«

»

فبراير
18

نحو توحيد المسلمين في تحديد بدايات الشهور الهلالية

تعيش الأمة الإسلامية مطلع كل شهر قمري مرتبط بعيد أو عبادة حالة من التفرقة والتشرذم لا تخفى على أحد، وهي في بلاد المسلمين مستقبحة مستشنعة، أما في أراضي غير المسلمين فهي أقبح وأشنع؛ لأن الاختلاف في الأعياد والأيام الفاضلة -وهي رمز وحدة الأمة واجتماع كلمتها- دليل على ضعفها وذهاب ريحها.

في هذا الإطار تأتي هذه المشاركة، لتنطلق من أهم أسباب اختلاف المسلمين في تحديد بدايات الشهور القمرية في عصرنا -كما يراها كاتب هذه السطور- وتدلي بما تراه سبيلا لإنهاء الفرقة وتحقيق الوحدة.

مقترحات لتوحيد بدايات الشهور القمرية

لا يخفى أن الوصول إلى حل عملي لتوحيد المسلمين في تحديد أعيادهم وأيامهم الفاضلة رهين بتوحيد جهود الفقهاء والفلكيين وأصحاب القرار، في البلدان الإسلامية وغيرها، كل من جهته ومسؤوليته، وهذه إشارات وتنبيهات تستصحب ذلك، أوردها على النحو الآتي:

أولا: لا بد من التفريق بين المختلفَين عند دراسة المسألة فقهيا، وبيان ذلك من خلال نقاط ثلاث:

أ- لا ينبغي تنزيل مسألة اختلاف المطالع على اختلاف الدول المحدثة.

إن الذين قالوا بمشروعية الاعتداد باختلاف المطالع قديما، لم يقصدوا اختلاف الدول المحدثة في عصرنا، التي يفصل فيها بين مدينتين متجاورتين، فتصوم إحداهما وتفطر الأخرى، بذريعة أنهما ينتميان لدولتين مختلفتين. وإنما نفوا وجوب نقل الرؤية من بلد إلى آخر إذا تباعدا، نظرا لتعذر وصول الخبر إلى أقطار الأرض، ولهذا اختلفوا في حد معين يفرَّق به بين من ينقل إليه وما لا ينقل إليه، ولم يقل منهم باعتماد اختلاف المطالع إلا القلة.

إذا علم هذا فإن مراعاة هذا المقصد الآن، واستحضار تلك الحال، يرفع الخلاف اليوم، ويجعل القولين معا قولا واحدا، وهو مفاد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين علق الأمر على بلوغ العلم بالرؤية، فمن بلغه العلم بها وجب عليه العمل بما بلغه، ومن لم يبلغه في الوقت المعتبر شرعا عمل بما عنده[1].

وهذا النظر السديد يقتضي أن المسلمين فيما مضى قد تختلف بدايات شهورهم بناء على المتيسر يومئذ من سبل نقل الأخبار، أما في عصرنا فإن الخبر يصل العالم كله في لحظة، فيعم العلم به المسلمين جميعا، ومن ثم يلزمهم العمل بمقتضاه، فيتوحد المسلمون في صومهم وإفطارهم وعباداتهم وأيامهم الفاضلة.

ولا مسوغ اليوم للتشبث بقول لا يمكن تنزيله في واقعنا الذي صار يحَكم الحدود السياسية في تحديد بدايات الشهور ونهاياتها، ولا يمكن معه العمل بما قرره القائلون بمراعاة اختلاف المطالع، وقد حاول العلامة ابن عبد الرازق رحمه الله تنزيل هذا القول على واقعنا، فانتهى إلى ما لا يمكن تطبيقه البتة، قال رحمه الله: “المسافة بين الناحية الشمالية من المغرب وتونس ليست بعيدة جدا، بخلاف الناحية الجنوبية منه معها فهي بعيدة جدا، وعليه فيصح النقل من الناحية الشمالية من المغرب إلى تونس، وكذا العكس، إن كان الثبوت شرعيا لا مطعن فيه، وأما النقل من الناحية الجنوبية منه إلى تونس أو العكس فلا يصح بحال، لوجود البعد جدا”[2].

فهل يشهد واقعنا بإمكان تنزيل هذا المذهب؟ا أم أن الواقع يفرض عدم النقل بين ضفة وأخرى مجاورة لها، ويلزم النقل من طرف الدولة إلى طرفها مهما تباعدا؟.

ومن هنا ندعو الفقهاء إلى دراسة المسألة من جديد في ضوء ما استحدث من حدود تنافي العمل بالقولين معا، وتستحضر التحول الكبير الحاصل في وسائل الإعلام وسرعة نقل الأخبار في زماننا، فإن ذلك كفيل بالاتفاق على توحيد المسلمين في تحديد مداخل الشهور القمرية أو تقليل اختلافهم فيها على الأقل.

ب- ينبغي التفريق بين الخلاف القديم في حكم اعتماد الحساب لإثبات الشهور القمرية والخلاف الحادث فيه.

لقد كان “الحساب” في القرون الأولى ذا خصيصتين اثنتين، أولاهما اختلاطه بالتنجيم، وأخراهما اضطراب نتائجه وعدم دقتها، وهما معا منتفيتان في الحساب الفلكي الحديث، لذا لا يسوغ القول اليوم بأن الجمهور على أن الحساب لا يعتد به ولا يلفت إليه، لأن ذلك الجمهور لم يتحدث عن هذا الحساب ولا قصده، بل ولا خطر له على بال، وإنما عنى ما كان سائدا في زمانه معلوما في أوانه. فإذا تغيرت ماهية الحساب، فلا غرو أن يتغير الحكم، يقول الحافظ أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله مؤكدا هذا المعنى في سياق حديثه عن اختلاف المطالع بين الماضي والحاضر: “فكيف يطبق قول أهل ذلك الزمان على هذا الزمان وقد قال علماء الأصول: وإذا أجمعوا على شيء ثم حدث معنى في ذلك الشيء لم يحتج بالإجماع المتقدم، لأنهم أجمعوا على معنى قد زال ووجد خلافه، وهو معنى لم يروه فكيف يجمعون عليه”[3].

إن على فقهائنا أن يوقنوا بأن الحساب الفلكي الحديث دقيق النتائج قطعي الأحكام المتعلقة بسير الأجرام السماوية، ولا يتصور وقوع تضارب بينه وبين الرصد والمشاهدة، ومما يستشهد به على ذلك ويستدل به عليه تطابق الحسابات والأرصاد المتكررة بشكل دقيق في مشاهدات لا تحصى عددا، وسنكتفي هنا بذكر مثالين مما ذكر المهندس محمد عودة شاهدين على ذلك:

- في إطار رصد الاحتجابات الفلكية من قبل الجمعية الفلكية الأردنية دلت الحسابات على أن نجم الدبران سيختفي خلف قرص القمر يوم 22 مارس 1999 في تمام الساعة التاسعة مساء وخمسة وثلاثين دقيقة وواحد وأربعين ثانية، فتم التجهيز للرصد والاستماع إلى إذاعة إشارات الوقت المبثوثة من موسكو والتي تقوم ببث رنة كل ثانية، فبقي نجم الدبران ظاهرا حتى الثانية 40 ثم اختفى مع رنة الثانية 41 خلف قرص القمر. ولقد قامت الجمعية برصد العديد من الاحتجابات الأخرى وجميعها حدثت في نفس الثانية التي دلت عليها الحسابات الفلكية.

- دلت الحسابات الفلكية على أن كسوفا سيحدث يوم 11 غشت 1999 وسيبدأ من منطقة الرصد (مبنى أمانة عمان الكبرى) في تمام الساعة الواحدة ظهرا وست عشرة دقيقة وسبع عشرة ثانية، وسينتهي في تمام الساعة الرابعة عصرا ودقيقة واحدة وواحد وعشرين ثانية، وقد تبين بالرصد أن بداية الكسوف ونهايته كانتا في نفس الثانية التي دلت عليها الحسابات الفلكية، وشهد عملية توقيت انتهاء الكسوف عدد من المواطنين، وهذا المثال دليل قاطع على دقة الحسابات فيما يتعلق بموعد الاقتران، حيث إن الكسوف اقتران مرئي[4].

 ج- لا بد من التفريق بين اعتماد الحساب لإثبات الشهر، وبين الاستعانة به للتأكد من صحة الشهادة بالرؤية.

