«

»

مارس
31

ساعة الأرض Earth Hour … أطفئوا الأنوار من فضلكم !

     في واحدة من أكبر الحملات العالمية على الإطلاق، تقوم مبادرة ” ساعة الأرض أو “Earth Hour بصفتها حملة بيئية ذات أبعاد فلكية أيضاً، وهي للسنة السادسة على التوالي آخذة في الاتساع مع انضمام آلاف المدن والمناطق والأقاليم ( ومن ضمنها دول عربية عديدة ) في القارات الخمس. أما البداية فكانت في أستراليا في العام 2007، حيث كانت الدعوة لإطفاء أنوار الكهرباء وما لا نحتاجه من أجهزة إلكترونية لمدة ساعة واحدة ( من الثامنة والنصف وحتى التاسعة والنصف مساء )، واختير الموعد ليكون في السبت الأخير من آذار/ مارس.

وتأتي هذه الدعوة الرمزية للفت انتباه المجتمع نحو الطريقة التي يمكن للجميع اتباعها للتخفيف من آثار ظاهرة الاحتباس الحراري الناجم عن الاستهلاك المفرط للوقود الأحفوري بصفته مصدراً لتوليد الطاقة الكهربائية. وقد لاقت المبادرة صدى كبيراً بدعم من جمعيات وهيئات بيئية وفلكية في معظم دول العالم، فالثقافة البيئية لم تعد ترفاً أو شأناً مقصوراً على المتخصصين، وإن لم تصل درجة الوعي بهذا الشأن للمستوى الذي تتطلبه حياتنا المعاصرة بما تمليه من تحدّيات، خاصةً مع اقتراب التعداد البشريّ على سطح كوكبنا لحاجز السبعة بلايين نسمة! تلك إذن مسألة عالمية يجدر بالمجتمعات حكومات وأفراداً ومنظمات مدنية أن تنخرط فيها.

وتنطوي مبادرة ” ساعة الأرض ” على أبعاد اقتصادية من حيث ترشيد استهلاك الطاقة الأحفورية في توليد الكهرباء، حيث يمكن وقف الهدر والذي يظهر أثره جلياً في فاتورة الكهرباء دون أن تتأثّر مكتسبات حياتنا المدنية. فالأضواء العشوائية والمفرطة لا تجلب فائدةً أو ترفيها لايمكن الاستغناء عنه بسهولة. ومن هنا جاءت جهود مؤسسات بيئية وفلكية أيضاً مثل ” منظمة السماء المعتمة الدولية International Dark Sky Association  للتوعية بشأن الممارسة الصحية في التعامل مع  الأنوار الكهربائية سواء من حيث ضبط الممارسات كماً، واستخدام المصابيح صديقة البيئة، تلك التي تكون فاعليتها مرتفعة وذات تصميم يضمن توجيه الضوء نحو المساحة والاتجاه اللازمين فلا يتبعثر في كلّ الاتجاهات وخاصة نحو السماء.

وهنا يأتي البعد الفلكيّ للحملة العالمية والتي أسعدت الفلكيين محترفين وهواة، بل وكلّ من يتوق لسماء الليل الحقيقية الخالية من التلوّث الضوئيّ، وهو شكلٌ من أشكال التلوّث لا يقلّ ضررا عن تلوّث مكوّنات البيئة الأخرى، إذ بات من شبه المستحيل أن نرى نحن بني البشر  سماء الليل كما كان يراها أجدادنا بعد أن خفتت نجومها بسبب التلوّث الضوئي فلم يعد بمقدورنا رؤية النجوم إن كان قدرها يزيد عن 2 أو 3 داخل المدن، مع أن قدرة العين البشرية تصل لرؤية القدر السادس منها لو كانت السماء ليلاً معتمة، فبات التساؤل المتعلق بإمكانية أن تصبح رؤية النجوم شيئاً من الماضي هو تساؤل يفرض نفسه!! وإذا كنّا نجتهد في البحث عن مساحات في الطبيعة للهواء النقيّ والاستجمام، فإننا بتنا أيضاً في تحدّ لنعثر على بقعة من السماء تنعم بالإعتام لتعطينا فرصة لرؤية الكواكب والنجوم والسدم بل ودرب التبّانة أيضاً. وعليه فإنّ مسألة إيجاد محميات فلكية/ ضوئية تفرض نفسها لنتمكّن من استخدام التلسكوبات البصرية في استكشاف الكون، وفي أنشطة رصدية لا يُستغنى عنها. فأين يمكننا إيجاد المواقع المناسبة إذا استثنينا أعالي البحار!

إن نظرة إلى ” العالم في الليل ” كما تصوّر الأقمار الصناعية تصيبنا بالذهول لغابات الأضواء هذه، وهي التي قد تبدو جميلة من الطائرة مثلاً ولكنها ذات آثار سيئة على النمط الحيويّ للكائنات الحية، فالتلوّث الضوئي يربك بعض أنماط التكاثر للحيوانات البحرية، ويؤثر في سلوك الطيور أثناء هجرتها إذ يختلط الأمر عليها فلا تميّز بين الأضواء الطبيعية القادمة من القمر مثلا ليلا وتلك التي تسببها أبراج الإنارات الشاهقة بل وتقع ضحية اصطدامها ببعضها. كما أن الإفراط في إنارة الشواطئ يجتذب أعداداً كبيرة من الأسماك فتقع فريسة الصيد الجائر. ولنضف لذلك اضطراب بعض أنواع السلاحف التي تخلط بين ضوء القمر الطبيعي بصفته مصدر الضوء الليليّ وتلك الأنوار الاصطناعية الباهرة!

ودعونا لا ننسى أن الأمر يؤثر في دورة حياة النبات أيضاً، ففترة الإزهار مرتبطة بالدورة الطبيعة للنور والظلام وهي تلك الدورة التي باتت مخترقة بسبب تأثير الأضواء الصناعية. ولنضف لكلّ هذا التأثير الصحيّ على الإنسان الذي تتأثّر ساعته البيولوجية ويضطرب نومه، ويتأثر نمط إنتاج الميلاتونين لديه، ويؤثر سلباً في استقراره العصبيّ.

إذن، فالتلوّث الضوئيّ ذو أبعاد متعدّدة لا يمكن تجاهلها، الأمر الذي يجعلنا ندرك أهمية نشر الثقافة الخاصة به، ولعل في اختيار معالم شهيرة سياحية وثقافية وسيلة مناسبة للفت الانتباه، حيث  تقوم الحملة العالمية لساعة الأرض على مستويين : الأول يتضمّن إطفاء الأنوار عن مؤسسات ومعالم شهيرة مثل دار الأوبرا في سيدني/ أستراليا، وبرج خليفة في الإمارات، والأهرامات في القاهرة، وبرج إيفل في باريس وغيرها من المعالم السياحية المهمة في العالم، أما المستوى الثاني فتجري الدعوة له شعبياً من خلال حملات إعلامية تدعو إليها منظمات بيئية وفلكية موجّهة للعامّة وهي غير ملزمة بطبيعة الحال. وتظلّ الحاجة ملحّة للتعامل مع مثل هذه المبادرات بما يذكّرنا بأننا نعيش على سطح كوكب واحد وأن الطبيعة هي أمّنا الأولى التي لابد من الحفاظ عليها من أي خلل ستمتدّ آثاره لامحالة لحياتنا نحن بني البشر.

 

 

1 تعليق

  1. أبوعبد الإله says:

    السلام عليكم أعجبنى الموضوع أريد من سيادتكم إعانتى على موضوع الأهلة وكل ما كتب فيها من كتب أو مقالات أو نحوها

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: