«

»

فبراير
15

لماذا “نبذّر” المال في الفضاء ؟

مع إطلاق كل مهمة فضائية جديدة، وخاصة عند فشل مركبة ما (كما شهدنا مؤخّراً)، يواجهني طلبتي ومعارفي بالتساؤل التالي : لماذا نبذّر المال في مثل هذه المغامرات الفضائية في الوقت الذي يوجد فيه الكثير من الفقر والمعاناة التي يجب علينا محاولة تخفيفها هنا على الأرض؟ هذا تساؤل جيد وذو معنى ويستحقّ إجابة جيدة.

هناك العديد من الحجج التي يمكن للمرء أن يسوقها في هذا المجال.

أولاً، يجب أن نعاين عن كثب حجم “تبذير” المال في مشاريع الفضاء، ومقارنة ذلك مع نفقات البشر الأخرى. وإن اطّلعنا على ميزانيات الدول فإننا نجد أن مجموع ما تخصّصه للمشاريع الفضائية يقلّ عن 40 بليون دولار سنويا. فمثلاً،  تبلغ ميزانية “ناسا” للعام 2012 حوالى 19.5 بليون دولار (وهو ما يساوي 0.5 بالمئة من كامل ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية)، أما ميزانية “إيسا” (وكالة الفضاء الأوروبية  فبلغت 5.65 بليون دولار للعام 2011، أما ميزانية روسيا للفضاء فبلغت نحو 2.5 بليون دولار، والصين 2 بليون دولار، والهند 1.6 بليون، بالإضافة إلى مبالغ أقلّ للدول الأخرى الأصغر.

كما أنّ نفقات البشر على المشاريع الفضائية بكاملها، بما فيها الأقمار الصناعية والصواريخ والمركبات الفضائية ومئات آلاف الأشخاص العاملين في هذا المجال، تتزايد سنوياً بنسبة 1 بالمئة تقريباً.

النفقات المدمّرة !

إن هذه النفقات الفضائية ستبدو ضئيلة جدا إذا ما قورنت بالميزانيات العسكرية (أسلحة وبشر)، إذ بلغت هذه الأخيرة 1630 بليون دولار في العالم سنة 2010، حيث يمثل الجزء الأمريكي 42 % من ذلك! إن ذلك يقدر بأربعين ضعفا مما ينفق عالميا على المشاريع والأبحاث الفضائية، وتتزايد الميزانية العسكرية في العالم بنسبة 5 % كل سنة.

ولئلا يظنّ الناس أنهم ليسوا مسؤولين عن أي من ذلك (سواء التبذير في الفضاء، أو تلك الميزانيات العسكرية المخيفة)، فإنني أودّ ذكر أنواع أخرى من النفقات وهي أكثر ما تكون على المستوى الشخصيّ. ففي أوروبا (حيث تتوفّر الإحصائيات)، ينفق الناس حوالى 50 بليون دولار سنوياً على السجائر؛ والأوروبيون، الذين يشكّلون فقط 10 بالمئة من سكان العالم، ينفقون 150 بليون دولار على المشروبات الكحولية، و24 بليون دولار على أغذية الحيوانات الأليفة و200 بليون دولار على مستحضرات التجميل، و1.4 تريليون دولار على التسلية والإعلام (الموسيقى، العروض التلفازية، الإلكترونيات، الصحف والمجلات، الخ)!

ماذا عن هدر الغذاء وما تلقيه المنازل والفنادق من طعام زائد عن حاجة شرائح من المستهلكين فيما شرائح أخرى تعاني الفقر بل والمجاعة! إنها مفارقةٌ صادمة يجب أن تستوقفنا لمراجعة مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه ما نمارسه من تبذير وهدر.

وعند هذه النقطة من النقاش، عادةً ما يردّ عليّ مُحاوِريَّ بالتالي: نعم، نحن البشر فعلا نضيّع أموالاً طائلة على أشياء مدمّرة (الأسلحة، السجائر، الكحوليات)، لكن هل يعني ذلك أنه يجوز أن نرمي المزيد في الفضاء؟

حسناً، هناك طريقتان لمواجهة هذه الحجة: الأولى بتعداد الفوائد الهائلة والمنوّعة التي نتجت عن أبحاث الفضاء. في الحقيقة، لأن الفضاء ذو محدّدات مختلفة عما هو عليه الحال على الأرض بالنسبة للكثير من المشاريع، سواء أكان ذلك قمراً صناعياً جديداً أو رحلة للمريخ أو غير ذلك، فإن هناك حاجة لتطوير أدوات جديدة، وغالباً ما تكون لها تطبيقات في حياتنا هنا على الأرض.

هناك، وبدون مبالغة، مئات الفوائد العرضية التي تتراوح بين تقنيات البيولوجيا الطبية إلى الأنظمة الرقمية، ومن تقنية التصوير الى علم الروبوت، حيث وجدت استخدامات مهمة في الطب، والرصد الجويّ، والمراقبة البيئية (للكوارث البيئية)، وتقنية الاتصالات والمعلومات، والاستشعار عن بعد، والمسح، ومجالات أخرى عديدة. وما يجب تأكيده هو أن مثل تلك التطبيقات تساعد بالفعل في التخفيف من الفقر ومن المعاناة البشرية، وهو ما يطالبنا المشكّكون (في جدوى الإنفاق على الفضاء) بالتركيز عليه.

أما السبيل الآخر لمواجهة المحاججة ضدّ فكرة “إنما مشاريع الفضاء ذات إنفاق تفاخريّ ويجب على الأكثر أن تترك للدول الغنية جداً” فهو التأكيد بشكل أكبر على الهدف الثقافيّ والتعليميّ للتوجه الى الفضاء. إن السعي لمواكبة مثل هذه المشاريع النبيلة يعكس القيم الفكرية لأمة ما: فكلما تطلّعنا للأعلى أثبتنا أننا ذوو تفكير مستقبليّ وتوجه أقلّ مادية واستهلاكية. وكلما دفعت الحكومات مواطنيها للبحث عن أنواع الاكتشافات كافّة (في المجال الفضائيّ أو الأرضيّ)، زاد ميل الناس نحو المهن العلمية والثقافية وتمّ الارتقاء بالمجتمع بأكمله بمختلف الطرق.

 في أجزاء كثيرة من العالم، بما فيها منطقتنا العربية، يشعر الطلاب أن العلم صارم وصعب وبأنه غير مُجدٍ اقتصادياً مقارنةً بالمهن الإدارية والتجارية. وهنا ندرك أنه من الواجب علينا أن نفعل كلّ شيء لتشجيع أبنائنا وطلبتنا لاستثمار قدراتهم في المجالات العلمية، ليس فقط لأنها ممتعة بل ولأنها مهمة جداً. ويجب أن لا ننسى الأهمية الاستراتيجية للفضاء، حيث تتنافس القوى الكبرى في “الاستشعار عن بعد” (كثير منه تجسس).

إن تشجيع الطلبة لارتياد هذا المجال وتطبيقاته يجب أن يأتي على شكل برامج استراتيجية، حيث تستثمر الحكومات والشركات من أجل المستقبل. ويجب أن تكون الرواتب والمكافآت مجزية. لكن الأهم هو أنّ على المجتمع عامةً، والتعليم وقطاعات الإعلام خاصّة، أن تبرز صورة مشرقة لهذه المجالات وللعاملين فيها.

من المخجل أن يصعب على معظم العرب والمسلمين تسمية رائد فضاء عربيّ أو مسلم (نعم، لقد شارك بعضهم في رحلات فضائية)، وفي المقابل فإن الكثيرين يستطيعون تسمية فرق رياضية بكاملها أو طواقم أفلام سينمائية. من المؤكّد أننا بحاجة لتغيير هذا الوضع من أجل مستقبلنا ومن أجل أبنائنا.

6 تعليقات

  1. Samer Hakawati says:

    شكرا دكتور على المقالة والردود العلمية اللطيفة والخلوقة.
    جالت مرة في خاطري فكرة أحاول من خلالها دعم وصول البشر إلى المريخ لكنها كانت صعبة التحقيق بعض الشيء وغير واقعية على المدى المنظور ، فأحببت حينها أن أستقرء رأي بعض أصدقائي المقربين فكان جوابهم ( وما الفائدة أصلا من وصول البشر إلى المريخ ) فأجبته بأن سؤالك هذا كان قد طرحه الناس في الستينيات من القرن الماضي عندما حاول الروس إطلاق أول قمر صناعي فرأى الناس حينها أنه تبديد للأموال وترف علمي لا طائل له ، فنحن اليوم لانطيق ولانستطيع أن نعيش على كوكبنا الجميل بلا أقمار صناعية تزين سماءنا.

  2. mzabmoon says:

    جزاك الله خيرا أستاذنا القدير ، بعد اطلاعي على مقالكم الرائع هذا و ددت أن أضبف شيئا فيما يخص حال العالم اليوم ، أظن أن هؤلاء قد تمكنوا من كل شيء و في كل شيء يعني من اتفه الأشياء(الكحوليات، الرقص ، السينما..) إلى غاية الطب و الفيزياء و الفضاء ، بمعنى آخر أننا نعتبر ذلك إسراف في نظرنا أما هو فيحسبه شيئا ضروريا لأن كل واحد يفكر قدر ما يملك (قدر ما يحويه جيبه من دراهم) رغم أن هذا لا ينطبق على كل الدول خصوصا العربية منها فهناك من الدول من يستطيع أن يطور العلوم و يغزو الفضاء من الأموال الطائلة التي تبذر هنا و هناك فيما لا يسمن و لا يغني من جوع للأسف الشديد

    بالرغم من أن المسلمين و العرب الأوائل هم من طور و أسس قواعد العلوم التي بفضلها أصبح العالم قرية صغيرة ، فمتى يعود المجد؟ ولا أظن ذلك قريبا، لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

    و السلام عليكم

  3. أ.د. نضال قسوم
    نضال قسوم says:

    السلام عليكم،

    شكرا جزيلا لكما على التعليقين اللطيفين. يسعدني أن تكون هذه المقالات مفيدة للنقاش على الأقل.

    نعم كلما تقلص فكر الناس وتسطحت نظرتهم الى الأشياء كلما صاروا ماديين أكثر وكلما سالوا عن النفع (الفوري) لأي مشروع.

    لكن المسؤولين والحكام يفترض أن يقودوا المجتمع حقا، أي أن يذهبوا به نحو المستقبل والأعلى.

    المسألة عندي أساسها التربية والتعليم والتثقيف والتوعية، وإن شاء الله نحن نتقدم ولو ببطء. المشكلة في عالمنا العربي/الإسلامي (ككل المجتمعات المحافظة) هي أن التطور بطيء، وذلك لأن الناس لا يحبذون التغيير!

    والسلام.

  4. أمين الموسى says:

    دكتور نفسك سمحه وردودك علميه والنقاشات العلميه ثريه بالمعلومات فأنا مثلا من مقالتك هذه استفدت معلومات جيده جدا وتعلمت بماذا اجيب من يقول مافائدتنا من أكتشاف الفضاء ,وللأسف على هذه الميزانيات التي تصرف على أشياء هي أقل أهمية من العلم, وأستفدنا من الفضاء تقنيا وتكنلوجيا بشكل سريع وكبير وأتمنى أن نستفيد من هذا المجال في الطب لأننا بحاجه ماسه لنتطور طبيا أكثر وأكثر

  5. عمرو أبو حميدان says:

    أنا أعرف أن هناك العديد من الأسباب المنطقيّه جدّاً لبدء برنامج فضائي سأذكر القليل و الأوضح منها:

    1- وضع بيضاتنا في أكبر عدد من السلال: المعنى لنفترض أن كوكب الأرض أصبح غير قابل لدعم الحياه لأي سبب من الأسباب (إحتباس حراري، مذنّب عملاق أو أي سبب آخر). فإن فناء الجنس البشري كاملاً قضيّه مهمّه جدّاً. لو بدأنا بالإستكشاف و نحن في وضع الرخاء الآن. و بدأنا بتهيئة جو المريخ لدعم الحياه في ال100 سنه القادمه . سيكون بإمكان الجنس البشري الصمود كجنس بشري في حال حدوث أي كوارث غير متوقعه لكوكب الأرض. فبحوث الفضاء قضيّه مهمّه جداً لكل من يعيش على هذا الكوكب.

    2- الكثير من التطور التكنولوجي الذي تتمتع به اليوم هو نتيجة جانبيه لبحوث الفضاء سأذكر القليل منها هنا:
    – العدسات المقاومه للخدش
    - أحذية الركض
    - قنوات التلفاز الفضائيه
    - سهولة الإتصال الدولي عبر الهاتف
    - فلاتر الماء
    - أجهزة الجي بي إس.

    و هناك المزيد من الأسباب لبحوث الفضاء، بعضها لم نفكّر به بعد.

  6. البرفسور بلشة تاين says:

    دكتور نضال
    أقدر تخصصك غاية التقدير
    ولكن للأسف الشديد طرحك يدل على الارتباك وفقد الثقة بما تملكة من أسباب حقيقية للأبحاث. ولا ألومك فغالب الكتاب العرب في الحقيقة يجهلون السبب الحقيقي للهثة الغرب في أبحاث الفضاء.
    وهذا السؤال كان يشغل تفكيري حقبة من الزمن، ولكن إجابته تحتاج لمطلع على تاريخ النظريات الفيزيائية كنظرية الكم والنسبية ليعلم أن أبحاثنا على الأرض عبارة عن ألغاز فيزيائية إجابتها في الفضاء!
    وإن كنت تحتاج الزيادة في التوضيح فلا مانع لدي.
    تحياتي

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: