«

أغسطس
20

إظهار الحجة على ارتباط صوم عرفة بتاسع ذي الحجة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.

أما بعد؛ فلقد حظيت مسألة تحديد يوم عرفة لغير الحجاج هذه السنة بمناقشات وسجال، واختلط حولها الكلام وكثر القيل والقال، وأدلى بعض برأيه من غير حجة ولا استدلال، اللهم ما ترسخ في فكره مما عمل به منذ زمان فألفه، أو سمعه من أهل العلم والمعرفة، وهذا لا إشكال فيه إذا التزم مضمنَه في نفسه، غيرَ مخَطئ لمن يرى غير رأيه، أما من يدعي أنه قد ملك الصواب وغيره في ضلال، فهذا عين الزلل، ورأس الخطإ والخطل.

وليعلم القارئ الكريم أن المتقدمين من الفقهاء والمجتهدين لم يتناولوا هذه المسألة في مدونات الفقه، ولا أصدروا فيها حكما بعينها، ولعل من أسباب ذلك:

1) لم يكن متيسرا فيما مضى صيام الناس جميعا في يوم واحد، هو يوم الوقوف بعرفة، وذلك لبعد المسافات، وعدم توفر وسائل الاتصال التي تبلغ الخبر في أوانه، فلم يكن يومئذ دافع للحديث عن ذلك.

وهذا نفسه دليل على أنهم كانوا يصومون يوم عرفة بناء على رؤيتهم، من غير حاجة إلى معرفة يوم الوقوف، وإلا لزمهم الاطلاع على رؤية أهل مكة، وهو متعذر يومئذ، والتكليف به تكليف بما لا يستطاع، وهو مرفوع.

ولا يقال: إن إيقاع الصيام في يوم الوقوف لازم في الأصل، ولكن لما تعذر عليهم رُفع الحرج عنهم. لأن ذلك يعني عدم إمكان تطبيق الحكم الشرعي الأصلي قرونا عديدة، حتى ظهرت وسائل الاتصال فتحقق العمل به وأمكن تطبيقه، وهو مردود لاستلزامه عدم صلاحية التشريع للزمن الذي شرع فيه.

2) من أسباب خلو مدونات الفقه من الحديث عن هذه المسألة، اعتبار تحديد يوم عرفة من مشمولات الخلاف حول الاعتداد باختلاف المطالع وعدمه، باعتباره متعلقا بدخول شهر قمري، ينطبق عليه ما ينطبق على غيره، كالصوم والإفطار في رمضان وشوال، فلا حاجة لتخصيصه بالذكر.

ومما يدل على أنهم كانوا لا يفرقون في قضية اختلاف المطالع بين سائر الشهور، ما أورده الحافظ ابن حجر رحمه الله في ثنايا حديثه عن حوادث عام ثمان وعشرين وثمانمائة حيث قال: “وفي الثالث والعشرين من ذي الحجة وصل المبشر من الحجاج وأخبروا بالرخاء الكثير في الحجاز، وأنه نودي بمكة أن لا يباع البهار إلا على تجار مصر، وأن لا يكون البهار إلا بهارا واحدا، وأخبر بأن الوقفة كانت يوم الاثنين، وكانت بالقاهرة يوم الأحد، فتغيظ السلطان، ظناً منه أن ذلك من تقصير في ترائي الهلال، فعرَّفه بعض الناس أن ذلك يقع كثيراً بسبب اختلاف المطالع، وبلغني أن العيني شنع على القضاة بذلك السبب، فلما اجتمعنا عرفت السلطان أن الذي وقع يقدح في عمل المكيين عند من لا يرى باختلاف المطالع، حتى لو كان ذلك في رمضان للزم المكيين قضاء يوم” [إنباء الغمر بأنباء العمر: 3/350]

فهذا نص واضح دال على عدم تفريقهم في مسألة اختلاف المطالع بين شهر ذي الحجة وغيره من الشهور.

وهذا السبب الأخير هاد إلى أن الأقرب تعدد يوم عرفة، بناء على اختلاف البلدان الإسلامية في إثبات دخول شهر ذي الحجة، وهو نظير تعدد يوم عاشوراء بسبب اختلاف المطالع أيضا، رغم كونه في الأصل يوما واحدا نجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وجنده، والعمل به جار دون استشكال ولا إنكار.

ولا يشكل على هذا المعنى إلا توهم وجود ارتباط وثيق بين الوقوف بعرفة وصيام يوم عرفة، وادعاء كون الصيام مقصودا به مشاركة الحجاج فيما هم فيه من خير عميم وثواب عظيم. وهذا فيه نظر، لأن العبادتين متباينتان؛ ماهية وحكما ومخاطبا وجزاء.

وبيان ذلك أن الحاج مأمور على سبيل التأكيد والإلزام بالوقوف في مكان محدد ذاكرا داعيا مبتهلا… وله ثواب عظيم ذكر في أحاديث فضل الوقوف بعرفة، وفيها أن الله تعالى يباهي بأهل الموقف ملائكته… أما الصيام فهو مندوب لغير الحاج، ويكفر الله تعالى لهم به سنتين من صغائر الذنوب، ولم يذكر في النصوص مباهاة الله تعالى بالصائمين وهم في بيوتهم نظير ما جازى به الحجيج الواقفين.

والجامع بين العبادتين كونهما معا متعلقتين بيوم عظيم جليل القدر، يومٍ أنزل الله فيه آية إكمال الدين وإتمام النعمة، فكانت لهذا اليوم – وهو اليوم التاسع من ذي الحجة المعروف بيوم عرفة- مكانة ومنزلة في الشرع.  ولما كان المعمول به مراعاة اختلاف المطالع، حدد كل قطر تاسعه بناء على رؤيته، وأوقع فيه العبادة المتعلقة به.

ولهذا عندما يهل هلال ذي الحجة، يتحدد يوم عرفة، فيقف الحجاج فيه، ويصومه غير الحجاج، كل حسب رؤيته. وغير خاف أن تحديد الزمان سابق، والوقوف والصوم لاحقان، ولا يمكن أن يكون اللاحق محددا للسابق ومعرفا له.

إذا أدركت هذا علمت أن تعريف يوم عرفة بأنه: “هو يوم وقوف الحجاج بعرفة” غير سليم، لاستلزامها الدور، ذلك أن السائل إذا سأل: ما هو يوم عرفة؟ فكان الجواب: هو يوم وقوف الحجاج بعرفة, ثم سأل: ومتى يقف الحجاج بعرفة؟ فأجيب: في يوم عرفة، اضطره ذلك إلى طرح السؤال الأول من جديد، ثم الثاني، ثم الأول… وهكذا، فلا يتأتى تحري هذا اليوم للوقوف فيه وصيامه. ومن ثم تعين ربط يوم عرفة بتاريخه وتعريفه به.

 ثم إن ربطه بالوقوف يؤدي في حالات إلى ما لا يرتضى شرعا، ومن ذلك:

أ-  إذا ثبتت الرؤية في قُطر ما قبل بلاد الحرمين –وهذا هو الأصل المرفوع حاليا- فإن تعليق الصيام بيوم وقوف الحجاج يقتضي صيام يوم العيد، وهو محرم، فإذا ترك الصيام لذلك حُرِم الناس أجرَ صيام يوم عرفة، وهو تكفير سنتين، وإذا تكرر ذلك سنين عديدة، لم يكن لهم في هذا الفضل نصيب. وهذا غير وارد إذا اعتبر اختلاف المطالع كباقي الشهور.

ب- إذا تأخر دخول الشهر في بلد عن دخوله في بلاد الحرمين –كما هو واقع في المغرب في كثير من السنوات- لزم أن يكون بين عرفة ويوم النحر يوم “فاصل”، لأن يوم النحر يحدد برؤية البلد دون موافقة للحجاج. ثم إن فيه اعتماد معيارين مختلفين في شهر واحد. بالإضافة إلى أن ذلك “الفاصل” متردد بين كونه من التسع التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومها، وبين كونه عيدا لمجيئه بعد عرفة مباشرة.

ج- إن اشتراط تزامن الصيام مع وقوف الحجاج بعرفة، يقتضي أن لا يصوم من يوافق طلوع فجرهم غروب شمس الواقفين بعرفة، لسقوط شرط التزامن بالنسبة إليهم، وهو مردود لم يقل به أحد.

وفي ختام هذه المقالة، أدعو كافة الباحثين وطلبة العلم إلى التأني في إصدار أحكام التخطئة والاعتداد بالرأي، مع حفظ الفضل لأهل الفضل دون غلو ولا تعصب.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.

1 تعليق

  1. عبد الله شقرون says:

    أشكرك استاذي الفاضل على كل التوضيحات

اترك رداً على عبد الله شقرون إلغاء الرد

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: