«

»

يناير
31

مطالع الشمس والأحكام المترتبة عليها

حركة الأرض والشمس:

سبق الحديث عن كل من حركة الأرض والشمس، ومما ذكر باختصار:

1_ تدور الأرض حول نفسها في فترة يوم كامل.

2_ وأثناء دورتها حول نفسها تدور حول الشمس.

وينتج عن هذه الحركة: الليل والنهار، وبتعاقب الليل والنهار تتكون وحدة زمنية هي (اليوم).

3_ خلال هذه الحركة يظهر لنا أنَّ الشمس هي التي تدور حول الأرض، وهو ما يُعرف بـ (الشروق) و(الغروب).

ملحوظات حول الشروق والغروب:

1_ بالنظر إلى حركة دوران الأرض حول نفسها نجد أنَّ الشمس تُشرق على الأرض من جهة المشرق شيئًا فشيئًا؛ بحيث يتتابع شروقها كل لحظة، فيكون لها في كل لحظة شروقٌ جديد، وبداية جديدة لليوم في مكانٍ ما على الأرض.

فإذا بدأ اليوم: فإنَّ ذلك يكون لجميع الأرض، والفرق في بدايته بين بلدٍ وآخر بسبب فارق التوقيت بين البلدان، وأقصى مدى لبداية اليوم بين بلدين يكون اثنتي عشرة ساعة، فإذا دخل يوم السبت في على شرق الأرض: فقد دخل يوم السبتِ على جميع الأرض، مع مراعاة فارق توقيت بدايته.

وهذا الاختلاف في مواعيد شروق الشمس يمكن أن يطلق عليه اسم (مطالع الشمس)، باعتبار أنَّ كل شروق هو مطلع جديد.

2_ يعد اليوم وحدة زمنية متكاملة تمتد لـ (24) ساعة.

3_ يتعلق باليوم عبادات للمسلم تتمثل في: أداء خمس صلوات كل يوم وليلة، وصيام يوم كامل من أيام رمضان، فلا يجوز أن يمضي يوم (24 ساعة) إلا ويصلي فيه المسلم خمس صلوات، وإذا كان هذا اليوم من رمضان: فلا بد أن يصوم فيه.

4_  بسبب طبيعة محور دوران الأرض حول الشمس البيضاوي غير المتساوي، وميل محور الأرض: يضطرب طلوع الشمس وغروبها في بعض المناطق:

أ / يطول الليل أو النهار في بعض المناطق على الأرض مما ينتج عنه تداخل بين أوقات بعض الصلوات: كاتحاد غياب الشفق _وهو وقت صلاة العشاء_ مع طلوع الفجر.

ب / كما أنَّ هناك مناطق في أقصى شمال الأرض وأقصى جنوبها (القطب المتجمد الشمالي والجنوبي) لا ينتظم فيها طلوع الشمس أو غروبها كل يوم كما هو الحال في بقية أنحاء الأرض، فيحدث أن تطلع الشمس على أجزاء من الأرض شهورًا عديدةً لا تغيب، وتشرق على أجزاء أخرى عديدة فلا تغيب، وينتج عن ذلك ليلٌ أو نهارٌ يمتدُّ لعدة أشهر، فتغيب العلامات الطبيعية لبدء اليوم ونهايته.

وتُسمى تلك البلدان بـ (البلدان ذات الدرجات العالية): أي البعيدة عن خط الاستواء شمالاً أو جنوبًا، إذ إنَّ درجة خط الاستواء هي (صفر) وكلما ازداد البعد عنه ازدادت درجة الخط.

 كما يُطلق على هذه البلدان اسم (البلدان غير المعتدلة)، ويُقصد بها: البلدان التي لا يتمايز فيها الليل والنهار كل أربعٍ وعشرين ساعة، أو يكون الفرقُ بين هذه الأوقات على غير المُعتاد.

ضرورة الالتزام باليوم وحدة زمنية لأداء العبادات:

مع هذا الاضطراب الحاصل في شروق الشمس وغروبها في بعض البلدان: فإنَّ المسلم مُطالَب بأن يؤدي العبادات اليومية دون تضييع، ويدل على ذلك حديث منه حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حذَّر فيه الصحابة _رضي الله عنهم_ من الدَّجال، وذَكَرَ لهم صفته، فقالوا له: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا؛ اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)رواه مسلم.

فقد فهم الصحابةُ _رضي الله عنهم_ أنَّ اليوم هو ما يشمل الليل والنهار والذي تؤدى فيه خمس صلوات، وبالتالي: كيف يفعلون في الأيام التي لا ينطبق عليها هذا الضابط؟ وأقرَّهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفهم، ثم أجابهم عن كيفية أداء الصلوات في هذه الأيام الطويلة بقوله (اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ)، ومعناها:

إذا مضى بعدَ طلوعِ الفجرِ مقدار ما يكون بين الفجر والظهر من الأيام التي اعتدتم عليها فصلُّوا الظهر، ثم إذا مضى بعد الظهر مقدار ما يكونُ بين الظهر والعصرِ في العادةِ فصلوا العصر، وإذا مضى بعد العصرِ مقدارَ ما يكونُ بين العصرِ والمغرب في العادةِ فصلُّوا المغرب، ثم إذا مضى بعد المغربِ مقدارَ ما يكونُ بين المغربِ والعشاءِ في العادةِ فصلُّوا العشاء، وإذا مضى بعد العشاءِ مقدارَ ما يكونُ بين العشاءِ والفجرِ في العادةِ فصلُّوا الفجر، فتكونون قد أدَّيتم صلاة يومٍ من الأيام التي اعتدتم عليها.

ثم استمروا في فعل ذلك حتى تقضوا جميع صلوات ذلك اليوم الذي يكون مقدارُه مثل سنة.

وبمثلِ هذه الطريقةِ يكون أداءُ الصلواتِ في اليومِ الذي يكون مقداره مثل شهر، واليوم الذي مقداره مثل أسبوع.

حساب الوقت في البلدان ذات الدرجات العالية:

يكون حساب الوقت في البلدان التي يضطرب فيها طول اليوم أو تتداخل علاماته الطبيعية على افتراض أنَّ اليوم طبيعيٌ، وذلك بالقياس على أقرب بلاد ينتظم فيها طلوع الشمس وغروبها بناءً على خطوط الطول، فتُحدَّد ساعات النهار أو الليل تبعًا لذلك.

طريقة تقدير أوقات الصلاة والصيام في البلدان ذات الدرجات العالية: 

جاء في قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، بدورته التاسعة لعام 1406هـ، وفتوى هيئة كبار العلماء في السعودية:

يُمكن تقسيم هذه البُلدان إلى ثلاث مناطق:

المنطقة الأولى:

وهي التي تقع بين خطي العرض (45) شمالاً وجنوبًا، وتتميز فيها جميع العلامات الظاهرية للأوقات في أربع وعشرين ساعة، طالت الأوقات أو قصرت.

المنطقة الثانية:

وتقع ما بين خطي عرض (48) و (66) شمالاً وجنوبًا، وتنعدم فيها بعض العلامات الفلكية للأوقات في عددٍ من أيام السنة، كأن لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ العشاء، وتمتد نهاية وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر.

المنطقة الثالثة:

وتقع فوق خط عرض (66) شمالاً وجنوبًا إلى القطبين، وتنعدم فيها العلامات الظاهرية للأوقات في فترة طويلةٍ من السنة نهارًا أو ليلاً.

والحكم في هذه المناطق كما يلي:

الحكم في المنطقة الأولى: أن يلتزم أهلها في الصلاة بأوقاتها الشرعية، وفي الصوم بوقته الشرعي من تبيّن الفجر الصادق إلى غروب الشمس عملاً بالنصوص الشرعية في أوقات الصلاة والصوم، مهما طالت الأوقات أو قصرت ما دامت متباينة عن بعضها، ومن عجز عن صيام يوم أو إتمامه لطول الوقت أفطر وقضى في الأيام المناسبة.

والحكم في المنطقة الثانية: أن يعيّن وقت صلاة العشاء والفجر بالقياس النسبي على نظيريهما في ليل أقرب مكان تتميّز فيه علامات وقتي العشاء والفجر، والمقترح خط (45ْ) باعتباره أقرب الأماكن التي تتيسر فيها العبادة أو التمييز، فإذا كان العشاء يبدأ مثلاً بعد ثلث الليل في خط عرض (45ْ) درجة يبدأ كذلك بالنسبة إلى ليل خط عرض المكان المراد تعيين الوقت فيه، ومثل هذا يقال في الفجر.

والحكم في المنطقة الثالثة: أن تُقَدَّر جميع الأوقات بالقياس الزمني على نظائرها في خط عرض (45ْ) درجة، وذلك بأن تقسم الأربع والعشرين ساعة في المنطقة من (66ْ) درجة إلى القطبين، كما تقسم الأوقات في خط عرض (45ْ) درجة.

فإذا كان طول الليل في خط عرض (45ْ) يساوي (8) ساعات، وكانت الشمس تغرب في الساعة الثامنة، وكان العشاء في الساعة الحادية عشرة جعل نظير ذلك في البلد المراد تعيين الوقت فيه، وإذا كان وقت الفجر في خط عرض (45ْ) درجة في الساعة الثانية صباحاً كان الفجر كذلك في البلد المراد تعيين الوقت فيه وبُدئ الصوم منه حتى وقت المغرب المقدّر.

وذلك قياساً على التقدير الوارد في حديث الدجّال السابق ذكره.

الصلاة والصيام في الفضاء:

  بل إن المسلم إذا كان خارج الأرض في الفضاء أو على سطح القمر: فإنَّه مطالب بأداء العبادات اليومية، بالقياس على اليوم الأرضي في تقدير أوقات الصلاة وبداية الصوم ونهايته، وبذلك جاءت فتاوى أهل العلم حديثًا، مع أنَّ الحياة تتغير في الفضاء بشكلٍ كبير، وقد يبقى الشخص مدة طويلة دون ليل أو نهار حسب ثباته أو حركته حول الأرض.

والخلاصة:

1_ أنَّ (اليوم) وحدة زمنية متكاملة، تدخل على جميع الأرض في اليوم نفسه، ويقع هذا الدخول بحسب شروق الشمس تدريجيًا، مما يسبب تفاوت البلدان في وقت حصوله.

2_ بسبب طبيعة شكل الأرض وميلان محورها ودورانها حول الشمس، فإن لشروق الشمس مطالع مختلفة، وينقسم هذا الاختلاف إلى قسمين:

أ_ ما لا يُعدُّ اختلافًا حقيقيًا، وإنما هو تدرُّج في الشروق بحسب البلدان، والحكم فيه: ثبوت الأحكام الشرعية من صلاة وصوم وغيرها بحسب توقيت كل بلد عند تحقق هذا الطلوع.

ب_ اختلافٌ حقيقيٌ في المطالع بتخلف العلامات الظاهرة لليوم في بعض البلدان، مما يسبب تداخل الليل والنهار أو طول أحدهما على حساب الآخر، والحكم فيه: عدم تغُّير الحقيقة الشرعية للوحدة الزمنية (اليوم) في تلك البلدان، وعدم إعفاء ساكنيها من الآثار المترتبة على هذه الوحدة الزمنية.

3_ يكون ضبط هذه الوحدة الزمنية في البلدان التي فيها اختلاف حقيقي في مطالع الشمس: بالقياس على المناطق التي تحققت فيها هذه الوحدة و(نقل) أحكامها بضوابط معينة.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: