«

»

يناير
02

وداعا 2011، هل كان عطاؤك (الفلكيّ) سخيا؟

في أول يوم ألتقي فيه طلبة مقرّر علم الفلك، أقول لهم إنهم مقبلون على دراسة مادة تتميز بعدد كبير من الخاصيّات، التي لا توجد في أيّ علم آخر، منها: أ) أنه لا يكاد يمرّ أسبوع (أو شهر على الأكثر) إلا ويأتينا اكتشاف أو تحدث ظاهرة فلكية شيّقة؛ ب) أن هذا العلم هو الوحيد المفتوح أمام الهواة كما هو للمتخصصين فيه، وأن الهواة لا يزالون منذ قرون يقدّمون مساهمات واكتشافات مهمة غالباً ما تسمى بأسماء مكتشفيها؛ ج) أن علم الفلك هو أقدم العلوم، وقد أقدمت عليه كلّ الشعوب والثقافات، بل نجد فيه اكتشافات ومساهمات  من جلّ الحضارات؛ إلى غير ذلك من الميّزات.

فمن هذا المنظور، لا نستغرب – بل يجب أن لا نتساءل – إذا كانت سنة 2011 قد قدّمت اكتشافات وأحداثاً فلكية ملفتة للانتباه؛ إنما السؤال هو: هل كانت تلك الاكتشافات والأحداث تاريخية، أم عادية مثلما يأتينا بها أيّ عام من الأعوام؟…

أولا، جاءنا عام 2011 بمجموعة من الأحداث والظواهر، نذكر منها سريعا: كسوفات وخسوفات، بعضها كان مرئيا من منطقتنا العربية (يوم 4 يناير، يوم 15 يونيو، يوم 10 ديسمبر)، زخات شهب، مذنبات جديدة (بعضها، مثل “غاراد”، كان شيّقا للهواة، وبعضها، مثل “إيلينين”، أثار زوبعة من الجهل!)، مرور ’كويكبات/نيازك‘ قرب الأرض (على مسافات “قصيرة”)، ولا ننسى عودة النشاط الشمسي بعد تأخّر مؤرّق، مصحوبة بربط غير صحيح مع الأزمة الاقتصادية/المالية العالمية (كما تناقلت تعليقاتها بعض وسائل الإعلام العربية والعالمية)…

إضافة إلى كلّ هذا، لا ننسى أن نذكّر بأن جائزة نوبل للفيزياء لهذا العالم قُدّمت لاكتشاف تسارع التوسّع الكونيّ (الاكتشاف الذي تمّ سنة 1998).

آه، وكدت أنسى اكتشاف قمر آخر لبلوتو (الكوكب القزم “المظلوم”)، وهو اكتشاف لا يكاد يذكر لولا الهالة الخاصة التي يحظى بها بلوتو (للأسباب المعروفة)، إذ كانت لبلوتو 3 أقمار معروفة قبل هذا: كارون الشهير (قطره يزيد عن 1000 كيلومتر)، ونكس وهيدرا (قطركل منهما بين حوالي 30 و110 كم)، بينما القمر الجديد، الذي سمّي P4 (لاحظوا الاسم الذي يدلّ على قلة أهمية هذا الجرم)، وهو ذو قطر يتراوح بين 13 و 34 كم!

والآن إلى أهمّ اكتشاف فلكيّ، والذي لا أعتقد أن أحدا سيجادل في أنه تلك الكواكب التي أُعلن عن اكتشافها في أواخر 2011: أولا كوكب Kepler-22b  الواقع في “المنطقة القابلة للعيش” حول نجم أصغر وأبرد قليلا من شمسنا، وثانيا كوكبا Kepler-20e و Kepler-20f، حيث الأول أكبر قليلا من الأرض والثاني أصغر قليلا منها  ولكنهما يدوران (مع 3 كواكب أخرى أكبر منهما) في مدارين جدّ قريبين من نجمهما (بدورتين تدومان 6 أيام و20 يوما تقريبا، أي أقل بكثير من مدة (سنة) في حالة التواجد في “المنطقة القابلة للعيش”). وقد قدّرت درجة حرارة هذين الكوكبين بأكثر من 700 و400 درجة مئوية، على التوالي.

هل هذان الاكتشافان “تاريخيان”؟ هنا يجب التدقيق في الحديث ومعرفة ما تمّ في هذا المجال حتى الآن، فبسبب نوعية التقنيات المستخدمة ومحدودية الأجهزة التي كانت لدينا قبل إطلاق التلسكوب الفضائي “كبلر” (في مارس 2009)، لم يكن بمقدورنا اكتشاف إلا الكواكب الكبيرة والقريبة من نجومها (حيث مدة دورتها حول نجمها أقلّ من شهر)، لكن مع تطوّر التقنيات وقدرات الأجهزة ومع “كبلر” فقد تزايد عدد الكواكب المكتشفة حول نجوم أخرى غير شمسنا إلى أكثر من ألف، بل تم اكتشاف عدد غير قليل من “المجموعات الشمسية” والكواكب الملفتة للنظر، أي تلك التي يقرب حجمها من حجم الأرض (بحيث يتوقع أن يكون لها غلاف جوي “مناسب”) أو تقع على مسافات “معقولة” من نجومها.

ورغم أن أحدا من تلك الكواكب الثلاثة الأخيرة لا يلبّي شروط اعتبار كوكب ما أرضا كأرضنا بدرجة حرارة متوسطة ليكون الماء سائلا، وبغلاف جوي ذي ضغط متوسط، ومدة دوران “مناسبة” حول النجم، وهي الشروط لوجود حياة مثيلة لما على الأرض، فإنّ اكتشاف هذه الكواكب الأخيرة قد استقبل ببهجة كبيرة من طرف الفلكيين والمعلّقين؛ إذ يبدو أنّ اكتشاف “أرض” أخرى بات مسألة وقت فقط. وربما سنعلّق خلال هذه السنة (2012) على اكتشاف كوكب مثيل لكوكبنا.

أما كيف سيكون أثر ذلك الاكتشاف في فكرنا وفهمنا للكون ولمكانتنا فيه، فلذاك مقالٌ آخر.

إذن، إلى 2012 وما في جعبته…

6 تعليقات

  1. Samer Hakawati says:

    شكرا أستاذ نضال على المقالة والمعلومات المتضمنة فيها ، لكنك ذكرت أن هناك مادة تدرسها اسمها علم الفلك في الجامعة ، والسؤال هو أين هي هذه الجامعة وماهو التخصص الذي يسمح لنا أن ندرس مثل هذا العلم . مع الشكر الجزيل

    سامر الحكواتي

    دبي

    الإمارات العربية المتحدة

    00971502871458

  2. نضال قسوم says:

    السلام عليكم أخي سامر،

    شكرا على تواصلك واهتمامك.

    في الجامعة الأمريكية بالشارقة كما في كثير من الجامعات في المنطقة، يدرس مقرر “مدخل الى علم الفلك”، وهو مسح عام لما في الكون من أجرام وظواهر، مع التأكيد لا على “المعلومات” (حجم هذا، مسافة هذا عن ذاك) ولكن على الأسباب الفيزيائية وراء كل ما نشاهد وفهم خاصيات الأجرام والمجموعات.

    ليس عندنا برنامج أو منهج كامل لتدريس علم الفلك مادة مادة وتخريج طلبة بشهادات في هذا المجال.

    في المنطقة، جامعة الملك عبد العزيز في جدة كانت تخرج فلكيين (لست أدري إن ما زالت)، وجامعة البحرين لديهم تخصص ثانوي (Minor) في الفلك، وربما بعض الجامعات الأخرى.

    هذا الموضوع (عزوف الأمة عن علم الفلك، وعزوف الطلبة والمجتمع عن العلوم) يحتاج الى نقاش مطوّل.

    والسلام

  3. Samer Hakawati says:

    شكرا أستاذ نضال على الرد وأرجو أن يعود العرب إلى حب العلم والاهتمام به بدلا من الاهتمام بالأشياء غير المفيدة.
    لكن عندي سؤال أستاذ نضال: هل بإمكاني حضور هذا المقرر فقط في محاضراتك في الجامعة ؟.
    مع الشكر

  4. نضال قسوم says:

    شكرا لك، أخ سامر.

    أعتقد أن الجامعة مبدئيا لن ترحب بحضور الناس مقررات بدون دفع رسوم الدراسة، لكن إذا كان الحضور من حين لآخر، فربما لن يعترض أحد. وطبعا هناك المحاضرات العامة، ويمكننا إضافتك لقائمة “أصدقاء (قسم) الفيزياء” إذا أرسلت لي رسالة إلكترونية.

    والله الموفق

  5. samer hakawati says:

    شكرا أستاذ نضال

    أشعر بالسعادة الغامرة إذا قبلتموني بمجموعة أصدقاء الفيزياء وأكون شاكرا لك

    في الحقيقة أنا أرغب في الحضور في مثل هكذا محاضرات ولو أن الأمر اقتضى دفع رسوم للجامعة من أجل حضور هذا الكورس ، لكنني الآن في البحرين وسأعود في مطلع فبراير ان شاء الله وسأحاول التواصل معك أستاذ نضال من أجل هذا الموضوع .

    مع الشكر الجزيل وأتمنى لك دوام التوفيق والنجاح

  6. zina fadl says:

    السلام عليكم د.نضال قسوم .. انا طالبه انهيت دراستي الثانويه ,, انا احب علم الفلك جدا واتمنى ان ادرسه في جامعه معترف بها لاحقق حلمي,, اريد التواصل معك لاعرف كيف يكنني ان ادرسه في الجامعه الامريكيه بالشارقه,, ارجو منك المساعده .. وشكرا

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: