يوليو
11

الحكم على الشيء فرع عن تصوره

* فهم لا يعترضون على إدخال الشهر بالرؤية حين يعترضون على ما يحدث دائماً عندنا، مثلاً، من إدخال الشهر والهلال قد غرب قبل غروب الشمس، أو غرب بعدها بمدة وجيزة لا تجعل رؤيته بالعين البشرية أمراً ممكناً.

أشرت في مقالات سابقة، ومنها على الأخص: «بل عُدولٌ وعلماء» (الشرق، 1433/8/29 هـ)، و«علماؤنا وعلم الفلك»، الشرق، (1433/9/28 هـ)، إلى أن السبب الرئيس لتكرار الجدل عن إهلال الأشهر القمرية المتصلة بالعبادات الموسمية أن علماءنا الأفاضل المنوط بهم اتخاذ السياسات الدينية في بلادنا، ومنها تحديد إدخال تلك الأشهر وإخراجها، لا يقيمون وزناً لعلم الفلك ونتائجه الدقيقة في هذا الشأن. وربما كان الدافع لموقفهم هذا القبولَ الخالص لرأي ابن تيمية في هذه القضية. يضاف إلى ذلك أنه يتضح من تصريحاتهم أن مواقفهم المبدئية من علم الفلك هي التي تحول بينهم وبين الاطلاع على المعرفة الفلكية العلمية الدقيقة التي تنتج عنها الحسابات الفلكية الدقيقة.

لذلك يتطلب حل المشكل المُزمِن المتعلق بثبوت الأشهر العبادية ألا يتوقف هؤلاء الفضلاء عند آراء بعض الفقهاء الأقدمين الذين كانت اجتهاداتهم في هذا الشأن محكومة بمعارفهم الشائعة في أزمنتهم، وأن يجتهدوا كما اجتهد أولئك الأقدمون مستأنسين بما يتوفر الآن من المعارف العلمية التي يمكن أن تحل هذا الإشكال من غير تعارض مع السنة النبوية المطهرة.

وكنت بيَّنت في مقالات سابقة أن الأسباب التي دعت ابن تيمية إلى الاعتراض على الفلكيين غير متحققة الآن. ذلك أن هناك الآن علماء فلك مسلمين يتمتعون بمعرفة علمية موثوقة، ويقدِّرون السنة النبوية المطهرة، ولا يسعون إلى إلغائها في الترائي، وألا هدف لهم إلا التأكد من دخول أشهر العبادات دخولاً صحيحاً، وهو ما يؤدي إلى وحدة المسلمين والقضاء على أسباب الخلاف بينهم في مواقيت صومهم وأعيادهم وحجهم.

ومن الأدلة على ثبات مواقف علمائنا الأفاضل المتشككة في الحسابات الفلكية، تكرار المسوِّغات المعهودة للتشكيك في الحسابات الفلكية، وهي المسوغات التي سبق أن بيَّن المتخصصون في الفلك أنها ليست وجيهة ولا صحيحة علمياً. ومن الأدلة الأخيرة على هذه المواقف المتشككة مقال كتبه الشيخ قيس آل مبارك، عضو هيئة كبار العلماء (الحياة، 2014/6/29م)، بعنوان «هل يمكن اعتماد الحساب لدخول الشهر؟». يقول الشيخ آل مبارك: «والشارع الحكيم عوَّل في ثبوت دخول الشهر على رؤية الهلال، فالرؤيةُ أمرٌ مشهود محسوس، وصورته واحدة وهي المشاهَدة، وهي يسيرةٌ على عموم الناس، ولم يأمرنا الشرع الشريف بالحساب، لأن الأخذ به غير ممكن، لتعدُّد صُوَره، فاختيارُ صورةٍ منه دون غيرها تَحَكُّمٌ لا يُصارُ إليه إلا بمرجِّح، فاختيار طريقة من هذه الطرق من دون غيرها لن يكون محل اتفاق، فهل يَدخل الشهر استناداً إلى عمر القمر، أو استناداً إلى مكث القمر، أو استناداً إلى عمر الاستطالة، وكلها صورٌ حسابية دقيقة، لكنْ بِأَيِّها نأخذ؟ هذا ما يجعل الأخذ بالحساب غير ممكن».

وأول ملحوظة هنا أن الشيخ الفاضل يرى أن الفلكيين جميعاً لا يعتدُّون بالرؤية. وهذا خلاف ما يقوله كثير من الفلكيين المسلمين الآن عنها؛ إذ يقول هؤلاء إن هدفهم ليس إلغاء الاعتماد على الرؤية بالعين المجردة أو المناظير بل أن تكون هذه الرؤية صحيحة منفكَّة عما يسقطها «بتعبير الشيخ آل مبارك».

فهم لا يعترضون على إدخال الشهر بالرؤية حين يعترضون على ما يحدث دائماً عندنا، مثلاً، من إدخال الشهر والهلال قد غرب قبل غروب الشمس، أو غرب بعدها بمدة وجيزة لا تجعل رؤيته بالعين البشرية أمراً ممكناً. واعتراضهم على قبول الشهادات في مثل هذه الحالات مدعوم بما تقوله الدراسات الرصدية العلمية الطويلة لإمكانية رؤية الهلال التي تحدد حدوداً للدرجات التي يمكن للعين البشرية أن ترى الهلال عندها. وعدم تبيُّن هذه المسألة هو السبب في الانطباع غير الصحيح الذي يصدر عنه من يشنِّعون على الفلكيين.

أما قول الشيخ آل مبارك إن الرؤية المباشرة للهلال في أول ليلة «يسيرةٌ على عموم الناس» فقول يُكرَّر كثيراً تسويغاً للاعتماد على مجموعة قليلة العدد تبادر بالشهادة دائماً حتى حين يقول الفلكيون إن رؤية الهلال غير ممكنة. وقد دلت الإحصاءات العلمية – كما كتبتُ مراراً – على أن نسبة الخطأ في رؤية هؤلاء تصل إلى 80%! ومن الشهادات الموثوقة على عدم دقة هؤلاء الشهود ما يقوله الشيخ سليمان الدخيل، وهو، كما يقول المتخصص في الفلك الأستاذ صالح الصالح، حديد النظر ويبحث عن الهلال مع مجموعة معه في أعلى جبل في مدينة المجمعة ويتراؤونه بالعين المجردة والدربيل منذ أكثر من 25 سنة، يقول: «راقبت على أرض الواقع شخصياً هلال الثاني من كل شهر فنراه واضحاً عياناً بياناً وكل من نظر في أفق الغرب يراه حتى من ضعيفي النظر إلا هلال رمضان أو العيد في حال الاختلاف مع الحساب الفلكي. فلماذا نراه في جميع الشهور ويختفي عنا في هاتين الليلتين؟!».

ولا تكون رؤية الهلال «متيسرة» إلا بالشروط التي وضعها الفلكيون، وهي التي يعترض الشيخ آل مبارك عليها قائلاً: «فهل يَدخل الشهر استناداً إلى عمر القمر، أو استناداً إلى مكث القمر، أو استناداً إلى عمر الاستطالة، وكلها صورٌ حسابية دقيقة، لكنْ بِأَيِّها نأخذ؟ هذا ما يجعل الأخذ بالحساب غير ممكن».

وربما يؤكد هذا ما ذكرته أعلاه من أن علماءنا الأفاضل تخفى عليهم حقيقة إعمال المعايير التي يستند إليها علماء الفلك حين يحددون الدرجة التي يقولون إن رؤية الهلال ممكنة عندها. أما الفلكيون فلا يأخذون هذه المعايير فرادى، بل يأخذونها مجتمعة، فهم يشترطون لإمكان رؤية الهلال أن يكون على ارتفاع معين، وأن يكون على درجة انحراف عن الشمس تسمح بابتعاده عن وهجها، وأن تكون نسبة إضاءته كافية لرؤيته. هذا بالإضافة إلى معرفتهم اليقينية بعمر القمر، وهو عدد الساعات التي مضت بعد انفصاله عن الشمس. وهم لا يحكمون بأن القمر يُرى أو لا يُرى حتى مع انطباق تلك المعايير ليلة الترائي. ذلك أنهم يعرفون أن الظروف الجوية، من غبار أو غيم أو غير ذلك، ربما تجعل رؤيته صعبة أو مستحيلة.

ويبدو أن التشكك في الفلكيين لم يكن شائعاً بين الفقهاء قديماً إلى الدرجة التي يوحي بها ابن تيمية وعلماؤنا تبعاً له. ويشهد بذلك ما ذكره الشيخ آل مبارك نفسه من اشتراطات بعض الفقهاء القدماء لقبول الشهادة بالرؤية واعتبارهم أوضاع الهلال التي يُحتَكَم للفلكيين في معرفتها. يضاف إلى هذا ما كتبتُه العام الماضي عن الإمام السبكي الشافعي الذي يرى رد شهادة الشهود إذا قال الفلكيون بعدم صحتها.

لذلك كله فإن علماءنا الأفاضل هم الوحيدون الذين يستطيعون حل هذا المشكل الدائم، ويتطلب ذلك منهم الاطلاع على ما يقوله علماء الفلك المسلمون المعاصرون الموثوقون وما يأتون به من حسابات فلكية دقيقة عن تقرير دخول أشهر العبادات وخروجها.

وتلخيصاً للقول، فإن الفلكيين العرب المسلمين الآن، كما تشهد مؤتمراتهم ومواقعهم العلمية المشهورة في الإنترنت، كالمشروع الإسلامي لرصد الأهلة، لا يقولون بالاستغناء عن إهلال الشهر عن طريق الرؤية بالعين المجردة أو بالمناظير. أما ما يطالبون به فلا يعدو التأكد من أن تكون هذه الرؤية صحيحة.

وإذا ما غيَّر علماؤنا الأفاضل من مواقفهم المتشككة بالحساب الفلكي فستكون أولى نتائج هذا التغيير القضاء على الجدل الدائم عن الأهلة، والقضاء على تشويش أدعياء المعرفة بالحساب الفلكي، والخلاص، أخيراً، من المسارعين بالشهادة برؤية الهلال في غير أوانه، والخلاص من أن تكون المملكة ضحية لأوهام هؤلاء التي تثبت الإحصاءات العلمية أنها لا تتوافق مع حقائق الهلال.

يوليو
11

لغة البيان مرة أخرى

نشر هذا المقال في جريدة الشرق السعودية بتاريخ 03/07/2014م

* يعلم المتخصصون منذ زمن بعيد أن الهلال في مساء الجمعة 1435/8/29 هـ لن يكون فوق الأفق في معظم «أنحاء المملكة»، وسيمكث، في «أنحائها» التي يغرب فيها بعد غروب الشمس، دقائق معدودة تستحيل معها رؤيته بأية وسيلة.

أشرتُ في مقالات سابقة إلى أن المجلس الأعلى للقضاء سابقا، والمحكمة العليا في المملكة المكلفة بتقرير دخول أشهر العبادات الموسمية، كرمضان وذي الحجة، يستخدمان في بياناتهما عن ذلك لغة غير دقيقة، ومخالفة للواقع. ولم يختلف الأمر في إعلاني المحكمة اللذين أصدرتْهما لطلب تحري رؤية هلال رمضان هذا العام وتقرير أن يوم الأحد هو بداية شهر رمضان المبارك هذا العام.

فقد جاء في بيانها عن طلب «تحري رؤية هلال شهر رمضان المبارك، مساء الجمعة 29/8/ 1435 هـ» (الشرق، 2014/6/27م)، بعد الديباجة:
«فإن المحكمة العليا بالمملكة العربية السعودية ترغب من عموم المسلمين في جميع أنحاء المملكة تحري رؤية هلال شهر رمضان المبارك، مساء يوم الجمعة التاسع والعشرين من شهر شعبان لهذا العام 1435 هـ. وترجو المحكمة العليا ممن يراه بالعين المجردة أو بواسطة المناظير إبلاغ أقرب محكمة إليه، وتسجيل شهادته لديها، أو الاتصال بأقرب مركز؛ لمساعدته في الوصول إلى أقرب محكمة.
وتأمل المحكمة ممن لديه القدرة على الترائي الاهتمام بالأمر؛ لما فيه من التعاون على البر والتقوى، واحتساب الأجر والمثوبة بالمشاركة فيه، والانضمام إلى اللجان المشكلة في المناطق لهذا الغرض».

ويتصف هذا البيان بلغته «البيروقراطية» المعتادة الجامدة التي لا يتغير فيها إلا التاريخ! وأول ملحوظة عليه الزيادةُ فيه. فمادامت المحكمة الموقرة «ترغب من عموم المسلمين في جميع أنحاء المملكة» فإن نصها على «المحكمة العليا بالمملكة العربية السعودية» زيادة لا لزوم لها، ذلك أن من المفهوم بداهة أنه موجه إلى «عموم المسلمين في جميع أنحاء المملكة» فقط، ولا يضيف ذِكْرُ اسم المملكة كاملا شيئا. وهناك زيادة أخرى في النص على «المسلمين» لأن البيان موجه لهم بطبيعته، وكذلك في النص على «جميع أنحاء المملكة» الذي يوحي، إضافة إلى زيادته، بأن المحكمة تريد تبرئة نفسها من استثناء أحد! كما أن المألوف أن تتتبع أدوات التوكيد الكلمات التي تؤكدها. لذلك فالصياغة الصحيحة هي: «في أنحاء المملكة جميعها»!

وأهم من هذه الفذلكة اللغوية ما يُلحظ على مضمون البيان. فيعلم المتخصصون جميعا منذ زمن بعيد أن الهلال في مساء الجمعة لن يكون فوق الأفق في معظم «أنحاء المملكة»، وسيمكث، في «أنحائها» التي يغرب فيها بعد غروب الشمس، دقائق معدودة تستحيل معها رؤيته بأية وسيلة. فهو يمكث في أفق مكة المكرمة، مثلا، أقل من دقيقة. ويُبيِّن تقويم أم القرى الرسمي الذي نشر في بداية السنة هذه الحقيقة، وهي التي أوردها الشيخ عبدالله بن منيع (الرياض، 1435/6/9 هـ ) في تقريره عن بدايات الأشهر الستة الأخيرة من السنة والشهر الأول من السنة الجديدة. فمن الغريب، إذن، أن تطلب المحكمة الموقرة ترائي هلال غير موجود «بالعين المجردة أو بالمناظير»!

فهل تجهل المحكمة الموقرة هذه الحقائق الفلكية عن وضع القمر في ذلك المساء؟ أم أنها لا تعدها صحيحة موثوقة؟ أما القول بأنها لا تعرفها فغير دقيق؛ ذلك أنها صارت، منذ سنوات، لا تقبل الشهادة برؤية الهلال في مساء التاسع والعشرين من الشهر إذا غرب القمر قبل غروب الشمس. وهذا دليل على معرفتها المسبقة بأنه لن يكون هناك هلال ليُشهد برؤيته. كما لا يبدو صحيحا أنها لا تثق بالحسابات الفلكية؛ ذلك أنها ربما أدخلت شعبان هذه السنة اعتمادا على تقويم أم القرى. ويشهد بذلك أن أحدا من المتخصصين الذين خرجوا مع لجان الترائي الرسمية لم ير الهلال لا بالعين المجردة ولا بأية وسيلة أخرى (أيمكن أن تكون اعتمدت على شهادة المبادرين بالشهادة إياهم؟!). ومهما كان الأمر فإنه مما يلزم المحكمة الموقرة أن تعرف هذه الحقائق الفلكية عن الهلال وأن تعمل بمقتضاها.

ومن مقتضيات هذه الحقائق ألا تدعو المحكمة الموقرة لتحري هلال رمضان مساء التاسع والعشرين إن كانت رؤيته ممتنعة أو مستحيلة، كما هي الحال مساء الجمعة الماضية. فخروج لجان الترائي والمترائين و«المحتسبين» في ذلك المساء في غير محله ويلزم عنه مشقة وكلفة لا لزوم لهما، في ضوء معرفة هذا الخروج المسبقة. وأهم من ذلك أن هذه الدعوة لترائي الهلال كانت، ولا تزال، تفتح الباب للشهادات الواهمة.

والملحوظة الأخرى المهمة على البيان أن من الواضح أن المحكمة الموقرة تخالف في قراراتها دائما دعوتَها لـ «عموم المسلمين» لترائي الهلال. إذ لا يبدو أنها تقبل شهادة أحد «من المسلمين في المملكة» من خارج الدائرة الضيقة للشهود الذين تثق بهم دائما. فقد ظلت تقتصر منذ تسلمها مهمة هذا الأمر، كما كان يفعل المجلس الأعلى للقضاء قبلها، على قبول شهادة مجموعة معروفة يقل عددها عن عدد أصابع اليد الواحدة يأتون من منطقة واحدة.

ويوحي اختصاص هذه المجموعة بهذه الحظوة «للمسلمين في أنحاء المملكة» بأمور ينزعجون منها؛ إذ تبدو بيانات المحكمة كأنها موجهة لهذه المجموعة خاصة، وكأن هؤلاء هم «المحتسبون» الوحيدون من بين عشرين مليونا من «المسلمين في المملكة»، وكأنهم هم الحريصون الوحيدون على «التعاون على البر والتقوى، واحتساب الأجر والمثوبة»، وكأنهم هم الثقات الوحيدون من «المسلمين في المملكة» فيما يشهدون به، وكأنهم يتميزون، عن ملايين «المسلمين في المملكة»، بقدرات بصرية خارقة، وكأنهم، فوق ذلك كله، أقدر من عشرات المترائين من المتخصصين الذين يستخدمون أدق أجهزة الرصد ويعرفون المعطيات العلمية الدقيقة عن أوضاع الهلال، وغيرهم ممن يخرجون تكليفا من الدولة واحتسابا للأجر، ولا يرون الهلال الذي يراه هؤلاء.

وكما كتبت في عدد من المقالات طوال السنوات الماضية فإن هذه الثقة المطلقة بهؤلاء مستمرة على الرغم من النسب العالية لخطأ رؤيتهم. فلماذا لا تلفت هذه النسب العالية من خطأ هؤلاء في الرؤية نظر المحكمة العليا؟ وهو ما سيحملها حتما على تغيير سياستها في الاعتماد المطلق عليهم؟

أما بيان المحكمة عن دخول شهر رمضان فورد فيه: «نظراً لعدم ثبوت رؤية هلال شهر رمضان المبارك مساء هذا اليوم الجمعة، الموافق التاسع والعشرين من شهر شعبان لعام 1435، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». فإن المحكمة العليا تقرر أن يوم السبت المكمل للثلاثين من شهر شعبان عام 1435، ويوم الأحد الموافق 2 / 9/ 1435 حسب تقويم أم القرى هو غرة رمضان المبارك لهذا العام».

ويوحي تعبير البيان بـ «عدم ثبوت رؤية الهلال» أنه كان موجودا في ذلك المساء لكن لم يستطع أحد رؤيته! وهذا خلاف الواقع؛ لذلك لا تعدو هذه العبارة أن يكون تعبيرا «بيروقراطيا» معهودا لا معنى له.

وأهم من ذلك استشهاد البيان بالحديث الشريف: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة». وهو استشهاد غير ملائم في هذه الحالة؛ إذ لا يعود عدم رؤية الهلال ذلك المساء إلى وجود حائل، من غيم أو نحوه. أما السبب الحقيقي فهو أنه لم يكن موجودا، أو تستحيل رؤيته، وكفى.

والمأمول، بعد هذا كله، أن تعمل المحكمة العليا الموقرة التي تمثل واجهة فقهية للمملكة أمام العالم الإسلامي فيما يخص هذه الشعيرة الإسلامية على أن تكون أكثر صراحة في الاستئناس بالحساب الفلكي، وأن تكون أكثر دقة في لغة بياناتها لتعبِّر تعبيرا صحيحا عن حقائق دخول شهر رمضان المبارك خاصة، وأن تخلِّص أسلوبها من معهودات الأساليب «البيروقراطية» غير المعبِّرة.

يونيو
08

لا عبرة بارتفاع هلال الشهر

يقترب بإذن الله شهر رمضان المبارك ومعه تظهر تساؤلات سنوية بصيَغ مختلفة مضمونها: هل سيكمل شعبان أيامه أو سيظهر من يدلي برؤيته للهلال بعد غروب شمس يوم الجمعة 29 شعبان 1435هـ الموافق 27 يونيه 2014م؟ وعادة تتزامن مع هذه الظروف ظهور إجابات لمختصين ممتزجة بما يسمى “معايير إمكانية الرؤية”، التي سيتم هنا توضح المقصود منها وتطورها وكيفية تفاوت ارتفاع الهلال في الليلة الواحدة على خطوط عرض مختلفة.

لقد تعددت معايير رؤية الهلال وتطورت عبر قرون ووصلت إلى ماهي عليه اليوم. ومن أهم أهداف المعايير تمحيص الشهادات التي تَرِد إلى القضاة بخصوص رؤية الأهلة والمساعدة في تقدير إمكانية الرؤية من عدمها، وبالتالي تطوير التقويم الهجري. وهنالك معايير قديمة، ويعتبر المعيار البابلي من أقدمها، ومضمونه أنه حتى يمكن رؤية الهلال لابد ألا تقل فترة غروبه بعد الشمس عن 48 دقيقة (وتسمى مُكث الهلال). ثم انتقل تطور هذه المعايير إلى العالم الإسلامي فكان للمختصين المسلمين دور كبير في تطويرها. ومن أوائلها معيار الخوارزمي، وهو أنه لرؤية الهلال لابد أن يكون بُعْده عن الشمس أكبر من 9.5 درجة عند غروب الشمس، ثم قنن موسى ابن مأمون القرطبي هذا المعيار بجعله معتمدًا على الفصول السنوية. أما ثابت ابن قرة فكان معياره عامًا ومحصورًا ما بين 11-25 درجة، انظر (الشكل 1). كما وضع البتاني معادلات حسابية نتج عنها عدد من الجداول التي تستخدم لتحديد إمكانية رؤية الهلال، وخلاصة معياره أن يكون عمر القمر لحظة غروب الشمس أكثر من يوم، وبعده الزاوي عن الشمس أكبر من 12 درجة، وأيّد البيروني معيار البتاني. وبعد تدهور الحضارة الإسلامية توقف التطور العلمي في جميع المجالات عمومًا وفي علم الفلك خصوصًا. 

وفي بداية القرن العشرين الميلادي توصل “فثرنهام” إلى منحنى يحدد ظروف إمكانية رؤية الأهلة، ويعتبر أول معيار في العصر الحديث، وقد وُصِف بأنه مطابق لمعيار البتاني. وخلال العقدين الأخيرين من القرن الميلادي الماضي ظهرت أبحاث الأستاذ الدكتور محمد إلياس (ماليزيا) بخصوص رؤية الهلال. وخلاصة أبحاثه في ثلاث نقاط: أن يكون ارتفاع الهلال ما بين 5-10 درجات، وعمره لا يقل عن 15 ساعة، ومكثه بعد غروب الشمس يتراوح ما بين 41-60 دقيقة. ثم ظهر معيار مرصد جنوب إفريقيا، ومعيار “يالوب”. وأخيراً ظهر معيار “عودة” المعتمد على سُمك الهلال والفرق الزاوي على الأفق ما بين موقعي غروبه وغروب الشمس.

إذن يتطلب الأمر التعرف على الخصائص الدقيقة للهلال لحظة غروب الشمس مثل العمر والارتفاع عن الأفق والبعد الزاوي عن الشمس. هذه الخصائص تعطي فكرة أوليه عن حالة إمكانية الرؤية: أهي مستحيلة أم صعبة أم ممكنه؟ هذا يختلف من مكان إلى آخر، اعتمادًا على خطوط العرض وخطوط الطول. فبالنسبة لتأثير خطوط الطول على إمكانية رؤية الهلال فهو معروف منذ قرون وذلك أنه كلما اتجهنا غربًا (بثبوت خط العرض) تصبح إمكانية الرؤية أفضل وذلك لتأخر الليل. أما تأثير خطوط العرض على إمكانية رؤية الهلال فقد بدأتُ بتوضيحها منذ عدة أعوام وخاصة في المؤتمر الذي نظمه المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في ربيع الأول 1433هـ. وهذا التأثير يعتمد على موقع الهلال بالنسبة للشمس؛ فإما أن يكون على يمينها أي ناحية الشَمَال (شامي) أو على يسارها ناحية الجنوب (يماني). فلو كان الهلال يمانياً، فإنه كلما اتجهنا جنوبًا كانت إمكانية الرؤية أكبر، والعكس صحيح.

وحيث أن هلال شهر رمضان 1435هـ يقع على يسار الشمس، فإننا كلما اتجهنا جنوبًا تصبح إمكانية الرؤية أكبر. ولتوضيح هذا التأثير سنعتمد خط طول مكة المكرمة وسنبحث ارتفاع الهلال لحظة غروب الشمس عند خطوط عرض مختلفة. ففي شمال الجزيرة العربية نجد أن القمر يكون تحت الأفق بحوالي درجتين عند غروب الشمس، وفي مكة المكرمة يغرب الهلال مع الشمس، وعلى خط الاستواء يكون الهلال على ارتفاع درجتين مع غروب الشمس، وعند خط عرض 35 جنوب خط الاستواء يكون الهلال على ارتفاع اربع درجات، وهذا ما يوضحه (الشكل 2).

 

وكتطبيق عملي، فإن القمر يوم الجمعة 29 شعبان 1435 يغرب في تبوك قبل الشمس بدقيقة واحدة، ويغرب القمر في مكة المكرمة مع الشمس، ويغرب في أبها بعد الشمس بدقيقتين، وكلما اتجهنا جنوبًا يتأخر غروب الهلال. وفي اقصى جنوب الجزيرة العربية يكون ارتفاع الهلال أقل من درجة واحدة لحظة غروب شمس يوم الجمعة. وهذه الحالات تكون الرؤية فيها مستحيلة نظرًا لتدني ارتفاع الهلال فوق الأفق وبقائه دقيقة أو دقيقتين قبل غروبه، وذلك اعتمادًا على إرث تاريخي لأرصاد موثقه. وإذا كانت حافة القمر السفلي ملامسة للأفق اللامع كما هو الحال في مكة المكرمة، فان رؤية الهلال تصبح مستحيلة (الشكل 3). إذن، من باب أولى استحالة رؤية الهلال في مناطق تقع في أواسط وشرق المملكة.

 

ولننتقل الآن إلى نقطة أخرى ألا وهي كيفية ظهور الهلال لحظة غروب شمس يوم السبت (ليلة الأحد) المكمل لشعبان وقد ارتفع عن الأفق ارتفاعًا ملحوظًا. هذا يفتح بابًا للنقاش وهو أن هذا الهلال لليلة الثانية من الشهر وليست الأولى، ويحدث التشكيك في نتائج ترائي الليلة السابقة. وهنا لا بد لنا أن نُذكِّر بأن عمر الهلال قد زاد عن الليلة الماضية بأربعة وعشرين ساعة مما أتاح له أن يكون بهذا الارتفاع الملحوظ.

ولتأكيد صحة هذا، فإننا لا زلنا نذكر غروب الشمس وهي في حالة كسوف جزئي يوم الأحد 29 من شهر ذي الحجة 1434هـ، الموافق 3 نوفمبر 2013م، وقد شوهد في كل أنحاء الجزيرة العربية (وتم تصويره بالفيديو على ساحل ينبع) حيث نلاحظ أن الحافة السفلى لقرص القمر (والتي تمثل الهلال المطلوب ترائية لدخول الشهر) أصبحت تحت الأفق قبل غروب كامل قرص الشمس تمامًا، (الشكل 4)، مما يؤكد عدم وجود هلال للترائي. وهكذا كان يوم الاثنين مكمل لشهر ذي الحجة 1434هـ. وفي يوم الاثنين وبعد غروب شمسه ظهر الهلال وهو مرتفع كهلال لأول ليلة لشهر محرم بالرغم من هذا الارتفاع المتميز، وفي هذا دلالة قوية وواضحة انه لا عبرة لارتفاع الهلال للتشكيك في صحة دخول الأشهر القمرية.
هكذا وبناء على ما تقدم من معطيات فإن شهر شعبان 1435هـ سيكتمل باذن الله وسيكون دخول شهر رمضان بيوم الاحد الموافق 29 يونية 2014م سآئلاً الله ان يبلغنا رمضان وان يتقبل صالح الاعمال وكل عام والجميع بخير.

 

أ‌. د. حسن محمد باصرة 
رئيس قسم العلوم الفلكية
جامعة الملك عبدالعزيز

يونيو
05

أصحاب مركزية الأرض من الكون، وخطأ استنصارهم بـ أينشتاين والنظرية النسبية

 بسم الله الرحمن الرحيم

  أرسل إليّ أحد المعارضين رابطة مستند؛ يحمل العنوان الداخلي:

 مركزية الأرض من الكون لم يتم دحضها أبداً Geocentrism Never Disapproved

  وفيه نصوص أقوال أربعة من العلماء هم: (أينشتاين، وماكس بورن، وفرد هويل، وجورج إيليس). ويستنصر صاحب المستند بهذه الأقوال على جواز القول بمركزية الأرض للكون!، ومن ثم يستنصر على أن هذه الفكرة لم يتم دحضها أبداً، بزعمه!

 وسنجري هنا تحقيقاً للنصوص الواردة في هذا المستند، لنرى وجاهة الاستنصار بها، وهل فهمها من أعد المستند وعنوانه، أم أنه ضل طريقه في أمور علمية لا قِبل له بها ؟!!!

 يقول أينشتاين:

 The struggle, so violent in the early days of science, between the views of Ptolemy and Copernicus would then be quite meaningless. Either CS (Coordinate System) could be used with equal justification. The two sentences: (the sun is at rest and the earth moves) or (the sun moves and the earth is at rest) would simply mean two different conventions concerning two different CS.

(Einstein and Infeld, The Evolution of Physics, p.212 (p.248 - 1938 Edition)

وبترجمته، يقول أينشتاين:
[صاحَب الأيام الأولى لنشأة العلم الحديث نزاع محتدم بعنف، بين نظام بطليموس القائل بمركزية الأرض من الكون، ونظام كوبرنيكوس الجديد القائل بمركزية الشمس. غير أن هذا النزاع عندئذ لم يكن ذي معنى، لأن أي من النظامين يمكن استخدامه بنفس القيمة الاحتجاجية (أو نفس الفعالية العملية)، لأن العبارتين (الشمس ساكنة والأرض تدور)، و(الشمس تدور والأرض ساكنة) تعنيان ببساطة نظامي مواضعة مختلفين مرتبطين بإطاري إحداثيات مختلفة.]
..
ولكن هذه العبارة، وفي إطار هذا النص المقتبس، منتزعة من سياقها، وبها إشارة إلى غائب، ولا يلحظ غير الخبير بالفيزياء واللغة تلك الإشارة، لتداخلها مع حاضر بالعبارة يمكن أن يحتمل تلك الإشارة، لو استقلت العبارة بنفسها. ولكن عند وضعها في سياقها الأصلي، وكيف انتُزعت منه، يتبين الأمر.
وبيان ذلك كالآتي:

 أعيد هنا الترجمة، وأشير إلى الغائب بين الأقواس:

[صاحَب الأيام الأولى لنشأة العلم الحديث نزاع محتدم بعنف، بين نظام بطليموس القائل بمركزية الأرض من الكون، ونظام كوبرنيكوس الجديد القائل بمركزية الشمس. غير أن هذا النزاع عندئذ (أي: في هذه الحالة) لم يكن ذي معنى، لأن أي من النظامين يمكن استخدامه بنفس القيمة الاحتجاجية (أو نفس الفعالية العملية)، لأن العبارتين (الشمس ساكنة والأرض تدور)، و(الشمس تدور والأرض ساكنة) تعنيان ببساطة نظامي مواضعة مختلفين مرتبطين بإطاري إحداثيات مختلفة.]

 والسؤال هو: إلى ماذا تشير (عندئذ) بالعربية، أو (then) بالإنجليزية كما جاءت بعبارة أينشتاين؟!

يقول لسان حال المستشهد:
تشير (عندئذ) إلى ما كان حاضراً بالعبارة وهو (الأيام الأولى لنشأة العلم)
أو بالإنجليزية (in the early days of science).

 وهذه الإجابة خطأ:

 ولبيان خطئها: سأورد قول الله تعالى: “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ  “

 وأعيد صياغتها في عبارتين (عند أحد المتلاعبين بالنصوص كالآتي):

 “السُّكارى لا يعلمون ما يقولون”

 “إذا قمتم وأنتم لا تعلمون ما تقولون ، فعندئذ لا تقربوا الصلاة”

 وأتساءل: إلى ماذا تعود (عندئذ) في العبارة الثانية؟! … هل تعود (إلى القيام على أي حال من عدم العلم) أم إلى (كونهم سكارى)؟!

 الإجابة بالطبع، إلى كونهم سُكارى خصيصاً، والذي نتج عنه عدم العلم بما يُتلفظ به.

 وإذا أراد الـمُدلس إخفاء الإشارة إلى علة الحكم، وجاء بالشق الثاني فقط من العبارتين الشارحتين للآية، دون الأولى، وقال: ها هو القرآن يقول ما معناه:

 “إذا قمتم وأنتم لا تعلمون ما تقولون ، فعندئذ لا تقربوا الصلاة”

 فعلى السامع الفطن لتدليسه، أن يقول له، أنت أخفيت علة الحكم المنصوص عليها، وأتيت بإشارة لغيرها، أقصد (عندئذ) … لأن عبارتك أصبحت تشير إلى محض القيام على هذه الهيئة، دون ما كان مقصوداً صراحةً منها، والذي اختفى بطمس الشق الأول، والتي هي “السُّكارى لا يعلمون ما يقولون”!

 ونعود الآن إلى عبارة أينشتاين، ولنبحث في عبارته عمّا أشار إليه بقوله: (عندئذ …)

وبالبحث جيداً لن نجد المُشار إليه!!، لأن عبارته مبتورة، أي تم اقتطاعها من سياقها، وما بقى فيها من إشارة تم إحالته بالضرورة إلى غيره من المعاني الحاضرة، .. وذلك وفاءاً بمعنى ممكن الفهم، وقد هيأه صاحِب الاقتباس على هذا النحو غافلاً أو عامداَ.

ولكن إذا عدنا إلى النص الأصلي لأينشتاين من مصدره، سيتبين الأمر، ويتضح التدليس أو عدم الفهم …

وإذا فعلنا ذلك وأتينا بالنص المُقتطع من مصدره الأصلي، الذي يتضح به المشار إليه، والذي انطمس بالاقتطاع، … سنجد أينشتاين يقول (متسائلاً ومجيباً):

[Can we formulate physical laws so that they are valid for all C.S. (Coordinate Systems), not only those moving uniformly, but also those moving quite arbitrarily, relative to each other? If this can be done, our difficulties will be over. We shall then be able to apply the laws of nature to any c.s.] The struggle, so violent in the early days of science, between the views of Ptolemy and Copernicus would then be quite meaningless. Either c.s. could be used with equal justification. The two sentences, “the sun is at rest and the earth moves”, or “the sun moves and the earth is at rest”, would simply mean two different conventions concerning two different c.s.

وتمثل العبارة بين الأقواس المربعة، ما تم طمسه من السياق الأصلى (أي عدم الإتيان به) والمظلل منه هو ما كنا نبحث عنه في الإشارة بـ(عندئذ)، واقتصر المقتبس على الباقي من النص.

وبترجمة كامل العبارة السابقة (الأحمر هو المطموس) نحصل على الآتي:

يتساءل أينشتاين ثم يجيب:

[هل يمكن صياغة القوانين الفيزيائية بحيث تكون صحيحة في كل الإطارات الإحداثية، وليس فقط لتلك التي تتحرك بسرعة منتظمة، ولكن أيضاً لتلك الإطارات التي تتحرك حركة عفوية غير متتظمة بالنسبة إلى بعضها بعضا؟! – إذا كان ذلك ممكناً، فسوف تزول كل مصاعبنا، وعندئذ سنكون قادرين على تطبيق قوانين الطبيعة في أي إطار إحداثيات. (وإذا تذكرنا كم)] صاحَب الأيام الأولى لنشأة العلم الحديث نزاع محتدم بعنف، بين نظام بطليموس القائل بمركزية الأرض من الكون، ونظام كوبرنيكوس الجديد القائل بمركزية الشمس. غير أن هذا النزاع عندئذ (أي: في هذه الحالة التي سنستطيع فيها تطبيق قوانين الطبيعة في الإطارات الإحداثية العفوية) لن يكون ذي معنى، لأن أي من النظامين يمكن استخدامه بنفس القيمة الاحتجاجية (أو نفس الفعالية العملية)، لأن العبارتين (الشمس ساكنة والأرض تدور)، و(الشمس تدور والأرض ساكنة) ستعنيان ببساطة نظامي مواضعة مختلفين مرتبطين بإطاري إحداثيات مختلفة.

وإذا وصلنا إلى مقصد أينشتاين بوضوح على ما بينّا، وفساد الاقتباس المبتسر الذي رأيناه لمن يستشهد بكلامه على إمكانية اعتبار الأرض مركز الكون، مثلها مثل الشمس، ولا فرق. فنتساءل: وماذا في هذا الكلام لأيشنتاين مما يُستشهد به؟! … إن الرجل يقول أن أي جسم متحرك وبأي حركة كانت؛ منتظمة، أو غير منتظمة، كما هو حال الأرض، يمكن اعتباره مركز إحداثيات عام. … هذا الذي يقوله أينشتاين!! .. فهل في ذلك حجة على أن الأرض ساكنة سكوناً مطلقاً في مركز الكون؟!

وإذا قال أن العبارتين: (الشمس ساكنة والأرض تدور)، و(الشمس تدور والأرض ساكنة) متكافئتين، فهو لا يقصد من لفظ (السكون) هنا السكون عن الحركة، بل السكون في نظام الإحداثيات. أي أن إحداثيات الأرض دائماً صفرية في نظام الإحداثيات المحمول عليها. ويقصد أيضاً من لفظ (الحركة) الحركة بالنسبة لإطار الإحداثيات، وليس أي حركة مطلقة، كالتي قال الله تعالى فيها “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا”. … هذه هي معاني السكون والحركة عند الفيزيائيين، ولا يشيرون إلى سكون مطلق ولا إلى حركة مطلقة، إلا إذا وَسَمُوها صراحةً بالإطلاق، وإن فعلوا، فإنهم سرعان ما ينفوا الاستدلال عليها اعتباراً من بدايات القرن العشرين لغياب المرجع الإحداثي المطلق الذي يمكن الاستدلال منه على أي تقدير للحركة المطلقة.

نقول – لمزيد من التفهيم – إذا كان هناك سفينتان حربيتان تتنازعان السيادة على أعلي البحار، وتتناوران، فتدور هذه حول هذه، وهذه حول هذه، كل منهما يظهر براعته في المناورة والقدرة الالتفافية، .. هل إذا كان نظام الملاحة في كل منهما يقيس مواضع نجوم السماء وعلامات البحار وموانيها بالنسبة إلى موضع السفينة باعتبارها ساكنة – حتى لا تضل طريقها، رغم أنها متحركة، هل يعني ذلك أن تلك السفينة أصبحت في مركز الكون؟! .. بالطبع لا، … وكذلك أينشتاين، يقول أنه لا فرق بين الأرض والشمس بهذا المعنى إذا اعتبرنا الأرض في مركز الإحداثيات، أو اعتبرنا أن الشمس هي التي في مركز الإحداثيات . .. وليس في كلامه أي إشارة إلى سكون أيهما، بل إن كلامه صريح في أنه يسعى إلى الوصول إلى صياغة واحدة للقوانين الفيزيائية في الإطارات الإحداثية المتحركة بحركة عفوية غير منتظمة، ثم جاء بالأرض والشمس وساوى بينهما بهذا المبدأ، وهذا دليل على أنه جاء بمتحركات تحقق مقصوده، أي أنهما تتحركان – بدلالة استشهاد أينشتاين نفسه بهما- حركة عفوية غير منتظمة، ومن يفهم من كلام أينشتاين جواز القول بأن الأرض ساكنة سكوناً مطلقاً، فهو مسكين، يجدر به أن يتعلم كل من الإنجليزية والفيزياء مرة ثانية، هذا إن سبق له تعلمهما.

والخلاصة:
الاقتباس المشار إليه خضع إما لتدليس، أو لعدم فهم ممن اقتبسه، أو ممن اجتمعت فيه الصفتان. .. وليس هناك من قيمة لهذا الاستشهاد على جواز اعتبار الأرض ساكنة سكوناً مطلقاً، وعدم حركتها. بل إن العبارة واضحة في أن أينشتاين قصد الإتيان بمتحرك يجعله مركز إحداثيات، ليدلل على براعة النظرية النسبية العامة، التي ستحقق هذا الإنجاز الرياضياتي القادر على صياغة واحدة للقوانين مهما كانت حركة المرجع الإحداثي. ولو لم تكن الأرض والشمس تتحركان، وأنهما يتكافآن في التدليل على مراده من إثبات صحة نظريته الرياضية في النسبة إلى متحرك، مع بقاء صياغة القوانين واحدة، لما كان لاستشهاده أي معنى.

 يُستكمل بتحقيق باقي النصوص المقتبسة في الملف المشار إليه أعلى (Geocentrism)، وهي على الترتيب: أقوال ماكس بورن، وفِرِد هويل، وجورج إيليس.

وذلك على الرابط الآتي:

أصحاب مركزية الأرض من الكون، وخطأ استنصارهم بـ أينشتاين والنظرية النسبية

فبراير
19

شكرا لكم لأنكم أهملتموني… قصة فلكية واقعية

هذه التدوينة تسرد أحداث قصة لم أشأ أن تكون طويلة، إلا أن تتابع الأحداث المثيرة أجبرني على ذكرها ولم أشأ أن أفوت ذكر بعض التفاصيل التي أرى أنها مهمة لتوثيق الأحداث!

 الزمان: السبت 25 يناير الساعة الثامنة مساء…. شرارة الحدث: رسالة تصلني من الزميل إبراهيم الحذيفي، الصحفي في صحيفة سبق السعودية، وهي من أكثر وسائل الإعلام شهرة وشعبية في السعودية… الرسالة تقول: “ما عندكم تعليق على الكتلة النارية التي تم مشاهدتها في السعودية؟ هل كان صاروخ أم جرم سماوي؟”. في الواقع لقد سمعت من بعيد عن القصة ولكن لم أتابعها أبدا، وقرأت فيما بعد تعليقا بدا لي وكأن البعض اختلفوا في تفسير الظاهرة، ولكن لم أكن حتى متأكدا من أن التعليق كان على تلك الظاهرة ولم أعلم علام اختلفوا. باختصار لم تكن عندي أدنى فكرة عن القصة! فطلبت من الأخ إبراهيم إعلامي بزمان ووقت الحدث، وبالفعل أرسل لي ثلاث روابط للخبر، كنت على عجلة من أمري ففتحت الرابط الأول، ولما وجدت فيه مبتغاي لم أفتح الرابطين الآخرين.

 قرأت الخبر وهو موجود على هذا الرابط (http://sabq.org/4FOfde) ومنه علمت مكان وزمان الحدث، بل وشاهدت الحدث نفسه من خلال مقاطع اليوتيوب الموجودة في الصفحة. تمت مشاهدة الجرم المتوهج من المدينة المنورة ورابغ وجدة وغيرها، وذلك يوم الأحد 16 يناير في الساعة 11:08 مساء بتوقيت السعودية (غرينتش + 3). شككت للوهلة الأولى أن الجرم المتوهج عبارة عن قمر صناعي يدخل الأرض، لأن هيئة الجرم المحترق تشبه تصرف عودة الأقمار الصناعية إلى الأرض، ولكن أردت التأكد. فأرسلت رسالة لصديق لي يعمل مع وكالة الفضاء الأمريكية ناسا وهو مهتم بالأقمار الصناعية وهو Paul Maley وهذا الرجل أعرفه منذ عام 1997 والتقيت معه عدة مرات، فأرسلت له مقطع الفيديو وطلبت رأيه، وأرسلت المقطع أيضا لصديق آخر يعمل في ناسا وقد تحدثنا عدة مرات سابقا عن سقوط أجرام على الأرض كان آخرها ما سقط على السودان منذ عدة سنوات ويدعى  Peter Jenniskens، وهو من علماء الفلك المعروفين على مستوى العالم. وأكملت بحثي السريع، وبدأت بالبحث عن الأقمار الصناعية المتوقع عودتها إلى الأرض. وما هي إلا دقائق قليلة حتى وجدت أنه كان من المتوقع أصلا سقوط أحد الأقمار الصناعية فوق السعودية فوق نفس المنطقة التي شاهد منها الناس الجرم المحترق وفي نفس الدقيقة تماما، وكان اتجاه القمر الصناعي بنفس اتجاه الجسم الذي تمت مشاهدته في مقاطع اليوتيوب! فهنا انحسم الأمر ولم يعد فيه أي نقاش! فأخبرت زميلي إبراهيم بالنتائج، وأرسلت لأصدقائي في ناسا أنني وجدت “المتهم” وشكرتهم. وما هي إلا دقائق ورد أحدهم وأكد أنه يؤيد أن الجسم المتوهج هو دخول قمر صناعي، وفي اليوم التالي رد الآخر وأكد ذلك أيضا. وبعد ذلك نشر الأخ إبراهيم الحذيفي تقريرا جديدا في صحيفة سبق حول الموضوع ويمكن مشاهدته على الرابط التالي: (http://sabq.org/iDPfde). بعد ذلك دفعني الفضول لفتح الرابطين الآخرين الذيْن أرسلهما الأخ إبراهيم! فتحت الأول وانصدمت!

 فقد كان هناك من فسر الأمر في وقتها بكل دقة وفي الواقع لقد حسم الأمر، وهو الدكتور منصور بن عطية المزروعي رئيس قسم الأرصاد بجامعة الملك عبد العزيز. في الواقع لا أعرف الدكتور وقد أصاب الحقيقة، وأحييه على دقته وعلى معلوماته الفلكية. ويمكن الاطلاع على تصريحه على الموقع التالي: (http://sabaq.org/OROfde). هنا بدأ الفضول يدب في نفسي أكثر فأكثر! فماذا سأجد في الرابط الثالث! الأصل أن الموضوع انتهى! ولكن كان هناك من اعترض على تصريح الدكتور المزروعي، وعارض أن يكون ما شوهد هو حطام القمر الصناعي، بل هو جرم سماوي طبيعي. تسبب هذا الاعتراض في انتشار الموضوع بشكل أكبر في السعودية، واتهم الفلكيين بالتضارب وعدم الدقة، وبدأ هذا الكلام يسري ما بين الناس في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا جلي من خلال اتصال الأخ إبراهيم معنا بعد تسعة أيام من الحدث!

 على أية حال، انحسم موضوع الجرم المتوهج إعلاميا، ولكن لم ينحسم عندي فلكيا! لم يعجبني أداؤنا إطلاقا! فالأصل أن نكون عارفين بهذا الجرم قبل سقوطه… وإن تجاوزت هذه النقطة وسامحنا أنفسنا أننا لم نكن نعرف عنه، فالذي لا يمكن السكوت عنه هو الفترة التي احتجناها للوصول إلى المعلومة كاملة وبشكل دقيق! في الواقع لقد اختصرت القصة في الأعلى، إلا أن الوصول إلى المصدر الرسمي وإلى الجهات الفلكية المعنية تطلب مني بحثا استمر أكثر من يومين كاملين! وأقصد بذلك، بأنني كنت أسأل نفسي أثناء البحث، ماذا لو سألني شخص عن القمر التالي الذي سيقع! ما هو؟ وأين سيقع؟! إنّ جواب كل واحد من هذين السؤالين قد يوجد في مكان أو عند جهة مختلفة عن الأخرى! وكنت طيلة البحث أقول لنفسي سأعتبر مهمتي غير منتهية حتى أعرف إجابة هذين السؤالين وتكون عندي إجابة شافية وافية أطمئن لصحتها ودقتها. 

 إن اهتمامي برصد الأقمار الصناعية قديم، فما زلت أذكر كيف تعلمت رصد الأقمار الصناعية من الزميل المتميز علاء شاهين، وهو كان من أبرز أعضاء الجمعية الفلكية الأردنية، وكان ذلك في منتصف التسعينات، فذهبت إلى منزلة وجلسنا سوية أمام شاشة الحاسوب، وأخذ يشرح لي كيف أستخدم أحد البرامج الفلكية لمعرفة مواعيد مرور الأقمار الصناعية فوق أي منطقة! لا زلت أذكر الفرحة التي شعرت بها بأنني أصبحت قادرا على معرفة مواعيد مرور الأقمار الصناعية وبدأت أرصدها فعلا! نقلت هذه التجربة إلى بقية أعضاء الجمعية! واهتم بها عدد جيد من الأعضاء وشكلنا في ذلك الوقت لجنة خاصة أسميناها “لجنة رصد الأقمار الصناعية” وكانت برئاسة الزميل محمد علاونة! واهتم علاونة بالموضوع اهتماما كبيرا وألقى لاحقا محاضرة في الجمعية عن الأقمار الصناعية وكيفية رصدها! وبعد عدة سنوات أوكلت المهمة لعضو آخر شغوف بهذا الموضوع وهو أحمد الهدبان! وما زال أحمد مهتم بشكل كبير برصد الأقمار الصناعية لغاية الآن.

 كان اهتمامي بموضوع رصد الأقمار الصناعية يتناوب ما بين مد وجزر، ولكنه بقي دوما أحد الظواهر الفلكية التي تستهوينا! وفجأة ظهرت أقمار الإيريديوم، وهذه لها حكايتها المستقلة، وهي باختصار أقمار صناعية تظهر بشكل لامع جدا لمدة ثواني وقد ترى بالعين المجردة نهارا. والطريف في القصة أن أول قمر صناعي إريديوم رأيته كان بصحبة محمد علاونة وكان ذلك في وضح النهار وبالعين المجردة! ثم استهواني في نهاية التسعينات موضوع مرور الأقمار الصناعية أمام الشمس والقمر، وحصلت على برنامج جديد يحسب هذه المواعيد، إلا أن استخدام البرنامج كان مملا مما دفعني لترك هذه الجزئية دون أن أنجح في رؤية أي عبور لقمر صناعي أمام قرص الشمس أو القمر. ولكنها بقيت في ذاكرتي إلا أن توفرت برامج جديدة رائعة في هذا المجال ونجحت في تصوير مرور مركبة الفضاء الدولية أمام قرص القمر وفي تصوير مرور تلسكوب هابل الفضائي أما قرص الشمس كما هو مبين أدناه.

 

 وقبل عدة سنوات بدأ اهتمامي بموضوع سقوط الأقمار الصناعية نحو الأرض وهي تسمى فلكيا بـ Satellite Reentry أو Satellite Decay. وبحثت حينها عن المصادر والبرامج التي قد تفيدني في هذا الصدد، وأذكر أنني صرفت وقتا جيدا في البحث والتقصي إلى أن حصلت على بعض المواقع والبرامج التي تتنبؤ بمواعيد سقوط الأقمار الصناعية على الأرض، ولكن خفت اهتمامي بالموضوع تدريجا لأسباب مختلفة.

 نعود الآن إلى صلب الموضوع… فبعد أن كلمني الأخ إبراهيم الحذيفي وأجبته عن الجرم المتوهج الذي ظهر والذي تبين أنه قمر صناعي سقط على الأرض، وبعد أن أدركت أننا مقصرون في هذا المجال رجعت إلى تلك المواقع والبرامج التي كنت قد احتفظت بها منذ سنوات لمعرفة ما هي الأقمار التي ستقع لاحقا وأين ستقع، ووقعت حينها في حيرة ما بعدها حيرة! ما هذا!؟ لا يوجد موقعين يتفقان مع بعضهما البعض! وكل موقع يعطي موعدا مختلفا لموعد سقوط القمر الصناعي، بل حتى إن الأقمار التي ستقع مختلفة بين موقع وآخر! إذا من اعتمد؟ وأيهما أدق! وأنا هنا لا أتكلم عن القمر الصناعي الذي وقع حينها فوق السعودية، فلحسن الحظ كان هناك اتفاق تقريبا بين الجميع، بل إنني أتحدث عن الأقمار الصناعية التي ستقع لاحقا. هذه أسئلة احتاجت مني بحثا وتقصيا مضنيين واستمرت المهمة عدة أيام إلى أن عرفت النتيجة أخيرا، وعرفت من هي الجهة التي عندها الخبر اليقين، وهي الأدق والأشمل…. هي لمن يريد معرفة الجواب “قيادة سلاح الجو الفضائي الأمريكية”. فمنها يمكن معرفة الأقمار الصناعية التي ستقع على الأرض والمكان والموعد المتوقع لسقوطها. إلا أن الدخول إلى المعلومات يحتاج إلى تسجيل وموافقة تحتاج إلى وقت، وبعدها يمكن الدخول إلى المعلومات، إلا أنها معروضة بطريقة يصعب على غير المتخصص فهمها وتحليلها.

 الحمد لله، انتهيت من جزء صعب من المهمة، وبعد أن استرحت قليلا، عدت إلى اليوتيوب وبحثت عن مقاطع الفيديو التي صورت حدث وقوع القمر الصناعي. أردت أن أعرف هل سقط القمر الصناعي فوق الأراضي السعودية أم أنه استطاع المسير وسقط في المحيط الهندي أم أنه سقط في البحر الأحمر قبالة الساحل الغربي للمملكة؟! بدأت أجمع مقاطع الفيديو، ودار بيني وبين Paul Maley عدة نقاشات بهذا الصدد. كان من المهم معرفة موقع الشخص الذي صور الحدث، والجهة في السماء التي ظهر فيها القمر الصناعي، ولحسن الحظ، كان معظم المصورين يذكرون المنطقة وقليل منهم يذكر الجهة، ولكن ظهور القمر (قمرنا الطبيعي الجميل) -الذي كان يقع في جهة الشرق في ذلك الوقت- في الصور دل على أن القمر الصناعي الذي كان يسير من الغرب إلى الشرق استطاع الوصول إلى جهة الشرق بالنسبة لغرب السعودية، إذا لم يقع القمر الصناعي في البحر الأحمر، ولا حتى في غرب السعودية، فهو إما وقع في وسطها أو شرقها أو أنه استطاع الإكمال وسقط في سلطنة عمان أو المحيط الهندي. وحيث أنه لم ترد أي تقارير لا من سلطنة عمان ولا من الإمارات عن رؤية جرم ملتهب في السماء فهذا يعني قطعا أن القمر الصناعي في الواقع سقط فوق السعودية.

 إن تحليل النتائج أعلاه يحتاج إلى برنامج حاسوب يقوم برسم مسار القمر الصناعي فوق الأرض بشكل تفصيلي، بحيث يبين أسماء المدن ومسار القمر الصناعي بالنسبة لها، وعلى الرغم من أنه عندي أكثر من خمسة برامج متخصصة لرصد الأقمار الصناعية إلا أن أيا منها لا توجد فيه هذه الميزة! بحثت كثيرا وطويلا عن برنامج فلكي متخصص في رصد الأقمار الصناعية فيه هذه الميزة، ولم أجدها إلا في موقع واحد على الإنترنت ووجدتها في برنامج متخصص وصفه يفوق الخيال! فأما بالنسبة للموقع فالتعامل معه أحيانا صعب وممل مما قد يفقد الشخص أعصابه! فكان البرنامج هو الحل الأمثل.

 نعم البرنامج! وصلنا الآن إلى بيت القصيد! البرنامج! هو برنامج بحق خيالي، مليء بالميزات والخيارات التي في الواقع لا يلزمني إلا عشرها أو أقل! هو برنامج مخصص للمتخصصين والشركات الكبرى، فوكالة ناسا من ضمن الشركات التي تستخدمه مثلا! وهو مخصص لشركات الدفاع أو الملاحة الجوية أو الفلكيين وغيرهم! هو برنامج كبير وشامل! لزمني من الوقت أكثر من حوالي ثلاث ساعات حتى استطعت تشغيل البرنامج وعرض مسار القمر الصناعي! أعجبني! فتنت بالبرنامج!! كل ما أريده موجود فيه! وبالمناسبة لا أريد الكثير! كل ما أريده برنامج يعرض مسار القمر الصناعي فوق خريطة تفصيلية أنا أتحكم بمساحتها فتارة أريد أن أرى المنظر من بعيد وتارة أريد أن أرى التفاصيل، ومن المهم جدا أن يظهر على الخريطة المناطق التي ترى القمر الصناعي الآن (Satellite Footprint)! البرنامج فيه كل ذلك بل حتى فيه إضافة لم تخطر على بالي من قبل، وهو أنه لا يعرض الـ (Satellite Footprint) على شكل دائرة واحدة فقط! بل يمكنه رسم عدة دوائر، كل واحدة تبين ارتفاع القمر الصناعي عن الأفق في تلك المنطقة! للوهلة الأولى لم أكترث لهذه الميزة، ولكن أدركت لاحقا أنها غاية في الأهمية! فتبين لي أن جزءا كبيرا من الدائرة هي لمناطق يكون فيها ارتفاع القمر الصناعي عن الأفق أقل من 10 درجات، وهذه المناطق على الأغلب لن ترى القمر الصناعي وقت دخوله الغلاف الجوي! وسأعرض ذلك لاحقا.

 هذه كله جميل! أما الكلام غير الجميل، هو أن البرنامج ليس مجانيا تماما! بل إنه حتى لا يعمل إلا بعد الحصول على رخصة (License File) تؤخذ من الموقع وتنتهي بعد 7 أيام. فهمت من الموقع أنه يمكن اختيار إحدى النسخ البسيطة من البرنامج وتكون مجانية، لم أكترث كثيرا بالموضوع، إلا أن انتهت الأيام السبعة! راسلت الشركة! ولكن لا جواب! راسلتهم مرة أخرى ولكن أيضا لا جواب! على الرغم من وصول إشعار بأن رسالتي قرأت! ما الحل!؟ لا أريد العودة إلى الوراء! بدأت البحث عن بديل! بل حتى بدأت البحث في جميع الاتجاهات التي قد تخطر في بال أي أحد! فشلت جميعها بعد مرور حوالي ثلاثة أيام! بعد تحميل أكثر من عشرة برامج، لم أجد أي برنامج فيه هذه الميزة الهامة التي أريدها! وكذلك لم أستطع الحصول على البرنامج لا بطرق شرعية ولا غير شرعية! لم ترد على الشركة! نعم لقد أهملوني! هذا هو موقعهم وبرنامجهم (http://www.agi.com).

 إذا!؟ ما العمل! سردت القصة على زميلي سامح العشي، وقلت له مازحا: “والله شكله مافي حل إلا أنا أعمل برنامج” في الواقع قلتها بقصد الدعابة فقط! وبقيت على أمل أن ترد علي الشركة! ولكنها لم ترد! قلت في نفسي هل عمل البرنامج هو السبيل الوحيد!!؟ نعم إنني أعرف عدة لغات برمجة، ولكن بكل صدق وأمانة الموضوع أكبر مني بكثير! فالعائق الأول أنني لا أعرف كيف أربط خريطة العالم متغيرة الأبعاد مع لغة البرمجة المفضلة عندي! كما أنني لا أفقه شيئا في حساب مدار الأقمار الصناعية! نعم إنني أرصدها ولكن لا أحسبها! البرامج التي أستخدمها هي التي تحسبها! الموضوع أشبه عندي بتعلم اللغة الصينية! فكل ما أعرفه في القصة هي العناصر المدارية للقمر الصناعي! فلحساب مواعيد مرور أي قمر صناعي، يجب الحصول أولا على شيء يسمى بالعناصر المدارية وهي قيم تعبر عن وضعية القمر في مداره، وهذه متوفرة بسهولة على شبكة الإنترنت، وبمجرد إدخال هذه العناصر المدارية لأي برنامج متخصص يقوم هو برسم مدار القمر الصناعي أو تحديد موقعة في السماء بالنسبة للراصد! فخبرتي تنحصر بمعرفة العناصر المدارية ومن ثم قراءة النتائج! أما طبيعة الحسابات التي تحول العناصر المدارية إلى إحداثيات سماوية معروفة فهي عبارة عن صندوق مغلق مبهم بالنسبة لي!

 فجأة وبدون مقدمات قبلت التحدي! وقررت المضي قدما بعمل البرنامج، مهيئا نفسي لقبول الخسارة والخروج بروح رياضية! أمامي تحديان؛ الأول عرض خارطة العالم متغيرة الأبعاد في البرنامج ورسم نقطة عليها في إحداثيات معينة، والتحدي الثاني هو باختصار حساب موقع القمر الصناعي حول الأرض في أي لحظة بمجرد إدخال العناصر المدارية! لا أعرف أيهما أكثر تحديا من الآخر، فاحتمالية الفشل كانت عندي أعلى من النجاح طيلة الوقت! بدأت بتحدي الخريطة، ظننت الموضوع بسيطا، وهو ببساطة إدخال خارطة Google Maps في البرنامج! الكلام يبدو سخيفا وسهلا، ولكن التطبيق كان أعقد بكثير مما تخيلت! أجبرت على تعلم أساسيات لغة برمجة جديدة لا أعرفها، وأجبرت على الغوص في أعماق البرمجة وربط الخارطة مع البرنامج! كان تحديا رائعا وجميلا! وما إن أنتهي من عقبة إلا وبرزت عقبات! هناك بعض العقبات التي تبدو غاية في السخافة ولكن حلها استلزم ثلاث أو أربع ساعات أحيانا! ولكن طعم النصر جميل! وهكذا توالت حل الإشكاليات إلا أن وصلت إلى مرحلة حمدت الله حينها على أن يسر حل المشكلة الأولى.

 انتقلت بعدها إلى تحدي الحسابات الفلكية، وجعلت تحدي الحسابات الفلكية ثانيا لأنني ظننته الأسهل، ولكن تبين لي أن الموضوع أكبر بكثير مما تخيلت! فالحصول على حسابات دقيقة للأقمار الصناعية ليس بتلك الصورة التي قد تخطر بالبال! بدأت بالبحث والقراءة، وتعلمت الكثير، ووجدت الحسابات وبدأت بتطبيقها، ولكن بعد يومين لم تنجح الحسابات وكانت النتائج خاطئة! حاولت ثم حاولت ولكن بقي الفشل هو المصير! راجعت المعادلات حوالي خمس مرات ولم أجد أي خطأ ولكن النتائج خطأ. كان أمامي حلان؛ فإما أن استسلم أو أن أحاول إيجاد شرح آخر للمعادلات! بدأت أشعر بالإحباط! ولكن قررت البحث عن معادلات أخرى! وبعد يوم وجدتها! ولكنها معادلات عملاقة! وتحتاج إلى برمجة أكبر وهي مكتوبة بلغة أخرى غير التي أبرمج بها، ولكني أعرفها أيضا! بدأت بالتحويل وإعادة البرمجة، وكنت متأكدا أنها لن تنجح! فالأبسط منها لم ينجح! وهذه معادلات مهولة! على كل حال بدأت بالبرمجة الثانية، وبعد يومين انتهيت من البرمجة… وكما توقعت… النتائج خاطئة! لم أتفاجأ بل كنت سأتفاجأ إن حصل العكس! أخذت أراجعها ولم أجد الخطأ! بدأت أشعر باليأس نوعا ما.

 نحن الآن في يوم السبت 15 فبراير! وفي هذا اليوم كنت أتابع قمرا سيقع على الأرض في اليوم التالي: الأحد 16 فبراير، وكانت التقديرات تشير إلى أنه سيسقط بعيدا عنا، ولكنه سيمر فوق السعودية في نهاية حياته، وكان مروره فوق السعودية بعيدا عن موعد السقوط المتوقع بمقدار ساعة تقريبا ولكنه ضمن نطاق الخطأ المتوقع أصلا! لم أهتم كثيرا بالموضوع، وهذا خطأ! وفي صباح يوم الأحد قرأت تقريرا فلكيا مقتضبا أنه سقط فوق السعودية، وأيضا لم أهتم كثيرا بالموضوع لأنني كنت على عجلة من أمري وكنت أقود السيارة. وما هي إلا سويعات، وإذ بالزميل إبراهيم الحذيفي يقول برسالة لي: “جرم سماوي على شكل كرة يحترق في سماء المملكة… فجرا”. في الحقيقة ابتسمت لأننا هذه المرة كنا نتابع القمر الصناعي! قرأت الخبر الذي أرسله الأخ إبراهيم وإذ به ينص على أن شهود عيان من حائل والمدينة ورابغ وغيرها شاهدوا جسما محترقا يتحرك من الشمال إلى الجنوب في الساعة 01:40 فجرا بتوقيت غرينتش! هذه المرة لن نحتاج وقتا لأننا نعلم أين سنجد المعلومة، تأكدت ووجدت أن هناك تقريرا يشير إلى أن القمر الصناعي سقط على الأرض الساعة 01:40 أيضا! أي أنه تطابق كامل بين الحسابات وبين ما تمت مشاهدته.  أرسلت للأخ إبراهيم التفاصيل وكتبها في الخبر التالي: (http://sabq.org/Y5Rfde).

 وخلال ذلك اليوم أرسلت الخبر لبعض الأصدقاء الفلكيين، وتفاجأت من ردة الفعل! راسلني علماء كبار متخصصون بموضوع الأقمار الصناعية من ألمانيا وأمريكا وطلبوا مزيدا من التفاصيل، وكانت ردة فعل المواطنين في السعودية مشجعة على الاهتمام بالموضوع أكثر. كان يوما حافلا بمعنى الكلمة، لم أهدأ خلاله! ومما أثار الموضوع إلى أقصى حد أن أصحاب القمر الصناعي أنفسهم وهم وزارة الدفاع الروسية لم تكن تعلم أين وقع قمرها، بل صرح مسؤولون فيها تصريحات خاطئة عن موعد ومكان سقوط القمر الصناعي! مما أربك معظم المهتمين! ولكنني كنت أنظر للإرباك بنظرة مختلفة! فهكذا كان شعوري عندما سقط القمر الأول! تضارب واختلاف! ولم أكن أعلم أيهما الأصدق والأصوب! ولكن هذه المرة كنت أعلم! وكنت أعلم أن تصريحات وزارة الدفاع الروسية خطأ! ولكن تفاقم هذا الإرباك إلا أن وصل إلى صحيفة الإندبندنت البريطانية التي أشارت إلى التضارب وأشارت إلى تصريح الروس وإلى تصريحنا نحن ومشاهدتنا لسقوط القمر فوق السعودية، وذلك على الموقع التالي:

http://www.independent.co.uk/news/science/russian-satellite-kosmos1220-burned-up-in-atmosphere-claims-defence-ministry-official-9133157.html

 وفي المساء رأيت الحيرة على وجوه فلكيين كبار، فكتب أحدهم وهو عالم فلك ألماني مشهور على صفحته في الفيسبوك: ساعدوني! أين ومتى وقع القمر الصناعي وأشار إلى عدة مراجع متضاربة! فما هي إلا دقائق إلا وأجابه متخصصون في الأقمار الصناعية وأشاروا إليه بالمرجع الصحيح والدقيق وهو نفس المرجع الذي نعتمد عليه، والذي صرح بوضوح أن القمر وقع الساعة 01:40 بالتوقيت العالمي فوق السعودية! على أية حال نحن بالذات في هذه الحالة لسنا بحاجة لمن يقول لنا أين سقط! فنحن شاهدناه فعلا وهو يسقط ونحن من يفترض أن يخبر العالم أين سقط! وعلى الرغم من هذا كله ضرب موقع العربية نت الحائط بكل هذه الحقائق والخبرات ونشر خبرا هزيلا حول الموضوع على الرابط التالي: (http://bit.ly/1dL1syq ).

 هل نسيتم أين وصلت في البرنامج!؟ كنت قد بدأت باليأس! ولكن أحداث هذا اليوم كانت حافزا كبيرا لي، فتحمست قليلا، وراجعت البرنامج مرة أخرى، ولكن أيضا لم أجد مشكلة! لا أريد أن أكون يؤوسا ولكن أريد أن أكون واقعيا! يبدو أنه لا أمل، وعلي أن أرضى بالواقع! وأن استخدم برنامجا بديلا! فلن ينهار العلم إن لم ينجح البرنامج!! أمهلت نفسي ساعتين نهائيتين أراجع فيهما البرنامج مرة أخيرة، وبعدها سأغلق الملف نهائيا! وبعد 10 دقائق فقط! وجدت الخطأ وأصلحته، جربت البرنامج، ولم أصدق!!!! الأرقام صحيحة! كانت فرحة كبيرة جدا! تأكدت أكثر وأكثر، وكل الأرقام صحيحة لعدة أقمار صناعية وفي عدة أوقات. الحمد لله!

 وصلنا الآن إلى يوم الثلاثاء 18 فبراير! لم تبق مشاكل حقيقية، وبقيت رتوش على البرنامج! ورويدا رويدا بدأ البرنامج يرى النور وتشرق بسمته البهية! وفي مساء ذلك اليوم وبينما كنت أقوم باللمسات الأخيرة على البرنامج، كنت أتابع أحد الأقمار الصناعية التي ستقع على الأرض في ذلك اليوم، وإذ بآخر تحديث يشير إلى أنه سيمر أيضا فوق السعودية في نهاياته! كانت فرصة رائعة لأجرب برنامجي! أحضرت العناصر المدارية من الإنترنت، وأدخلتها إلى البرنامج! ورسم موقع القمر، والأماكن التي تراه! وفيما يلي وضعية القمر يوم الأربعاء 19 فبراير الساعة 00:17 بالتوقيت العالمي. المناطق الواقعة داخل الدائرة الحمراء هي التي تشاهد القمر في ذلك الوقت، والأماكن داخل الدائرة الزرقاء سيكون ارتفاع القمر فيها أكثر من 10 درجات عن الأفق، والأماكن داخل الدائرة الخضراء، سيكون ارتفاع القمر فيها أكثر من 20 درجات عن الأفق! بالمناسبة عندما شرعت بعمل البرنامج، قلت لنفسي قد لا أتمكن من عمل كل شيء أريده، فعلى الأغلب لن أتمكن من رسم عدة دوائر للمناطق التي تشاهد القمر، وستبقى هذه ميزة حسرة في قلبي! ولكن سبحان الله، فقد كان هذا الأمر تحديدا أبسط مما تخيلت، ولله الحمد.

 الصورة التالية، صورة مكبرة تظهر موقع القمر بالنسبة للمدن السعودية المختلفة.

 أردت أن أتأكد مرة أخرى من دقة البرنامج، فكبرت الخارطة أكثر لأرى أطراف الدائرة الحمراء، فوجدتها على حدود الرياض وبريدة شرقا، وبالكاد تلامس جنوب سيناء شمالا، وقارنتها مع أحد المواقع المعتبرة فكانت الصور أدناه، والتي تبين التطابق الكامل بين نتائج برنامجي وبين نتائج المواقع المتخصصة المعتبرة.

ونظرا لما لمسناه من رغبة الكثيرين بمتابعة مواعيد سقوط الأقمار الصناعية على الأرض، ومعرفتهم لها مسبقا، فقد بدأنا بنشر هذه المواعيد على حسابنا على تويتر icoproject@

 ختاما لا أملك إلا أن أحمد الله وأشكره على فضله في إتمام هذا البرنامج، فما كان توفيقي إلا بالله، وأتقدم بالشكر الجزيل لصحيفة سبق وأخص بالذكر الأستاذ إبراهيم الحذيفي على اهتمامهم بالشؤون العلمية وتعاونهم معنا، ولا يفوتني أن أتقدم بعظيم الشكر لزوجتي العزيزة التي انشغلت عنها خلال الشهر الماضي. كما لا يسعني إلا أن أتقدم من شركة AGI التي أهملتني بجزيل الشكر والامتنان، فكثيرة جدا هي الأشياء التي تعلمتها خلال هذه التجربة، وهي بحق أكثر بكثير من أن أحصيها في عجالة هنا، فهناك العديد من الأمور التي كنت أجهلها وكنت أتمنى معرفتها، فجاءت هذه الفرصة لأتعلم الكثير. فلولا تجاهلهم وإهمالهم لي لما غصت في أعماق البرمجة ولا في أعماق الحسابات الفلكية للأقمار الصناعية وغيرها من الأمور الكثيرة. وصدق الله تعالى القائل: “فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا”.

ديسمبر
24

تكنولوجيا الفضاء تقيس تقدم الأمة

خلال الأسابيع القليلة الماضية، حدثت عدة تطورات مثيرة للإعجاب في عالم تكنولوجيا الفضاء، ربما كان أبرزها إطلاق الهند لمركبة فضائية إلى المريخ، تلاها إطلاق الصين لرحلة روبوتية إلى القمر، ووضع الإمارات العربية المتحدة القمر الصناعيّ دبي سات- 2 في مداره بواسطة صاروخ روسيّ.

في العام الماضي، ومع امتلاك الإمارات العربية لثلاثة أقمار صناعية تدور حول كوكبنا (دبي سات-1، ياه سات-A1 وياه سات-B1)، كتبت مقالاً للتأكيد على أهمية الأقمار في حياتنا وفي مجال الاستراتيجية الوطنية. لقد بدأ سباق الفضاء في عام 1957 عندما أطلق السوفييت بنجاح أول قمر صناعيّ في التاريخ، فاعتبره الأمريكيون خطوة قوية للغاية تصدّوا لها بإنشاء وكالة الفضاء “ناسا”، وتجديد المناهج الدراسية الخاصة بالرياضيات والعلوم، وبذل جهد وطنيّ متعدّد التخصصات، وأدّى ذلك كلّه إلى نجاحهم في الوصول للقمر والهبوط على سطحه في أقلّ من 12 عاماّ.

وبالمثل، وفي حين أن الهند متواجدة في الفضاء منذ 40 عاما تقريبا، تطلق الصواريخ وتضع الأقمار الصناعية في مدارات مختلفة، فإنّ بعثتها إلى المريخ تجعلها بين قلّة مختارة من الدول على وجه الأرض وتبعث برسالة إلى الجميع (داخل البلاد وخارجها) مفادها أنّ الهند الآن أمة متقدمة للغاية، تقنياً وعلمياً. وقد سألني بعض طلبتي: ما الذي يجعل الهند تنفق عشرات أو مئات الملايين من الدولارات في مهمّة لن تجلب لها فائدة ملموسة، في حين أن لديها الملايين من الفقراء لتطعمهم؟ وقد أجبت أن الهند تريد أن تنظر للمستقبل وتسير قدماً وتضع أهدافاً عُليا لشعبها.

ويجدر بنا أن نذكّر بأنّ الهند أرسلت قبل بضع سنوات مركبة فضائية إلى القمر، شاندرايان-1، ووجدت الماء هناك، وربما كان ذلك أوّل تأكيد حقيقيّ لوجوده على القمر. كما أعلنت أيضاً عزمها على تطوير برنامج لرحلات فضائية مأهولة في غضون السنوات القليلة القادمة.

وبالإضافة إلى مجموعتها الخاصة من الأقمار الصناعية، للاستشعار عن بعد عالي الدقة ومختلف التطبيقات الأخرى، أصبح للهند مشروع فضائيّ تجاريّ رئيسيّ، يطلق الأقمار الصناعية، بل أحياناً عدة أقمار في آن، لصالح الدول الأقل تطوّرا، بما في ذلك بعض الدول العربية. ولديها أيضا برنامج تعليميّ قويّ مرتبط بأهداف برنامجها الفضائيّ ، مثل “Stud-Sat” (القمر الصناعيّ للطلاب)، والذي تم بناؤه من قبل طلاب الهندسة في جامعات بنجالورو و حيدر أباد.

وقد وعت الإمارات العربية المتحدة أيضاً أهمية تطوير برنامج للفضاء فكان بناء الأقمار سالفة الذكر باعتماد من المالية الإماراتية و(جزئياً على الأقل) بمساهمة الكفاءات الإماراتية، وهذا بحدّ ذاته مسعى نبيل للتنمية البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن الأقمار “دبي سات” و “ياه سات” توفّر بيانات مهمة، وهو هدف كبير آخر من أهداف البرنامج. وربما في المستقبل القريب، سيتم تطوير قدرات إطلاق وطنية، كما فعلت دول أخرى في المنطقة.

لقد كان العراق أول دولة عربية تطلق قمراً صناعياً (في ديسمبر 1989)، لتصبح الدولة العاشرة في العالم في وضع قمر صناعيّ لها حول الأرض. وفيما بعد، تمّ إطلاق أقمار لصالح دول عربية، وكانت أغراضها تركّز إلى حد كبير على الاستشعار عن بعد، ومثال ذلك المغرب (Maroc-Tubsat ، الذي أُطلق في ديسمبر 2001)، والجزائر (مع قمرها ألسات-1، الذي أطلق في نوفمبر 2002)، أو شبكات الاتصال، كمثل أقمار ثريّا للإمارات العربية (التي بنتها شركة بوينغ، وكان أول إطلاق لها في أكتوبر 2000، والثاني في يناير 2003).

أمّا إقليميا، ولعدد من السنوات الآن، فقد طوّرت إيران برامج فضائية في اتجاهين متكاملين: بناء أقمار صناعية محلية الصنع وتطوير تكنولوجيا الصواريخ التي يمكنها وضع الأقمار بدقة في مدار ما. وقد نجحت إيران قبل بضعة سنوات في القيام بكلا المهمتين، وقبل بضعة أشهر أعلنت عن إنشاء مركز فضاء جديد يمكنه، من بين أمور أخرى، تتبّع أي “أجسام” تمرّ فوق البلاد. وبعد فترة وجيزة أرسلت قرداً إلى الفضاء (القريب) وكان هذا في الربيع الماضي، وقد أعلنت أنها تخطط لإرسال بشر للفضاء بحلول عام 2018.

أخيرا، وعلى مدى عقود، صارت إسرائيل قوة فضائية، فقد أطلقت عشرات من الأقمار الصناعية، ولا يعرف عددها بدقة، حيث أنّ كثيراً منها “سرّيّ للغاية”… ولكنّ الأهمّ من ذلك، أنها ذات زعامة معترف بها في عدة مجالات لتكنولوجيا الفضاء، مثل الأقمار الصناعية الأصغر (“أقمار النانو”) والبعثات الفضائية الروبوتية. وتأمل إسرائيل في أن تنزل مركبة فضائية صغيرة على سطح القمر في العام المقبل. كما أنها وضعت برامج تعليمية متطوّرة ترتبط بمشاريعها الفضائية.

قبل عامين، عقدت لجنة العلوم والفضاء والتكنولوجيا في الكونغرس الأميركي جلسة لمناقشة وضع برنامج الفضاء الأمريكي. وقد قدّم أوّل الذين مشوا على سطح القمر وآخرهم، نيل أرمسترونغ ويوجين سيرنان، وجهتي نظرهما. قال “سيرنان” بوضوح وبلاغة : “إن برنامج الفضاء هو استثمار في المستقبل، استثمار في التكنولوجيا، وفي فرص العمل، وفي التقدير الدوليّ وفي الريادة السياسية، وربما الأهمّ هو أنه استثمار في إلهام شبابنا وتعليمهم. الآن هو الوقت المناسب لنكون جريئين ومبتكرين وحكيمين في كيفية الاستثمار في مستقبل أمريكا. الآن هو الوقت المناسب لإعادة التأكيد على التزام أمّتنا بالتميّز. إنّ الموضوع ليس في الفضاء ذاته، بل هو في الدولة نفسها”.

ذلك هو ملخّص ما تنطوي عليه برامج الفضاء: قدرة تكنولوجية عالية، وأهداف تعليمية عظيمة، واقتصاد قائم على المعرفة والعلوم، ورؤية استراتيجية كبرى…

ترجمة أ. بسمة ذياب

ديسمبر
05

كتاب: “براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه”

يعلم الجميع أن علاقة القرآن الكريم ، بالكشوف العلمية الحديثة، علاقة شائكة!

ومثلما نرى انجرافاً واسع النطاق في دعم إيجابيات هذه العلاقة، منها القليل الرصين، والكثير المتهافت (حاولت الرد على بعضها على هذا الرابط)

إلا أن هناك أيضاً معارضة سلبية متفاوتة: [من التردد، إلى التوجس، إلى الشك، إلى الامتعاض، إلى النقد، إلى الاستخفاف، إلى الانتقاص، إلى المعاندة، إلى الجحود، إلى التجريح، إلى الإفشال، ووصولاً إلى الحرب المعلنة!]

وفي سعيي للرد على هذه المعارضة السلبية، وعلى كل نطاقات هذا الطيف الممتد، وضعت كتاباً بعنوان:  “براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه”

وأعرض الكتاب الآن فصولاً متتابعة ومتصاعدة على درجة السلبية، على هذا الرابط. وذلك قبل نشره، .. لعل من يكون له خبرة وحنكة بالمادة المعروضة، أن يكون له اعتراض وجيه، أو ملاحظة مفيدة، فآخذهما بالاعتبار.

وهنا تجدون الفهرس الحالي للكتاب، إلا أن الروابط الشاغرة ستضاف إليه قريباً – إن شاء الله تعالى- مع تجهيزها على الفهرس المحدّث على المدونة، وذلك لمن له رغبه في مدوامة الاطلاع.

الفهـــرس

       التمــــــهيد

       المقدمـــــــــــة

(أ) المدرسة الوسطية:

       (أ1) أبو حيان الأندلسي

       (أ2) محمد عبدالله دراز

       (أ3) محمد متولي الشعراوي

       (أ4) محمود شلتوت

       (أ5) يوسف القرضاوي

       (أ6) محمد رشيد رضا

       (أ7) سيد قطب

       (أ8) بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن)

       (أ9)  أبو إسحاق الشاطبي

       (أ10) محمد حسين الذهبي

       (أ11) محمود محمد شاكر

       (أ12) أمين الخولي

       (أ13) عباس محمود العقاد

       (أ14) زكي نجيب محمود

       (أ15) شوقي ضيف

       (أ16) أحمد محمود صبحي

       (أ17) محمد عزة دروزة

       (أ18) طه جابر العلواني

       (أ19) عبدالمجيد عبدالسلام المحتسب

       (أ20) محمد الصادق عرجون

       (أ21) محمد لطفي الصباغ

       (أ22) محمد فريد وجدي

       (أ23) أبو عبد المعز

 المدرسة السلفية:   

        (ب1) عبدالعزيز بن باز

        (ب2) محمد بن صالح العثيمين

        (ب3) صالح الفوزان

        (ب4) مساعد بن سليمان الطيار

        (ب5) سعود بن عبدالعزيز العريفي

        (ب6) عبدالله الأهدل

المدرسة الإصلاحية:   

        (ج1) جمال الدين الأفغاني

        (ج2) محمد عبده

المدرسة الفلسفية الصوفية:   

        (د1) محمد إقبال

        (د2) ظفر إسحاق أنصاري

        (د3) سيد حسين نصر

        (د4) عبد الكريم سروش

(هـالمدرسة الفلسفية العلموية:

        (هـ1) عبدالوهاب المسيري

        (هـ2) عادل ضاهر

        (هـ3) أبو يعرب المرزوقي

        (هـ4) رضوان السيد

        (هـ5) محمد أبو القاسم حاج حمد

        (هـ6) أحميدة النيفر

        (هـ7) محمد البغدادي

المدرسة العلموية:       

        (و1) رشدي راشد

        (و2) نِضال قَسُّوم

        (و3) برويز هوودبهوي

        (و4) عبد الحق برونو كيدردوني

المدرسة الثقافية:

        (ز1) حسام تمام

        (ز2) الحسن مصباح

       (ز3) علي أسعد

        (ز4) معتز الخطيب

        (ز5) عبدالرحمن حللي

        (ز6) محمد رضا محرم

المدرسة العلمانية:     

        (ح1) مراد وهبه

        (ح2) نصر حامد أبو زيد

        (ح3) عزيز محمد أبوخلف

        (ح4) محمد كامل حسين

        (ح5) طه حسين

        (ح6) محمد أحمد خلف الله

        (ح7) محمد أركون

        (ح8) محمد عابد الجابري

        (ح9) حسن حنفي

(ط) المدرسة الرعناء:       

        (ط1) خالد منتصر

        (ط2) كامل النجار

        (ط3) جواد البشيتي

        (ط4) عايد سعيد السراج

        (ط5) أحمد القاضي

المراجع

وأُذكِّر أنه، من شاء أن يتابع ما يطرأ من تحديث على فهرس الكتاب وروابط الفصول، فسوف يجده هنا الفهرس المُحَدَّث.

نوفمبر
14

تقويم أم القرى «العلماني»!

يبدأ «اليوم» في التقويم «القمري» أو «العربي»، أو «الإسلامي» بغروب شمس اليوم السابق وينتهي بغروبها في الغد. ويبدأ «الشهر» فيه بغروب القمر بعد غروب الشمس في أول ليلة من الشهر وينتهي بغروبه بعد غروبها في آخر يوم منه.

والمشكل في تحديد بداية الشهر في هذا التقويم صعوبة التحقق من غروب القمر بعد غروب الشمس. ذلك أنه يَلزم عن إمكان غروب القمر قبل غروب الشمس، أو قبيل غروبها، أو معها، أو بعدها بقليل أو كثير التأكدُ من توقيت الغروبين ليبدأ الشهر الجديد أو ليكون اليوم التالي إكمالا للشهر السابق.

وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم بداية شهر رمضان ونهايته بأن يشهد بعض المسلمين برؤية الهلال بعد غروب الشمس رؤية صحيحة، وهي الطريقةُ الطبيعية المباشرة المتوفرة لعامة المسلمين. ويرافق استخدام هذه الطريقة منذ صدر الإسلام إلى الآن كثير من النقاش عن صحة رؤية الشهود من عدمها.

وألجأ ذلك بعضَ المسلمين قديما إلى الاستعانة بالحساب الفلكي لرصد الهلال بعد غروب الشمس. وأنجز علماء الفلك المسلمون القدماء تقاويم حسابية دقيقة حددوا فيها بدايات الأشهر القمرية. لكن أكثر الفقهاء ظلوا يرفضون هذا الخيار حتى الوقت الحاضر.

ومن المحاولات الحديثة لتحديد بداية الشهر الهجري تقويمُ أم القرى، المعتمد في المملكة. وهو يعتمد على إحداثيات الكعبة المشرفة. والغرض منه أن يكون تقويما لتسيير الأعمال الحكومية، كاحتساب سنوات التوظيف، وصرف الرواتب، والتقاعد وغير ذلك. وقد مر بأطوار متعددة حتى استقر أخيرا على الاعتماد على معيارين، هما: -1 أن يحدث الاقتران قبل غروب الشمس عن أفق مكة المكرمة، و-2 أن يمكث القمر في أفق مكة المكرمة بعد غروب الشمس ولو للحظات.

ويوصف هذا التقويم بأنه «هجري» لأنه يحدد أوائل الأشهر القمرية الهجرية ونهاياتها للأغراض الحكومية السابقة، ويُنسب إلى مكة المكرمة لإضفاء ما يُشبه القداسة عليه. ومع هذا يوصف بأنه «مدني»، أي أنه يحدد بداية الأشهر القمرية بالحساب الفلكي لا الرؤية، ولا يُستخدم لتحديد بدايات أشهر العبادات الموسمية ولا نهاياتها ولا المناسبات الدينية عموما. لكنه يعتمد، من ناحية أخرى، في توقيت مواعيد الصلوات في مدن المملكة.

واللافت للنظر أن الهيئات الدينية الرسمية في بلادنا لم تعترض على الطريقة التي يُدخِل بها هذا التقويم الأشهر الهجرية باستخدام الحساب الفلكي! وربما تَعتذر عن ذلك بعدم استخدامه في إهلال أشهر العبادات الموسمية وكفى. لكن هناك كثيرا من المعاملات التي تؤكد النصوص الكريمة على تواريخها كعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها وصيام عاشوراء وصيام الأيام البيض، وهي كلها تُحتسب الآن بهذا التقويم «المدني»!

ويمكن أن تنشأ مشكلات عدة أخرى عن تقويم أم القرى. ومنها أنه يبدو أن المحكمة العليا لا تستقبل من يتقدم بالشهادة لرؤية الهلال إلا إن قال هذا التقويم إنه سيكون في ليلة الترائي فوق الأفق. وهذا الأفق هو أفق مكة المكرمة، لكن المبادرين بالشهادة برؤية الهلال يأتون دائما من المنطقة الوسطى التي ربما يكون الهلال الذي يبقى بعد غروب الشمس في أفق مكة المكرمة قد غرب فيها. ولا يبدو أن المحكمة الموقرة تقيم اعتبارا لهذا الوضع. وهي تصدر قراراتها وكأن أفق مكة المكرمة أفقٌ للمملكة كلها. ويفاقم هذه المشكلة رأي الشيخ عبد الله بن منيع، عضو هيئة كبار العلماء، بأن الله سبحانه وتعالى ربما ميز بعض الناس بقدرات بصرية تفوق قدرات غيرهم، وهو ما يجعل المحكمة العليا تقبل شهادات المبادرين بالشهادة لأن الهلال «فوق الأفق»(!)، ولأن هؤلاء «شهود عدول»، ويتفوقون على الناس بقوة أبصارهم!

ويُدخٍل هذا التقويم الأشهر القمرية بطريقة متسرعة أحيانا إعمالا لمعياره الثاني. وهذا ما حدث في إدخاله شهر محرم 1435 هـ. ويقول الدكتور حسن باصرة، أستاذ الفلك في جامعة الملك عبدالعزيز، في تدوينة نشرها المشروع الإسلامي لرصد الأهلة في1435/1/7 هـ، عن ذلك: «يشير غروب الشمس وهي في حالة كسوف جزئي إلى أن جزءا من القمر كان أمام الشمس وأنهما غربا سويا (بتفاوت بسيط بين مركزي قرصيهما) أي أن الحافة السفلى لقرص القمر التي تمثل الهلال المطلوب ترائيه لدخول الشهر (كانت) تحت الأفق قبل غروب قرص الشمس تماما، مما يؤكد عدم وجود هلال للترائي على الأفق الغربي وأن يوم الإثنين مكمل لشهر ذي الحجة».

ويعني هذا كله أنه لا يصح أن يسمى تقويم أم القرى تقويما «هجريا» لأنه لا يُدخل الشهر بالطريقة المنصوص عليها شرعا. فهو «تقويم مدني» بمعنى أنه غير مرتبط بالنصوص الدينية بقدر ارتباطه بالحساب الفلكي. وهو مساو في ذلك للتقويم الميلادي من حيث اعتباطية تحديده للشهر. ولا أجد حرجا في الاقتراح بأن يوصف بالتقويم «العلماني»، وهو الوصف الأقرب إلى الدقة لأنه غير معني بالجانب الشرعي في إهلال الأهلة إطلاقا!

والسؤال الأهم هو: كيف يمكن أن تقبل الهيئات الدينية الرسمية في بلادنا أن يرتبط هذا التقويم «العلماني» بأقدس مكان في الإسلام؟ وكيف ترضى به تقويما لتحديد أوقات كثير من العبادات والمعاملات الشرعية؟

وإذا أردنا أن يكون هذا التقويم «شرعيا» حقيقيا فلابد من إصلاحه كالتالي (وكنت تقدمت بهذا الاقتراح في مقال «التنسيق المستحيل»:

-1 أن يغيَّر المعيار الثاني ليحدد بداية الشهر بأن يكون ارتفاع الهلال فوق أفق مكة المكرمة بعد غروب الشمس على سبع درجات في الأقل. وهذا ضروري ليكون الهلال «فوق الأفق»، لا في مكة المكرمة وحسب، بل في المملكة كلها.

-2 أو أن يتخذ أفق الدمام مرجعا لإهلال الأهلة لوقوعها شرق المملكة، وألا يقل ارتفاعه عن ست درجات. ذلك أنه إذا مكث في أفق الدمام فترة فسيمكث حتما في المناطق التي تقع غربها أطول من تلك الفترة. أما أخذ أفق مكة المكرمة من غير أن يحدد ارتفاع الهلال بسبع درجات فيعني أنه ربما يمكث في أفق مكة لكنه يكون قد غرب عن أفق المناطق الشرقية من المملكة.
ومما يجب أن يلاحظ أن الهيئات الدينية تقول إن لكل بلد مطلعه، لكنها لم تلحظ أنها تأخذ أفق مكة المكرمة مطلعا للمناطق التي ربما يكون الهلال قد غرب فيها قبل الشمس أو معها! ذلك أن كون الهلال على درجة منخفضة في أفق مكة المكرمة، أو أنه غرب قبيل غروب الشمس، أو معها يعني أنه ربما غرب قبل غروب الشمس، أو معها، في المناطق التي تقع شرق مكة. وهو ما يعني أنه إذا صام الناس أو أفطروا بشهادة تأخذ في حسبانها غروبه عن أفق مكة المكرمة أنهم صاموا قبل دخول رمضان وأفطروا قبل انتهائه.

مشاركات سابقة «