إن القول بمشروعية اعتماد الحساب في تمحيص شهادة الشهود فرع عن القول باعتماد الرؤية أو الإكمال لإثبات بداية الشهر القمري دون غيرهما، وليس قولا بمشروعية اعتماد الحساب لإثبات دخول الشهر كما يتوهمه الكثيرون، يقول العلامة السبكي رحمه الله: “ولا يعتقد أن هذا هو الذي قدمناه من أن الحساب هل يعمل به أم لا؟ فإن ذلك فيما إذا دل الحساب على إمكان الرؤية ولم ير، هل يعتبر الإمكان أم لا؟ لإلغاء الشرع إياه، وهاهنا بالعكس من ذلك، ولا أقول بالعكس على التحقيق، لأن العكس أن يرى مع عدم الإمكان، وذلك مستحيل، وإنما المراد أن يخبر مخبر برؤيته مع عدم إمكانه، والإخبار يحتمل الصدق والكذب، والكذب يحتمل العمد والغلط، ولكل منهما أسباب لا تنحصر، فليس من الرشد قبول الخبر المحتمل لذلك أو الشهادة به مع عدم الإمكان، لأن الشرع لا يأتي بالمستحيلات”[5].

من هنا فإن مما ينبغي الاتفاق عليه اشتراط موافقة الشهادة للمقطوع به حسابيا، وإلا ردت، لا لإنكار ثبوت الشهر بها منفردة، ولكن لعدم انفكاكها عما يكذبها؛ يقول القاضي أبو بكر بن العربي: “الشاهد إذا قال ما قام الدليل على بطلانه فلا تقبل شهادته”[6]. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: “إذا شهد عندنا اثنان أو أكثر ممن يجوز كذبهما أو غلطهما برؤية الهلال وقد دل حساب تسيير منازل القمر على عدم إمكان رؤيته في ذلك الذي قالا إنهما رأياه فيه؛ ترد شهادتهما، لأن الإمكان شرط في المشهود به، وتجويز الكذب والغلط على الشاهدين المذكورين أولى من تجويز انخرام العادة”[7]. وقال ابن حجر الهيتمي: “والذي يتجه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية، وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة”[8].

إن التساهل في قبول شهادة خالفت الحساب القطعي تترتب عليه مفسدتان:

  • إثبات دخول الشهر قبل موعده الشرعي، وهذا مناف لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان:” لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين …” الحديث. وقد نص العلماء على أن الشهر ينبغي أن يدخل بيقين ويخرج بيقين، ولا يتأتى ذلك إلا بالتأكد من صحة شهادة الشهود.
  • يترتب أيضا على التساهل في قبول الشهادات تكريس حال التفرقة ودعم استمرارها ونسف كل جهد مبذول لمحاولة توحيد الأمة، إذ لا يتصور الوصول إلى نتيجة عملية إذا لم يتعامل مع الشهود بحزم يؤدي إلى التأكد من صدقه وعدم خطئه.

ثانيا: يلزم الفلكيين الاتفاق على معيار موحد موافق لما دلت عليه النصوص الشرعية:

مما يزيد من حدة الاختلافات في تحديد بدايات الشهور القمرية، عدم اتفاق الفلكيين ومعدي التقاويم على معيار موحد، يُنطلق منه لحساب موعد دخول الشهر. وقد ترتب على هذا الاختلاف أمران؛ أولهما: عدم ثقة عموم الناس في نتائج الحسابات الفلكية، ظنا منهم أنها غير دقيقة مستدلين باختلاف نتائجها. وثانيهما: قبول الشهادات الخاطئة، وذلك لوجود ما يصدقها من حسابات بعض الفلكيين الذين يحددون بداية الشهر بناء على معيار غير رؤية الهلال.

وهذا يجعلنا نذكر بمسألتين أساسيتين:

أ) إن الفلكيين متفقون على موعد الاقتران ومواعيد غروب الشمس والقمر… واختلافهم إنما هو في تحديد المعيار الواجب اعتماده لتحديد بداية الشهر الهجري.

ب) المعيار الفلكي المقبول شرعا –على ما عليه الجمهور- هو ما كان سبيلا إلى حساب إمكان رؤية الهلال، ولا يقبل أي معيار يعتمد وجود الهلال فقط، أو تأخر غروب القمر عن غروب الشمس فحسب، أو غير ذلك مما يهمل رؤية الهلال حقيقة.

وقد بذل الفلكيون جهودا مشكورة لتقديم معيار صالح لتوقع إمكان رؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري، منذ عصر البابليين إلى وقتنا الحاضر.

ومن المعايير الرائدة في عصرنا والتي يمكن أن يتوافق على واحد منها؛ معيار مرصد جنوب إفريقيا، ومعيار يالوب، ومعيار عودة، وغيرهم. وكلها معايير تعتمد رؤية الهلال سببا لدخول الشهر، وتحسب بناء على قواعد فلكية موعد الرؤية في جميع مناطق العالم، فيقع الأمر على نحو المتوقع، إلا إذا عرض عارض خارجي منع من رؤيته في المكان والزمان المحددين، لذا نؤكد على أن الحساب لا ينبغي أن يعتمد عليه وحده في إثبات دخول الشهر، لأننا مأمورون بالصوم والإفطار لرؤية الهلال، لا لمجرد إمكانها، وغاية الحساب أن يدل على الإمكان لا على الوقوع.

ثالثا: تعيين لجان تتكون من فلكيين وشرعيين تشرف على العملية برمتها.

لقد تأملت كتابات الفلكيين والفقهاء في الموضوع فاقتنعت بأن من أنجع الحلول لتقارب وجهات النظر وفهم كل فريق لطرح الفريق الآخر؛ أن يجتمعا معا في مكان واحد لمدارسة الأمر، وهو ما تم فعلا في مؤتمرات عقدت سلفا. ثم فكرت في سبل تحقيق المبتغى على أرض الواقع، فظهر لي أن ذلك يتحقق باشتغالهم جنبا إلى جنب في الميدان، بدءا من الرصد، وانتهاء بالوصول إلى نتيجة الترائي قصد تعميمها على المسلمين جميعا.

ومن هنا فإن مما أقترح على المسؤولين وأصحاب القرار في جميع الدول أن يعينوا لجنة مركزية في كل دولة، تنبثق عنها لجنتان تضم كل منهما فلكيين وفقهاء، أما اللجنة الأولى فتشرف بنفسها على مراقبة الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من كل شهر، وتتوزع على مناطق عدة تشمل جميع المدن. وأما اللجنة الأخرى فتُكلف بالاستماع إلى شهادات المترائين من عموم الناس، وتكون فروعها موزعة على كافة مدن الدولة أيضا حتى تكون قريبة من المواطنين جميعا. ثم ترفع اللجنتان بفروعهما تقارير الرصد والاستماع للجنة المركزية قصد التنسيق بين اللجان المركزية للدول المشاركة في هذا المشروع، وتلتزم كل دولة بالرؤية أينما وقعت، فتعمم الرؤية الواقعة في أي بلد على المسلمين جميعا.

إن هذا المقترح يقوم على أركان ثلاثة:

أولها: عمل الفلكيين إلى جانب الفقهاء وتشاركهما في إثبات رؤية الهلال ونفيها.

ثانيها: الاعتماد في تحديد بداية الشهر على ثبوت الرؤية موثقة غير مطعون فيها، وذلك بعدم منافاة الشهادة للحسابات القطعية.

ثالثها: لزوم تعميم الرؤية ونقلها من مكان وقوعها إلى العالم بأسره.

خاتمة: فهذه ومضات تنير الطريق نحو توحيد المسلمين في تحديد أعيادهم وعباداتهم وأيامهم الفاضلة، لا أدعي أنني أتيت فيها بالقول الفصل، ولكن مناقشة هذه القضايا في تكاملها قد يؤدي إلى نتيجة عملية مرضية، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.

وكتبه:

د. محمد نجيب العلوي المراكشي


) ينظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية: 5/375[1]

[2] ) العذب الزلال، لابن عبد الرازق: 1/152-153.

[3] ) توجيه الأنظار إلى وجوب توحيد المسلمين في الصوم والإفطار، لأحمد بن الصديق الغماري ص: 145

[4] ) ينظر الهلال بين الحسابات الفلكية والرؤية لمحمد عودة، ص: 5-6 بتصرف

[5] ) العلم المنشور في إثبات الشهور لتقي الدين السبكي، ص: 23-24

[6] ) أحكام القرآن لابن العربي: 2/297

[7] ) فتاوى السبكي: 1/220

[8] ) تحفة المحتاج: 12/223

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: