«

أبريل
20

لماذا يتأخر المغاربة في بدايات الشهور الهلالية؟

أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية يوم الاثنين الماضي تمام شهر رجب 1439هـ، لعدم رؤية هلال شعبان بالمغرب في الليلة التي أعلنت معظم الدول الإسلامية دخول الشهر، وفي الليلة الموالية ظهر الهلال كبيرا، فأثار ذلك جدلا واسعا بين المغاربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين تخلف المغرب عن الدول الإسلامية عادة أصبحت مألوفة. ويتساءل كثير منهم عن سبب هذا التأخر، وهل له ما يسوغه من الشرع الحنيف والعقل الحصيف؟ ثم هل يجب على المغاربة اتباع الإعلان الرسمي المتأخر أم ينبغي اتباع إعلان من سبقه، خاصة في شهري الصيام والإفطار؟

جوابا عن هذه الأسئلة كتبت هذه السطور، إسهاما مني في تجلية بعض ما يخفى على عموم من يخوض في هذا الموضوع بين الفينة والأخرى، والله أسأل التوفيق والسداد، ومنه أستمد العون والرشاد.

بم يثبت دخول الشهر شرعا؟

أجمع العلماء على أن الهلال إذا رئي بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري، اعتبر اليوم الذي يليه من الشهر الموالي، فإن لم ير الهلال ولا علم وجوده بأي وسيلة تعين إكمال الشهر ثلاثين يوما، وهذا صريح ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عدد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

ومن تلك الروايات ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين”[1].

وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما الخلاف في حكم إثبات دخول الشهر بالحساب الفلكي؛ وللعلماء في ذلك مذاهب، فقد جزم بعضهم بعدم الجواز مطلقا، واستند إلى الروايات المشار إليها آنفا، ولم يقبل في ذلك اجتهادا، وعضد مذهبه هذا بكونه قول عامة المتقدمين، بل هو المؤيد بكلام سيد المرسلين، حيث قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا” يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين[2]. قالوا: فهذا صريح في نفي مشروعية اعتماد الحساب لتحديد بدايات الشهور القمرية.

وممن ناصر هذا المذهب من المعاصرين ولم يقبل غيره الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، حيث قال: “إن طريق إثبات الشهر شرعا بالإهلال أو الإكمال، وإن إجماع المسلمين منعقد على عدم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور، وإن الخلاف الحاصل حادث، ثم هو ليس على إطلاقه، بل هو مقيد عند من قال به، ثم إنه وقعت في حكايته أغاليط، وإن كلمة المحققين والحفاظ على أن الخلاف الحادث في هذا شاذ، تنكبه الأئمة”[3].

وقال آخرون بمشروعية الاعتماد على الحساب، موجهين حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بأنه حكاية حال، وليس نهيا للأمة عن استعمال الحساب والكتابة. وأيضا فإن فيه نصا على العلة في اعتماد الرؤية، وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يومئذ أميين، لا علم لهم بالحساب؛ بشكل يمكن معه التوسل به إلى معرفة وجود الهلال في الأفق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باعتماد الرؤية وسيلة لتحديد بدايات الشهور، وليست عبادة مقصودة لذاتها، ومعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فحيث زالت علة العدول عن استعمال الحساب، وأمكن التوصل إلى معرفة وقت ولادة الهلال بدقة متناهية؛ تصل إلى ضبط ذلك بالساعة والدقيقة قبل وقوعها بسنين عديدة؛ زال الحكم القاضي بربط دخول الشهر بالرؤية البصرية، إذ لا معنى للعدول عن وسيلة قطعية توصل إلى المطلوب، إلى أخرى ظنية، كانت في زمن مضى هي الوسيلة المثلى لتحقيق قصد الشارع.

وهذا ما انتصر له ودافع عنه بقوة الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله في مقاله الذي أسماه: “لماذا الاختلاف حول الحساب الفلكي؟” حيث قال في مطلعه: “لا أجد في اختلاف علماء الشريعة العصريين ما يدعو إلى الاستغراب؛ أغرب من اختلافهم الشديد فيما لا يجوز فيه الاختلاف؛ حول اعتماد الحساب الفلكي في عصرنا هذا لتحديد حلول الشهر القمري لترتيب أحكامه الشرعية”.

ثم قال في ثنايا مقاله: “وما دام من البدهيات أن رؤية الهلال الجديد ليست في ذاتها عبادة في الإسلام، وإنما هي وسيلة لمعرفة الوقت، وكانت الوسيلةَ الوحيدة الممكنة في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، وكانت أميتها هي العلةَ في الأمر بالاعتماد على العين الباصرة، وذلك بنص الحديث النبوي مصدر الحكم؛ فما الذي يمنع شرعا أن نعتمد الحساب الفلكي اليقيني، الذي يعرفنا مسبقا بموعد حلول الشهر الجديد، ولا يمكن أن يحجب علمنا حينئذ غيم ولا ضباب، إلا ضباب العقول”[4].

فهذان رأيان متقابلان أولهما يرفض الاعتداد بالحساب، ويعتمد الرؤية البصرية، باعتبارها عبادة منصوصة، لا اجتهاد مع ثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يستغني الفريق الثاني بالحساب القطعي عن الرؤية البصرية، محتجا بأنها وسيلة اقترن اعتمادها بحال معينة وعلة منصوصة، فلا مسوغ للتمسك بها وقد زالت علتها.

وبين هذا وذاك مذهب ثالث، يرى ضرورة الاعتداد بالحساب الفلكي عند الحكم بدخول الشهر، دون الاعتماد عليه في إثباته، وفرق بين الاعتداد والاعتماد.

وقد أخذ هذا الفريق من النصوص المرشدة لربط دخول الشهر بالرؤية أنها مقصودة لذاتها، وأن الشهر القمري لا يبدأ شرعا بولادة الهلال ولا بوجوده في الأفق، وإنما بمرور وقت إضافي بعد الولادة والوجود؛ يرى معه الهلال رؤية بصرية. قالوا: ولو كان الأمر معلقا بوجود الهلال، لما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن التعبير به، ولنقلت الروايات عنه عليه الصلاة والسلام بلفظ:’ صوموا لوجوده، وأفطروا لوجوده، فإن غم عليكم… ‘فيكون المطلوب في زمانهم التوصل إلى معرفة وجوده بالعين الباصرة، إذ هي الممكنة، ولمن بعدهم ممن برع في الحساب به أو بأي وسيلة أخرى تثبت وجوده في الأفق، ولما عدل النبي صلى الله عليه وسلم عن التعبير بالوجود إلى التنصيص على الرؤية -وبينهما زمن- علم أن الرؤية مقصودة شرعا.

ثم لاحظوا دقة الحسابات الفلكية في تحديد وقت تولد الهلال وغروبه وعلاقته بالشمس والأرض…، فاعتدوا بذلك واعتبروه في تمحيص شهادة الشهود توقيا للخطأ في قبول شهادة تخالف الواقع، فقالوا: إن الحساب الفلكي يعتد به في النفي دون الإثبات.

وخلاصة هذا القول: أنه إذا توافقت الشهادة بالرؤية مع الحساب الفلكي، حكم بدخول الشهر؛ لثبوت الرؤية، وإذا قطع الحساب باستحالتها، وجاء من يشهد برؤيته الهلال؛ طعن في شهادته لمخالفتها الحساب القطعي، أما إذا أمكنت الرؤية فلكيا، فإنه لا يحكم بدخول الشهر إلا إذا شهد الشهود برؤيته.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي موضحا ذلك: “ومعنى الأخذ بالحساب في النفي؛ أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقا لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية، وقال: إنها غير ممكنة، لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي؛ كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال، لأن الواقع الذي أثبته العلم الرياضي القطعي يكذبهم”[5].

وقد اعترض الدكتور حمزة بن قبلان على هذا المذهب بقوله: “والسؤال أمام هذه المفارقة هو: كيف يمكن الجمع بين الثقة بالحساب حتى إننا لنرد شهادة من يزعم أنه رأى الهلال وعدم الاطمئنان لهذا الحساب وإن كان صحيحا في إثبات دخول الشهر”[6].

ثم قال في آخر مقاله: “نسأل عن الفائدة من الثقة بالحساب الفلكي في حال النفي التي يقابلها عدم الثقة في حال الإثبات، ألا يدل ذلك على أننا في قرارة أنفسنا لا نثق بالعلم الحديث حقيقة؟”[7].

ويجاب عن هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ربط الصيام والإفطار بالرؤية لا بإمكانها، والحساب لا يثبت إلا الإمكان أو عدمه، فإذا دل الحساب على عدم إمكان الرؤية بوجه قطعي ردت شهادة من ادعاها، لأنها ظنية، وإن حكم الحساب بإمكان الرؤية افتقرنا مع ذلك إلى وقوعها بالفعل، فإن حصلت فذاك، وإلا أكملنا عدة الشهر ثلاثين، كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم.

هل تعتمد الدول الإسلامية الحسابات الفلكية؟

حتى نقترب من وضع اليد على سبب تأخر المغاربة في الإعلان عن دخول الشهر القمري، يحسن بنا أن نقف على معتمد الدول الإسلامية اليوم في تحديد مداخل الشهور، وقد رأيت أن أختار نموذجين، هما: المملكة العربية السعودية، والمملكة المغربية، أولاهما تمثل السابقين بالإعلان عن دخول الشهر، والأخرى على رأس الثلة المتأخرة في اللحاق بهم.

أما المملكة العربية السعودية – ويدخل معها من يكتفي بتقليدها ويستن بإعلانها، وهم دول كثر- فإن المكلفين بالبت في مسائل رؤية الهلال بالمملكة، لا يعتدون بالحساب الفلكي، ولا يقيمون له وزنا، بل يعتبرون الاستعانة به –بله الاعتماد عليه- من التقديم بين يدي الله ورسوله، ومن مخالفة ما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عن مجاوزته؛ من الالتزام بالرؤية أو إكمال العدة.

وأما المملكة المغربية فإن القائمين على قضايا الهلال بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، يوافقون المذهب الثالث المعتد بالحساب الفلكي في النفي دون الإثبات، مؤكدين على أن العبرة بالرؤية وحدها، وإنما الحساب خادم لها وممحص للشهادة بها، وذلك غير متناف، قال العلامة ابن عبد الرازق المراكشي -مؤقت المملكة سابقا- رحمه الله: “رد الشهادة إذا دل الحساب على استحالة الرؤية، ليس منافيا لعدم اعتبار الشرع الحساب في إثبات الشهر، وذلك لأن الشهادة إنما بطلت بذلك، حيث إنها وقعت بشيء مستحيل عادة”[8].

وبهذا يتبين أن كلا البلدين يعتمد على الرؤية البصرية لا الحساب الفلكي، غير أن الفرق بينهما؛ اشتراط المغاربة في الشهادة بالرؤية عدم مخالفتها الحسابات القطعية. ومستند هذا الشرط أن الشهادة لا تقبل إلا إذا انفكت عما يكذبها، قال الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله: “والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسا وعقلا وشرعا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعا على عدم الإمكان، استحال القول شرعا، لاستحالة المشهود به، والشرع لا يأتي بالمستحيلات”[9].

من الأسبق برؤية الهلال كونا؟

رأينا أن المعتمَد في البلدين –ومعهما أغلب البلدان الإسلامية- الرؤية أو الإكمال، ونروم هنا الوقوف عند مسألة الأسبقية بالرؤية؛ أهي للبلدان المشرقية أم للمغربية؟

مما هو ثابت كونا، أنه كلما تأخر الغروب، زاد احتمال رؤية الهلال بعده، لأنه يزداد بذلك بُعدا عن نور الشمس، واستمدادا له منها، ولما كان غروب الشمس في البلاد المغربية يتأخر عنه في البلاد المشرقية، كان المغرب أولى وأحق بالرؤية من المشرق؛ فإذا رئي الهلال في مكان سهلت رؤيته في الأماكن الواقعة غربه. وهذا مسلَّم بالعقل المجرد، والعلم المجرب، وعليه نص جمع من العلماء.

قال الإمام القرافي رحمه الله: “فقد يطلع الهلال في بلد دون غيره بسبب البعد عن المشرق والقرب منه، فإن البلد الأقرب إلى المشرق هو بصدد أن لا يرى فيه الهلال، ويرى في البلد الغربي؛ بسبب مزيد السير الموجب لتخلص الهلال من شعاع الشمس، فقد لا يتخلص في البلد الشرقي، فإذا كثر سيره ووصل إلى الآفاق الغربية تخلص فيه، فيرى الهلال في المغرب دون المشرق. وهذا مبسوط في كتب هذا العلم”[10].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إن الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب، فإنه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب، ولا ينعكس؛ لأنه يتأخر غروب الشمس بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق، فإذا كان رئي؛ ازداد بالمغرب نورا وبعدا عن الشمس وشعاعها وقت غروبها، فيكون أحق بالرؤية، وليس كذلك إذا رئي بالمغرب، لأنه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد بعدا وضوءا، ولما غربت بالمشرق كان قريبا منها”[11].

ومن المعاصرين يقول الدكتور الفلكي حسن محمد باصرة: “لا يمكن أن تتم رؤية صحيحة لهلال في الجزيرة العربية، ثم لا تتم رؤيته في نفس الليل بالمغرب العربي أو بالقارة الأمريكية”[12]

هذا هو المقرر علما وعقلا، غير أن الواقع الذي نعيشه له رأي آخر، إذ نجد المشارقة دائما هم السباقين إلى الإعلان عن دخول الشهور القمرية، وهنا يطرح السؤال الآتي:

ما سبب سبق المشارقة بالإعلان عن دخول الشهر؟

قبل الخوض في الإجابة عن هذا السؤال، لك –أيها القارئ الكريم- أن تعقد مقارنة بينه وبين السؤال الذي عنون به المقال، لتجد الأمر قد عكس. فهل المغاربة فعلا يتأخرون؟ أم أن المشارقة هم من يتقدم؟ والقاعدة أن ما جاء على أصله فلا سؤال عليه، فأيهما الموافق للأصل؟

لو فرضنا أن المغرب هو المخالف بتأخره، فإن ذلك يعني أن الهلال يكون موجودا في الأفق ممكنَ الرؤية، وحينئذ لا يخلو الأمر من احتمالين: إما أن يراه المسئولون فيكتمون خبره، أو لا يروه؛ والثاني ممتنع، لكون ذلك يتكرر في أغلب السنوات، ومواقع الرصد في المملكة المغربية كثيرة جدا، وموزعة على الأقاليم جميعها، فإن غَبِي سنة انجلى أخرى، وإن خفي على فئة ظهر لمجموعات سواها.

أما احتمال كون المسئولين يكتمونه من بعد ما رأوه فبعيد جدا غير مستساغ، وذلك لما يأتي:

-          يقتضي ذلك أن يسعوا للحيلولة بين الناس وبين رؤيته، وهم منتشرون في المدن والقرى، لا يستطاع منعهم من النظر إلى السماء والتنقيب عنه، وبخاصة من قبل المشككين في إعلانات الدولة، المترقبين لفلتة تقوم دليلا على دعواهم عدمَ ضبط رؤية الهلال في المغرب، مما يجزم معه بعدم إمكان سلوك هذا السبيل.

-          وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تفتح الباب أمام المواطنين للإدلاء بشهادات من رأى الهلال، فلا يمكن والحالة هذه أن لا يراه أحد من الناس ويراه المسئولون. ولو حدث أن الناس رأوه ولم تعلن الجهات الرسمية رؤيته، لاستنكروا ذلك ولما سكتوا، وحيث إن ذلك لم يقع، علم أنه لم يثبت قط تجاهله مع وجوده.

-          ما الفائدة من تعمد التأخر عن الدول الإسلامية؟ أوَفي ذلك فضيلة تغري بالسعي إليها؟! أم أن المرغوب فيه عادة عكس ذلك؟!

لهذه الأسباب وغيرها يتضح أن المغاربة على أصلهم في إثبات بدايات الشهور بأول ظهور للهلال، فيراه الناس ويعلن عنه المسئولون.

أما لو فرضنا أن إخواننا المشارقة هم من يخالف الأصل، فيتقدمون بالإعلان عن دخول الشهر قبل وقته، فإننا نجد ذلك مؤيَّدا بكونهم يعلنون في كثير من الأحيان عن رؤية هلال لا يمكن أن يرى؛ إما لكونه غرب قبل غروب الشمس، أو لأنه لم يمر على ولادته إلا دقائق أو بضع ساعات، لا تكفي لمفارقته الشمس وتخلصه من شعاعها بوجه يُمَكن العين من مشاهدته.

ولبيان هذا وتوضيحه، يحسن بنا أن نورد بعض النماذج لشهور أعلن عن رؤية هلالها في وقت تستحيل رؤيته لعدم وجوده في الأفق أصلا، ولعلنا نكتفي بمثال واحد[13]، خشية الخروج عن القصد من هذه السطور، وليكن هذا النموذج هو شهر ذي الحجة سنة 1425 هـ.

يقول الدكتور حمزة بن قبلان عن هذا الشهر: “أصدر المجلس في هذه المرة بيانا في بداية الأمر، بين فيه أن الذين تعود على قبول شهادتهم لم يشهدوا برؤية الهلال ليلة الثلاثاء، وكان العذر أنه غم عليهم، لذلك قرر أن بداية الشهر يوم الأربعاء، إلا أن شاهدين تقدما بأنهما رأياه في تلك الليلة، وهذا ما جعل المجلس يصدر قرارا لاحقا بأن الثلاثاء هو أول شهر ذي الحجة.

وقد جاء القرار مفاجئا للجميع، ذلك أن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أصدرت بيانا بأن الهلال غاب عن أرجاء المملكة كافة قبل غروب الشمس يوم الاثنين، ويعني هذا أن رؤية الهلال مستحيلة بعد غروب شمس ذلك اليوم؛ لسبب بسيط، هو عدم وجوده في الأفق”[14].

بعد هذا الحدث -الذي يتكرر وقوعه[15]- قال الشيخ صالح اللحيدان رئيس المجلس الأعلى للقضاء في لقاء تلفزيوني موضحا –من وجهة نظر المجلس- ما وقع: “ونحن في بياننا الأخير وبياننا الأول متقيدون بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي أمرنا الله جل وعلا باتباعه في قوله جل من قائل: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، فهو صلى الله عليه وسلم أمرنا عند اختفاء القمر وتغبيته، وظهور حاجب وحصول حاجب يحجب الرؤية، أن نُعمل العدد المكمل للشهر؛ أن نتم العدة 30 يوماً، وقد فعلنا ذلك. فلما جاء ما يكشف الحقيقة ويجلي الأمر، ويثبت أن الهلال دخل ليلة الثلاثاء، عملنا بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لما تبين لنا”[16].

فأنت ترى –أيها القارئ الكريم- أن الدولة بأسرها لم تر الهلال ليلة الثلاثاء في حينه، وذلك لعدم وجوده في الأفق، فكيف يرى ما ليس موجودا أصلا؟! ومع هذا، وفي اليوم الثالث، يتقدم الشهود للإدلاء بشهادتهم على أنهم رأوه بأعينهم ليلة الثلاثاء.

والنتيجة أن شهادتهم الباطلة تقبل، ويغير اليوم المعلن عنه سلفا أنه يوم عرفة، ويصير يوم عرفة يوم عيد. كل ذلك بقول رجلين طاعنين في السن خالفا المقطوع به. ثم يُظن أن ذلك هو شرع الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم!

بناء على ما سبق فإننا نجزم بأن المملكة العربية السعودية –ويتبعها جمع من الدول- هي المسئولة عن تقدم بدايات الشهور بيوم في الغالب، إذ هي المخالفة للأصل الذي يحكم به العلم والعقل والشرع؛ من أن كل غرب أحق بالرؤية من شرقه.

والسبب في هذه المخالفة -كما يتضح بتتبع الإعلانات عن دخول الشهور لسنوات عديدة- أن المسئولين لا يستسيغون رد شهادة الشهود لمخالفتهم مسلمات علم الفلك القطعية، بدعوى أن الحساب الفلكي لا يقوم دليلا شرعيا ترد به شهادة الشهود. والحق أن الشهادة إذا عورضت بما ينقضها ردت على صاحبها.

يقول العلامة تقي الدين السبكي رحمه الله مؤكدا هذا المعنى: “ولم يأت لنا نص من الشرع أن كل شاهدين تقبل شهادتهما سواء كان المشهود به صحيحا أو باطلا…” إلى أن قال رحمه الله: “بل وجب علينا التبين في قبول الخبر، حتى نعلم حقيقته أوَّلا، ولا شك أن بعض من يشهد بالهلال قد لا يراه ويشتبه عليه، أو يرى ما يظنه هلالا وليس بهلال، أو تريه عينه ما لم ير، أو يؤدي الشهادة بعد أيام ويحصل الغلط في الليلة التي رأى فيها، أو يكون جهله عظيما يحمله على أن يعتقد في حمله الناس على الصيام أجرا، أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته، فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكى ويصير مقبولا عند الحكام. وكل هذه الأنواع رأيناها وسمعناها.

فيجب على الحاكم إذا جرب مثل ذلك، وعرف من نفسه أو بخبر من يثق به أن دلالة الحساب على عدم إمكان الرؤية أن لا يقبل هذه الشهادة، ولا يثبت بها ولا يحكم بها، ويستصحب الأصل في بقاء الشهر، فإنه دليل شرعي محقق، حتى يتحقق خلافه”[17].

ولما لم يُسلك هذا المسلك، ظهر من يواظب على الإدلاء بالشهادة على رؤيته الهلال كل سنة، فتقبل شهادتهم ويطاعون.

ومن هنا يظهر بجلاء خطأ من يستحسن الصوم والإفطار من المغاربة[18] مع المملكة العربية السعودية أو غيرها، متوهمين أنهم بذلك قد وافقوا أول بلد رأى أهلُه الهلال، وأنهم أسهموا في توحيد الأمة الإسلامية، والواقع أنهم صاموا وأفطروا لرؤية غير صحيحة، فوقعوا بذلك في خطأين مجتمعين:

أولهما: صيام يوم الشك الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه، وإفطار آخر يوم من رمضان.

ثانيهما: أنهم يفرقون كلمة المسلمين في البلد الواحد، من حيث أرادوا جمعها في العالم، بل قد يسببون فرقة داخل البيت الواحد؛ أحدهم صائم وأبوه مفطر، وأسرته ممسكة وهو في يوم عيد. ثم أين هي شعيرة الاجتماع لصلاة العيد؟!

والعقل يقتضي ضرورة الحرص على توحد أهل كل بلد، في انتظار توحد المسلمين في العالم توحدا كليا:

خذ ما دنا إن فاتك الأجل :: إن لم يصبها وابل فطل

نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرزقنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، والحمد لله رب العالمين.

  د. سيدي محمد نجيب العلوي

med.najib.alaoui@gmail.com


[1]) البخاري في كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا».

[2]) البخاري في كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكتب ولا نحسب».

[3]) بكر أبو زيد في كتابه فقه النوازل: 2/222

[4]) مصطفى الزرقا في مقال: “لماذا الاختلاف حول الحساب الفلكي؟” منشور على شبكة الانترنيت.

[5]) الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه: “كيف نتعامل مع السنة النبوية” ص:172

[6]) الدكتور حمزة بن قبلان المزيني في كتابه: “الأهلة: شهود المستحيل”، ص: 146

[7]) “الأهلة: شهود المستحيل، ص: 151

[8]) المؤقت الكبير محمد بن عبد الرازق في كتابه “العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال” :1/390

[9])أبو الحسن تقي الدين السبكي في كتابه: “فتاوى السبكي”: 1/209

[10])الإمام شهاب الدين أبو العباس القرافي في كتابه: “أنوار البروق في أنواء الفروق”:1/83

[11]) ابن تيمية في “مجموع الفتاوى”: 25/104

[12]) الدكتور حسن باصرة في كتابه: “ترائي الهلال والتقويم الهجري”ص: 84.

[13]) ينظر لمزيد أمثلة كتاب “الأهلة” لعدنان عبد المنعم قاضي، وفيه دراسة لبدايات الشهور بالمملكة العربية السعودية لمدة خمسين سنة، من الصفحة ؟؟ إلى ؟؟.

[14]) الأهلة: شهود المستحيل، ص: 99

[15]) كثيرا ما يعلن عن رؤية الهلال في وقت تمتنع فيه، غير أن المثير في هذه السنة إصدار بيانين نسخ آخرهما الأول.

[16]) نشر هذا اللقاء في صحيفة الشرق الأوسط السعودية عدد 9547 يوم 07 ذو الحجـة 1425 هـ بعنوان : “رئيس القضاء الأعلى في السعودية يكشف تداعيات الجدل حول هلال ذي الحجة”.

[17]) فتاوى السبكي: 1/209

[18]) أما من أعلن في بلده دخول الشهر فعليه الاستجابة له جمعا للكلمة وتوحيدا للصف الداخلي في انتظار نوحيد الأمة الإسلامية.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: