«

»

ديسمبر
12

حاجة الفقيه والقاضي لعلم الفلك

يمتاز (علم الأهلَّة) بأنَّه علمٌ ذو شقين: شق علمي فلكي، وآخر شرعي فقهي؛ لذا فإنَّ الفقيه والقاضي محتاجان لعلم الفلك في بحثهم في (علم الأهلة) وإثبات الشهور القمرية؛ ليكون بحثهم مطابقًا للواقع مبنيًا عليه، كما أنَّ الفلكي محتاجٌ لمعرفة العديد من الأمور الشرعية؛ لتكون نتائج عمله صحيحة موافقة للشرع، وفي ما يلي سأتناول ما يتعلق بالشق الأول من المسألة:

فقد ظهرت أثناء مناقشة موضوعات (الأهلة) و(إثبات الشهور القمرية) مقولات مثل:  (إنَّ بداية تحديد بداية ونهاية الصيام حكمٌ شرعيٌ لا دخل للفلكيين فيه)، و(إنَّ الشرع لم يعتبر آراء الفلكيين ولا علمهم في هذه المسألة)؛ لذا: فإنَّه لا يجب على أهل العلم الاستعانة بالفلكيين أو سؤالهم، ولا الأخذ بعلومهم ولا مصطلحاتهم.

وهذه المقولات تحتاج إلى وقفات :

الوقفة الأولى : طبيعة علم (الأهلَّة) :

عند النظر في تعريف الموضوع محل النقاش نجد أنَّ (الهلال) هو: أحد مراحل عمر القمر خلال مسيره حول الأرض.

فـــ (الهلال) و(القمر) وحركة القمر حول الأرض ونحو ذلك: أمورٌ فلكية بحتة، والمرجع فيها لعلماء الفلك.

وهي مسألة تختلف عن (إثبات الصيام) أو (إثبات العيد) فهي مسائل شرعية، والمرجع فيها لعلماء الشرع.

الوقفة الثانية : المشهود به :

حين يتقدَّمُ شاهدٌ لتسجيل شهادته على رؤية هلال الشهر، فإنَّ هذه الشهادة تتضمَّن الشهادة على :

1 – مكان رؤية الهلال في السماء شرقًا أو غربًا، شمالاً أو جنوبًا.

2 – تقدير ارتفاعه عن الأرض.

3 – تقدير بعده عن الشمس.

4 – التفريق بينه وبين الكواكب الأخرى.

5 – شكل قوس الهلال الذي يختلف بين أول الشهر وآخره.

6 – ذكر ظروف وجوده في السماء بالنسبة للشمس ومن غرب قبل الآخر.

7 – ذكر مدة بقاء الهلال بعد غروب الشمس.

وغير ذلك من أمور تتعلق بصحة الشهادةِ ودقتها.

والحديث في هذه الأمور وإن كان متاحًا ومعروفًا للعديد من الناس  ومنهم علماء الشرع إلا أنَّ الحديثَ عنها بشكلٍ علميٍ منضبطٍ، وبيان الصحيح من الخطأ، أو احتمال اللبس: لا يكون إلا لأصحاب التخصص، وهم أهل الفلك.

الشهادة على الفلك أخطر من الشهادة على بقية الأمور :

من المعلوم أنَّ القاضي يتحرَّى جميع ما يقوله الشاهد في مختلف القضايا: المالية، والجنائية، والأخلاقية، ويناقشه فيها، وكثيرًا ما يستعين بأهل الاختصاص كالأطباء، وخبراء الأدلة الجنائية للتأكد من أقواله، ومناقشته، وكل ذلك حفاظًا على أرواح الناس وأموالهم أن يحدث فيها خطأ، أو تعدٍ.

وهذا ما ينبغي أن يكون الأمر عليه في التعامل مع أمور (الأهلة) و(إثبات الشهور القمرية)، بل إنَّ الشهادة على أمور (الأهلة) أخطر؛ لما يلي :

1 – الشهادة على الدماء والأموال والأعراض: غالبًا ما تكون فردية، والخطأ فيها محصورٌ بعددٍ قليلٍ من الأفراد. أما الخطأ في موضوع (الأهلة) فهو أمرٌ عام شاملٌ لجميع الناس.

2 – الخطأ في أمور الدماء والأموال والأعراض : ليس من الأمور العظيمة على مستوى الأمة، ولا يترتب على الخطأ فيها الخطأ في العبادات.

أما موضوع (الأهلة) فو مرتبطٌ بعباداتٍ وشعائر عظيمة من شعائر الإسلام، والخطأ فيها خطأ في هذه الشعائر.

3 – الخطا في أمور الشهادة الأخرى: خطأ في حقوق بعض العباد.

أما الخطأ في أمور (الأهلة) فهو خطأ في أمور تتعلق بصحة عددٍ من أركان الإسلام.

ولا يصحُّ لأحدٍّ أن يُهوِّن الأمر بالاستشهاد بقول الرسول : (صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ) ويقول: الأمر واسع: فإن أخطأ الناس فإنَّهم غير مؤاخذين، وصيامهم وإفطارهم صحيح.

فالحديث يتكلم عن الخطأ إذا وقع بعد اجتهادٍ وبحثٍ وبذلٍ للأسباب، أما إن وقع الخطأ دون بحثٍ أو بذلٍ للأسباب: فإنَّ الشخص يأثم، وقد تبطل عبادته، كمن صلى لغير القبلة دون أن يتحرى، أو تيمم دون أن يبذل الأسباب لطلب الماء.

الوقفة الثالثة : استعانة أهل العلم بخبراء العلوم الأخرى :

ومما يؤكِّد ضرورة استعانة الفقهاء والقضاة بعلماء الفلك : أنَّ هذا هو المتَّبع من هيئات الإفتاء واللجان الشرعية في مختلف مجالات الحياة، كالاستعانة بخبراء الطب، والاقتصاد عند بحث الموضوعات الشرعية ذات الارتباطات الطبية أو الاقتصادية.

ويقتضي القياس الاستعانة بعلماء الفلك في موضوعات (الأهلة) سواء في تحرير الألفاظ والمصطلحات العلمية ذات الصلة بالموضوع، أو في التأكد من شهادة الشهود.

لكن الواقع يشهد بغير ذلك لأسباب عديدة سبقت الإشارة إليها في مقالات سابقة، ومن أهمها:

1 – عدم معرفة أهمية هذا العلم وتصور مدى حاجة المسلمين إليه، وفائدته لهم.

2 -  النظر للفلك والفلكين بنظرة جائرة بناء على تراكمات ثقافية مختلفة الأسباب.

3 – عدم الثقة في أقوالهم وعلمهم.

4 – الظن بأنه لا ارتباط بين الفلك وإثبات دخول الشهور القمرية.

الوقفة الرابعة : تطبيق على بعض الألفاظ والمصطلحات العلمية في (علم الأهلة) :

يتعلق بعلم (الأهلَّة والفلك) عدد من المصطلحات الفلكية التي ينبغي لكل من يبحث في موضوع الأهلة أن يعرفها، وهي مصطلحات فلكية بحتة لاطريقة لتحريرها إلا عن طريق علماء الفلك.

ومن هذه المصطلحات:

الفرق بين (مرحلة المحاق)، و(ولادة القمر)، و(الإهلال).

وبين (وجود القمر)، و(رؤية الهلال).

وبين (استحالة رؤية الهلال)، و(صعوبة رؤية الهلال)، و(إمكانية رؤية الهلال).

وبين (حساب الرؤية)، و(حساب حركة الكواكب).

وبين (المقطوع به من علم الفلك)، و(غير المقطوع)، وغيرها كثير.

فلكلِّ مُصطلحٍ منها معنىً محدَّد، وقد يختلف الحكم في المسألة بناء على الاختلاف في المصطلح.

وللتوضيح بمثال: يستشهد العديد من الباحثين على عدم صحة تشكيك علماء الفلك بشهادة الشهود في بعض السنوات بقول ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ بِالْهَيْئَةِ يَعْرِفُونَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَنْضَبِطُ بِأَمْرٍ حِسَابِيٍّ وَإِنَّمَا غَايَةُ الْحِسَابِ مِنْهُمْ إذَا عَدَلَ أَنْ يَعْرِفَ كَمْ بَيْنَ الْهِلَالِ وَالشَّمْسِ مِنْ دَرَجَةٍ وَقْتَ الْغُرُوبِ مَثَلًا؛ لَكِنَّ الرُّؤْيَةَ لَيْسَتْ مَضْبُوطَةً بِدَرَجَاتٍ مَحْدُودَةٍ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حِدَّةِ النَّظَرِ وكلاله وَارْتِفَاعِ الْمَكَانِ الَّذِي يَتَرَاءَى فِيهِ الْهِلَالُ وَانْخِفَاضِهِ وَبِاخْتِلَافِ صَفَاءِ الْجَوِّ وَكَدَرِهِ، وَقَدْ يَرَاهُ بَعْضُ النَّاسِ لِثَمَانِ دَرَجَاتٍ وَآخَرُ لَا يَرَاهُ لِثِنْتَيْ عَشْرَ دَرَجَةً؛ وَلِهَذَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْحِسَابِ فِي قَوْسِ الرُّؤْيَةِ تَنَازُعًا مُضْطَرِبًا وَأَئِمَّتُهُمْ كَبَطْلَيْمُوسَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ بِحَرْفِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ حِسَابِيٌّ ….) (25/207)، إلى آخر كلامه.

وبقوله: (أَمَّا كَوْنُهُ يُرَى أَوْ لَا يُرَى فَهَذَا أَمْرٌ حِسِّيٌّ طَبِيعِيٌّ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا حِسَابِيًّا رِيَاضِيًّا . وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يَقُولَ : اسْتَقْرَأْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى كَذَا وَكَذَا دَرَجَةً يُرَى قَطْعًا أَوْ لَا يُرَى قَطْعًا . فَهَذَا جَهْلٌ وَغَلَطٌ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجْرِي عَلَى قَانُونٍ وَاحِدٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ….) (25/186)، إلى آخر كلامه.

لكن في الحقيقة هذا ليس دليلاً على ذلك؛ لأنَّ الكلام هنا ليس عن (الحساب الفلكي) وإنما عن مسألةٍ أخرى وهي (حساب الرؤية).

أما كلام ابن تيمية عن (دقة حساب حركة الكواكب) و(المقطوع به من علم الفلك) فهو بعد هذا الحديث بقليل، حيث يقول: (بَلْ إذَا كَانَ بُعْدُهُ مَثَلًا عِشْرِينَ دَرَجَةً فَهَذَا يُرَى مَا لَمْ يَحُلْ حَائِلٌ وَإِذَا كَانَ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَذَا لَا يُرَى وَأَمَّا مَا حَوْلَ الْعَشْرَةِ فَالْأَمْرُ فِيهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِ الرُّؤْيَةِ) (25/186).

فقد يظنُّ غير العارف بعلم الفلك وبكلام ابن تيمية أنَّ في كلامه تناقضًا: ففي الجزء الأول منه ينفي حساب الرؤية، وفي الجزء الأخير يقطع بعدم الرؤية إذا كان الهلال على ارتفاع درجة واحدة! بينما الحديث هنا عن مُصطلحين مختلفين تماماً.

ولعل هذا سبب صمت المشككين في كلام علماء الفلك عن كلام ابن تيمية هذا، مع أهميته الشديدة؛ فلعلهم لم يعرفوا الفرق بين الكلامين، بسبب عدم التمييز بين المصطلحات!

ومما يثير العجب: أنَّ ما قرَّره ابن تيمية من مئات السنين فيما يتعلق بعلم الفلك لم يخالفه فيه الفلكيون المعاصرون، مع ما شهده علم الفلك من تقدّم وتطورٍ، بل إنَّ مؤتمرات الفلكيين في العالم الإسلامي قد أقرَّت ما ذكره ابن تيمية، وضمَّنته في قراراتها، ولا يكاد يختلف معه أحدٌ منهم في كلامه في ذلك.

وجميع ما سبق يرجع إلى موضوع (التصور الفقهي) للمسائل الذي هو عمدة البحث الفقهي بشكلٍ عام، والبحث في مسائل النوازل الفقهية بشكل خاص.

فعلى من أراد الحديث أو البحث في (علم الأهلة) وما يترتب عليها من إثبات الشهور القمرية ونحوها: أن يكون عالمًا بالفلك مدركًا لتفاصيله ومصطلحاته،  أو أن يرجع فيما يحتاجه للعلماء الفلك، حتى يكون حكمه مبنيًا على تصور صحيحٍ للمسألة، ولا يكون كمن تكلم في غير فنه، فيأتي بالعجائب والمستحيلات.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: