«

»

ديسمبر
29

كيف يتكون الشهر القمري؟

قبل أن يبدأ الباحث في مسألة إثبات الشهر القمر شرعيًا لا بد أن يكون عنده تصور عن كيفية بداية الشهر فلكيًا، وما العوامل التي تؤدي إلى تجدُّد هذه السُّنة الكونية شهريًا.

المسألة الأولى: الكواكب المؤثرة في بداية الشهر القمري:

يتكون الشهر القمري من مجموع حركات كل من: الشمس، والقمر، والأرض؛ لذا لا بد من التعرف على هذه الكواكب الثلاثة بشكل مختصر يتناسب مع طبيعة هذه المقالات.

أولاً: حركة الشمس:

للشمس عدة حركات:

  1. حركتها حول نفسها: بدورانها حول محورها من الشرق إلى الغرب، ويختلف طول هذا الدوران باختلاف مكان حساب الدوران بسبب طبيعتها الغازية؛ لذا فإنَّها لا تدور بشكلٍ متماسك، بل بشكلٍ متفاوت.
  2. الحركة الظاهرية حول الأرض: والتي هي في حقيقتها حركة للأرض حول الشمس، ولكنها تظهر لنا كما لو أنَّ الشمس هي التي تتحرك وتشرق وتغرب.
  3. الحركة الحقيقية للشمس: وهي حركتان:

 أ / حركة الشمس بالنسبة للنجوم، وهي حركة بطيئة نحو كوكبة الجاثي.

ب / دوران الشمس مع بقية النجوم حول مركز مجرة درب التبانة.

فالشمس ثابتة في مركز المجموعة الشمسية، لكنها تدور حول نفسها ومع مجموعتها ضمن كواكب المجرة.

ثانيًا: حركة الأرض:

للأرض دورات:

1. دورة حول نفسها: خلال يوم كامل، وينتج عنها: تعاقب الليل والنهار.

2. دورة حول الشمس خلال سنة كاملة، وينتج عنها: تعاقب الفصول الأربعة.

3. كما أنها تدور مع المجموعة الشمسية حول المجرة.

ويتميَّز مدار الأرض حول الشمس بالعديد من الأمور، من أهمها:

أنَّ هذا المدار يتعرَّجُ صعودًا ونـزولاً أثناء الدوران، ويتحرك معها القمر أثناء ذلك التعرج، كما يتَّضح من الشكل التالي:

 

ثالثًا: حركة القمر:

للقمر ثلاث دورات:

  1. دورته حول محوره: وهي تستغرق حوالي (27) يومًا.
  2. دورة القمر حول الأرض، وهي نوعان:

أ / دورة نجمية: وهي المدة التي يستغرقها دوران القمر حول الأرض نسبةً لنجمٍ ما، وهي تساوي (27.321) يومًا.

ب / دورة اقترانية: وهي المدة التي يستغرقها دوران القمر حول الأرض نسبة إلى الشمس، ومدتها (29.530588) يومًا.

وتكون حركة القمر حول الأرض من الغرب إلى الشرق.

  1. دورة القمر حول الشمس: حيث يدور القمر مع الأرض أثناء دورانها حول الشمس.

فلك القمر:

حركة القمر حول الأرض ليست حركة دائرية مغلقة الاستدارة كما هو حال حركات بقية الكواكب، بل هي حركة تأخذ عدة أشكال تبعًا لتوزعه بين جاذبيته للأرض وللشمس، ويمكن توضيحه كما يلي:

1_ يواجه القمر الأرض بشكل مباشر وهو يتحرك أمامها بشكل دائم على شكل موجات ارتفاعًا وانخفاضًا، وأثناء حركته الصاعدة يرتفع فوق مستوى الأرض، وأثناء هبوطه ينخفض دون مستوى الأرض.

وأثناء تحركه هذا يتحرك مع الأرض حول نفسها، ومعها حول الشمس، فيصعد ويهبط عن مستوى الأرض أثناء حركته الشهرية حولها، ويصعد ويهبط مع الأرض أثناء حركته مع الأرض حول الشمس، كما يتضح من الشكل التالي:

  

 2_ بسبب سرعة دوران الأرض حول نفسها بأسرع من دوران القمر معها فإن القمر يواجه جانبًا من الأرض لنصف الشهر، ثم يواجه الوجه الآخر من الأرض خلال النصف الثاني من الشهر.

3_ خلال تحرك القمر هذا فإنَّه يكون في أوقاتٍ ما أقرب إلى أجزاء من سطح الأرض منه، مما يجعل رؤيته أوضح من رؤيته في مناطق أخرى، فيبدو القمر في بعض المناطق وبعض الفصول كبير الحجم جدًا، وخاصة المناطق القريبة من خط الاستواء.

4_ يُشرق القمر على الأرض من ناحية الغرب إلى الشرق؛ لذا فإنَّ فُرص رؤية القمر _بكافة مراحل عمره_ في مناطق غرب الأرض أكبر بكثير من فرص رؤيته في شرق الأرض، وإن رُؤي في شرق الأرض فحتمًا سيُرى في غربها، والعكس غير صحيح: فإن رُؤي في غرب الأرض فليس بالضرورة أن يُرى في شرق الأرض.

وهنا ينبغي التنبيه على أمر: وهو أنَّ عدم رؤية الهلال لا تعني بالضرورة عدم وجود القمر في السماء؛ لأنَّ القمر يعكس نور الشمس فيمكننا أن نراه، وقد يكون موجودًا في السماء نهارًا لكن لا نستطيع رؤيته بسبب ضوء الشمس القوي، فالقمر لا يشرق دائمًا ليلاً ولا يغرب دائمًا نهارًا، ويختلف وقت شروقه باختلاف أطواره:

أ / فعندما يكون القمر (محاقًا) فإنَّه يُشرق مع الشمس ويغرب معها تقريبًا.

ب / وعندما يكون (تربيعًا) فإنَّه يُشرق عند منتصف النهار ويغرب عند منتصف الليل تقريبًا.

ج / وعندما يكون (بدرًا) فإنَّه يُشرق مع غروب الشمس ويغرب مع شروقها.

د / وعندما يكون (هلالاً جديدًا) فإنَّه يُشرق بعد شروق الشمس بقليل، ويغرب بعد غروب الشمس بقليل.

المسألة الثانية: دخول الشهر القمري:

يدخل الشهر القمري على الأرض بعد حصول الاقتران، فما المقصود به؟

المقصود بالاقتران:

وقوع الشمس والقمر والأرض على خطٍ واحد بحيث يكون القمر واقعاً بين الأرض والشمس، ويسمى القمر في هذه الحالة (محاقاً) إذ يكون في أكثر الأطوار عتمة ويكون نصفه المظلم باتجاه الأرض.

والاقتران هو لحظة كونية واحدة في بالنسبة لجميع أنحاء الأرض، ولا تختلف فيها أقوال الفلكيين أو حساباتهم؛ فهي من السنن الكونية الربانية في تسيير هذا الكون.

الإهلال:

يبدأ الشهر القمري الجديد فعليًا بعد انفصال القمر عن الشمس بعد هذا (الاقتران)، وذلك عبر الخطوات التالية:

أ / اقتران الشمس بالقمر ووقوفهما مع الأرض على خطٍ واحد قبل غروب الشمس.

فلا بد أن يصل القمر لمرحلة (المحاق) أولا، حتى يمكن رؤية (الهلال) فيما بعد، لذا فإنَّ من زعم أنَّه رأى الهلال قبل مرحلة (المحاق) من أيام الشهر فإن قوله لا يقبل، وهذا أمرٌ بدهي حتى إن إعلانات المحاكم الشرعية لتحري رؤية الهلال لا تكون قبل هذه المرحلة.

ب / افتراق القمر عن الشمس بعد الاجتماع، وهي مرحلة الإهلال.

ج / أن يحدث هذا (الاقتران) ثم (الإهلال) قبل غروب الشمس.

وذلك لأنَّ التوقيت الشرعي يبدأ من غروب الشمس، فإذا حدث (الاقتران) أو (الإهلال) بعد غروب الشمس: فهذا يعني أنَّه قد حدث في اليوم التالي وليس اليوم الحالي.

د / غروب الشمس قبل القمر.

وذلك لأنَّ القمر إذا غاب قبل غروب الشمس فلا تمكن رؤيته لأنه غير موجود أصلا، فلا فائدة من البحث عنه، كما أنَّ وهج الشمس ونورها يكون قد غاب فيبدأ نور الهلال بالظهور.

فالخلاصة: أنَّ القمر يدخل في آخر الشهر في مرحلة (الاستسرار) ثم (المحاق)، ثم يحدث (الإهلال)، كما يظهر في الشكلين التاليين:

 

 

 فإذا (هلَّ) القمر فهو إيذانٌ ببداية الشهر القمري الجديد.

المسألة الثالثة: متفرقات:

1_ إذا كان (الإهلال) افتراق القمر عن الشمس بعد (الاقتران)، فما علاقة الأرض بذلك؟

مع أنَّ الافتراق حركة بين الشمس والقمر، إلا أنَّ المقصود بهذه الحركات _من اقتران وإهلال_ هو ساكن الأرض، أما من كان في الفضاء أو خارج الأرض: فتختلف هذه الأمور بالنسبة له سواء من ناحية أشكال القمر أو رؤيته، ونحو ذلك.

2_ الفرق بين (الاقتران) والخسوف والكسوف:

كثيرًا ما يطرح تساؤل عن الفرق بين (الاقتران) وبين كل من الخسوف والكسوف، خاصة إذا علمنا أنَّ الخسوف والكسوف يحدث بسبب وقوع هذه الكواكب الثلاثة على خط واحد.

 والجواب:

أن بينهما فرقًا جوهريًا يمكن بيان كالآتي:

أ_ الخسوف:

احتجاب الضوء المنعكس من القمر عن الأرض جزئيًا أو كليًا بسبب اعتراض الأرض بين الشمس والقمر، كما يظهر من الشكل التالي:   

 

ولا يحدث خسوف القمر إلا في وسط الشهر.

ب_ الكسوف:

احتجاب ضوء الشمس عن الأرض جزئيًا أو كليًا بسبب اعتراض القمر بين الشمس والأرض.   

وبما أنَّ  القمر مظلم غير منير بنفسه، وإنما يعكس نور الشمس القادم إليه: فإذا مرَّ أمام الأرض حجب نور الشمس عن الأرض فيحدث الكسوف، كما يظهر من الشكل التالي:

 

ولا يحدث كسوف الشمس إلا في أول الشهر.

 ج_ لماذا لا يحدث الخسوف والكسوف كل شهر؟

لا يتكرر الخسوف أو الكسوف كل شهر بالرغم من وقوع الكواكب الثلاثة (الشمس والأرض والقمر) على مستوى واحد كل شهر: بسبب اختلاف زاوية مستوى دوران القمر، إذ يميل مدار القمر حول الأرض عن مدار الأرض حول الشمس بمقدار خمس درجات تقريبًا، فيكون إما أعلى خط البصر أو أسفله، فلا يحدث الخسوف أو الكسوف، كما يتَّضح من الشكل التالي:

 

 أما حينما يكون القمر على خط البصر نفسه مع الشمس والأرض: يقع الخسوف أو الكسوف، كما سبق بيانه.

http://www.aleqt.com/2011/12/28/article_611237.html

1 تعليق

  1. د.محمد العميان says:

    شكرا لكم على هذه المعلومات القيمه راجيا منكم دائما الافاده

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: