أن تحمس هذه التدوينة بعض المهتمين لإجراء بعض التجارب والدراسات حول هذه المسألة. والله ولي التوفيق.

يونيو
15

هل تؤدي آية (السجدة:5) إلى تعيين وقت الفجر فلكياً على نحو مُنضبط!

بسم الله الرحمن الرحيم

يُدرك المعنيون بقضايا الفلك الإسلامي بوضوح المسائل والإشكالات التي تتكرر أمامهم بلا علاجات شافية على مدار مناسباتها، وبين الفينة والأخرى، مثل بعض مواقيت الصلاة، .. إلخ

ومن هذه الإشكالات التي لم تكن من اهتماماتي البحثية – موعد دخول وقت الفجر – الذي يبدأ عنده فرض الصيام على كل مسلم، وتحل معه صلاة الصبح، وذلك باعتبار أن مصادر هذه المسألة ليست إلا نصوص الوحي والحديث النبوي، بلا أي مصدر ثالث محتمل!

غير أني اصطدمت بوجوب تعيين وقت دخول الفجر، ليس لأي من اعتبارات الفرائض، بل لفهم آية في كتاب الله تعالى، هي آية (السجدة-5)، وعلى الخصوص ما قاله الله تعالى فيها، “.. فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ” .. وذلك لأن لفظ (يَوْمٍ) فيها قد ترجّح عندي أنه اليوم الشرعي الذي يبدأ بدخول وقت الفجر، وينتهي بغروب الشمس. ولأني كنت أسعى لتعيين (طول اليوم الشرعي) وتكراره الإحصائي على سطح الأرض، تعين علي أن أدقق في عين الوقت الذي يبدأ به اليوم، أي الفجر، وعندها ظهر لي محل الإشكال عند مراجعة ما يتعلق به.

هذا وقد تطلب الأمر تعيين (طول اليوم) باعتباره ركناً في معادلة تأويلية لآية (السجدة-5)، ولا يمكن حلها إلا بمعرفته بدقة، والمعادلة هي:

equation

Front

وقد كان المطلوب استخدام وقت الفجر للتحقق من المعادلة. !! ونظراً لأنه غير متعين، انقلب الأمر، وأصبحت المعادلة نفسها، وافتراض صحة ما فيها من علاقات، هي الدالة على موعد دخول الفجر.

ولمّا افترضت ذلك فوجئت بأن المعادلة تستنبط وقتاً لدخول الفجر هو اللحظة الزمنية التي تكون فيها الشمس على زاوية (16.91 ± 0.40)o تحت الأفق!!! .. وهي نتائج أولية استكشافية، قابلة للتنقيح بمزيد من الدقة بتقليل الخطأ الحسابي.

وبمراجعة الخلاف الفقهي حول وقت دخول الفجر، وجدت أن هذا المدى الذي تنبأت به المعادلة، يقع بالفعل في قلب الزمن المُرشَّح لأن يكون الوقت الأصوب لدخول الفجر. فرأيت أن أنشر هذه النتائج لأهل الاختصاص لعله يكون ذو قيمة لهم. وإذا ما كان ذلك مدعوماً منهم، فسوف يكون دعماً للمعادلة التي تنبأَت به!

وهذه هي الدراسة التي شملت هذه النتائج.

نوفمبر
03

ناسا تقول أن العالم سيشهد ثلاثة أيام من الظلام بسبب العواصف الشمسية: إشاعة لا أساس لها من الصحة

انتشرت مؤخرا إشاعة تداولها الناس بشكل كبير، بل وللأسف ظهرت في بعض الصحف والإذاعات والقنوات الفضائية، وتقول الإشاعة: “أعلنت وكالة الأبحاث الفضائية الأميركية ناسا، أن العالم سيشهد ثلاثة أيام من الظلام هذا العام وذلك في 21 و22 و23 كانون الأول المقبل. وذلك بسبب عاصفة شمسية سوف تسبب ظلام تام على كوكب الأرض خلال كل هذه المدة.”

 في الواقع هذه إشاعة لا أساس لها من الصحة، فوكالة ناسا لم تعلن شيئا بهذا الخصوص، وكما أنه لا يمكن التنبؤ بالعواصف الشمسية أصلا، إنما يتم رصدها وقت حدوثها، وتحتاج بعد ذلك من يومين إلى ثلاثة أيام حتى تصل الأرض. كما أن مخاطر العواصف الشمسية لا تسبب كارثة أرضية بهذه الطريقة.

 والصحيح أن بعض العواصف الشمسية الشديدة جدا قد تسبب اضطرابا على شبكات الضغط العالي، والذي قد يصل إلى درجة إتلاف بعض أجزاء الشبكة الرئيسية مما قد يتسبب بانقطاع الكهرباء عن منطقة معينة. وسبب الحمل الكهربائي الزائد هذا هو الجسيمات القادمة من الشمس والموجودة في العاصفة الشمسية، إلا أن هذه المخاطر توجد في الأماكن البعيدة عن خط الاستواء مثل شمال أوروبا وشمال آسيا وشمال أمريكا، وهي نادرة الحدوث، ولا يمكن توقعها إلا قبل يوم إلى ثلاثة أيام كحد أقصى. وبالطبع هناك مخاطر أخرى للعواصف الشمسية والتي قد تكون مؤثرة فعلا، ولكنها لا ترتقي إلى مستوى الكارثة الأرضية. وهناك جهات عالمية مهمتها مراقبة الشمس لحظة بلحظة، وإصدار التحذيرات عند الحاجة. ويقوم مركز الفلك الدولي بمتابعة هذه الجهات على مدار الساعة، ويقوم المركز بنشر التحذيرات مباشرة على حسابه على تويتر ( @icoproject ).

 ولنشاط الشمس دورة شبه منتظمة تبلغ فيها الشمس ذروتها كل 11 سنة، ونحن في هذا العام في الذروة تقريبا، ولذلك من الطبيعي أن نشهد ازدياد في النشاط الشمسي.

 وعند الحديث عن العواصف الشمسية، فهناك ثلاثة ظواهر أو أنواع للعواصف الشمسية، الأول يسمى بالتوهج الشمسي (Flare)، وتصنف قوة التوهج الشمسي على ما يسمى بمقياس ريختر الشمسي، بحيث تصنف التوهجات المتوسطة بأرقام من واحد إلى عشرة مبتدئة بالحرف C، في حين تصنف القوية مبتدئة بالحرف M، أما الشديدة فتصنف مبتدئة بالحرفX. والنوع الثاني هو جسيمات عالية الطاقة. والنوع الثالث وهو قد يكون الأخطر يسمى “انبعاثات الشمس الإكليلية”.

 فأما بالنسبة للتوهج الشمسي، فهو ازدياد مفاجئ وكبير في الطيف الكهرومغناطيسي للشمس في منطقة صغيرة نسبيا من الشمس، وهذا يشمل الأشعة الراديوية وتحت الحمراء والمرئية وفوق البنفسجية وأشعة إكس وأشعة جاما، وتقاس شدة التوهج بقياس كمية أشعة إكس المنبعثة نتيجة للتوهج. وهذه الأشعة تصل الأرض فور علمنا بحدوث التوهج، وينحصر تأثير هذا النوع من العواصف الشمسية بحدوث تشويش على الاتصالات الراديوية في بعض النطاقات المستخدمة في الاتصالات والملاحة، فإن كان التوهج شديدا، فقد تفقد الطائرات والبواخر التي تستخدم هذه الأمواج (وهي قليلة) الاتصال لمدة قد تصل إلى بعض الساعات، وكذلك يلاحظ هواة ومستخدمو الراديو تشويشا على نطاق الأمواج القصيرة (Shortwave).

 يؤدي التوهج الحاصل على الشمس إلى تسريع جسيمات (بروتونات وإلكترونات وبعض الأيونات) بحيث تصبح ذات طاقة عالية جدا، وهي تصل إلى الأرض بعد حوالي ساعة إلى ساعتين من التوهج، وهذا هو النوع الثاني من العواصف الشمسية، ويستمر هذا التدفق من الجسيمات المشحونة ذات الطاقة العالية لعدة ساعات. وأثرها على الأرض هو نفس أثر التوهجات الشمسية السابقة، إضافة إلى خطرها الكبير على الأقمار الصناعية، فاصطدام هذه الجسيمات بالأقمار الصناعية قد يعطلها مؤقتا أو بشكل دائم، كما أن هذه الجسيمات تشكل خطرا صحيا على رواد الفضاء والمسافرين في الطائرات في المناطق الشمالية القريبة من القطب، إلا أن شركات الطيران تراقب ذلك، وتبعد طائراتها عن تلك المنطقة أثناء هذه العاصفة.

 يسمى النوع الثالث من العواصف الشمسية بـ “انبعاثات الشمس الإكليلية” (Coronal Mass Ejection CME)، وهو قد يكون الأكثر خطرا، ويتكون من مادة الشمس نفسها، بحيث تقذف الشمس كمية هائلة من مادتها وهي عبارة عن غاز مؤين (بلازما) يحتوي على مجالات مغناطيسية، وتصلنا الانبعاثات الإكليلية خلال يومين إلى ثلاثة أيام من رصدنا لها وهي تنطلق من الشمس! وعندما تصطدم هذه المقذوفات بالأرض فإنها تسبب ما يلي:-

1- اضطراب في المجال المغناطيسي الأرضي، وبالتالي تتأثر البوصلة.

2- تتكون تيارات كهربائية في خطوط الضغط العالي لشبكات الكهرباء، مما قد يزيد الحمل الكهربائي على الشبكة ويؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي.

3- تتولد تيارات كهربائية في خطوط الأنابيب. (الأنابيب الطويلة المدفونة أو الممددة على الأرض).

4- ظهور الشفق القطبي.

5- تتأثر الطيور المهاجرة المعتمدة على المجال المغناطيسي.

6- تتأثر مدارات الأقمار الصناعية، بسبب ازدياد الاحتكاك مع الغلاف الجوي الأرضي.

7- تشويش على بعض أمواج الراديو Low Frequency  و High Frequency.  

إلا أن معظم هذه المخاطر محصورة في المناطق القريبة من الأقطاب، مثل شمال أوروبا وشمال آسيا وشمال أمريكا. وتقترب منا كلما كان الانفجار أكبر، إلا أنها تبقى بعيدا عن المنطقة العربية. فالغلاف الجوي الأرضي يحمينا من النوع الأول من العواصف المغناطيسية، والغلاف الأرضي المغناطيسي يحمينا من النوع الثالث، والغلافين الجوي والمغناطيسي يشتركان في حمايتنا من النوع الثاني. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الظواهر لا علاقة بينها وبين درجة الحرارة على سطح الأرض، فهذه الانفجارات لا تؤدي إلى ازدياد في درجة الحرارة على سطح الأرض.

المهندس محمد شوكت عودة
مدير مركز الفلك الدولي

 

مقطع فيديو لتوهج شمسي حدث قبل عدة أيام، ونذكر أن التوهج الشمسي ظاهرة محلية، تحدث في مكان صغير نسبيا على الشمس.

 

الفيديو التالي يعرض النوع الثاني من العواصف الشمسية وهو الجسيمات عالية الطاقة. فالمقطع يبدأ بانبعاث إكليلي كبير يخرج من الشمس من الأعلى، وهذا الانبعاث هو السبب بانطلاق جسيمات عالية الطاقة نحو الأرض! نحن لا يمكن أن نرى هذه الجسيمات ولكن يمكننا رؤية أثرها! فهذه النقاط البيضاء التي تظهر فجأة وبشكل كبير على الشاشة بعد الانبعاث الإكليلي هي عبارة عن الجسيمات عالية الطاقة وهي تصطدم بحساس الكاميرا مسببة هذا التشويش!

 

 شاهد صور حقيقية لانبعاثات الشمس الإكليلية في هذا المقطع

 

فيديو جميل يظهر الأنواع الثلاثة للعواصف الشمسية، بحيث يبدأ بتوهج يتبعه جسيمات عالية الطاقة، ومن ثم انبعاث شمسي، ومن ثم جسيمات عالية الطاقة

 

مقطع الفيديو التالي يبين إنبعاثات الشمس الإكليلية وكيف تنطلق من الشمس وتتفاعل مع الغلاف المغناطيسي الأرضي

سبتمبر
30

سقوط القمر الصناعي فوق سلطنة عمان

السبت 27 سبتمبر 2014، الساعة الثامنة والنصف مساء بتوقيت الإمارات… كان هذا هو الوقت الذي أردت أن أرى إن كان هناك سقوط متوقع لقمر صناعي على المنطقة العربية…. هكذا أفعل بين الفينة والأخرى…. وبالفعل وجدت أن هناك قمرا صناعيا يابانيا سيسقط على الأرض بعد قليل، رقمه 25776  واسمه AYAME 1 (ECS 1) N-1 R/B2 ، وهو أحد مراحل الصاروخ الذي أطلق القمر الصناعي الرئيسي يوم 06 فبراير 1979م، وهو بالتحديد محرك الصاروخ، وتبلغ كتلته فارغا 63.5 كغم ويبلغ قطره 93 سم وطوله 170 سم.

 

ومن المعروف أنه لا يمكن معرفة مكان ووقت سقوط الأقمار الصناعية بدقة وذلك لأسباب مختلفة لا مجال لذكرها هنا، وبشكل عام فإن أفضل توقع تصدره وزارة الدفاع الأمريكية يكون قبل السقوط بحوالي ساعتين ويكون مقدار الخطأ فيه زائد ناقص ساعتين، أي ما مجموعه أربع ساعات! فإذا علمنا بأن القمر الصناعي الآيل للسقوط يلف الأرض مرة واحدة كل 90 دقيقة، فإن خطأ مقداره أربع ساعات يعني أن القمر الصناعي سيلف الأرض خلالها مرتين ونيف! ولذلك فإننا لا نبالغ بتحذير الناس أو بإرسال الخبر لوسائل الإعلام، لأننا في الواقع لا نعرف بالضبط -لا نحن ولا غيرنا- متى وأين سيسقط القمر الصناعي! ولكن بالتأكيد هناك مناطق مرشحة لأن يسقط فوقها القمر الصناعي، والسبيل الوحيد لمعرفة موعد ومكان السقوط هو النظر إلى السماء وقت مرور القمر الصناعي فوق الراصد، والترقب في محاولة لرؤية جسم محترق يظهر في السماء لبعض الوقت!  

 

وبحسب آخر تقرير صدر من وزارة الدفاع الأمريكية، فإن الوقت المتوقع لسقوط القمر الصناعي كان الساعة 18:18 بتوقيت غرينتش والمكان المتوقع لسقوط القمر الصناعي هو في المحيط الهندي إلى الغرب قليلا من الهند، وذلك بخطأ مقداره زائد ناقص ساعتين. الخارطة أدناه تبين الموقع المتوقع لسقوط القمر الصناعي، وتبين كذلك مسار القمر الصناعي خلال الفترة المتوقع سقوطه خلالها. وبمعنى آخر فإن جميع المناطق الواقعة تحت الخطوط الخضراء والحمراء مرشحة لأن يسقط فوقها القمر الصناعي، بحيث أن الخطوط الحمراء هي مسار القمر الصناعي بعد الوقت المتوقع للسقوط، والخطوط الخضراء هي مسار القمر الصناعي قبل الوقت المتوقع للسقوط. ومنها نلاحظ أن سلطنة عمان والسعودية مرشحة بشكل كبير لأن يسقط القمر الصناعي فوقها لأنه سيمر فوقها قبل 4 إلى 9 دقائق فقط من الوقت المتوقع للسقوط!

وبالتالي ارتأينا أن الموضوع يستحق إعلام الناس به، فنشرناه عبر حسابنا على تويتر، وكان تفاعل الناس معنا أكثر من المتوقع، وبالفعل بدأنا بمتابعته عن كثب، وكنا نعلم الناس بموقعه أولا بأول وطلبنا منهم النظر إلى السماء تحسبا لمشاهدته أثناء السقوط، ومن المناطق العربية التي كانت مرشحة أيضا لأن يسقط القمر الصناعي فوقها هي موريتانيا والجزائر وليبيا ومصر. وكانت المفاجأة أنه وما أن مر القمر الصناعي فوق سلطنة عمان حتى جاءتنا العديد من الشهادات بمشاهدة جسم محترق في السماء!

عندها طلبنا ممن شاهد الجسم المحترق تفاصيل أكثر مثل أن يذكر موقعه ووقت المشاهدة والمكان في السماء الذي بدء عنده والذي انتهى عنده الحدث، ولون الجسم وهيئته، وبالفعل وصلتنا عدة إفادات ولكن معظمها كان منقوصا! على أية حال لم نرغب أن نصر على الناس ونطلب منهم مزيدا من التفاصيل، وفضلنا انتظار تقرير وزارة الدفاع الأمريكية، ففي الغالب يصدر تقريرهم الرسمي بعد السقوط بحوالي ساعة إلى ساعتين، ويبين فيه المكان والوقت الذي سقط عنده القمر الصناعي، ولكن هذا التقرير لا يصدر لجميع الأقمار الصناعية، بل للكبيرة والمهمة فقط في الغالب، وللأسف لم تصدر الوزارة تقريرا لهذا السقوط!

 

وفي صباح اليوم التالي وردني بريد إلكتروني من أحد المشرفين على برنامج مراقبة سقوط الأقمار الصناعية على الأرض، وهو Ted Molczan وهذا الشخص هو من أشهر خبراء مراقبة الأقمار الصناعية في العالم، وله أبحاث وأعمال هامة وكبيرة على المستوى العلمي، وقد بدأ أعماله بمراقبة الأقمار الصناعية منذ ستينيات القرن الماضي! وفي رسالته هذه أبدى اهتمامه بما شاهده سكان سلطنة عمان، ووضح سبب هذا الاهتمام بأسباب علمية وفلكية لا يتسع المجال لذكرها هنا. وبناء على ذلك قمنا مرة أخرى بالطلب ممن شاهد الحدث في سلطنة عمان بأن يزودنا بمزيد من التفاصيل وطلبنا منهم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني، بل وقمنا بالتواصل الهاتفي مع بعضهم لأخذ التفاصيل بشكل واضح.

 

وقبل أن نعرض تحليل النتائج، فلنشرح تاليا بعض الأساسيات البسيطة والهامة في الخرائط التالية، فالخارطة الأولى تبين موقع القمر الصناعي في الساعة 10:09 مساء بتوقيت السلطنة، والخارطة الثانية تبين موقع القمر الصناعي في الساعة 10:10 مساء بتوقيت السلطنة، ونلاحظ منها أن القمر الصناعي كان يتحرك من الغرب إلى الشرق، ونلاحظ أنه مر فوق السلطنة من الجزء الجنوبي من السلطنة، تحديدا شمال مدينة صلالة. وهذا يعني أنه لو جاءنا شخص يسكن في صلالة وقال أنه شاهد سقوط القمر الصناعي، فإنه يجب أن يقول أن شاهد جسم محترق في جهة الشمال كان يسير من الغرب إلى الشرق (من اليسار إلى اليمين)، في حين أنه إذا جاءنا شخص يسكن في مسقط وقال أنه شاهد سقوط القمر الصناعي، فإنه يجب أن يقول أن شاهد جسم محترق في جهة الجنوب كان يسير من الغرب إلى الشرق (ولكن بالنسبة له كان يتحرك من اليمين إلى اليسار)! فالجهة واتجاه المسار هي الخطوة الأولى للتأكد من الجسم الذي شاهده الشهود وفيما إذا كان سقوط القمر الصناعي فعلا أو أنه جسم آخر.

نأتي الآن لأمر آخر غاية في الأهمية، وهو الدوائر الثلاثة الملونة، وهذه الدوائر مهمة جدا، فالمناطق الواقعة داخل الدائرة الخضراء يكون ارتفاع القمر الصناعي فيها أكثر من 10 درجات عن الأفق، أما المناطق الواقعة داخل الدائرة الزرقاء سيكون ارتفاع القمر الصناعي فيها أكثر من 5 درجات عن الأفق، أما الدائرة الحمراء فهي للمناطق التي يكون ارتفاع القمر الصناعي فيها أكثر من صفر درجة عن الأفق. وبشكل عام يمكننا القول إن المناطق الواقعة ما بين الدائرة الحمراء والزرقاء لن ترى شيئا حتى وإن سقط القمر الصناعي أثناء مروره في تلك المنطقة، وسبب ذلك أن ارتفاع القمر الصناعي عن الأفق في هذه المناطق منخفض، وعلى الأغلب أن الظاهرة لن تشاهد بسبب حدوثها خلف البنايات أو المرتفعات، وحتى إن كان الأفق مكشوفا، فإن القمر الصناعي سيكون بعيدا عن تلك المناطق. بل قد يمكننا القول أيضا أن الكلام نفسه ينطبق على المناطق الواقعة بين الدائرة الزرقاء والخضراء، إلا إن كان سقوط القمر الصناعي مميزا وكان التوهج والاحتراق كبيرا، فعندها قد تلاحظ هذه المناطق شيئا ما! إذا باختصار، المناطق التي ستشاهد السقوط هي على الأرجح فقط تلك الواقعة داخل الدائرة الخضراء!

 

نعود الآن لشهادات الأشخاص ونلخص ما قاله كل شخص مع تحديد موقعه:-

-         رقم الراصد: 1

-         اسم الراصد: حمد الشحي @al5anpooly

-         مكان الرصد: دبا، محافظة مسندم، سلطنة عمان.

-         وقت المشاهدة: 10:11.

-         مكان بداية رؤية الجسم: الشرق، على ارتفاع حوالي 30 درجة.

-         مكان نهاية رؤية الجسم: الشرق ،على ارتفاع حوالي 15 درجة.

-         عدد الأجسام: أكثر من جسم كالزجاج المتكسر، واحد كبير والباقي صغير.

-         مدة الرؤية: ثانيتين تقريبا.

-         اللون: أبيض إلى الأزرق.

-         تعليقنا على هذه الشهادة: الوصف مطابق تماما لهيئة سقوط الأقمار الصناعية، ولكن الارتفاع والجهة غير متطابقة بدرجة كبيرة جدا. من دبا كان القمر الصناعي في جهة الجنوب على ارتفاع حوالي 4 درجات فقط! ولكن الجسم الذي شاهده الراصد كان على ارتفاع حوالي 30 درجة وكان في جهة الشرق.

-         النتيجة: ليس القمر الصناعي.

 

-         رقم الراصد: 2

-         اسم الراصد: عزيز البلوشي.

-         مكان الرصد: صنقر، صحار، سلطنة عمان.

-         وقت المشاهدة:   قريب 10:10

-         مكان بداية رؤية الجسم: الشرق، على ارتفاع 50-60 (قليلا إلى الجنوب).

-         مكان نهاية رؤية الجسم: الشرق، قريب من الأفق.

-         عدد الأجسام: جسم وحد

-         مدة الرؤية: 3-4 ثواني

-         اللون: أبيض إلى الأزرق

-         ملاحظات الراصد: ظهر ثم خفت ثم لمع

-         تعليقنا على هذه الشهادة: الغالب أنه نفس الجرم الذي شاهده الراصد رقم 1. ولكن نفس الملاحظة أيضا، فالجهة والارتفاع غير متطابقين بشكل كبير جدا. من صحار كان القمر الصناعي في جهة الجنوب وفي أفضل حالته كان على ارتفاع حوالي 07 درجات، ولكن الجسم الذي شاهده الراصد كان في جهة الشرق على ارتفاع 50-60 درجة.

-         النتيجة: ليس القمر الصناعي.

 

-         رقم الراصد: 3

-         اسم الراصد: ‏@alrashdi_zoom

-         مكان الرصد: الخوض، جنوب السيب، بالقرب من مسقط، سلطنة عمان.

-         أرسل الراصد خارطة مهمة نبينها تاليا، يوضح فيها أن الجسم المشاهد كان في جهة البحر في جهة الشمال الغربي.

-         تعليقنا على هذه الشهادة: هناك اختلاف كبير بين الجسم المشاهد وبين مكان القمر الصناعي، فالجسم تمت مشاهدته في جهة الشمال الغربي، ولكن القمر الصناعي كان في جهة الجنوب!

-         النتيجة: ليس القمر الصناعي.

 

 

-         رقم الراصد: 4

-         اسم الراصد: ‏ @AzSimoo

-         مكان الرصد: المعبيلة الجنوبية، جنوب السيب، بالقرب من مسقط، سلطنة عمان.

-         شهادة الراصد: أنا شفت شيء يحترق من المعبيله الجنوبيه. على أساس متوقعين ظهوره من الغرب، أنا كنت أطالع صوب الغرب، ظهر من يساري، راح صوب البحر.

-         تعليقنا على هذه الشهادة: هناك اختلاف كبير بين الجسم المشاهد وبين مكان القمر الصناعي، فالجسم تمت مشاهدته يتحرك من الجنوب إلى الشمال، ولكن القمر الصناعي كان يتحرك من الغرب إلى الشرق.

-         النتيجة: ليس القمر الصناعي.

 

وبالإضافة لهذه الشهادات الأربعة وردتنا أكثر من 10 شهادات أخرى، ولكنها شهادات منقوصة، لا يمكن الاعتماد عليها.

 

فللنظر مرة أخرى للدوائر الثلاثة الملونة، ونقارن موقع الراصدين الأربعة مع هذه الدوائر

 

 

 

فأما بالنسبة لحمد الشحي من دبا، فهو كان خارج الدائرة الزرقاء، أي أن ارتفاع القمر الصناعي في أفضل حالاته كان أقل من 5 درجات (كان حوالي 4 درجات)، وبالتالي من المؤكد بأن سقوط القمر الصناعي لم يكن مشاهدا من منطقته. فضلا على أن القمر الصناعي كان في جهة الجنوب في حين أنه شاهد الجسم في جهة الشرق. والكلام نفسه ينطبق على عزيز البلوشي من صحار، مع فارق أن ارتفاع القمر الصناعي عنده كان 07 درجات. أما بالنسبة للمناطق الواقعة جنوب السيب، فالشهود شاهدوا شيئا في الاتجاه المعاكس تقريبا لموقع القمر الصناعي.

 

الآن أمامنا حلان فقط، وهما:

1-    أن مسار القمر الصناعي قد انحرف شمالا، ومر في الواقع ما بين مسقط وصحار، فعندها من الممكن أن نوائم بين هذه الشهادات وبين سقوط القمر الصناعي! ولكن مهلا! الموضوع ليس بهذه البساطة! فمدارات الأقمار الصناعية محسوبة ومعروفة بدقة عالية، وهي لا تنحرف أبدا هذا الانحراف بهذا الشكل! فالعناصر المدارية للقمر الصناعي حديثة جدا ولا يمكن أن ينحرف القمر الصناعي بهذا المقدار أبدا! فالجهات المسؤولية والمعنية تنفق المليارات لتتبع جميع الأقمار الصناعية بأجهزة معقدة وعن طريق رادارات ضخمة وعملاقة منتشرة في مختلف مناطق العالم! فهذا الاحتمال غير وارد قطعا! مع ملاحظة أنه  بالنسبة للقمر الصناعي الساقط فقط، فعدم الدقة يكون في أمرين اثنين؛ الأول هو ارتفاع القمر الصناعي عن الأرض والثاني هو موعد مرور القمر الصناعي فوق المنطقة، فقد يتأخر أو يبكر القمر الصناعي بدقائق يسيرة فقط، وهذا فقط ينطبق على القمر الصناعي أثناء سقوطه، فاحتكاكه مع الغلاف الجوي يجعل معرفة ارتفاعه ومعرفة سرعته أمر غاية في التعقيد، ولكنه لا يغير مساره بالانحراف. وطبعا في جميع كلامنا نفترض أننا نستخدم عناصر مدارية حديثة، وهكذا كان الواقع بالنسبة لهذا السقوط.

2-    الاحتمال الثاني: يبدو أنه في نفس وقت مرور القمر الصناعي فوق سلطنة عمان، ظهر شهاب لامع في السماء، ومر في المنطقة الواقعة ما بين مسقط وصحار وهو الذي شاهده جميع هؤلاء الشهود. ونحن نرجح هذا الاحتمال.

 

الخلاصة: جميع الشهادات الواردة لا تتطابق مع جهة وارتفاع القمر الصناعي الساقط، ولكنها متفقة تقريبا على حدث واحد، ونرجح بأنه شهاب لامع ظهر في نفس موعد مرور القمر الصناعي.

 

النتيجة: هذه التجربة تؤكد على ضرورة وجود اتصال أكبر وأسرع بين هواة وعلماء الفلك في المنطقة، فلو استعد الفلكيون في المنطقة لهذا الحدث، لكانت التقارير أكثر دقة، وكان توصلنا للنتيجة أسرع وأفضل. فالفلكي بحكم خبرته قادر على تمييز الظواهر الفلكية وهو أقدر على تحديدها وتفنيدها.

 

شكر: لا يفوتنا أن نتوجه بجزيل الشكر لجميع من تعاون معنا في هذه الظاهرة من مغردين على تويتر ومن شهود اهتموا بالموضوع وحملوا على عاتقهم مسؤولية توصيل ما شاهدوه للمعنيين، فلهم منا جزيل الشكر والامتنان، من ذكرنا منهم ومن لم نذكر. والله ولي التوفيق.

 

المهندس محمد شوكت عودة

أحد المشرفين على برنامج مراقبة سقوط الأقمار الصناعية على الأرض

مركز الفلك الدولي

http://www.reentrywatch.com/

سبتمبر
25

تحقيق “صحيفة سبق” المربك حول هلال ذي الحجة

قام أحد كتاب صحيفة سبق بنشر تحقيق يوم الأربعاء 24 سبتمبر 2014م الموافق 29 ذو القعدة 1435هـ بعنوان “هلال ذي الحجة.. سبق تتقصى آراء الفلكيين حول ولادته ومشاهدته”، وذلك على الرابط التالي: ( http://sabq.org/aUlgde ) وللأسف افتقد كاتب هذا التحقيق لأبسط قواعد المهنية الصحفية، فضلا عن الدقة والموضوعية! فهدف الكاتب كان واضحا من الأسطر الأولى بإظهار خلاف الفلكيين والتشهير بهم، وقد أوقعه هدفه هذا بعدة أخطاء نورد بعضها تاليا:

بدأ المقال بجملة “أصرّ مدير المرصد الإسلامي على تبني استحالة رؤية هلال شهر ذي الحجة مغرب اليوم الأربعاء 29/ 11/ 1435 في سماء الدول العربية والإسلامية، على الرغم من إجماع الفلكيين على ولادة الهلال صباح اليوم ومكوثه وقتاً بعد غروب الشمس في أغلب الدول العربية والإسلامية الواقعة في الجزيرة العربية وأفريقيا، وإقرار عودة بذلك.”

1-    هذه الفقرة محشوة بالأخطاء والمعلومات غير الصحيحة، فأولا كلمة أصر تدل على تكرار في المعلومة وعلى إعلانات متكررة وعلى تصريحات عديدة لرئيس المشروع الإسلامي لرصد الأهلة، وهذا غير صحيح! فالمشروع ورئيسه لم يصرحوا حول رؤية هلال شهر ذي الحجة إلا مرة واحدة، وذلك في بيان علمي واضح منشور على موقع المشروع على الرابط التالي ( http://bit.ly/1sf5ckr ).

2-    لم يصرح رئيس المشروع ولا المشروع أصلا باستحالة رؤية الهلال يوم الأربعاء من المنطقة العربية، فبيان المشروع يذكر بوضوح أن رؤية الهلال من المنطقة العربية كانت غير ممكنة وليست مستحيلة كما يدعي التحقيق. وشتان بين الإثنين، فالفارق بين الرؤية المستحيلة والرؤية غير الممكنة من الناحية العلمية كبير.

3-    تظهر الجملة السابقة الموضوع وكأن به تناقض كبير بالقول بأن رئيس المشروع يصر على استحالة الرؤية على الرغم من إجماع الفلكيين على تولد الهلال! وتعليقنا هو وما العلاقة بين رؤية الهلال وبين تولد الهلال! فالفرق بينهما شاسع! ونعم قد يتولد الهلال ولكن تصعب رؤيته بل تستحيل أحيانا! والربط بين ولادة الهلال وبين رؤيته لا يستقيم أصلا!

هذه ثلاثة أخطاء وقع فيها كاتب التحقيق في أول فقرة، وكان الأجدر بكاتب التحقيق الاتصال مع المشروع الإسلامي لرصد الأهلة إن كان صادق النية برغبته بإجراء تحقيق مهني دقيق يظهر الحقائق للناس بدلا من هذا التحقيق الذي يشوه سمعة الآخرين ويزيد الإرباك بين الناس! فالأصل أن دور وسائل الإعلام الأول هو إيصال المعلومة الصحيحة للناس، وليس الدعاية فحسب! خاصة وأن علاقة المشروع مع صحيفة سبق علاقة طيبة والاتصال بيننا مستمر فكان من السهل جدا على كاتب التحقيق الوصول لنا والاستفسار منا مباشرة عن أي مسألة أشكلت عليه. ونكمل الآن في بقية الأخطاء:

تورد فقرة أخرى ما يلي:

” وحول هذه النقطة أكد رئيس المشروع الإسلامي لرصد الأهلة المهندس محمد شوكت عودة، على أن يوم الخميس 25 سبتمبر هو المكمل لشهر ذي القعدة، ويوم الجمعة 26 سبتمبر أول أيام شهر ذي الحجة، وأن الأحد 5 أكتوبر أول أيام عيد الأضحى المبارك.”

 

4-    وهذا كلام غير صحيح، فبيان المشروع الإسلامي لرصد الأهلة وهو التصريح الوحيد الذي أصدره المشروع حول رؤية هلال ذي الحجة وضع الاحتمالين بوضوح، وبين أنه باعتماد غروب القمر بعد الشمس يوم الأربعاء، فإن بداية الشهر تكون يوم الخميس، أما باعتماد الرؤية فإن بداية الشهر ينبغي أن تكون يوم الجمعة. ولا يجوز لكاتب التحقيق اجتزاء تصريح المشروع وانتقاء ما يحلو له مجتزأ فقط ليظهر للناس أن هناك خلافا أو تناقضا! فكان حري بكاتب التحقيق تكملة هذه الجزئية من بيان المشروع!

 

5-    يكمل التحقيق اقتباس أقوال بعض الفلكيين فيما يتعلق ببداية شهر ذي الحجة، ويخلط كاتب التحقيق بين ما يقوله الفلكيون حول بداية الشهر اعتمادا على وجود القمر بعد غروب الشمس وبين إمكانية رؤية الهلال! وهاتان مسألتان منفصلتان! فكثير من الدول الإسلامية ومنها تقويم أم القرى تبدأ الشهر الهجري بمجرد غروب القمر بعد الشمس بغض النظر عن إمكانية الرؤية، فلا يجوز للكاتب أن يقتبس قول بعض الفلكيين من أن بداية شهر ذي الحجة هي يوم الخميس ليستدل بذلك على أن إمكانية رؤية الهلال يوم الأربعاء ممكنة! فهذا العمل يسمى في الواقع تدليسا.

 

6-    ثم يقوم كاتب التحقيق بمحاولة لإبراز اختلاف الفلكيين من خلال سرد مواعيد مختلفة لمكث القمر يوم الأربعاء على لسان الفلكيين. ومرة أخرى لو اتصل كاتب التحقيق مع الجهات التي نشرت هذه المواعيد واستفسر منها عن سبب هذا الخلاف لاتضحت الحقيقة له ولما ظن أن هناك خلاف! ففي الواقع لا يوجد تضارب أو اختلاف في المواعيد بين الفلكيين! فهذه أمور أبسط من يختلف عليها مختصون! فمواعيد شروق وغروب الأجرام السماوية يعرفها هاو مبتدأ في علم الفلك! ومجرد قول أحدهم أن الفلكيين مختلفون بينهم في هذه المواعيد فيه إهانة للعلم برمته وتهميش للعقل وإظهارنا كأمة متخلفة لا تعرف حتى أن تحسب موعد غروب القمر! وكما تقول الحكمة المعروفة: “من تحدث بغير فنه أتى بالعجائب”. فكان حري بكاتب التحقيق الرجوع لأهل الاختصاص للاستفسار وللمعرفة بدلا من إطلاق الاستنتاجات الشخصية التي كانت في الواقع خاطئة وزادت الناس تشتيتا بدلا من أن ترشدهم! فأما بالنسبة لمواعيد مكث القمر المحسوبة من قبل المشروع، فقد ذكر المشروع صراحة وبوضوح وفي مكانين مختلفين من البيان أن مواعيد الغروب هذه تم حسابها للحافة السفلى لقرص القمر وليس الحافة العليا، والفارق بينهما حوالي دقيقتين، وعلل البيان ذلك بقوله إن المهم عند تحري الهلال هو موعد غروب الحافة السفلى وليس العليا لأن الهلال كله أو معظمه موجود في تلك المنطقة، وبالتالي فإنه من الأكثر دقة أن نحسب موعد غروب القمر بالنسبة لحافته السفلى.

على أية حال لا يعنينا الرد على كل جزئية وردت في ذلك التحقيق، فالشرح والإسهاب يحتاج إلى كتابة مطولة، ونحن في المشروع الإسلامي لرصد الأهلة أبوابنا مفتوحة لأي مستفسر، وموقعنا على شبكة الإنترنت غني بالأبحاث العلمية التي كتبها علماء متخصصون حول رؤية الهلال وغيرها، وهي موجودة على هذا الرابط ( http://www.icoproject.org/paper.html  ).  فهذه مواضيع لها أهلها ولها قواعدها شأنها شأن أي فرع آخر من المعارف والعلوم! فلا يمكن لصحفي أن يسمح لنفسه بممارسة مهنة الطب مثلا وتشخيص الأمراض إذا أشكلت عليه حالة طبية ما! بل يجب عليه الرجوع لأهل العلم والاختصاص في ذلك الموضوع، وإلا فإنه سيأتي بالعجائب فعلا! كما نظم المشروع مؤتمرين عالميين حول رؤية الهلال، صدر لكل واحد منهما كتاب أعمال احتوى على أبحاث ذلك المؤتمر، ويمكن الحصول على هذه الكتب من المشروع، وهي موجودة على الموقع التالي ( http://www.icoproject.org/confe.html?&l=ar ) والموقع التالي ( http://www.icoproject.org/conf2.html?&l=ar ).

 

إننا لا ننكر أن هناك لبسا وخلطا في مسألة رؤية الهلال، ولكن تعودنا في مثل هذه الحالات أن تتصل بنا الجهة الإعلامية التي ترغب بإجراء تحقيق مهني جاد ودقيق، فعندها يدور بيننا حوار مطول، يدرك بعدها الصحفي دقائق الأمور، وبهذا الصدد فقد أجرينا لقاءات صحفية استمرت ساعات وهي موجودة على موقعنا على شبكة الإنترنت على العنوان التالي: ( http://www.youtube.com/user/icoproject/playlists )، ويمكن لأي مهتم أن يسمعها ليعرف الحقيقة بدلا من إطلاق أحكام خاطئة وفيها تشويه لسمعة الناس والجهات العلمية فضلا عما تسببه من مزيد من التشويش والإرباك.  

يوليو
23

لماذا لا يرى الهلال إذ غاب بعد غروب الشمس بفترة قصيرة؟

صرح عدد من الفلكيين أن رؤية هلال عيد الفطر القادم (شوال 1435 هـ) يوم الأحد 29 رمضان الموافق 27 تموز/يوليو 2014م غير ممكنة من المنطقة العربية لا بالعين المجردة ولا باستخدام التلسكوب على الرغم من أن القمر يغيب يومها بعد غروب الشمس بفترة تصل في بعض المناطق العربية إلى 18 دقيقة.

وأثار هذا التصريح بعض التساؤلات بين عامة الناس بكيفية تصريح الفلكيين بعدم إمكانية الرؤية على الرغم من غروب القمر بعد غروب الشمس، ونأمل من خلال هذه الأسطر القليلة الإجابة على هذه التساؤلات. وتتكون هذه التدوينة من أفكار رئيسية عدة، سأبينها تاليا بشكل واضح حتى يسهل استيعاب الموضوع.

 الفكرة الأولى: نحن أيضا “متراؤون”

شهدت السنوات الماضية ظاهرة جد خطيرة، وهي تصوير الفلكيين كطرف أول لا يعرفون من موضوع رؤية الهلال إلا الأمور النظرية، وأنهم لو “تنازلوا” وقاموا بترائي الهلال لغيروا آراءهم وتصريحاتهم، وصورت هذه الظاهرة “المترائين” كطرف ثاني مخلص لا يوجد عنده هدف إلا الامتثال لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا يحتسبون من عملهم هذا إلا الأجر والثواب من الله، فأصبح الناس ينظرون إلى الفلكي كشخص غير متمرس بالرصد العملي للهلال، ويقارب اشتغاله بموضوع الأهلة درجات أوصلها بعضهم للفسق والخروج من الملة. وينظرون إلى “المترائي” كشخص مسكين مظلوم مفتر عليه من قبل الفلكيين “الظلمة”! وهذه الصورة غاية في القبح، وفيها تزييف كبير للواقع وللحق!

فنحن الفلكيون أيضا “متراؤون”! ونحن نقوم بتحري الهلال أيضا، ولا نرجو من عملنا هذا إلا مرضاة الله أيضا، ونحن لا نطالب بإلغاء الرؤية والاعتماد على الحساب كما يتصور الكثيرون! إنما غاية ما نطالب به أن رؤية الهلال التي سنبدأ بسببها الشهر يجب أن تكون صحيحة منفكة عما يكذبها، ولا تتعارض مع الحقائق العلمية القاطعة! فديننا دين علم وقد أعلى من شأنه، والشرع لا يأتي بالمستحيلات!

نعم نحن متراؤون أيضا! فكاتب هذه التدوينة بدأ رصد الهلال بشكل عملي منذ العام 1995م (1415 هـ) ونحن نتحرى الهلال بالعين المجردة، ونتحراه باستخدام التلسكوب ونتحراه باستخدام أكثر الوسائل العلمية تطورا أيضا! وهذا هو حال معظم الفلكيين المشتغلين في موضوع الهلال، فنحن بحمد الله نجمع بين الخبرة العملية والواقعية وبين حثيثيات الموضوع النظرية والعلمية! فلا يتصور أحد أننا نصرح بما نصرح ونحن بعيدون عن الواقع! نعم رصدنا الهلال مئات المرات وقارنا بين معايير رؤية الهلال وبين ما كنا نشاهده واقعا! وقد سبقنا فلكيون آخرون بالرصد منذ مئات السنين، وما تشكلت معايير رؤية الهلال الحالية، إلا بعد رصد مستفيض من قبل خبراء أفنوا حياتهم في موضوع رؤية الهلال. فرصدنا الهلال في ظروف كانت السماء فيها صافية جدا، وفي ظروف كانت الأحوال الجوية فيها سيئة، ونعلم كيف سيبدو الهلال في كل منها! ويوجد من الفلكيين الراصدين للهلال من هم متواجدون في شتى بقاع العالم، ويوجد بيننا تواصل وتبادل في الخبرات والآراء! فرؤية الهلال ليست محصورة في ثلة قليلة غير موجود إلا في بقعة واحدة من الأرض!

ويحضرني في هذا المقام ما قاله مفتي قطر السابق عندما كثرت الأخطاء في رؤية الهلال، حيث قال الشيخ عبد الله آل محمود مفتي قطر ورئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية رحمه الله: “قد ثبت بالتجربة والاختبار كثرة كذب المدعين لرؤية الهلال في هذا الزمان؛ وكون الناس يرون الهلال قويا مضيئا صباحا من جهة الشرق ثم يشهد به أحدهم مساء من جهة الغرب وهو مستحيل قطعا، ويشهدون برؤيته الليلة ثم لا يراه الناس الليلة الثانية من كل ما يؤكد بطلان شهادتهم. كما شهدوا في زمان فات برؤية هلال شوال وأمر الناس بالفطر فأفطروا، وعند خروجهم إلى مصلى العيد لصلاة العيد انخسفت الشمس والناس في مصلى العيد، ومن المعلوم أن الشمس لا يخسف بها في سنّة الله إلا في اليوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين، أي ليالي الإسرار، كما أن القمر لا ينكسف إلا في ليالي الأبدار؛ أي ثلاث عشرة أو أربع عشرة أو خمس عشرة، كما حقق ذلك أهل المعرفة بالحساب وعلماء الفلك وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة وأبطل ما يعارضه. فالاستمرار على هذا الخطأ الناشئ عن الشهادات المزورة لا يجيزه النص ولا القياس، ولن نعذر عند الله وعند خلقه بالسكوت عنه. فلأن نخطئ في التوثق والاستحياط أولى من أن نخطئ في التساهل والاستعجال”. وقال في موضع آخر: “إن الهلال لن يُطلب من جحور الجرذان والضبان بحيث يراه واحد دون الناس كلهم! وإنما نصبه الله في السماء لاهتداء جميع الناس في صومهم وحجهم وسائر مواقيتهم الزمانية؛ {ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} وما كان ميقاتا للناس لزم أن يشاهدوه جليا كمشاهدتهم لطلوع الفجر عندما يريدون الإمساك للصوم وعندما يريدون صلاة الفجر، وقال: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} فيا معشر علماء الإسلام أنقذونا وأنقذوا أنفسكم وأنقذوا الناس معكم من هذا الخطأ المتكرر كل عام حتى صار عند أكثر الناس من المألوف المعروف”.

 ما أروع هذا الكلام! نعم إن الهلال لن يطلب من جحور الجرذان بحيث يراه واحد دون الناس جميعهم! وهذا الخطأ المتكرر كل عام تقريبا ولّد عند عامة الناس مفاهيم خاطئة اعتقدوها هي الصواب، مثل أن الهلال يجب أن لا يمكث بعد غروب شمس اليوم الأول من الشهر الهجري طويلا! وهذا مناقض للصواب، فالشهر إذا بدء برؤية صحيحة، يجب حينها أن يغيب الهلال بعد فترة طويلة نسبيا من غروب شمس اليوم الأول!

فالفكرة الأولى التي أردت التأكيد عليها أننا نحن الفلكيين أيضا راصدون للهلال، ولا نصرح بما نصرح به إلا بعد معرفتنا الكاملة بظروف الرؤية، بل إننا نحن المتخصصون بهذه المسألة، ولا يجوز لأي شخص غير متخصص حتى وإن كان فقيها كبيرا التحدث بإمكانية رؤية الهلال من دون علم، فالفقيه وإن كان ذو مكانة لا يجيز لنفسه التحدث في الأمور الطبية عندما يسأله مريض إن كان يجوز له الإفطار في رمضان! بل يكون جوابه باستشارة طبيب حاذق، فإذا أكد له الطبيب أن الصيام سيضر به فعندها يجوز له الإفطار! وعلم الفلك ليس من ذلك ببعيد! فالفلكي هو من يقرر أن رؤية الهلال ممكنة أو غير ممكنة، فهو صاحب الاختصاص والخبرة بهذه الجزئية.  وهو من يحدد إن كان غروب القمر بعد الشمس بمقدار 20 دقيقة مثلا كاف لرؤيته أو ليس كاف! إلا أننا للأسف نجد من هو غير متخصص ويفتي بأريحية أن القمر طالما أنه يمكث في السماء بعد غروب الشمس فإن رؤيته ممكنة ولا يجوز رد الشهود حتى وإن أكد أهل الاختصاص أن رؤيته غير ممكنة!

 الفكرة الثانية: تقدم شاهد أو أكثر برؤية الهلال عندما يؤكد الفلكي عدم إمكانية رؤيته لا يعني أن كلام الفلكي المتخصص كان خاطئا

وهذه تكاد تكون أم المصائب، فكثيرا ما يصرح أهل الاختصاص أن رؤية الهلال غير ممكنة، ثم تعلن بعد ذلك عدة دول ثبوت رؤية الهلال، وعندها يستنتج كثير من الناس فورا أن كلام الفلكي المتخصص كان خاطئا، وأن رؤية الشاهد هي الحق والصواب. وهذا الأمر ليس من الحكمة والصواب! فمنذ متى كانت شهادة أحد طرفي النزاع دليلا لأحدهم! فهذه هي مسألة الخلاف أصلا، ولا يجوز اعتبار ادعاء أحد الأطراف هو الدليل! في جميع المجتمعات المتقدمة علميا، عندما يحصل نزاع في مسالة ما، فإنهم يردوه إلى أهل الاختصاص والخبرة في هذا المجال! إلا للأسف في معظم دولنا! ففي هذه المسألة يصبح أهل الاختصاص هم المتهمون، بل ولا يسلمون للأسف من اللمز والغمز، وكأن في القضية مصلحة شخصية لهم، متناسيين أن المسألة علمية بحتة، وفي تصرفهم هذا نبذ للعلم واستخفاف بعقول الناس!

 الفكرة الثالثة: غروب القمر بعد غروب الشمس بدقائق بسيطة ليس كافيا حتى تمكن رؤية الهلال

وهذا هو واقع شهر شوال القادم، فالهلال يوم الأحد القادم سيغيب في جاكرتا بعد 17 دقيقة من غروب الشمس، وفي أبو ظبي بعد 08 دقائق من غروب الشمس، وفي مكة المكرمة بعد 11 دقيقة من غروب الشمس، وفي عمّان بعد 05 دقائق من غروب الشمس، وفي القاهرة بعد 07 دقائق من غروب الشمس، وفي الرباط بعد 08 دقائق من غروب الشمس، ورؤية الهلال يومها في جميع هذه المدن غير ممكنة لا بالعين المجردة ولا باستخدام التلسكوب. ولمعرفة معاني هذه الأرقام تجدر الإشارة إلى أن أقل مكث لهلال أمكنت رؤيته بالعين المجردة كان 29 دقيقة وتمت رؤيته يوم 20 أيلول/سبتمبر 1990م من فلسطين، ولا يكفي أن يزيد مكث الهلال عن هذه القيمة لتمكن رؤيته، إذ أن رؤية الهلال متعلقة بعوامل أخرى كبعده الزاوي عن الشمس و بعده عن الأفق لحظة رصده. ولا يتسع المقام هنا لشرح كيف يعرف الفلكيون إمكانية رؤية الهلال، فهذا لوحده موضوع كبير لا يتسع المجال لذكره الآن.

 الفكرة الرابعة: هل عدم إمكانية رؤية الهلال يوم الأحد القادم يعني أن الدول لن تعلن ثبوت رؤية الهلال يوم الأحد؟

 بالطبع لا! بل نتوقع أن تعلن الكثير من الدول ثبوت رؤية الهلال يوم الأحد، وأيضا لا يتسع المجال لذكر سبب ذلك بالتفصيل، إنما يجب أن نفرق دائما بين متى يجب أن يبدأ الشهر وبين متى سيبدأ الشهر! فأما بالنسبة للسؤال الأول فإجابته يحددها العلم المبني على الرصد المستفيض والأبحاث العلمية التي أجراها علماء متخصصون في هذا المجال، وأما بالنسبة لجواب السؤال الثاني، فهذا في الواقع خارج اختصاصنا، ولا يعنينا ما سوف تعلنه الدول، بل إن توقع ما ستعلنه الدول قد يقع ضمن إطار التنجيم! وإنما قولنا أننا نتوقع أن تعلن الكثير من الدول ثبوت رؤية الهلال يوم الأحد مبني على ما تعودناه منهم خلال السنوات الماضية، فإذا سارت الأمور هذا العام كما كانت تسير عليه في السنوات الماضية، فبكل تأكيد سيكون عيد الفطر يوم الإثنين في معظم دول العالم الإسلامي! إلا أننا بحق نرجو ونأمل أن يلقي المسؤولون بالا للحقائق العلمية ولا تقبل الشهادات التي تتعارض مع العلم القطعي! فنحن لسنا ضد الرؤية والتحري، بل على العكس، نحن من يطالب بها، إنما غاية مرادنا أن نبدأ بناء على رؤية صحيحة لا تتعارض مع ما أثبته العلم من حقائق.  

 الفكرة الخامسة: تصريح فلكي ما أن يوم الإثنين سيكون أول أيام شهر شوال لا يعني بالضرورة أن رؤية الهلال ممكنة يوم الأحد.

 وهذه أيضا إشكالية كبيرة، فكثير من الناس لا يدرك تصريحات بعض الفلكيين أو من هم محسوبون على الفلك، فيقرؤون عنوان الخبر كما ورد في الإعلام ويبنون عليه استنتاجاتهم التي قد تكون غير صحيحة! فقد يصرح فلكي ما أن بداية شهر شوال يجب أن تكون يوم الإثنين لأن هذا الفلكي لا يشترط رؤية الهلال أساسا لبدء الشهر، بل من وجهة نظر ذلك الفلكي إن مجرد غروب القمر بعد الشمس ولو بدقيقة يعتبر كافيا لبدء الشهر! أما بالنسبة لعامة الناس إن تصريح فلكي ما أن بداية الشهر ستكون يوم الإثنين مثلا يولد عند القارئ استنتاجا ضمنيا أن رؤية الهلال ممكنة يوم الأحد! وهذا غير صحيح، فإذا أردنا الاستشهاد بقول أحد الفلكيين يجب أن نفهم أولا لماذا صرح ذلك الفلكي أن بداية الشهر ستكون في اليوم الفلاني؟! وهنا فإننا ننتقد الفلكي نفسه على هذا التصريح أيضا، فلا يجوز للجهات الفلكية أن تعلن موعد بدء الشهر، بل يقتصر دور الجهات الفلكية على بيان الحقائق العلمية حول رؤية الهلال، ويترك موعد تحديد بداية الشهر للجهات الرسمية المختصة، وتحدث بعض الفلكيين في هذه الجزئية يسبب إرباكا وتشويشا عند عامة الناس.

 والطريف في الموضوع أن بعض الأشخاص يتهمون المشروع الإسلامي لرصد الأهلة بمثل هذه الاتهامات بناء على ما يظهر للمشروع من تصريحات في بعض وسائل الإعلام. وفي الواقع إن موقفنا من هذه المسألة واضح، ولا ينبغي لأحد أن يحاسبنا على تصريحاتنا التي تظهر في وسائل الإعلام، فهي تكون خاضعة لتحرير وسائل الإعلام نفسها، خاصة عنوان الخبر! وعلى من يريد الاطلاع على بياناتنا أن يطلع عليها من موقعنا مباشرة.

 وأكتفي بهذا القدر، وعلى من يرغب بالمزيد قراءة ما كتب في الروابط التالية، التي تجيب على كثير من الجزئيات التي مررت عليها سريعا في هذه التدوينة. 

- بيان المشروع الإسلامي لرصد الأهلة حول رؤية هلال شهر شوال.

- الهلال بين الرؤية والحسابات الفلكية 

- حتى قيمة 0.6 ليست كافية لرؤية الهلال

- ماذا قال الفلكيون عن بداية شهر رمضان الحالي وهل هم مختلفون؟

- هل بداية شهر رمضان كانت خاطئة لاكتمال البدر ليلة 12 من رمضان؟!

- أسرار اللحظات الأخيرة قبل إعلان دخول شهر رمضان الحالي (1434 هـ)

- كيف ثبت؟! للدكتور حمزة المزيني

- استمرار الدعوة للوهم للدكتور حمزة المزيني

- التحول المريب للدكتور حمزة المزيني

- قصة البث المباشر لتحري هلال شوال وكيف رؤي الهلال

- ماذا نستفيد من كسوف الشمس القادم؟

يوليو
11

الحكم على الشيء فرع عن تصوره

* فهم لا يعترضون على إدخال الشهر بالرؤية حين يعترضون على ما يحدث دائماً عندنا، مثلاً، من إدخال الشهر والهلال قد غرب قبل غروب الشمس، أو غرب بعدها بمدة وجيزة لا تجعل رؤيته بالعين البشرية أمراً ممكناً.

أشرت في مقالات سابقة، ومنها على الأخص: «بل عُدولٌ وعلماء» (الشرق، 1433/8/29 هـ)، و«علماؤنا وعلم الفلك»، الشرق، (1433/9/28 هـ)، إلى أن السبب الرئيس لتكرار الجدل عن إهلال الأشهر القمرية المتصلة بالعبادات الموسمية أن علماءنا الأفاضل المنوط بهم اتخاذ السياسات الدينية في بلادنا، ومنها تحديد إدخال تلك الأشهر وإخراجها، لا يقيمون وزناً لعلم الفلك ونتائجه الدقيقة في هذا الشأن. وربما كان الدافع لموقفهم هذا القبولَ الخالص لرأي ابن تيمية في هذه القضية. يضاف إلى ذلك أنه يتضح من تصريحاتهم أن مواقفهم المبدئية من علم الفلك هي التي تحول بينهم وبين الاطلاع على المعرفة الفلكية العلمية الدقيقة التي تنتج عنها الحسابات الفلكية الدقيقة.

لذلك يتطلب حل المشكل المُزمِن المتعلق بثبوت الأشهر العبادية ألا يتوقف هؤلاء الفضلاء عند آراء بعض الفقهاء الأقدمين الذين كانت اجتهاداتهم في هذا الشأن محكومة بمعارفهم الشائعة في أزمنتهم، وأن يجتهدوا كما اجتهد أولئك الأقدمون مستأنسين بما يتوفر الآن من المعارف العلمية التي يمكن أن تحل هذا الإشكال من غير تعارض مع السنة النبوية المطهرة.

وكنت بيَّنت في مقالات سابقة أن الأسباب التي دعت ابن تيمية إلى الاعتراض على الفلكيين غير متحققة الآن. ذلك أن هناك الآن علماء فلك مسلمين يتمتعون بمعرفة علمية موثوقة، ويقدِّرون السنة النبوية المطهرة، ولا يسعون إلى إلغائها في الترائي، وألا هدف لهم إلا التأكد من دخول أشهر العبادات دخولاً صحيحاً، وهو ما يؤدي إلى وحدة المسلمين والقضاء على أسباب الخلاف بينهم في مواقيت صومهم وأعيادهم وحجهم.

ومن الأدلة على ثبات مواقف علمائنا الأفاضل المتشككة في الحسابات الفلكية، تكرار المسوِّغات المعهودة للتشكيك في الحسابات الفلكية، وهي المسوغات التي سبق أن بيَّن المتخصصون في الفلك أنها ليست وجيهة ولا صحيحة علمياً. ومن الأدلة الأخيرة على هذه المواقف المتشككة مقال كتبه الشيخ قيس آل مبارك، عضو هيئة كبار العلماء (الحياة، 2014/6/29م)، بعنوان «هل يمكن اعتماد الحساب لدخول الشهر؟». يقول الشيخ آل مبارك: «والشارع الحكيم عوَّل في ثبوت دخول الشهر على رؤية الهلال، فالرؤيةُ أمرٌ مشهود محسوس، وصورته واحدة وهي المشاهَدة، وهي يسيرةٌ على عموم الناس، ولم يأمرنا الشرع الشريف بالحساب، لأن الأخذ به غير ممكن، لتعدُّد صُوَره، فاختيارُ صورةٍ منه دون غيرها تَحَكُّمٌ لا يُصارُ إليه إلا بمرجِّح، فاختيار طريقة من هذه الطرق من دون غيرها لن يكون محل اتفاق، فهل يَدخل الشهر استناداً إلى عمر القمر، أو استناداً إلى مكث القمر، أو استناداً إلى عمر الاستطالة، وكلها صورٌ حسابية دقيقة، لكنْ بِأَيِّها نأخذ؟ هذا ما يجعل الأخذ بالحساب غير ممكن».

وأول ملحوظة هنا أن الشيخ الفاضل يرى أن الفلكيين جميعاً لا يعتدُّون بالرؤية. وهذا خلاف ما يقوله كثير من الفلكيين المسلمين الآن عنها؛ إذ يقول هؤلاء إن هدفهم ليس إلغاء الاعتماد على الرؤية بالعين المجردة أو المناظير بل أن تكون هذه الرؤية صحيحة منفكَّة عما يسقطها «بتعبير الشيخ آل مبارك».

فهم لا يعترضون على إدخال الشهر بالرؤية حين يعترضون على ما يحدث دائماً عندنا، مثلاً، من إدخال الشهر والهلال قد غرب قبل غروب الشمس، أو غرب بعدها بمدة وجيزة لا تجعل رؤيته بالعين البشرية أمراً ممكناً. واعتراضهم على قبول الشهادات في مثل هذه الحالات مدعوم بما تقوله الدراسات الرصدية العلمية الطويلة لإمكانية رؤية الهلال التي تحدد حدوداً للدرجات التي يمكن للعين البشرية أن ترى الهلال عندها. وعدم تبيُّن هذه المسألة هو السبب في الانطباع غير الصحيح الذي يصدر عنه من يشنِّعون على الفلكيين.

أما قول الشيخ آل مبارك إن الرؤية المباشرة للهلال في أول ليلة «يسيرةٌ على عموم الناس» فقول يُكرَّر كثيراً تسويغاً للاعتماد على مجموعة قليلة العدد تبادر بالشهادة دائماً حتى حين يقول الفلكيون إن رؤية الهلال غير ممكنة. وقد دلت الإحصاءات العلمية – كما كتبتُ مراراً – على أن نسبة الخطأ في رؤية هؤلاء تصل إلى 80%! ومن الشهادات الموثوقة على عدم دقة هؤلاء الشهود ما يقوله الشيخ سليمان الدخيل، وهو، كما يقول المتخصص في الفلك الأستاذ صالح الصالح، حديد النظر ويبحث عن الهلال مع مجموعة معه في أعلى جبل في مدينة المجمعة ويتراؤونه بالعين المجردة والدربيل منذ أكثر من 25 سنة، يقول: «راقبت على أرض الواقع شخصياً هلال الثاني من كل شهر فنراه واضحاً عياناً بياناً وكل من نظر في أفق الغرب يراه حتى من ضعيفي النظر إلا هلال رمضان أو العيد في حال الاختلاف مع الحساب الفلكي. فلماذا نراه في جميع الشهور ويختفي عنا في هاتين الليلتين؟!».

ولا تكون رؤية الهلال «متيسرة» إلا بالشروط التي وضعها الفلكيون، وهي التي يعترض الشيخ آل مبارك عليها قائلاً: «فهل يَدخل الشهر استناداً إلى عمر القمر، أو استناداً إلى مكث القمر، أو استناداً إلى عمر الاستطالة، وكلها صورٌ حسابية دقيقة، لكنْ بِأَيِّها نأخذ؟ هذا ما يجعل الأخذ بالحساب غير ممكن».

وربما يؤكد هذا ما ذكرته أعلاه من أن علماءنا الأفاضل تخفى عليهم حقيقة إعمال المعايير التي يستند إليها علماء الفلك حين يحددون الدرجة التي يقولون إن رؤية الهلال ممكنة عندها. أما الفلكيون فلا يأخذون هذه المعايير فرادى، بل يأخذونها مجتمعة، فهم يشترطون لإمكان رؤية الهلال أن يكون على ارتفاع معين، وأن يكون على درجة انحراف عن الشمس تسمح بابتعاده عن وهجها، وأن تكون نسبة إضاءته كافية لرؤيته. هذا بالإضافة إلى معرفتهم اليقينية بعمر القمر، وهو عدد الساعات التي مضت بعد انفصاله عن الشمس. وهم لا يحكمون بأن القمر يُرى أو لا يُرى حتى مع انطباق تلك المعايير ليلة الترائي. ذلك أنهم يعرفون أن الظروف الجوية، من غبار أو غيم أو غير ذلك، ربما تجعل رؤيته صعبة أو مستحيلة.

ويبدو أن التشكك في الفلكيين لم يكن شائعاً بين الفقهاء قديماً إلى الدرجة التي يوحي بها ابن تيمية وعلماؤنا تبعاً له. ويشهد بذلك ما ذكره الشيخ آل مبارك نفسه من اشتراطات بعض الفقهاء القدماء لقبول الشهادة بالرؤية واعتبارهم أوضاع الهلال التي يُحتَكَم للفلكيين في معرفتها. يضاف إلى هذا ما كتبتُه العام الماضي عن الإمام السبكي الشافعي الذي يرى رد شهادة الشهود إذا قال الفلكيون بعدم صحتها.

لذلك كله فإن علماءنا الأفاضل هم الوحيدون الذين يستطيعون حل هذا المشكل الدائم، ويتطلب ذلك منهم الاطلاع على ما يقوله علماء الفلك المسلمون المعاصرون الموثوقون وما يأتون به من حسابات فلكية دقيقة عن تقرير دخول أشهر العبادات وخروجها.

وتلخيصاً للقول، فإن الفلكيين العرب المسلمين الآن، كما تشهد مؤتمراتهم ومواقعهم العلمية المشهورة في الإنترنت، كالمشروع الإسلامي لرصد الأهلة، لا يقولون بالاستغناء عن إهلال الشهر عن طريق الرؤية بالعين المجردة أو بالمناظير. أما ما يطالبون به فلا يعدو التأكد من أن تكون هذه الرؤية صحيحة.

وإذا ما غيَّر علماؤنا الأفاضل من مواقفهم المتشككة بالحساب الفلكي فستكون أولى نتائج هذا التغيير القضاء على الجدل الدائم عن الأهلة، والقضاء على تشويش أدعياء المعرفة بالحساب الفلكي، والخلاص، أخيراً، من المسارعين بالشهادة برؤية الهلال في غير أوانه، والخلاص من أن تكون المملكة ضحية لأوهام هؤلاء التي تثبت الإحصاءات العلمية أنها لا تتوافق مع حقائق الهلال.

مشاركات سابقة «