أبريل
20

لماذا يتأخر المغاربة في بدايات الشهور الهلالية؟

أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية يوم الاثنين الماضي تمام شهر رجب 1439هـ، لعدم رؤية هلال شعبان بالمغرب في الليلة التي أعلنت معظم الدول الإسلامية دخول الشهر، وفي الليلة الموالية ظهر الهلال كبيرا، فأثار ذلك جدلا واسعا بين المغاربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين تخلف المغرب عن الدول الإسلامية عادة أصبحت مألوفة. ويتساءل كثير منهم عن سبب هذا التأخر، وهل له ما يسوغه من الشرع الحنيف والعقل الحصيف؟ ثم هل يجب على المغاربة اتباع الإعلان الرسمي المتأخر أم ينبغي اتباع إعلان من سبقه، خاصة في شهري الصيام والإفطار؟

جوابا عن هذه الأسئلة كتبت هذه السطور، إسهاما مني في تجلية بعض ما يخفى على عموم من يخوض في هذا الموضوع بين الفينة والأخرى، والله أسأل التوفيق والسداد، ومنه أستمد العون والرشاد.

بم يثبت دخول الشهر شرعا؟

أجمع العلماء على أن الهلال إذا رئي بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري، اعتبر اليوم الذي يليه من الشهر الموالي، فإن لم ير الهلال ولا علم وجوده بأي وسيلة تعين إكمال الشهر ثلاثين يوما، وهذا صريح ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عدد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

ومن تلك الروايات ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين”[1].

وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما الخلاف في حكم إثبات دخول الشهر بالحساب الفلكي؛ وللعلماء في ذلك مذاهب، فقد جزم بعضهم بعدم الجواز مطلقا، واستند إلى الروايات المشار إليها آنفا، ولم يقبل في ذلك اجتهادا، وعضد مذهبه هذا بكونه قول عامة المتقدمين، بل هو المؤيد بكلام سيد المرسلين، حيث قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا” يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين[2]. قالوا: فهذا صريح في نفي مشروعية اعتماد الحساب لتحديد بدايات الشهور القمرية.

وممن ناصر هذا المذهب من المعاصرين ولم يقبل غيره الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، حيث قال: “إن طريق إثبات الشهر شرعا بالإهلال أو الإكمال، وإن إجماع المسلمين منعقد على عدم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور، وإن الخلاف الحاصل حادث، ثم هو ليس على إطلاقه، بل هو مقيد عند من قال به، ثم إنه وقعت في حكايته أغاليط، وإن كلمة المحققين والحفاظ على أن الخلاف الحادث في هذا شاذ، تنكبه الأئمة”[3].

وقال آخرون بمشروعية الاعتماد على الحساب، موجهين حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بأنه حكاية حال، وليس نهيا للأمة عن استعمال الحساب والكتابة. وأيضا فإن فيه نصا على العلة في اعتماد الرؤية، وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يومئذ أميين، لا علم لهم بالحساب؛ بشكل يمكن معه التوسل به إلى معرفة وجود الهلال في الأفق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باعتماد الرؤية وسيلة لتحديد بدايات الشهور، وليست عبادة مقصودة لذاتها، ومعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فحيث زالت علة العدول عن استعمال الحساب، وأمكن التوصل إلى معرفة وقت ولادة الهلال بدقة متناهية؛ تصل إلى ضبط ذلك بالساعة والدقيقة قبل وقوعها بسنين عديدة؛ زال الحكم القاضي بربط دخول الشهر بالرؤية البصرية، إذ لا معنى للعدول عن وسيلة قطعية توصل إلى المطلوب، إلى أخرى ظنية، كانت في زمن مضى هي الوسيلة المثلى لتحقيق قصد الشارع.

وهذا ما انتصر له ودافع عنه بقوة الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله في مقاله الذي أسماه: “لماذا الاختلاف حول الحساب الفلكي؟” حيث قال في مطلعه: “لا أجد في اختلاف علماء الشريعة العصريين ما يدعو إلى الاستغراب؛ أغرب من اختلافهم الشديد فيما لا يجوز فيه الاختلاف؛ حول اعتماد الحساب الفلكي في عصرنا هذا لتحديد حلول الشهر القمري لترتيب أحكامه الشرعية”.

ثم قال في ثنايا مقاله: “وما دام من البدهيات أن رؤية الهلال الجديد ليست في ذاتها عبادة في الإسلام، وإنما هي وسيلة لمعرفة الوقت، وكانت الوسيلةَ الوحيدة الممكنة في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، وكانت أميتها هي العلةَ في الأمر بالاعتماد على العين الباصرة، وذلك بنص الحديث النبوي مصدر الحكم؛ فما الذي يمنع شرعا أن نعتمد الحساب الفلكي اليقيني، الذي يعرفنا مسبقا بموعد حلول الشهر الجديد، ولا يمكن أن يحجب علمنا حينئذ غيم ولا ضباب، إلا ضباب العقول”[4].

فهذان رأيان متقابلان أولهما يرفض الاعتداد بالحساب، ويعتمد الرؤية البصرية، باعتبارها عبادة منصوصة، لا اجتهاد مع ثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يستغني الفريق الثاني بالحساب القطعي عن الرؤية البصرية، محتجا بأنها وسيلة اقترن اعتمادها بحال معينة وعلة منصوصة، فلا مسوغ للتمسك بها وقد زالت علتها.

وبين هذا وذاك مذهب ثالث، يرى ضرورة الاعتداد بالحساب الفلكي عند الحكم بدخول الشهر، دون الاعتماد عليه في إثباته، وفرق بين الاعتداد والاعتماد.

وقد أخذ هذا الفريق من النصوص المرشدة لربط دخول الشهر بالرؤية أنها مقصودة لذاتها، وأن الشهر القمري لا يبدأ شرعا بولادة الهلال ولا بوجوده في الأفق، وإنما بمرور وقت إضافي بعد الولادة والوجود؛ يرى معه الهلال رؤية بصرية. قالوا: ولو كان الأمر معلقا بوجود الهلال، لما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن التعبير به، ولنقلت الروايات عنه عليه الصلاة والسلام بلفظ:’ صوموا لوجوده، وأفطروا لوجوده، فإن غم عليكم… ‘فيكون المطلوب في زمانهم التوصل إلى معرفة وجوده بالعين الباصرة، إذ هي الممكنة، ولمن بعدهم ممن برع في الحساب به أو بأي وسيلة أخرى تثبت وجوده في الأفق، ولما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن التعبير بالوجود إلى التنصيص على الرؤية -وبينهما زمن- علم أن الرؤية مقصودة شرعا.

ثم لاحظوا دقة الحسابات الفلكية في تحديد وقت تولد الهلال وغروبه وعلاقته بالشمس والأرض…، فاعتدوا بذلك واعتبروه في تمحيص شهادة الشهود توقيا للخطأ في قبول شهادة تخالف الواقع، فقالوا: إن الحساب الفلكي يعتد به في النفي دون الإثبات.

وخلاصة هذا القول: أنه إذا توافقت الشهادة بالرؤية مع الحساب الفلكي، حكم بدخول الشهر؛ لثبوت الرؤية، وإذا قطع الحساب باستحالتها، وجاء من يشهد برؤيته الهلال؛ طعن في شهادته لمخالفتها الحساب القطعي، أما إذا أمكنت الرؤية فلكيا، فإنه لا يحكم بدخول الشهر إلا إذا شهد الشهود برؤيته.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي موضحا ذلك: “ومعنى الأخذ بالحساب في النفي؛ أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقا لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية، وقال: إنها غير ممكنة، لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي؛ كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال، لأن الواقع الذي أثبته العلم الرياضي القطعي يكذبهم”[5].

وقد اعترض الدكتور حمزة بن قبلان على هذا المذهب بقوله: “والسؤال أمام هذه المفارقة هو: كيف يمكن الجمع بين الثقة بالحساب حتى إننا لنرد شهادة من يزعم أنه رأى الهلال وعدم الاطمئنان لهذا الحساب وإن كان صحيحا في إثبات دخول الشهر”[6].

ثم قال في آخر مقاله: “نسأل عن الفائدة من الثقة بالحساب الفلكي في حال النفي التي يقابلها عدم الثقة في حال الإثبات، ألا يدل ذلك على أننا في قرارة أنفسنا لا نثق بالعلم الحديث حقيقة؟”[7].

ويجاب عن هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ربط الصيام والإفطار بالرؤية لا بإمكانها، والحساب لا يثبت إلا الإمكان أو عدمه، فإذا دل الحساب على عدم إمكان الرؤية بوجه قطعي ردت شهادة من ادعاها، لأنها ظنية، وإن حكم الحساب بإمكان الرؤية افتقرنا مع ذلك إلى وقوعها بالفعل، فإن حصلت فذاك، وإلا أكملنا عدة الشهر ثلاثين، كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم.

هل تعتمد الدول الإسلامية الحسابات الفلكية؟

حتى نقترب من وضع اليد على سبب تأخر المغاربة في الإعلان عن دخول الشهر القمري، يحسن بنا أن نقف على معتمد الدول الإسلامية اليوم في تحديد مداخل الشهور، وقد رأيت أن أختار نموذجين، هما: المملكة العربية السعودية، والمملكة المغربية، أولاهما تمثل السابقين بالإعلان عن دخول الشهر، والأخرى على رأس الثلة المتأخرة في اللحاق بهم.

أما المملكة العربية السعودية – ويدخل معها من يكتفي بتقليدها ويستن بإعلانها، وهم دول كثر- فإن المكلفين بالبت في مسائل رؤية الهلال بالمملكة، لا يعتدون بالحساب الفلكي، ولا يقيمون له وزنا، بل يعتبرون الاستعانة به –بله الاعتماد عليه- من التقديم بين يدي الله ورسوله، ومن مخالفة ما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عن مجاوزته؛ من الالتزام بالرؤية أو إكمال العدة.

وأما المملكة المغربية فإن القائمين على قضايا الهلال بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، يوافقون المذهب الثالث المعتد بالحساب الفلكي في النفي دون الإثبات، مؤكدين على أن العبرة بالرؤية وحدها، وإنما الحساب خادم لها وممحص للشهادة بها، وذلك غير متناف، قال العلامة ابن عبد الرازق المراكشي -مؤقت المملكة سابقا- رحمه الله: “رد الشهادة إذا دل الحساب على استحالة الرؤية، ليس منافيا لعدم اعتبار الشرع الحساب في إثبات الشهر، وذلك لأن الشهادة إنما بطلت بذلك، حيث إنها وقعت بشيء مستحيل عادة”[8].

وبهذا يتبين أن كلا البلدين يعتمد على الرؤية البصرية لا الحساب الفلكي، غير أن الفرق بينهما؛ اشتراط المغاربة في الشهادة بالرؤية عدم مخالفتها الحسابات القطعية. ومستند هذا الشرط أن الشهادة لا تقبل إلا إذا انفكت عما يكذبها، قال الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله: “والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسا وعقلا وشرعا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعا على عدم الإمكان، استحال القول شرعا، لاستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات”[9].

من الأسبق برؤية الهلال كونا؟

رأينا أن المعتمَد في البلدين –ومعهما أغلب البلدان الإسلامية- الرؤية أو الإكمال، ونروم هنا الوقوف عند مسألة الأسبقية بالرؤية؛ أهي للبلدان المشرقية أم للمغربية؟

مما هو ثابت كونا، أنه كلما تأخر الغروب، زاد احتمال رؤية الهلال بعده، لأنه يزداد بذلك بُعدا عن نور الشمس، واستمدادا له منها، ولما كان غروب الشمس في البلاد المغربية يتأخر عنه في البلاد المشرقية، كان المغرب أولى وأحق بالرؤية من المشرق؛ فإذا رئي الهلال في مكان سهلت رؤيته في الأماكن الواقعة غربه. وهذا مسلَّم بالعقل المجرد، والعلم المجرب، وعليه نص جمع من العلماء.

قال الإمام القرافي رحمه الله: “فقد يطلع الهلال في بلد دون غيره بسبب البعد عن المشرق والقرب منه، فإن البلد الأقرب إلى المشرق هو بصدد أن لا يرى فيه الهلال، ويرى في البلد الغربي؛ بسبب مزيد السير الموجب لتخلص الهلال من شعاع الشمس، فقد لا يتخلص في البلد الشرقي، فإذا كثر سيره ووصل إلى الآفاق الغربية تخلص فيه، فيرى الهلال في المغرب دون المشرق. وهذا مبسوط في كتب هذا العلم”[10].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب، فإنه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب، ولا ينعكس؛ لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق، فإذا كان رئي؛ ازداد بالمغرب نورا وبعدا عن الشمس وشعاعها وقت غروبها، فيكون أحق بالرؤية، وليس كذلك إذا رئي بالمغرب، لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد بعدا وضوءا، ولما غربت بالمشرق كان قريبا منها”[11].

ومن المعاصرين يقول الدكتور الفلكي حسن محمد باصرة: “لا يمكن أن تتم رؤية صحيحة لهلال في الجزيرة العربية، ثم لا تتم رؤيته في نفس الليل بالمغرب العربي أو بالقارة الأمريكية”[12]

هذا هو المقرر علما وعقلا، غير أن الواقع الذي نعيشه له رأي آخر، إذ نجد المشارقة دائما هم السباقين إلى الإعلان عن دخول الشهور القمرية، وهنا يطرح السؤال الآتي:

ما سبب سبق المشارقة بالإعلان عن دخول الشهر؟

قبل الخوض في الإجابة عن هذا السؤال، لك –أيها القارئ الكريم- أن تعقد مقارنة بينه وبين السؤال الذي عنون به المقال، لتجد الأمر قد عكس. فهل المغاربة فعلا يتأخرون؟ أم أن المشارقة هم من يتقدم؟ والقاعدة أن ما جاء على أصله فلا سؤال عليه، فأيهما الموافق للأصل؟

لو فرضنا أن المغرب هو المخالف بتأخره، فإن ذلك يعني أن الهلال يكون موجودا في الأفق ممكنَ الرؤية، وحينئذ لا يخلو الأمر من احتمالين: إما أن يراه المسئولون فيكتمون خبره، أو لا يروه؛ والثاني ممتنع، لكون ذلك يتكرر في أغلب السنوات، ومواقع الرصد في المملكة المغربية كثيرة جدا، وموزعة على الأقاليم جميعها، فإن غَبِي سنة انجلى أخرى، وإن خفي على فئة ظهر لمجموعات سواها.

أما احتمال كون المسئولين يكتمونه من بعد ما رأوه فبعيد جدا غير مستساغ، وذلك لما يأتي:

-          يقتضي ذلك أن يسعوا للحيلولة بين الناس وبين رؤيته، وهم منتشرون في المدن والقرى، لا يستطاع منعهم من النظر إلى السماء والتنقيب عنه، وبخاصة من قبل المشككين في إعلانات الدولة، المترقبين لفلتة تقوم دليلا على دعواهم عدمَ ضبط رؤية الهلال في المغرب، مما يجزم معه بعدم إمكان سلوك هذا السبيل.

-          وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تفتح الباب أمام المواطنين للإدلاء بشهادات من رأى الهلال، فلا يمكن والحالة هذه أن لا يراه أحد من الناس ويراه المسئولون. ولو حدث أن الناس رأوه ولم تعلن الجهات الرسمية رؤيته، لاستنكروا ذلك ولما سكتوا، وحيث إن ذلك لم يقع، علم أنه لم يثبت قط تجاهله مع وجوده.

-          ما الفائدة من تعمد التأخر عن الدول الإسلامية؟ أوَفي ذلك فضيلة تغري بالسعي إليها؟! أم أن المرغوب فيه عادة عكس ذلك؟!

لهذه الأسباب وغيرها يتضح أن المغاربة على أصلهم في إثبات بدايات الشهور بأول ظهور للهلال، فيراه الناس ويعلن عنه المسئولون.

أما لو فرضنا أن إخواننا المشارقة هم من يخالف الأصل، فيتقدمون بالإعلان عن دخول الشهر قبل وقته، فإننا نجد ذلك مؤيَّدا بكونهم يعلنون في كثير من الأحيان عن رؤية هلال لا يمكن أن يرى؛ إما لكونه غرب قبل غروب الشمس، أو لأنه لم يمر على ولادته إلا دقائق أو بضع ساعات، لا تكفي لمفارقته الشمس وتخلصه من شعاعها بوجه يُمَكن العين من مشاهدته.

ولبيان هذا وتوضيحه، يحسن بنا أن نورد بعض النماذج لشهور أعلن عن رؤية هلالها في وقت تستحيل رؤيته لعدم وجوده في الأفق أصلا، ولعلنا نكتفي بمثال واحد[13]، خشية الخروج عن القصد من هذه السطور، وليكن هذا النموذج هو شهر ذي الحجة سنة 1425 هـ.

يقول الدكتور حمزة بن قبلان عن هذا الشهر: “أصدر المجلس في هذه المرة بيانا في بداية الأمر، بين فيه أن الذين تعود على قبول شهادتهم لم يشهدوا برؤية الهلال ليلة الثلاثاء، وكان العذر أنه غم عليهم، لذلك قرر أن بداية الشهر يوم الأربعاء، إلا أن شاهدين تقدما بأنهما رأياه في تلك الليلة، وهذا ما جعل المجلس يصدر قرارا لاحقا بأن الثلاثاء هو أول شهر ذي الحجة.

وقد جاء القرار مفاجئا للجميع، ذلك أن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أصدرت بيانا بأن الهلال غاب عن أرجاء المملكة كافة قبل غروب الشمس يوم الاثنين، ويعني هذا أن رؤية الهلال مستحيلة بعد غروب شمس ذلك اليوم؛ لسبب بسيط، هو عدم وجوده في الأفق”[14].

بعد هذا الحدث -الذي يتكرر وقوعه[15]- قال الشيخ صالح اللحيدان رئيس المجلس الأعلى للقضاء في لقاء تلفزيوني موضحا –من وجهة نظر المجلس- ما وقع: “ونحن في بياننا الأخير وبياننا الأول متقيدون بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي أمرنا الله جل وعلا باتباعه في قوله جل من قائل: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، فهو صلى الله عليه وسلم أمرنا عند اختفاء القمر وتغبيته، وظهور حاجب وحصول حاجب يحجب الرؤية، أن نُعمل العدد المكمل للشهر؛ أن نتم العدة 30 يوماً، وقد فعلنا ذلك. فلما جاء ما يكشف الحقيقة ويجلي الأمر، ويثبت أن الهلال دخل ليلة الثلاثاء، عملنا بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لما تبين لنا”[16].

فأنت ترى –أيها القارئ الكريم- أن الدولة بأسرها لم تر الهلال ليلة الثلاثاء في حينه، وذلك لعدم وجوده في الأفق، فكيف يرى ما ليس موجودا أصلا؟! ومع هذا، وفي اليوم الثالث، يتقدم الشهود للإدلاء بشهادتهم على أنهم رأوه بأعينهم ليلة الثلاثاء.

والنتيجة أن شهادتهم الباطلة تقبل، ويغير اليوم المعلن عنه سلفا أنه يوم عرفة، ويصير يوم عرفة يوم عيد. كل ذلك بقول رجلين طاعنين في السن خالفا المقطوع به. ثم يُظن أن ذلك هو شرع الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم!

بناء على ما سبق فإننا نجزم بأن المملكة العربية السعودية –ويتبعها جمع من الدول- هي المسئولة عن تقدم بدايات الشهور بيوم في الغالب، إذ هي المخالفة للأصل الذي يحكم به العلم والعقل والشرع؛ من أن كل غرب أحق بالرؤية من شرقه.

والسبب في هذه المخالفة -كما يتضح بتتبع الإعلانات عن دخول الشهور لسنوات عديدة- أن المسئولين لا يستسيغون رد شهادة الشهود لمخالفتهم مسلمات علم الفلك القطعية، بدعوى أن الحساب الفلكي لا يقوم دليلا شرعيا ترد به شهادة الشهود. والحق أن الشهادة إذا عورضت بما ينقضها ردت على صاحبها.

يقول العلامة تقي الدين السبكي رحمه الله مؤكدا هذا المعنى: “ولم يأت لنا نص من الشرع أن كل شاهدين تقبل شهادتهما سواء كان المشهود به صحيحا أو باطلا…” إلى أن قال رحمه الله: “بل وجب علينا التبين في قبول الخبر، حتى نعلم حقيقته أوَّلا، ولا شك أن بعض من يشهد بالهلال قد لا يراه ويشتبه عليه، أو يرى ما يظنه هلالا وليس بهلال، أو تريه عينه ما لم ير، أو يؤدي الشهادة بعد أيام ويحصل الغلط في الليلة التي رأى فيها، أو يكون جهله عظيما يحمله على أن يعتقد في حمله الناس على الصيام أجرا، أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته، فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكى ويصير مقبولا عند الحكام. وكل هذه الأنواع رأيناها وسمعناها.

فيجب على الحاكم إذا جرب مثل ذلك، وعرف من نفسه أو بخبر من يثق به أن دلالة الحساب على عدم إمكان الرؤية أن لا يقبل هذه الشهادة، ولا يثبت بها ولا يحكم بها، ويستصحب الأصل في بقاء الشهر، فإنه دليل شرعي محقق، حتى يتحقق خلافه”[17].

ولما لم يُسلك هذا المسلك، ظهر من يواظب على الإدلاء بالشهادة على رؤيته الهلال كل سنة، فتقبل شهادتهم ويطاعون.

ومن هنا يظهر بجلاء خطأ من يستحسن الصوم والإفطار من المغاربة[18] مع المملكة العربية السعودية أو غيرها، متوهمين أنهم بذلك قد وافقوا أول بلد رأى أهلُه الهلال، وأنهم أسهموا في توحيد الأمة الإسلامية، والواقع أنهم صاموا وأفطروا لرؤية غير صحيحة، فوقعوا بذلك في خطأين مجتمعين:

أولهما: صيام يوم الشك الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه، وإفطار آخر يوم من رمضان.

ثانيهما: أنهم يفرقون كلمة المسلمين في البلد الواحد، من حيث أرادوا جمعها في العالم، بل قد يسببون فرقة داخل البيت الواحد؛ أحدهم صائم وأبوه مفطر، وأسرته ممسكة وهو في يوم عيد. ثم أين هي شعيرة الاجتماع لصلاة العيد؟!

والعقل يقتضي ضرورة الحرص على توحد أهل كل بلد، في انتظار توحد المسلمين في العالم توحدا كليا:

خذ ما دنا إن فاتك الأجل :: إن لم يصبها وابل فطل

نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرزقنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، والحمد لله رب العالمين.

  د. سيدي محمد نجيب العلوي

med.najib.alaoui@gmail.com


[1]) البخاري في كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا».

[2]) البخاري في كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكتب ولا نحسب».

[3]) بكر أبو زيد في كتابه فقه النوازل: 2/222

[4]) مصطفى الزرقا في مقال: “لماذا الاختلاف حول الحساب الفلكي؟” منشور على شبكة الانترنيت.

[5]) الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه: “كيف نتعامل مع السنة النبوية” ص:172

[6]) الدكتور حمزة بن قبلان المزيني في كتابه: “الأهلة: شهود المستحيل”، ص: 146

[7]) “الأهلة: شهود المستحيل، ص: 151

[8]) المؤقت الكبير محمد بن عبد الرازق في كتابه “العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال” :1/390

[9])أبو الحسن تقي الدين السبكي في كتابه: “فتاوى السبكي”: 1/209

[10])الإمام شهاب الدين أبو العباس القرافي في كتابه: “أنوار البروق في أنواء الفروق”:1/83

[11]) ابن تيمية في “مجموع الفتاوى”: 25/104

[12]) الدكتور حسن باصرة في كتابه: “ترائي الهلال والتقويم الهجري”ص: 84.

[13]) ينظر لمزيد أمثلة كتاب “الأهلة” لعدنان عبد المنعم قاضي، وفيه دراسة لبدايات الشهور بالمملكة العربية السعودية لمدة خمسين سنة، من الصفحة ؟؟ إلى ؟؟.

[14]) الأهلة: شهود المستحيل، ص: 99

[15]) كثيرا ما يعلن عن رؤية الهلال في وقت تمتنع فيه، غير أن المثير في هذه السنة إصدار بيانين نسخ آخرهما الأول.

[16]) نشر هذا اللقاء في صحيفة الشرق الأوسط السعودية عدد 9547 يوم 07 ذو الحجـة 1425 هـ بعنوان : “رئيس القضاء الأعلى في السعودية يكشف تداعيات الجدل حول هلال ذي الحجة”.

[17]) فتاوى السبكي: 1/209

[18]) أما من أعلن في بلده دخول الشهر فعليه الاستجابة له جمعا للكلمة وتوحيدا للصف الداخلي في انتظار نوحيد الأمة الإسلامية.

فبراير
18

نحو توحيد المسلمين في تحديد بدايات الشهور الهلالية

تعيش الأمة الإسلامية مطلع كل شهر قمري مرتبط بعيد أو عبادة حالة من التفرقة والتشرذم لا تخفى على أحد، وهي في بلاد المسلمين مستقبحة مستشنعة، أما في أراضي غير المسلمين فهي أقبح وأشنع؛ لأن الاختلاف في الأعياد والأيام الفاضلة -وهي رمز وحدة الأمة واجتماع كلمتها- دليل على ضعفها وذهاب ريحها.

في هذا الإطار تأتي هذه المشاركة، لتنطلق من أهم أسباب اختلاف المسلمين في تحديد بدايات الشهور القمرية في عصرنا -كما يراها كاتب هذه السطور- وتدلي بما تراه سبيلا لإنهاء الفرقة وتحقيق الوحدة.

مقترحات لتوحيد بدايات الشهور القمرية

لا يخفى أن الوصول إلى حل عملي لتوحيد المسلمين في تحديد أعيادهم وأيامهم الفاضلة رهين بتوحيد جهود الفقهاء والفلكيين وأصحاب القرار، في البلدان الإسلامية وغيرها، كل من جهته ومسؤوليته، وهذه إشارات وتنبيهات تستصحب ذلك، أوردها على النحو الآتي:

أولا: لا بد من التفريق بين المختلفَين عند دراسة المسألة فقهيا، وبيان ذلك من خلال نقاط ثلاث:

أ- لا ينبغي تنزيل مسألة اختلاف المطالع على اختلاف الدول المحدثة.

إن الذين قالوا بمشروعية الاعتداد باختلاف المطالع قديما، لم يقصدوا اختلاف الدول المحدثة في عصرنا، التي يفصل فيها بين مدينتين متجاورتين، فتصوم إحداهما وتفطر الأخرى، بذريعة أنهما ينتميان لدولتين مختلفتين. وإنما نفوا وجوب نقل الرؤية من بلد إلى آخر إذا تباعدا، نظرا لتعذر وصول الخبر إلى أقطار الأرض، ولهذا اختلفوا في حد معين يفرَّق به بين من ينقل إليه وما لا ينقل إليه، ولم يقل منهم باعتماد اختلاف المطالع إلا القلة.

إذا علم هذا فإن مراعاة هذا المقصد الآن، واستحضار تلك الحال، يرفع الخلاف اليوم، ويجعل القولين معا قولا واحدا، وهو مفاد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين علق الأمر على بلوغ العلم بالرؤية، فمن بلغه العلم بها وجب عليه العمل بما بلغه، ومن لم يبلغه في الوقت المعتبر شرعا عمل بما عنده[1].

وهذا النظر السديد يقتضي أن المسلمين فيما مضى قد تختلف بدايات شهورهم بناء على المتيسر يومئذ من سبل نقل الأخبار، أما في عصرنا فإن الخبر يصل العالم كله في لحظة، فيعم العلم به المسلمين جميعا، ومن ثم يلزمهم العمل بمقتضاه، فيتوحد المسلمون في صومهم وإفطارهم وعباداتهم وأيامهم الفاضلة.

ولا مسوغ اليوم للتشبث بقول لا يمكن تنزيله في واقعنا الذي صار يحَكم الحدود السياسية في تحديد بدايات الشهور ونهاياتها، ولا يمكن معه العمل بما قرره القائلون بمراعاة اختلاف المطالع، وقد حاول العلامة ابن عبد الرازق رحمه الله تنزيل هذا القول على واقعنا، فانتهى إلى ما لا يمكن تطبيقه البتة، قال رحمه الله: “المسافة بين الناحية الشمالية من المغرب وتونس ليست بعيدة جدا، بخلاف الناحية الجنوبية منه معها فهي بعيدة جدا، وعليه فيصح النقل من الناحية الشمالية من المغرب إلى تونس، وكذا العكس، إن كان الثبوت شرعيا لا مطعن فيه، وأما النقل من الناحية الجنوبية منه إلى تونس أو العكس فلا يصح بحال، لوجود البعد جدا”[2].

فهل يشهد واقعنا بإمكان تنزيل هذا المذهب؟ا أم أن الواقع يفرض عدم النقل بين ضفة وأخرى مجاورة لها، ويلزم النقل من طرف الدولة إلى طرفها مهما تباعدا؟.

ومن هنا ندعو الفقهاء إلى دراسة المسألة من جديد في ضوء ما استحدث من حدود تنافي العمل بالقولين معا، وتستحضر التحول الكبير الحاصل في وسائل الإعلام وسرعة نقل الأخبار في زماننا، فإن ذلك كفيل بالاتفاق على توحيد المسلمين في تحديد مداخل الشهور القمرية أو تقليل اختلافهم فيها على الأقل.

ب- ينبغي التفريق بين الخلاف القديم في حكم اعتماد الحساب لإثبات الشهور القمرية والخلاف الحادث فيه.

لقد كان “الحساب” في القرون الأولى ذا خصيصتين اثنتين، أولاهما اختلاطه بالتنجيم، وأخراهما اضطراب نتائجه وعدم دقتها، وهما معا منتفيتان في الحساب الفلكي الحديث، لذا لا يسوغ القول اليوم بأن الجمهور على أن الحساب لا يعتد به ولا يلفت إليه، لأن ذلك الجمهور لم يتحدث عن هذا الحساب ولا قصده، بل ولا خطر له على بال، وإنما عنى ما كان سائدا في زمانه معلوما في أوانه. فإذا تغيرت ماهية الحساب، فلا غرو أن يتغير الحكم، يقول الحافظ أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله مؤكدا هذا المعنى في سياق حديثه عن اختلاف المطالع بين الماضي والحاضر: “فكيف يطبق قول أهل ذلك الزمان على هذا الزمان وقد قال علماء الأصول: وإذا أجمعوا على شيء ثم حدث معنى في ذلك الشيء لم يحتج بالإجماع المتقدم، لأنهم أجمعوا على معنى قد زال ووجد خلافه، وهو معنى لم يروه فكيف يجمعون عليه”[3].

إن على فقهائنا أن يوقنوا بأن الحساب الفلكي الحديث دقيق النتائج قطعي الأحكام المتعلقة بسير الأجرام السماوية، ولا يتصور وقوع تضارب بينه وبين الرصد والمشاهدة، ومما يستشهد به على ذلك ويستدل به عليه تطابق الحسابات والأرصاد المتكررة بشكل دقيق في مشاهدات لا تحصى عددا، وسنكتفي هنا بذكر مثالين مما ذكر المهندس محمد عودة شاهدين على ذلك:

- في إطار رصد الاحتجابات الفلكية من قبل الجمعية الفلكية الأردنية دلت الحسابات على أن نجم الدبران سيختفي خلف قرص القمر يوم 22 مارس 1999 في تمام الساعة التاسعة مساء وخمسة وثلاثين دقيقة وواحد وأربعين ثانية، فتم التجهيز للرصد والاستماع إلى إذاعة إشارات الوقت المبثوثة من موسكو والتي تقوم ببث رنة كل ثانية، فبقي نجم الدبران ظاهرا حتى الثانية 40 ثم اختفى مع رنة الثانية 41 خلف قرص القمر. ولقد قامت الجمعية برصد العديد من الاحتجابات الأخرى وجميعها حدثت في نفس الثانية التي دلت عليها الحسابات الفلكية.

- دلت الحسابات الفلكية على أن كسوفا سيحدث يوم 11 غشت 1999 وسيبدأ من منطقة الرصد (مبنى أمانة عمان الكبرى) في تمام الساعة الواحدة ظهرا وست عشرة دقيقة وسبع عشرة ثانية، وسينتهي في تمام الساعة الرابعة عصرا ودقيقة واحدة وواحد وعشرين ثانية، وقد تبين بالرصد أن بداية الكسوف ونهايته كانتا في نفس الثانية التي دلت عليها الحسابات الفلكية، وشهد عملية توقيت انتهاء الكسوف عدد من المواطنين، وهذا المثال دليل قاطع على دقة الحسابات فيما يتعلق بموعد الاقتران، حيث إن الكسوف اقتران مرئي[4].

 ج- لا بد من التفريق بين اعتماد الحساب لإثبات الشهر، وبين الاستعانة به للتأكد من صحة الشهادة بالرؤية.

إن القول بمشروعية اعتماد الحساب في تمحيص شهادة الشهود فرع عن القول باعتماد الرؤية أو الإكمال لإثبات بداية الشهر القمري دون غيرهما، وليس قولا بمشروعية اعتماد الحساب لإثبات دخول الشهر كما يتوهمه الكثيرون، يقول العلامة السبكي رحمه الله: “ولا يعتقد أن هذا هو الذي قدمناه من أن الحساب هل يعمل به أم لا؟ فإن ذلك فيما إذا دل الحساب على إمكان الرؤية ولم ير، هل يعتبر الإمكان أم لا؟ لإلغاء الشرع إياه، وهاهنا بالعكس من ذلك، ولا أقول بالعكس على التحقيق، لأن العكس أن يرى مع عدم الإمكان، وذلك مستحيل، وإنما المراد أن يخبر مخبر برؤيته مع عدم إمكانه، والإخبار يحتمل الصدق والكذب، والكذب يحتمل العمد والغلط، ولكل منهما أسباب لا تنحصر، فليس من الرشد قبول الخبر المحتمل لذلك أو الشهادة به مع عدم الإمكان، لأن الشرع لا يأتي بالمستحيلات”[5].

من هنا فإن مما ينبغي الاتفاق عليه اشتراط موافقة الشهادة للمقطوع به حسابيا، وإلا ردت، لا لإنكار ثبوت الشهر بها منفردة، ولكن لعدم انفكاكها عما يكذبها؛ يقول القاضي أبو بكر بن العربي: “الشاهد إذا قال ما قام الدليل على بطلانه فلا تقبل شهادته”[6]. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: “إذا شهد عندنا اثنان أو أكثر ممن يجوز كذبهما أو غلطهما برؤية الهلال وقد دل حساب تسيير منازل القمر على عدم إمكان رؤيته في ذلك الذي قالا إنهما رأياه فيه؛ ترد شهادتهما، لأن الإمكان شرط في المشهود به، وتجويز الكذب والغلط على الشاهدين المذكورين أولى من تجويز انخرام العادة”[7]. وقال ابن حجر الهيتمي: “والذي يتجه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية، وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة”[8].

إن التساهل في قبول شهادة خالفت الحساب القطعي تترتب عليه مفسدتان:

  • إثبات دخول الشهر قبل موعده الشرعي، وهذا مناف لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان:” لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين …” الحديث. وقد نص العلماء على أن الشهر ينبغي أن يدخل بيقين ويخرج بيقين، ولا يتأتى ذلك إلا بالتأكد من صحة شهادة الشهود.
  • يترتب أيضا على التساهل في قبول الشهادات تكريس حال التفرقة ودعم استمرارها ونسف كل جهد مبذول لمحاولة توحيد الأمة، إذ لا يتصور الوصول إلى نتيجة عملية إذا لم يتعامل مع الشهود بحزم يؤدي إلى التأكد من صدقه وعدم خطئه.

ثانيا: يلزم الفلكيين الاتفاق على معيار موحد موافق لما دلت عليه النصوص الشرعية:

مما يزيد من حدة الاختلافات في تحديد بدايات الشهور القمرية، عدم اتفاق الفلكيين ومعدي التقاويم على معيار موحد، يُنطلق منه لحساب موعد دخول الشهر. وقد ترتب على هذا الاختلاف أمران؛ أولهما: عدم ثقة عموم الناس في نتائج الحسابات الفلكية، ظنا منهم أنها غير دقيقة مستدلين باختلاف نتائجها. وثانيهما: قبول الشهادات الخاطئة، وذلك لوجود ما يصدقها من حسابات بعض الفلكيين الذين يحددون بداية الشهر بناء على معيار غير رؤية الهلال.

وهذا يجعلنا نذكر بمسألتين أساسيتين:

أ) إن الفلكيين متفقون على موعد الاقتران ومواعيد غروب الشمس والقمر… واختلافهم إنما هو في تحديد المعيار الواجب اعتماده لتحديد بداية الشهر الهجري.

ب) المعيار الفلكي المقبول شرعا –على ما عليه الجمهور- هو ما كان سبيلا إلى حساب إمكان رؤية الهلال، ولا يقبل أي معيار يعتمد وجود الهلال فقط، أو تأخر غروب القمر عن غروب الشمس فحسب، أو غير ذلك مما يهمل رؤية الهلال حقيقة.

وقد بذل الفلكيون جهودا مشكورة لتقديم معيار صالح لتوقع إمكان رؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري، منذ عصر البابليين إلى وقتنا الحاضر.

ومن المعايير الرائدة في عصرنا والتي يمكن أن يتوافق على واحد منها؛ معيار مرصد جنوب إفريقيا، ومعيار يالوب، ومعيار عودة، وغيرهم. وكلها معايير تعتمد رؤية الهلال سببا لدخول الشهر، وتحسب بناء على قواعد فلكية موعد الرؤية في جميع مناطق العالم، فيقع الأمر على نحو المتوقع، إلا إذا عرض عارض خارجي منع من رؤيته في المكان والزمان المحددين، لذا نؤكد على أن الحساب لا ينبغي أن يعتمد عليه وحده في إثبات دخول الشهر، لأننا مأمورون بالصوم والإفطار لرؤية الهلال، لا لمجرد إمكانها، وغاية الحساب أن يدل على الإمكان لا على الوقوع.

ثالثا: تعيين لجان تتكون من فلكيين وشرعيين تشرف على العملية برمتها.

لقد تأملت كتابات الفلكيين والفقهاء في الموضوع فاقتنعت بأن من أنجع الحلول لتقارب وجهات النظر وفهم كل فريق لطرح الفريق الآخر؛ أن يجتمعا معا في مكان واحد لمدارسة الأمر، وهو ما تم فعلا في مؤتمرات عقدت سلفا. ثم فكرت في سبل تحقيق المبتغى على أرض الواقع، فظهر لي أن ذلك يتحقق باشتغالهم جنبا إلى جنب في الميدان، بدءا من الرصد، وانتهاء بالوصول إلى نتيجة الترائي قصد تعميمها على المسلمين جميعا.

ومن هنا فإن مما أقترح على المسؤولين وأصحاب القرار في جميع الدول أن يعينوا لجنة مركزية في كل دولة، تنبثق عنها لجنتان تضم كل منهما فلكيين وفقهاء، أما اللجنة الأولى فتشرف بنفسها على مراقبة الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من كل شهر، وتتوزع على مناطق عدة تشمل جميع المدن. وأما اللجنة الأخرى فتُكلف بالاستماع إلى شهادات المترائين من عموم الناس، وتكون فروعها موزعة على كافة مدن الدولة أيضا حتى تكون قريبة من المواطنين جميعا. ثم ترفع اللجنتان بفروعهما تقارير الرصد والاستماع للجنة المركزية قصد التنسيق بين اللجان المركزية للدول المشاركة في هذا المشروع، وتلتزم كل دولة بالرؤية أينما وقعت، فتعمم الرؤية الواقعة في أي بلد على المسلمين جميعا.

إن هذا المقترح يقوم على أركان ثلاثة:

أولها: عمل الفلكيين إلى جانب الفقهاء وتشاركهما في إثبات رؤية الهلال ونفيها.

ثانيها: الاعتماد في تحديد بداية الشهر على ثبوت الرؤية موثقة غير مطعون فيها، وذلك بعدم منافاة الشهادة للحسابات القطعية.

ثالثها: لزوم تعميم الرؤية ونقلها من مكان وقوعها إلى العالم بأسره.

خاتمة: فهذه ومضات تنير الطريق نحو توحيد المسلمين في تحديد أعيادهم وعباداتهم وأيامهم الفاضلة، لا أدعي أنني أتيت فيها بالقول الفصل، ولكن مناقشة هذه القضايا في تكاملها قد يؤدي إلى نتيجة عملية مرضية، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.

وكتبه:

د. محمد نجيب العلوي المراكشي


) ينظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 5/375[1]

[2] ) العذب الزلال، لابن عبد الرازق: 1/152-153.

[3] ) توجيه الأنظار إلى وجوب توحيد المسلمين في الصوم والإفطار، لأحمد بن الصديق الغماري ص: 145

[4] ) ينظر الهلال بين الحسابات الفلكية والرؤية لمحمد عودة، ص: 5-6 بتصرف

[5] ) العلم المنشور في إثبات الشهور لتقي الدين السبكي، ص: 23-24

[6] ) أحكام القرآن لابن العربي: 2/297

[7] ) فتاوى السبكي: 1/220

[8] ) تحفة المحتاج: 12/223

يوليو
05

واقع الهلال والشفق – نصيب الفلكيين من القلق

تعددت معايير رؤية الأهلة وتفاوتت تقديراتها. فعلى سبيل المثال، نجد أن نتيجة استقراءات عشرات العقود الزمنية تفيد أنه لا يمكن رؤية هلال ارتفاعه عن الأفق لحظة غروب الشمس أقل من أربع درجات.

على هذا، فعندما تأتي شهادات برؤية أهلة على ارتفاع خمس أو ست درجات أو اكثر، فإن ذلك لا يعتبر إنجازًا أو سبقًا لأنه متوقع. ولا يكون الإشكال من الناحية الفلكية إلا عند ظهور شهادات أقل بكثير من التي يقدرها المعيار، هنا يقدم الفلكيون ما لديهم من إشارات علمية لإصحاب الرائي، إبراءً للذمة. هذا عن الأهلة، أما موضوع الشفق، فنجد أن الوضع منعكس.

وكما كان علماؤنا يتحرون قديمًا رؤية الأهلة بشكل شهري، فإنهم تابعوا ظهور الشفق بشكل يومي. وكانت نتائج أرصاد مئات السنيين متقاربة؛ وخلاصتها، أن الفجر الصادق يظهر عندما تكون الشمس تحت الأفق الشرقي بين 18-19 درجة. ومن عمالقة علماء الفلك الإسلامي ، الذين شهد لهم التاريخ بدقة الأرصاد، إضافة إلى نظافة بيئتهم مقارنة بأجوائنا غير النظيفة: البتاني (317هـ)، والبيروني (440هـ)، وابن الشاطر (777هـ). وبالقياس لما ذُكر أعلاه بالنسبة للهلال، فإن القول بظهور الشفق الصادق والشمس تحت الأفق بـ 16 أو 15 درجة قول لا تميز فيه ولا جديد، تمامًا كما تم التعامل معه في رؤية الهلال أعلاه. كما ظهرت أبحاث معاصرة تشير إلى ان ظهور الشفق الصادق، والشمس تحت الأفق بحدود 18 درجة. ونظرًا لتنوع أساليب الأرصاد، يقدر الخطاء المعياري فيها بنصف درجة. لذا فإن الحد 18.5 درجة يعتبر في نطاق الأرصاد التاريخية، وهي القيمة المعتمدة اليوم في تقويم أم القرى.

الخلاصة: إن عدم إدراك الشفق والشمس بانحطاط 18 درجة، يكمن خلفه حائل حال دون ظهور الشفق إلا بعد ارتفاع الشمس درجتان أو ثلاث، مما يوهم بعدم دخول وقت الفجر. لذا فلا داع لتكرار ما يبث القلق بشأن دخول وقت صلاة الفجر بين الفينة والأخرى. تقبل الله من الجميع صالح الأعمال.

أ.د. حسن محمد باصرة
رئيس قسم العلوم الفلكية، جامعة الملك عبدالعزيز
الاثنين 12 رمضان 1436هـ

يونيو
27

مفاجأة رصد الفجر من الطائرة!

ركبت الطائرة متجها من أبوظبي إلى مدينة الرباط… كان ذلك ليلة الأحد على الإثنين… حيث أقلعت الطائرة في الساعة الثالثة من فجر يوم الإثنين 22 يونيو 2015م، الموافق للخامس من شهر رمضان 1436هـ. وعلى الرغم من رخصة الإفطار إلا أنني فضلت الصوم ذلك اليوم، ولتجربتي السابقة في غير مرة أن طاقم الطائرة غير قادر على تحديد موعد الإمساك والإفطار بشكل دقيق، فقد أخذت على عاتقي تحديد موعد الإمساك وهو طلوع الفجر! علما بأن موعد الفجر في ذلك اليوم في مدينة أبوظبي كان يحين في الساعة 04:05 بتوقيت الإمارات (غرينتش + 4)، وحيث أننا سنسير غربا فمن المؤكد أن موعد الإمساك سيكون بعد ذلك الوقت. ولكن كما توقعت، ارتبك المضيفون فور الإقلاع وأخبرونا أن موعد الإمساك في الساعة 03:15 وأنه لم يبق وقت إلا بالكاد لشربة ماء! فنظرت لهم وقلت لهم لا عليكم… أحضروا لي الطعام كاملا وليس هذا موعد الإمساك، فقالت لي المضيفة ولكننا بسبب الارتفاع فالمواعيد مختلفة! فقلت لها بلطف أعلم ذلك فأنا فلكي وأحسب مواقيت الصلاة! فأحضري الطعام لو سمحت! فبالطبع قالت لي: كما تشاء!

ابتداء من الآن، من المفترض أن يتبادر إلى ذهنك عزيزي القارئ عدة أسئلة، منها؛ كيف سأعلم موعد طلوع الفجر؟ هل سأحسبه أم سأراقبه؟ وإذا افترضنا أنني سأحسبه، فكيف سأفعل ذلك؟ أي زاوية سأعتمد؟ وماذا سأفعل بالارتفاع؟ هل سأدخله بعين الاعتبار أم لا!

أسئلة وجيهة بالطبع، فأما الزاوية فمن المعروف أنني من المتعصبين بشدة للزاوية 18، ولا أعتقد أنه يمكن زحزحتي عن هذه الزاوية في يوم من الأيام، والسبب قد يجده القارئ في بحثي المطول حول هذه المسألة، والتي خلصت فيها أن الزاوية 18 بل وحتى 19 هي الزاوية التي قال بها جميع علمائنا العظام السابقين من الصوفي والبتاني والخوارزمي والطوسي وابن الشاطر وغيرهم الكثير. وفضلا على ذلك أكدتها الأرصاد الحديثة أيضا التي تمت في ظروف مثالية… أذا، علمنا أنني سأعتمد الزاوية 18، ولكن ماذا سأفعل بالارتفاع!؟

في الواقع هذا موضوع ليس بالهين، فقد بحثته بشيء من التفصيل قبل قرابة 15 سنة، وسألت خبراء فلكيين كبار وقرأت كل ما استطعت قراءته حول الموضوع على ندرته، فوجدت أن للعلماء والخبراء في هذه المسألة جميع الآراء! فكان منهم من قال أن الفجر والعشاء ليس كالشروق والغروب، فهو لا يتأثر بالارتفاع عن سطح البحر، وفي الواقع هذا هو المعتمد في جميع الدول الإسلامية تقريبا، وممن قال بهذا الرأي على سبيل المثال لا الحصر هو الدكتور Roy Bishop وهو محرر كتاب Observer’s Handbook الشهير. وقد دخلت معه في نقاش مطول وقد كان مصرا على هذ الرأي على الرغم من مخالفتي له! ومن جهة أخرى وجدت من قال أن الفجر والعشاء يتأثر بالارتفاع كما يتأثر الشروق والغروب، فكلما ازداد الارتفاع عن سطح البحر تقدم الفجر وتأخر العشاء، وقد كنت أميل لهذا الرأي في البداية، ولكن سرعان بعدها ما اختلف رأيي وأصبحت أرى هذا القول ضعيفا وأظنه غير صحيح، وإن كنت وجدته مذكورا في بعض الكتب. ومن جهة أخرى هناك رأي ثالث وجدته مكتوبا في إحدى المراجع الأجنبية المعتبرة ويقول إن الفجر والعشاء يتأثر بالارتفاع ولكنه يتأثر بعكس ما يتأثر به الشروق والغروب! فكلما ازداد الارتفاع تأخر ظهور الفجر وتقدم دخول وقت العشاء! والسبب في هذا أنه كلما ارتفعنا عن سطح البحر قل الغلاف الجوي وبالتالي قل التشتت، وما الفجر إلا تشتت لأشعة الشمس في الغلاف الجوي! وهذا الرأي أقرب إلى نفسي وأظنه الصواب! وخير دليل على ذلك ازدياد زرقة السماء كلما ارتفعنا أكثر في الغلاف الجوي! هكذا كان رأيي قبل هذه الرحلة!

ما زلت لم أجب على سؤال القارئ وهو ما عساي أفعل بالارتفاع؟ هل سأدخله مثل الشروق والغروب أم سأهمله أم سأعتبره يؤخر الفجر بدل من أن يبكره؟ في الواقع أنا نفسي ترددت ولكني في النهاية قررت أن اعتمد أن الارتفاع لا يؤثر على موعدي الفجر والعشاء فهذا الرأي هو الأحوط على اعتبار أنني أميل إلى أن الفجر في الواقع سيتأخر عن سطح البحر بسبب قلة التشتت على مثل هذا الارتفاع الشاهق! إذا باختصار سأستخدم جوالي بين الفترة والأخرى لأعرف إحداثيات المنطقة التي أنا فوقها، ثم سأدخل هذه الإحداثيات إلى برنامج “المواقيت الدقيقة” معتمدا الزاوية 18 لأعرف موعد الفجر على سطح البحر وسأعتبره هو نفسه الفجر عندي!

ومن الجدير ذكره أن نافذتي كانت تطل على جهة الجنوب والجنوب الغربي، فكنت أرى برج العقرب والقوس، أي كنت أرى ذراع مجرة درب التبانة، ولكن -وهذه جزئية غاية في الأهمية- وعلى الرغم من أن إضاءة الطائرة الداخلية كانت مطفأة، إلا أنه وبسبب بعض الإضاءات البسيطة هنا وهناك لم أكن أستطيع تمييز مجرة درب التبانة بوضوح، فكنت بالكاد أراها وبصعوبة بالغة! إذا هذا يعطينا خلاصة أنني كنت في مكان يمكن اعتباره ملوثا ضوئيا! ولدرجة غير بسيطة. ومن الجدير ذكره أنني لو أردت أن اعتبر أن الفجر سيتأثر بالارتفاع كما يتأثر الشروق فإن الفجر سيظهر من على ارتفاع الطائرة قبل 18 دقيقة من سطح البحر.

وبقيت آكل وأشرب وأحسب طيلة الوقت، وأصبحنا الآن فوق السعودية قريبا من الرياض، وكنت أرى وهجها في الأفق على الرغم من أننا كنا بعيدين عنها جدا! وبدأنا نقترب من وقت الإمساك، والذي كان يتأخر بمرور الوقت لأننا كنا نسير غربا! راودتني فكرة أن أذهب إلى الجهة الأخرى من الطائرة وأنظر من النافذة جهة الأفق الشرقي أملا في أن أرى الفجر، ولكن سرعان ما سخرت من هذه الفكرة! فأي فجر هذا الذي سأراه من الطائرة في مثل هذه الظروف!! فبالكاد أستطيع رؤية ذراع مجرة درب التبانة! ومن الأرض وفي مثل هذه الظروف بالكاد يمكن رؤية الفجر على الزاوية 15 وربما أقل، كما صدع البعض رؤوسنا بهذه الزاوية!

كان من الصعب معرفة وقت الإمساك بدقة لأننا كنا نسير غربا، فكان الموعد يتغير كل دقيقة، إلا أنني قدرته أنه سيكون في الساعة 04:46، ومع الاقتراب من هذا الموعد قررت التوقف عن الأكل والشرب، وكان ذلك حوالي الساعة 04:42، وذهبت حينها للوضوء! وأنا في طريق عودتي إلى مقعدي، هداني الله وقررت أن انظر من النافذة الشرقية، وكانت الساعة 04:44! ويا للمفاجأة!!!

ما هذا!؟ الفجر!! مستحيل!! الشمس لم تصل للزاوية 18! وأنا في مكان غير مظلم أصلا! وهكذا أرى الفجر!؟ بهذه السهولة! ركزت… دققت… محصت! نعم هو الفجر! أتراه يكون الفجر الكاذب! أحدث نفسي! لا لا بالطبع! الفجر الكاذب أعرفه جيدا ورصدته كثيرا! ليست هذه هيأته إطلاقا! فهو على شكل مثلث رأسه إلى الأعلى، أما ما أراه فهو منبسط عل كامل الأفق! والفجر الكاذب لن يرى إن كنت لا أرى مجرة درب التبانة بوضوح، فهو أخفت منها، ثم ما هذا! ملون!! نعم ملون!! فالإضاءة عند الأفق مائلة إلى اللون النحاسي-البني! هل أرهقني التعب!؟ نظرت مليا! السماء في الأعلى مظلمة وبعيدا عن الأفق الشرقي أيضا مظلمة! وفي ذلك الاتجاه لا توجد مدن إطلاقا، كبيرة كانت أو صغيرة! والضياء واضح لا لبس فيه! وهو ضوء الفجر الصادق!

وحتى أتأكد أكثر أنني فعلا أرى إضاءة الفجر فقد علمته بالنجوم، وهو بدا ممتدا من الثريا تقريبا وحتى نجم العيوق، فرجعت إلى أحد البرامج الفلكية، ووجدت أن الشمس فعلا في ذلك الوقت كانت تحت الأفق في منتصف المسافة بينهما كما في الصورة التالية.

لا أنكر… جلست في ذهول لفترة! لماذا؟ كيف؟! كيف ظهر في هذا الوقت؟ مهلا! كم انخفاض الشمس بالضبط؟ وأين نحن؟ سريعا فتحت جوالي فعلمت أن موقعنا هو:
خط طول: 42:15:14 شرقا.
دائرة عرض: 27:22:00 شمالا.
الارتفاع: 11 كم.
الساعة 04:44 (غرينتش + 4).

حسبت انخفاض الشمس حينئذ وإذ به 18 درجة! بقيت أفكر كيف ظهر الفجر على هذا الارتفاع بمثل هذه الظروف على هذه الزاوية! نظرت من النافذة بعد حوالي 5 دقائق، وبدا لي الفجر واضحا جدا حينها، وعلينا أن نتذكر أنه بسبب حركتنا غربا فإن الخمس دقائق تعادل فعليا حوالي ثلاث دقائق تقريبا! أي أن انخفاض الشمس حاليا حوالي 17.5، وبعد حوالي 10-15 دقيقة نظرت مرة ثالثة، وإذ بالسماء أصبحت مزرقة بشكل كبير والألوان ظاهرة بشكل واضح! حسبت انخفاض الشمس وقتئذ وإذ به 16.5! ! كنت أتمنى لو كان معي كاميرا تصوير مناسبة، فكاميرا الجوال لم تظهر ما أقول، وهنا أتحدث تحديدا عن لون وضياء السماء وقت الفجر.

إذا ماذا نستنتج؟ في الحقيقة من المبكر جدا أن نستنتج أي حقيقة راسخة، فلا بد من إعادة الرصد مرة أخرى، ويا حبذا لو أمكن الرصد من جبل مرتفع على الأرض في ظروف مثالية، فقد تتضح أمور أكثر وبدقة أفضل! فالرصد من جبل ارتفاعه 3 أو 4 كم أعتقد أنه سيؤدي الغرض، ومثل هذه الارتفاعات موجودة في الوطن العربي، إنما تحتاج فقط إلى همة وراغبة صادقة في تحري المزيد حول هذه المسألة المرتبطة بشعيرتي الصلاة والصيام!

انتهت القصة؟ كلا كلا… فهناك رحلة العودة! وشاءت إرادة الله أن تتضمن رحلة العودة غروب الشمس والعشاء أيضا! فرصة نادرة تسنح لي مرة أخرى! ولكن لم أكن متحمسا كثيرا لرصد العشاء فإضاءة القمر هذه المرة ستؤثر! على أية حال، يستحق الموضوع تجربة أخرى بعناية أكثر هذه المرة، وهذه فرصتي لاختبر دقة برنامج “المواقيت الدقيقة” لحساب موعد صلاة المغرب من ارتفاع شاهق! فأنا أعلم أن البرنامج دقيق، وأعلم أن دقته لغروب الشمس على سطح البحر تصل إلى أقل من ثانيتين وربما أفضل، ولكني لست متأكدا من الدقة عندما نصبح على ارتفاعات شاهقة! فكان لدي ظن أنه قد يخطئ بمقدار دقيقة أو دقيقتين! ولكنني لست متيقنا من هذا! فها قد جاءت الفرصة على طبق من ذهب! فرتبت مقعدي ليكون مطلا على جهة الغرب لإجراء هذه التجارب، وهكذا كان.

انطلقت الطائرة من الرباط يوم الخميس 25 يونيو 2015م في الساعة 14:45 بتوقيت الإمارات (غرينتش+4). وأيضا كنت صائما، ويهمني معرفة موعد الإفطار! علما بأن الطائرة ستصل إلى أبوظبي في الساعة 22:15 بتوقيت الإمارات، وقدرت أن الشمس ستغيب في مكان ما ونحن فوق السعودية! ربما قبل ساعتين من الهبوط! هكذا قدرت مبدئيا!

وبالفعل عند الاقتراب من موعد غروب الشمس بدأت أحسب وأرصد، وكانت السماء صافية جدا وخالية من الغيوم، وكنت أرى الشمس ولكن في الحقيقة لم أكن أستطيع النظر إليها بسبب شدة إضاءتها، وقبل غروبها بحوالي دقيقة فقط أصبحت قادرا على النظر إليها، وبقيت أراقب أفولها شيئا فشيئا إلى أن اختفت كاملا خلف الأفق في الساعة 20:26:23 بتوقيت الإمارات، وكان ارتفاعنا 11887 مترا، والإحداثيات كما هي مبينة في الصورة التالية. وحيث إن غروب الشمس يتأثر بدرجة الحرارة والضغط الجوي، فكان علي معرفتها، وكانت الطائرة تشير إن درجة الحرارة الخارجية هي 47 درجة مئوية تحت الصفر، أما الضغط الجوي فكان علي حسابه من الارتفاع ودرجة الحرارة، فوجدته 215 ملبار.

وبإدخال الإحداثيات ودرجة الحرارة والضغط الجوي إلى برنامج “المواقيت الدقيقة” وجدت أن موعد غروب الشمس قد حدده البرنامج في الساعة 20:25:44، أي بخطأ مقداره 39 ثانية! في الحقيقة هو خطأ أقل مما توقعت، وأعلم سببه وهو أن دقة حساب الانكسار التي يستخدمها البرنامج ليست عالية جدا، بل غاية ما يمكن وصفها أنها دقيقة، وفي الواقع البرامج المماثلة تستخدم في الغالب طرقا أقل دقة منها. وحساب الانكسار هذا يدخل في حساب انخفاض الأفق أيضا فضلا على أنه يحسب قيمة الانكسار ذاتها! ونؤكد هنا أن هذا الخطأ -الذي اعتبره كبيرا- موجود فقط على مثل هذه الارتفاعات أما من على سطح الأرض وجبالها غير الشاهقة، فكما ذكرت آنفا أن الدقة بحدود الثواني اليسيرة التي في الغالب لا تتجاوز الثانيتين. وتجدر الإشارة إلى أن غروب الشمس من على سطح البحر تحت موقع الطائرة كان في الساعة 20:08، أي أن ارتفاع الطائرة هذا أدى إلى تأخر غروب الشمس عن سطح البحر بمقدار 18 دقيقة. وفيما يلي بعض الصور لغروب الشمس من الطائرة.

تناولت الإفطار في الساعة 20:28 احتياطا، أما الطاقم فقد أعلن الإفطار في الساعة 20:33، فكان خطأ أو سمه احتياطا مقبولا، وليس كما فعلوا في السحور، الذي احتاطوا له أكثر من ساعة على أقل تقدير! والآن جاء دور رصد العشاء! فبقيت أراقب السماء وخفوت الإضاءة، وفي الساعة 21:07 كان الشفق واضحا لا نقاش فيه واللون الأحمر (أو بشكل أدق النحاسي-البني) واضحا. وكانت الإحداثيات كما في الصورة أدناه، وقد وجدت أن انخفاض الشمس حينئذ كان 16.5 درجة.

إلى أن أصبحت الإضاءة في رمقها الأخير، وإن كنت ما أزال أراها بصعوبة في الساعة 21:11، وكانت الإحداثيات كما في الصورة أدناه. وقد وجدت أن انخفاض الشمس حينئذ كان 17.3 درجة.

 

ويمكن القول أن إضاءة الشفق ستختفي بشكل كامل ضمن ظروفنا -التي وصفناها في رحلة القدوم- بعد دقائق بسيطة من هذا الوقت إذا لم تتحرك الطائرة طبعا. وبعد ذلك الوقت بقليل اختفت الإضاءة بشكل كامل وأصبح الأفق الغربي مظلما كباقي الجهات في السماء.

كانت بالفعل تجربة مميزة ومفاجئة بجميع المقاييس، وكما ذكرت سابقا، يستحق هذا الموضوع مزيدا من البحث بطريقة علمية ومن أماكن مرتفعة لمعرفة تأثير الارتفاع على موعدي الفجر والعشاء! فهل يا ترى يتأثر الفجر والعشاء بالارتفاع عن سطح البحر كما يتأثر الشروق والغروب؟ فهل لو كانت الظروف في الطائرة مثالية، بمعنى أنه لا وجود لأي أثر لتلوث ضوئي، وأمكنني رؤية ذراع مجرة درب التبانة بوضوح، فهل كنت سأرى الفجر على الزاوية 19 مثلا؟ أو ربما أكثر؟ فقد رأيته بسهولة على الزاوية 18 على الرغم من كل الظروف غير المثالية! وإذا علمنا أن انخفاض الأفق نتيجة لارتفاعنا هو 3.8 درجة، فهذا يعني أن انخفاض الشمس تحت الأفق لن يكون 19 درجة بل سيكون 15.2 درجة! هل ما أقوله صحيحا؟ أم أن الارتفاع في الواقع لا يؤثر على موعد الفجر والعشاء، وإنما رأيت الفجر على الزاوية 18 لأنه في الواقع يظهر على الزاوية 19 كما ذكر ذلك العديد من علمائنا السابقون، وإنما تأخرت رؤيتي له بسبب الظروف غير المثالية، وساعد على ذلك طبعا صفاء الغلاف الجوي التام! فمن الأرض فإن وجود القليل القليل من الغبار، أو في حالة الجو غير الصافي فإن ظهور الفجر سيتأخر! فأي الرأيين أصوب؟ أم أن الواقع هو أمر ثالث؟ أي أن الفجر والعشاء يتأثران بالارتفاع، ولكن ليس بالضرورة بنفس طريقة تأثر الشروق والغروب؟

الأكيد، والنتيجة الوحيدة التي خرجت بها بيقين هي أن الرأي القائل أن الفجر يتأخر كلما ازداد ارتفاعنا بسبب قلة التشتت هو رأي خاطئ بكل تأكيد! على الأقل على الارتفاعات حتى ارتفاع الطائرة! آملين أن تحمس هذه التدوينة بعض المهتمين لإجراء بعض التجارب والدراسات حول هذه المسألة. والله ولي التوفيق.

يونيو
15

هل تؤدي آية (السجدة:5) إلى تعيين وقت الفجر فلكياً على نحو مُنضبط!

بسم الله الرحمن الرحيم

يُدرك المعنيون بقضايا الفلك الإسلامي بوضوح المسائل والإشكالات التي تتكرر أمامهم بلا علاجات شافية على مدار مناسباتها، وبين الفينة والأخرى، مثل بعض مواقيت الصلاة، .. إلخ

ومن هذه الإشكالات التي لم تكن من اهتماماتي البحثية – موعد دخول وقت الفجر – الذي يبدأ عنده فرض الصيام على كل مسلم، وتحل معه صلاة الصبح، وذلك باعتبار أن مصادر هذه المسألة ليست إلا نصوص الوحي والحديث النبوي، بلا أي مصدر ثالث محتمل!

غير أني اصطدمت بوجوب تعيين وقت دخول الفجر، ليس لأي من اعتبارات الفرائض، بل لفهم آية في كتاب الله تعالى، هي آية (السجدة-5)، وعلى الخصوص ما قاله الله تعالى فيها، “.. فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ” .. وذلك لأن لفظ (يَوْمٍ) فيها قد ترجّح عندي أنه اليوم الشرعي الذي يبدأ بدخول وقت الفجر، وينتهي بغروب الشمس. ولأني كنت أسعى لتعيين (طول اليوم الشرعي) وتكراره الإحصائي على سطح الأرض، تعين علي أن أدقق في عين الوقت الذي يبدأ به اليوم، أي الفجر، وعندها ظهر لي محل الإشكال عند مراجعة ما يتعلق به.

هذا وقد تطلب الأمر تعيين (طول اليوم) باعتباره ركناً في معادلة تأويلية لآية (السجدة-5)، ولا يمكن حلها إلا بمعرفته بدقة، والمعادلة هي:

equation

Front

وقد كان المطلوب استخدام وقت الفجر للتحقق من المعادلة. !! ونظراً لأنه غير متعين، انقلب الأمر، وأصبحت المعادلة نفسها، وافتراض صحة ما فيها من علاقات، هي الدالة على موعد دخول الفجر.

ولمّا افترضت ذلك فوجئت بأن المعادلة تستنبط وقتاً لدخول الفجر هو اللحظة الزمنية التي تكون فيها الشمس على زاوية (16.91 ± 0.40)o تحت الأفق!!! .. وهي نتائج أولية استكشافية، قابلة للتنقيح بمزيد من الدقة بتقليل الخطأ الحسابي.

وبمراجعة الخلاف الفقهي حول وقت دخول الفجر، وجدت أن هذا المدى الذي تنبأت به المعادلة، يقع بالفعل في قلب الزمن المُرشَّح لأن يكون الوقت الأصوب لدخول الفجر. فرأيت أن أنشر هذه النتائج لأهل الاختصاص لعله يكون ذو قيمة لهم. وإذا ما كان ذلك مدعوماً منهم، فسوف يكون دعماً للمعادلة التي تنبأَت به!

وهذه هي الدراسة التي شملت هذه النتائج.

نوفمبر
03

ناسا تقول أن العالم سيشهد ثلاثة أيام من الظلام بسبب العواصف الشمسية: إشاعة لا أساس لها من الصحة

انتشرت مؤخرا إشاعة تداولها الناس بشكل كبير، بل وللأسف ظهرت في بعض الصحف والإذاعات والقنوات الفضائية، وتقول الإشاعة: “أعلنت وكالة الأبحاث الفضائية الأميركية ناسا، أن العالم سيشهد ثلاثة أيام من الظلام هذا العام وذلك في 21 و22 و23 كانون الأول المقبل. وذلك بسبب عاصفة شمسية سوف تسبب ظلام تام على كوكب الأرض خلال كل هذه المدة.”

 في الواقع هذه إشاعة لا أساس لها من الصحة، فوكالة ناسا لم تعلن شيئا بهذا الخصوص، وكما أنه لا يمكن التنبؤ بالعواصف الشمسية أصلا، إنما يتم رصدها وقت حدوثها، وتحتاج بعد ذلك من يومين إلى ثلاثة أيام حتى تصل الأرض. كما أن مخاطر العواصف الشمسية لا تسبب كارثة أرضية بهذه الطريقة.

 والصحيح أن بعض العواصف الشمسية الشديدة جدا قد تسبب اضطرابا على شبكات الضغط العالي، والذي قد يصل إلى درجة إتلاف بعض أجزاء الشبكة الرئيسية مما قد يتسبب بانقطاع الكهرباء عن منطقة معينة. وسبب الحمل الكهربائي الزائد هذا هو الجسيمات القادمة من الشمس والموجودة في العاصفة الشمسية، إلا أن هذه المخاطر توجد في الأماكن البعيدة عن خط الاستواء مثل شمال أوروبا وشمال آسيا وشمال أمريكا، وهي نادرة الحدوث، ولا يمكن توقعها إلا قبل يوم إلى ثلاثة أيام كحد أقصى. وبالطبع هناك مخاطر أخرى للعواصف الشمسية والتي قد تكون مؤثرة فعلا، ولكنها لا ترتقي إلى مستوى الكارثة الأرضية. وهناك جهات عالمية مهمتها مراقبة الشمس لحظة بلحظة، وإصدار التحذيرات عند الحاجة. ويقوم مركز الفلك الدولي بمتابعة هذه الجهات على مدار الساعة، ويقوم المركز بنشر التحذيرات مباشرة على حسابه على تويتر ( @icoproject ).

 ولنشاط الشمس دورة شبه منتظمة تبلغ فيها الشمس ذروتها كل 11 سنة، ونحن في هذا العام في الذروة تقريبا، ولذلك من الطبيعي أن نشهد ازدياد في النشاط الشمسي.

 وعند الحديث عن العواصف الشمسية، فهناك ثلاثة ظواهر أو أنواع للعواصف الشمسية، الأول يسمى بالتوهج الشمسي (Flare)، وتصنف قوة التوهج الشمسي على ما يسمى بمقياس ريختر الشمسي، بحيث تصنف التوهجات المتوسطة بأرقام من واحد إلى عشرة مبتدئة بالحرف C، في حين تصنف القوية مبتدئة بالحرف M، أما الشديدة فتصنف مبتدئة بالحرفX. والنوع الثاني هو جسيمات عالية الطاقة. والنوع الثالث وهو قد يكون الأخطر يسمى “انبعاثات الشمس الإكليلية”.

 فأما بالنسبة للتوهج الشمسي، فهو ازدياد مفاجئ وكبير في الطيف الكهرومغناطيسي للشمس في منطقة صغيرة نسبيا من الشمس، وهذا يشمل الأشعة الراديوية وتحت الحمراء والمرئية وفوق البنفسجية وأشعة إكس وأشعة جاما، وتقاس شدة التوهج بقياس كمية أشعة إكس المنبعثة نتيجة للتوهج. وهذه الأشعة تصل الأرض فور علمنا بحدوث التوهج، وينحصر تأثير هذا النوع من العواصف الشمسية بحدوث تشويش على الاتصالات الراديوية في بعض النطاقات المستخدمة في الاتصالات والملاحة، فإن كان التوهج شديدا، فقد تفقد الطائرات والبواخر التي تستخدم هذه الأمواج (وهي قليلة) الاتصال لمدة قد تصل إلى بعض الساعات، وكذلك يلاحظ هواة ومستخدمو الراديو تشويشا على نطاق الأمواج القصيرة (Shortwave).

 يؤدي التوهج الحاصل على الشمس إلى تسريع جسيمات (بروتونات وإلكترونات وبعض الأيونات) بحيث تصبح ذات طاقة عالية جدا، وهي تصل إلى الأرض بعد حوالي ساعة إلى ساعتين من التوهج، وهذا هو النوع الثاني من العواصف الشمسية، ويستمر هذا التدفق من الجسيمات المشحونة ذات الطاقة العالية لعدة ساعات. وأثرها على الأرض هو نفس أثر التوهجات الشمسية السابقة، إضافة إلى خطرها الكبير على الأقمار الصناعية، فاصطدام هذه الجسيمات بالأقمار الصناعية قد يعطلها مؤقتا أو بشكل دائم، كما أن هذه الجسيمات تشكل خطرا صحيا على رواد الفضاء والمسافرين في الطائرات في المناطق الشمالية القريبة من القطب، إلا أن شركات الطيران تراقب ذلك، وتبعد طائراتها عن تلك المنطقة أثناء هذه العاصفة.

 يسمى النوع الثالث من العواصف الشمسية بـ “انبعاثات الشمس الإكليلية” (Coronal Mass Ejection CME)، وهو قد يكون الأكثر خطرا، ويتكون من مادة الشمس نفسها، بحيث تقذف الشمس كمية هائلة من مادتها وهي عبارة عن غاز مؤين (بلازما) يحتوي على مجالات مغناطيسية، وتصلنا الانبعاثات الإكليلية خلال يومين إلى ثلاثة أيام من رصدنا لها وهي تنطلق من الشمس! وعندما تصطدم هذه المقذوفات بالأرض فإنها تسبب ما يلي:-

1- اضطراب في المجال المغناطيسي الأرضي، وبالتالي تتأثر البوصلة.

2- تتكون تيارات كهربائية في خطوط الضغط العالي لشبكات الكهرباء، مما قد يزيد الحمل الكهربائي على الشبكة ويؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي.

3- تتولد تيارات كهربائية في خطوط الأنابيب. (الأنابيب الطويلة المدفونة أو الممددة على الأرض).

4- ظهور الشفق القطبي.

5- تتأثر الطيور المهاجرة المعتمدة على المجال المغناطيسي.

6- تتأثر مدارات الأقمار الصناعية، بسبب ازدياد الاحتكاك مع الغلاف الجوي الأرضي.

7- تشويش على بعض أمواج الراديو Low Frequency  و High Frequency.  

إلا أن معظم هذه المخاطر محصورة في المناطق القريبة من الأقطاب، مثل شمال أوروبا وشمال آسيا وشمال أمريكا. وتقترب منا كلما كان الانفجار أكبر، إلا أنها تبقى بعيدا عن المنطقة العربية. فالغلاف الجوي الأرضي يحمينا من النوع الأول من العواصف المغناطيسية، والغلاف الأرضي المغناطيسي يحمينا من النوع الثالث، والغلافين الجوي والمغناطيسي يشتركان في حمايتنا من النوع الثاني. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الظواهر لا علاقة بينها وبين درجة الحرارة على سطح الأرض، فهذه الانفجارات لا تؤدي إلى ازدياد في درجة الحرارة على سطح الأرض.

المهندس محمد شوكت عودة
مدير مركز الفلك الدولي

 

مقطع فيديو لتوهج شمسي حدث قبل عدة أيام، ونذكر أن التوهج الشمسي ظاهرة محلية، تحدث في مكان صغير نسبيا على الشمس.

 

الفيديو التالي يعرض النوع الثاني من العواصف الشمسية وهو الجسيمات عالية الطاقة. فالمقطع يبدأ بانبعاث إكليلي كبير يخرج من الشمس من الأعلى، وهذا الانبعاث هو السبب بانطلاق جسيمات عالية الطاقة نحو الأرض! نحن لا يمكن أن نرى هذه الجسيمات ولكن يمكننا رؤية أثرها! فهذه النقاط البيضاء التي تظهر فجأة وبشكل كبير على الشاشة بعد الانبعاث الإكليلي هي عبارة عن الجسيمات عالية الطاقة وهي تصطدم بحساس الكاميرا مسببة هذا التشويش!

 

 شاهد صور حقيقية لانبعاثات الشمس الإكليلية في هذا المقطع

 

فيديو جميل يظهر الأنواع الثلاثة للعواصف الشمسية، بحيث يبدأ بتوهج يتبعه جسيمات عالية الطاقة، ومن ثم انبعاث شمسي، ومن ثم جسيمات عالية الطاقة

 

مقطع الفيديو التالي يبين إنبعاثات الشمس الإكليلية وكيف تنطلق من الشمس وتتفاعل مع الغلاف المغناطيسي الأرضي

سبتمبر
30

سقوط القمر الصناعي فوق سلطنة عمان

السبت 27 سبتمبر 2014، الساعة الثامنة والنصف مساء بتوقيت الإمارات… كان هذا هو الوقت الذي أردت أن أرى إن كان هناك سقوط متوقع لقمر صناعي على المنطقة العربية…. هكذا أفعل بين الفينة والأخرى…. وبالفعل وجدت أن هناك قمرا صناعيا يابانيا سيسقط على الأرض بعد قليل، رقمه 25776  واسمه AYAME 1 (ECS 1) N-1 R/B2 ، وهو أحد مراحل الصاروخ الذي أطلق القمر الصناعي الرئيسي يوم 06 فبراير 1979م، وهو بالتحديد محرك الصاروخ، وتبلغ كتلته فارغا 63.5 كغم ويبلغ قطره 93 سم وطوله 170 سم.

 

ومن المعروف أنه لا يمكن معرفة مكان ووقت سقوط الأقمار الصناعية بدقة وذلك لأسباب مختلفة لا مجال لذكرها هنا، وبشكل عام فإن أفضل توقع تصدره وزارة الدفاع الأمريكية يكون قبل السقوط بحوالي ساعتين ويكون مقدار الخطأ فيه زائد ناقص ساعتين، أي ما مجموعه أربع ساعات! فإذا علمنا بأن القمر الصناعي الآيل للسقوط يلف الأرض مرة واحدة كل 90 دقيقة، فإن خطأ مقداره أربع ساعات يعني أن القمر الصناعي سيلف الأرض خلالها مرتين ونيف! ولذلك فإننا لا نبالغ بتحذير الناس أو بإرسال الخبر لوسائل الإعلام، لأننا في الواقع لا نعرف بالضبط -لا نحن ولا غيرنا- متى وأين سيسقط القمر الصناعي! ولكن بالتأكيد هناك مناطق مرشحة لأن يسقط فوقها القمر الصناعي، والسبيل الوحيد لمعرفة موعد ومكان السقوط هو النظر إلى السماء وقت مرور القمر الصناعي فوق الراصد، والترقب في محاولة لرؤية جسم محترق يظهر في السماء لبعض الوقت!  

 

وبحسب آخر تقرير صدر من وزارة الدفاع الأمريكية، فإن الوقت المتوقع لسقوط القمر الصناعي كان الساعة 18:18 بتوقيت غرينتش والمكان المتوقع لسقوط القمر الصناعي هو في المحيط الهندي إلى الغرب قليلا من الهند، وذلك بخطأ مقداره زائد ناقص ساعتين. الخارطة أدناه تبين الموقع المتوقع لسقوط القمر الصناعي، وتبين كذلك مسار القمر الصناعي خلال الفترة المتوقع سقوطه خلالها. وبمعنى آخر فإن جميع المناطق الواقعة تحت الخطوط الخضراء والحمراء مرشحة لأن يسقط فوقها القمر الصناعي، بحيث أن الخطوط الحمراء هي مسار القمر الصناعي بعد الوقت المتوقع للسقوط، والخطوط الخضراء هي مسار القمر الصناعي قبل الوقت المتوقع للسقوط. ومنها نلاحظ أن سلطنة عمان والسعودية مرشحة بشكل كبير لأن يسقط القمر الصناعي فوقها لأنه سيمر فوقها قبل 4 إلى 9 دقائق فقط من الوقت المتوقع للسقوط!

وبالتالي ارتأينا أن الموضوع يستحق إعلام الناس به، فنشرناه عبر حسابنا على تويتر، وكان تفاعل الناس معنا أكثر من المتوقع، وبالفعل بدأنا بمتابعته عن كثب، وكنا نعلم الناس بموقعه أولا بأول وطلبنا منهم النظر إلى السماء تحسبا لمشاهدته أثناء السقوط، ومن المناطق العربية التي كانت مرشحة أيضا لأن يسقط القمر الصناعي فوقها هي موريتانيا والجزائر وليبيا ومصر. وكانت المفاجأة أنه وما أن مر القمر الصناعي فوق سلطنة عمان حتى جاءتنا العديد من الشهادات بمشاهدة جسم محترق في السماء!

عندها طلبنا ممن شاهد الجسم المحترق تفاصيل أكثر مثل أن يذكر موقعه ووقت المشاهدة والمكان في السماء الذي بدء عنده والذي انتهى عنده الحدث، ولون الجسم وهيئته، وبالفعل وصلتنا عدة إفادات ولكن معظمها كان منقوصا! على أية حال لم نرغب أن نصر على الناس ونطلب منهم مزيدا من التفاصيل، وفضلنا انتظار تقرير وزارة الدفاع الأمريكية، ففي الغالب يصدر تقريرهم الرسمي بعد السقوط بحوالي ساعة إلى ساعتين، ويبين فيه المكان والوقت الذي سقط عنده القمر الصناعي، ولكن هذا التقرير لا يصدر لجميع الأقمار الصناعية، بل للكبيرة والمهمة فقط في الغالب، وللأسف لم تصدر الوزارة تقريرا لهذا السقوط!

 

وفي صباح اليوم التالي وردني بريد إلكتروني من أحد المشرفين على برنامج مراقبة سقوط الأقمار الصناعية على الأرض، وهو Ted Molczan وهذا الشخص هو من أشهر خبراء مراقبة الأقمار الصناعية في العالم، وله أبحاث وأعمال هامة وكبيرة على المستوى العلمي، وقد بدأ أعماله بمراقبة الأقمار الصناعية منذ ستينيات القرن الماضي! وفي رسالته هذه أبدى اهتمامه بما شاهده سكان سلطنة عمان، ووضح سبب هذا الاهتمام بأسباب علمية وفلكية لا يتسع المجال لذكرها هنا. وبناء على ذلك قمنا مرة أخرى بالطلب ممن شاهد الحدث في سلطنة عمان بأن يزودنا بمزيد من التفاصيل وطلبنا منهم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني، بل وقمنا بالتواصل الهاتفي مع بعضهم لأخذ التفاصيل بشكل واضح.

 

وقبل أن نعرض تحليل النتائج، فلنشرح تاليا بعض الأساسيات البسيطة والهامة في الخرائط التالية، فالخارطة الأولى تبين موقع القمر الصناعي في الساعة 10:09 مساء بتوقيت السلطنة، والخارطة الثانية تبين موقع القمر الصناعي في الساعة 10:10 مساء بتوقيت السلطنة، ونلاحظ منها أن القمر الصناعي كان يتحرك من الغرب إلى الشرق، ونلاحظ أنه مر فوق السلطنة من الجزء الجنوبي من السلطنة، تحديدا شمال مدينة صلالة. وهذا يعني أنه لو جاءنا شخص يسكن في صلالة وقال أنه شاهد سقوط القمر الصناعي، فإنه يجب أن يقول أن شاهد جسم محترق في جهة الشمال كان يسير من الغرب إلى الشرق (من اليسار إلى اليمين)، في حين أنه إذا جاءنا شخص يسكن في مسقط وقال أنه شاهد سقوط القمر الصناعي، فإنه يجب أن يقول أن شاهد جسم محترق في جهة الجنوب كان يسير من الغرب إلى الشرق (ولكن بالنسبة له كان يتحرك من اليمين إلى اليسار)! فالجهة واتجاه المسار هي الخطوة الأولى للتأكد من الجسم الذي شاهده الشهود وفيما إذا كان سقوط القمر الصناعي فعلا أو أنه جسم آخر.

نأتي الآن لأمر آخر غاية في الأهمية، وهو الدوائر الثلاثة الملونة، وهذه الدوائر مهمة جدا، فالمناطق الواقعة داخل الدائرة الخضراء يكون ارتفاع القمر الصناعي فيها أكثر من 10 درجات عن الأفق، أما المناطق الواقعة داخل الدائرة الزرقاء سيكون ارتفاع القمر الصناعي فيها أكثر من 5 درجات عن الأفق، أما الدائرة الحمراء فهي للمناطق التي يكون ارتفاع القمر الصناعي فيها أكثر من صفر درجة عن الأفق. وبشكل عام يمكننا القول إن المناطق الواقعة ما بين الدائرة الحمراء والزرقاء لن ترى شيئا حتى وإن سقط القمر الصناعي أثناء مروره في تلك المنطقة، وسبب ذلك أن ارتفاع القمر الصناعي عن الأفق في هذه المناطق منخفض، وعلى الأغلب أن الظاهرة لن تشاهد بسبب حدوثها خلف البنايات أو المرتفعات، وحتى إن كان الأفق مكشوفا، فإن القمر الصناعي سيكون بعيدا عن تلك المناطق. بل قد يمكننا القول أيضا أن الكلام نفسه ينطبق على المناطق الواقعة بين الدائرة الزرقاء والخضراء، إلا إن كان سقوط القمر الصناعي مميزا وكان التوهج والاحتراق كبيرا، فعندها قد تلاحظ هذه المناطق شيئا ما! إذا باختصار، المناطق التي ستشاهد السقوط هي على الأرجح فقط تلك الواقعة داخل الدائرة الخضراء!

 

نعود الآن لشهادات الأشخاص ونلخص ما قاله كل شخص مع تحديد موقعه:-

-         رقم الراصد: 1

-         اسم الراصد: حمد الشحي @al5anpooly

-         مكان الرصد: دبا، محافظة مسندم، سلطنة عمان.

-         وقت المشاهدة: 10:11.

-         مكان بداية رؤية الجسم: الشرق، على ارتفاع حوالي 30 درجة.

-         مكان نهاية رؤية الجسم: الشرق ،على ارتفاع حوالي 15 درجة.

-         عدد الأجسام: أكثر من جسم كالزجاج المتكسر، واحد كبير والباقي صغير.

-         مدة الرؤية: ثانيتين تقريبا.

-         اللون: أبيض إلى الأزرق.

-         تعليقنا على هذه الشهادة: الوصف مطابق تماما لهيئة سقوط الأقمار الصناعية، ولكن الارتفاع والجهة غير متطابقة بدرجة كبيرة جدا. من دبا كان القمر الصناعي في جهة الجنوب على ارتفاع حوالي 4 درجات فقط! ولكن الجسم الذي شاهده الراصد كان على ارتفاع حوالي 30 درجة وكان في جهة الشرق.

-         النتيجة: ليس القمر الصناعي.

 

-         رقم الراصد: 2

-         اسم الراصد: عزيز البلوشي.

-         مكان الرصد: صنقر، صحار، سلطنة عمان.

-         وقت المشاهدة:   قريب 10:10

-         مكان بداية رؤية الجسم: الشرق، على ارتفاع 50-60 (قليلا إلى الجنوب).

-         مكان نهاية رؤية الجسم: الشرق، قريب من الأفق.

-         عدد الأجسام: جسم وحد

-         مدة الرؤية: 3-4 ثواني

-         اللون: أبيض إلى الأزرق

-         ملاحظات الراصد: ظهر ثم خفت ثم لمع

-         تعليقنا على هذه الشهادة: الغالب أنه نفس الجرم الذي شاهده الراصد رقم 1. ولكن نفس الملاحظة أيضا، فالجهة والارتفاع غير متطابقين بشكل كبير جدا. من صحار كان القمر الصناعي في جهة الجنوب وفي أفضل حالته كان على ارتفاع حوالي 07 درجات، ولكن الجسم الذي شاهده الراصد كان في جهة الشرق على ارتفاع 50-60 درجة.

-         النتيجة: ليس القمر الصناعي.

 

-         رقم الراصد: 3

-         اسم الراصد: ‏@alrashdi_zoom

-         مكان الرصد: الخوض، جنوب السيب، بالقرب من مسقط، سلطنة عمان.

-         أرسل الراصد خارطة مهمة نبينها تاليا، يوضح فيها أن الجسم المشاهد كان في جهة البحر في جهة الشمال الغربي.

-         تعليقنا على هذه الشهادة: هناك اختلاف كبير بين الجسم المشاهد وبين مكان القمر الصناعي، فالجسم تمت مشاهدته في جهة الشمال الغربي، ولكن القمر الصناعي كان في جهة الجنوب!

-         النتيجة: ليس القمر الصناعي.

 

 

-         رقم الراصد: 4

-         اسم الراصد: ‏ @AzSimoo

-         مكان الرصد: المعبيلة الجنوبية، جنوب السيب، بالقرب من مسقط، سلطنة عمان.

-         شهادة الراصد: أنا شفت شيء يحترق من المعبيله الجنوبيه. على أساس متوقعين ظهوره من الغرب، أنا كنت أطالع صوب الغرب، ظهر من يساري، راح صوب البحر.

-         تعليقنا على هذه الشهادة: هناك اختلاف كبير بين الجسم المشاهد وبين مكان القمر الصناعي، فالجسم تمت مشاهدته يتحرك من الجنوب إلى الشمال، ولكن القمر الصناعي كان يتحرك من الغرب إلى الشرق.

-         النتيجة: ليس القمر الصناعي.

 

وبالإضافة لهذه الشهادات الأربعة وردتنا أكثر من 10 شهادات أخرى، ولكنها شهادات منقوصة، لا يمكن الاعتماد عليها.

 

فللنظر مرة أخرى للدوائر الثلاثة الملونة، ونقارن موقع الراصدين الأربعة مع هذه الدوائر

 

 

 

فأما بالنسبة لحمد الشحي من دبا، فهو كان خارج الدائرة الزرقاء، أي أن ارتفاع القمر الصناعي في أفضل حالاته كان أقل من 5 درجات (كان حوالي 4 درجات)، وبالتالي من المؤكد بأن سقوط القمر الصناعي لم يكن مشاهدا من منطقته. فضلا على أن القمر الصناعي كان في جهة الجنوب في حين أنه شاهد الجسم في جهة الشرق. والكلام نفسه ينطبق على عزيز البلوشي من صحار، مع فارق أن ارتفاع القمر الصناعي عنده كان 07 درجات. أما بالنسبة للمناطق الواقعة جنوب السيب، فالشهود شاهدوا شيئا في الاتجاه المعاكس تقريبا لموقع القمر الصناعي.

 

الآن أمامنا حلان فقط، وهما:

1-    أن مسار القمر الصناعي قد انحرف شمالا، ومر في الواقع ما بين مسقط وصحار، فعندها من الممكن أن نوائم بين هذه الشهادات وبين سقوط القمر الصناعي! ولكن مهلا! الموضوع ليس بهذه البساطة! فمدارات الأقمار الصناعية محسوبة ومعروفة بدقة عالية، وهي لا تنحرف أبدا هذا الانحراف بهذا الشكل! فالعناصر المدارية للقمر الصناعي حديثة جدا ولا يمكن أن ينحرف القمر الصناعي بهذا المقدار أبدا! فالجهات المسؤولية والمعنية تنفق المليارات لتتبع جميع الأقمار الصناعية بأجهزة معقدة وعن طريق رادارات ضخمة وعملاقة منتشرة في مختلف مناطق العالم! فهذا الاحتمال غير وارد قطعا! مع ملاحظة أنه  بالنسبة للقمر الصناعي الساقط فقط، فعدم الدقة يكون في أمرين اثنين؛ الأول هو ارتفاع القمر الصناعي عن الأرض والثاني هو موعد مرور القمر الصناعي فوق المنطقة، فقد يتأخر أو يبكر القمر الصناعي بدقائق يسيرة فقط، وهذا فقط ينطبق على القمر الصناعي أثناء سقوطه، فاحتكاكه مع الغلاف الجوي يجعل معرفة ارتفاعه ومعرفة سرعته أمر غاية في التعقيد، ولكنه لا يغير مساره بالانحراف. وطبعا في جميع كلامنا نفترض أننا نستخدم عناصر مدارية حديثة، وهكذا كان الواقع بالنسبة لهذا السقوط.

2-    الاحتمال الثاني: يبدو أنه في نفس وقت مرور القمر الصناعي فوق سلطنة عمان، ظهر شهاب لامع في السماء، ومر في المنطقة الواقعة ما بين مسقط وصحار وهو الذي شاهده جميع هؤلاء الشهود. ونحن نرجح هذا الاحتمال.

 

الخلاصة: جميع الشهادات الواردة لا تتطابق مع جهة وارتفاع القمر الصناعي الساقط، ولكنها متفقة تقريبا على حدث واحد، ونرجح بأنه شهاب لامع ظهر في نفس موعد مرور القمر الصناعي.

 

النتيجة: هذه التجربة تؤكد على ضرورة وجود اتصال أكبر وأسرع بين هواة وعلماء الفلك في المنطقة، فلو استعد الفلكيون في المنطقة لهذا الحدث، لكانت التقارير أكثر دقة، وكان توصلنا للنتيجة أسرع وأفضل. فالفلكي بحكم خبرته قادر على تمييز الظواهر الفلكية وهو أقدر على تحديدها وتفنيدها.

 

شكر: لا يفوتنا أن نتوجه بجزيل الشكر لجميع من تعاون معنا في هذه الظاهرة من مغردين على تويتر ومن شهود اهتموا بالموضوع وحملوا على عاتقهم مسؤولية توصيل ما شاهدوه للمعنيين، فلهم منا جزيل الشكر والامتنان، من ذكرنا منهم ومن لم نذكر. والله ولي التوفيق.

 

المهندس محمد شوكت عودة

أحد المشرفين على برنامج مراقبة سقوط الأقمار الصناعية على الأرض

مركز الفلك الدولي

http://www.reentrywatch.com/

سبتمبر
25

تحقيق “صحيفة سبق” المربك حول هلال ذي الحجة

قام أحد كتاب صحيفة سبق بنشر تحقيق يوم الأربعاء 24 سبتمبر 2014م الموافق 29 ذو القعدة 1435هـ بعنوان “هلال ذي الحجة.. سبق تتقصى آراء الفلكيين حول ولادته ومشاهدته”، وذلك على الرابط التالي: ( http://sabq.org/aUlgde ) وللأسف افتقد كاتب هذا التحقيق لأبسط قواعد المهنية الصحفية، فضلا عن الدقة والموضوعية! فهدف الكاتب كان واضحا من الأسطر الأولى بإظهار خلاف الفلكيين والتشهير بهم، وقد أوقعه هدفه هذا بعدة أخطاء نورد بعضها تاليا:

بدأ المقال بجملة “أصرّ مدير المرصد الإسلامي على تبني استحالة رؤية هلال شهر ذي الحجة مغرب اليوم الأربعاء 29/ 11/ 1435 في سماء الدول العربية والإسلامية، على الرغم من إجماع الفلكيين على ولادة الهلال صباح اليوم ومكوثه وقتاً بعد غروب الشمس في أغلب الدول العربية والإسلامية الواقعة في الجزيرة العربية وأفريقيا، وإقرار عودة بذلك.”

1-    هذه الفقرة محشوة بالأخطاء والمعلومات غير الصحيحة، فأولا كلمة أصر تدل على تكرار في المعلومة وعلى إعلانات متكررة وعلى تصريحات عديدة لرئيس المشروع الإسلامي لرصد الأهلة، وهذا غير صحيح! فالمشروع ورئيسه لم يصرحوا حول رؤية هلال شهر ذي الحجة إلا مرة واحدة، وذلك في بيان علمي واضح منشور على موقع المشروع على الرابط التالي ( http://bit.ly/1sf5ckr ).

2-    لم يصرح رئيس المشروع ولا المشروع أصلا باستحالة رؤية الهلال يوم الأربعاء من المنطقة العربية، فبيان المشروع يذكر بوضوح أن رؤية الهلال من المنطقة العربية كانت غير ممكنة وليست مستحيلة كما يدعي التحقيق. وشتان بين الإثنين، فالفارق بين الرؤية المستحيلة والرؤية غير الممكنة من الناحية العلمية كبير.

3-    تظهر الجملة السابقة الموضوع وكأن به تناقض كبير بالقول بأن رئيس المشروع يصر على استحالة الرؤية على الرغم من إجماع الفلكيين على تولد الهلال! وتعليقنا هو وما العلاقة بين رؤية الهلال وبين تولد الهلال! فالفرق بينهما شاسع! ونعم قد يتولد الهلال ولكن تصعب رؤيته بل تستحيل أحيانا! والربط بين ولادة الهلال وبين رؤيته لا يستقيم أصلا!

هذه ثلاثة أخطاء وقع فيها كاتب التحقيق في أول فقرة، وكان الأجدر بكاتب التحقيق الاتصال مع المشروع الإسلامي لرصد الأهلة إن كان صادق النية برغبته بإجراء تحقيق مهني دقيق يظهر الحقائق للناس بدلا من هذا التحقيق الذي يشوه سمعة الآخرين ويزيد الإرباك بين الناس! فالأصل أن دور وسائل الإعلام الأول هو إيصال المعلومة الصحيحة للناس، وليس الدعاية فحسب! خاصة وأن علاقة المشروع مع صحيفة سبق علاقة طيبة والاتصال بيننا مستمر فكان من السهل جدا على كاتب التحقيق الوصول لنا والاستفسار منا مباشرة عن أي مسألة أشكلت عليه. ونكمل الآن في بقية الأخطاء:

تورد فقرة أخرى ما يلي:

” وحول هذه النقطة أكد رئيس المشروع الإسلامي لرصد الأهلة المهندس محمد شوكت عودة، على أن يوم الخميس 25 سبتمبر هو المكمل لشهر ذي القعدة، ويوم الجمعة 26 سبتمبر أول أيام شهر ذي الحجة، وأن الأحد 5 أكتوبر أول أيام عيد الأضحى المبارك.”

 

4-    وهذا كلام غير صحيح، فبيان المشروع الإسلامي لرصد الأهلة وهو التصريح الوحيد الذي أصدره المشروع حول رؤية هلال ذي الحجة وضع الاحتمالين بوضوح، وبين أنه باعتماد غروب القمر بعد الشمس يوم الأربعاء، فإن بداية الشهر تكون يوم الخميس، أما باعتماد الرؤية فإن بداية الشهر ينبغي أن تكون يوم الجمعة. ولا يجوز لكاتب التحقيق اجتزاء تصريح المشروع وانتقاء ما يحلو له مجتزأ فقط ليظهر للناس أن هناك خلافا أو تناقضا! فكان حري بكاتب التحقيق تكملة هذه الجزئية من بيان المشروع!

 

5-    يكمل التحقيق اقتباس أقوال بعض الفلكيين فيما يتعلق ببداية شهر ذي الحجة، ويخلط كاتب التحقيق بين ما يقوله الفلكيون حول بداية الشهر اعتمادا على وجود القمر بعد غروب الشمس وبين إمكانية رؤية الهلال! وهاتان مسألتان منفصلتان! فكثير من الدول الإسلامية ومنها تقويم أم القرى تبدأ الشهر الهجري بمجرد غروب القمر بعد الشمس بغض النظر عن إمكانية الرؤية، فلا يجوز للكاتب أن يقتبس قول بعض الفلكيين من أن بداية شهر ذي الحجة هي يوم الخميس ليستدل بذلك على أن إمكانية رؤية الهلال يوم الأربعاء ممكنة! فهذا العمل يسمى في الواقع تدليسا.

 

6-    ثم يقوم كاتب التحقيق بمحاولة لإبراز اختلاف الفلكيين من خلال سرد مواعيد مختلفة لمكث القمر يوم الأربعاء على لسان الفلكيين. ومرة أخرى لو اتصل كاتب التحقيق مع الجهات التي نشرت هذه المواعيد واستفسر منها عن سبب هذا الخلاف لاتضحت الحقيقة له ولما ظن أن هناك خلاف! ففي الواقع لا يوجد تضارب أو اختلاف في المواعيد بين الفلكيين! فهذه أمور أبسط من يختلف عليها مختصون! فمواعيد شروق وغروب الأجرام السماوية يعرفها هاو مبتدأ في علم الفلك! ومجرد قول أحدهم أن الفلكيين مختلفون بينهم في هذه المواعيد فيه إهانة للعلم برمته وتهميش للعقل وإظهارنا كأمة متخلفة لا تعرف حتى أن تحسب موعد غروب القمر! وكما تقول الحكمة المعروفة: “من تحدث بغير فنه أتى بالعجائب”. فكان حري بكاتب التحقيق الرجوع لأهل الاختصاص للاستفسار وللمعرفة بدلا من إطلاق الاستنتاجات الشخصية التي كانت في الواقع خاطئة وزادت الناس تشتيتا بدلا من أن ترشدهم! فأما بالنسبة لمواعيد مكث القمر المحسوبة من قبل المشروع، فقد ذكر المشروع صراحة وبوضوح وفي مكانين مختلفين من البيان أن مواعيد الغروب هذه تم حسابها للحافة السفلى لقرص القمر وليس الحافة العليا، والفارق بينهما حوالي دقيقتين، وعلل البيان ذلك بقوله إن المهم عند تحري الهلال هو موعد غروب الحافة السفلى وليس العليا لأن الهلال كله أو معظمه موجود في تلك المنطقة، وبالتالي فإنه من الأكثر دقة أن نحسب موعد غروب القمر بالنسبة لحافته السفلى.

على أية حال لا يعنينا الرد على كل جزئية وردت في ذلك التحقيق، فالشرح والإسهاب يحتاج إلى كتابة مطولة، ونحن في المشروع الإسلامي لرصد الأهلة أبوابنا مفتوحة لأي مستفسر، وموقعنا على شبكة الإنترنت غني بالأبحاث العلمية التي كتبها علماء متخصصون حول رؤية الهلال وغيرها، وهي موجودة على هذا الرابط ( http://www.icoproject.org/paper.html  ).  فهذه مواضيع لها أهلها ولها قواعدها شأنها شأن أي فرع آخر من المعارف والعلوم! فلا يمكن لصحفي أن يسمح لنفسه بممارسة مهنة الطب مثلا وتشخيص الأمراض إذا أشكلت عليه حالة طبية ما! بل يجب عليه الرجوع لأهل العلم والاختصاص في ذلك الموضوع، وإلا فإنه سيأتي بالعجائب فعلا! كما نظم المشروع مؤتمرين عالميين حول رؤية الهلال، صدر لكل واحد منهما كتاب أعمال احتوى على أبحاث ذلك المؤتمر، ويمكن الحصول على هذه الكتب من المشروع، وهي موجودة على الموقع التالي ( http://www.icoproject.org/confe.html?&l=ar ) والموقع التالي ( http://www.icoproject.org/conf2.html?&l=ar ).

 

إننا لا ننكر أن هناك لبسا وخلطا في مسألة رؤية الهلال، ولكن تعودنا في مثل هذه الحالات أن تتصل بنا الجهة الإعلامية التي ترغب بإجراء تحقيق مهني جاد ودقيق، فعندها يدور بيننا حوار مطول، يدرك بعدها الصحفي دقائق الأمور، وبهذا الصدد فقد أجرينا لقاءات صحفية استمرت ساعات وهي موجودة على موقعنا على شبكة الإنترنت على العنوان التالي: ( http://www.youtube.com/user/icoproject/playlists )، ويمكن لأي مهتم أن يسمعها ليعرف الحقيقة بدلا من إطلاق أحكام خاطئة وفيها تشويه لسمعة الناس والجهات العلمية فضلا عما تسببه من مزيد من التشويش والإرباك.  

مشاركات سابقة «