«

»

مايو
08

العمل بالحساب الفلكي في ضبط الرؤية

الحساب الفلكي الذي يمكن أن يستخدم في دعم ترائي الهلال قسمان:

القسم الأول: استعمال الحساب الفلكي في معرفة وقت تحري الرؤية:

فتحري رؤية هلال الشهر القمري الجديد لا يصح أن تكون في أي وقت من الشهر، بل لابدَّ أن تكون في وقت مُعَيَّن، وهو الوقت الذي يُتوقَّع أن يُرى فيه الهلال.

ولمعرفة هذا الوقت لابدَّ من استعمل نوعين من الحساب: الحساب العددي، والحساب الفلكي.

1_ أمَّا الحساب العددي: فلأنَّ الشهر القمريَ لا يزيدُ عن ثلاثين يومًا، ولا ينقصُ عن تسعةٍ وعشرين يومًا، فيكون تحري رؤية الهلال ليلةَ الثلاثين، فإن رُئي الهلال: فيكون اليوم التالي هو بداية الشهر التالي، وإن لم يُرَ فيكون إكمال الشهر الحالي ثلاثون يومًا، واليوم الذي بعده بداية الشهر القمري الجديد.

ولمزيد الإيضاح: لو تحرَّى شخصٌ رؤية الهلال لجديد ليلةَ سبعٍ وعشرين، أو ليلة ثمانيةٍ وعشرين لم يُقبل ذلك منه مهما كان رأيه في طريقة إثبات الشهر القمري، وَلاعتبر عمله هذا ضربًا من عدم العلم؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون الشهر القمري أقل من تسعةٍ وعشرين يومًا.

فيستفادُ من ذلك: أنَّ من شروط تحري رؤية الهلال الصحيحة: أنَّ يكون وقت التحري ممكنًا لرؤية الهلال، والإمكانية هذه تعرف بالحساب العددي.

2_ وأمَّا الحساب الفلكي: فلمعرفة وقت تحري الرؤية بالنسبة لليوم من الشهر، وللمكان الذي يُمكن أن يُرى فيه، أو المكان الذي تكون فيه فرصة الرؤية أفضل من غيرها لرؤية الهلال.

فيجب الأخذ به؛ لأن العلم به شرط لصحة تراءي الهلال.

كما أنَّ الحساب الفلكي هو الأصل للحساب العددي؛ إذ إنَّ الحكم بأنَّ طول الشهر القمري ينحصر في تسعٍ وعشرين أو ثلاثين يومًا من الناحية العددية إنَّما هو مأخوذٌ ومُستفادٌ من حقائق فلكية لا تتغيَّر ولا تتبدَّل.

والعمل بالحساب في معرفة أوقات تحري الرؤية وحث الناس على الترائي فيها أمرٌ مُسلَّمٌ به ومعمولٌ به منذ القِدَم بلا خلاف.

وممن أقرَّ العمل بهذا الحساب ابن تيمية، فمما قاله عن الهلال وإمكانية رؤيته تبعًا لارتفاعه فوق خط الأفق: “بل إذا كان بُعدُه مثلاً عشرين درجة: فهذا يُرى ما لم يَحُل حائل، وإذا كان على درجةٍ واحدةٍ فهذا لا يُرى، وأمَّا حول العشرة: فالأمرُ فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية” مجموع الفتاوى، (25/186).

ثم ذكر الأسباب التي تؤثِّر في إمكانية الرؤية، ثم قال: “وأمَّا صحةُ مُقابلته، ومعرفة مطلعه، ونحو ذلك، فهذا من الأمور التي يمكن المُترائي أن يتعلمها، أو يتحرَّاه، فقد يُقال: هو شرط الرؤية، كالتحديق نحو المغرب خلف الشمس″ مجموع الفتاوى، (25/185).

وفي العصر الحالي: تقوم المؤسسات والهيئات التي تُعنى بشؤون رؤية الهلال بإصدار التوصيات على تحري الرؤية بناءً على هذه الحسابات.

القسم الثاني: العمل بالحساب في التأكد من شهادة الشهود:

الشهادةُ على رؤية الهلال لا تخرج عن إحدى حالتين:

الحالة الأولى:

أن يحكم الحساب ويقطع باستحالتها، وذلك لعدم إمكانية الهلال المشهود به، إمَّا لأنَّه لم يقع الاقتران بعد، أو أنَّ الهلال سيكون تحت خط الأفق مثلاً.

فهنا لابدَّ من الأخذ بالحساب القطعي اليقيني، وردِّ الشهادة والحكم ببطلانها؛ لأَّنها خالفت الحق المقطوع به.

ومثلها في ذلك: كمن شهد بوقوع الكسوف في نصف الشهر، فمن المعلوم أنَّ الكسوف لا يقع إلا في آخر الشهر، قال ابن تيمية: “ومن قال من الفقهاء إنَّ الشمس تكسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط وقال ما ليس له به علم … ومن جَوَّزَ هذا فقد قَفَا ما ليس له به علم، ومن حَاجَّ في ذلك فقد حَاجَّ فيما ليس له به علم” مجموع الفتاوى، (24/257).

وقال: “لا يكون كُسوف الشمس إلا في آخر الشهرِ ليلةَ السِّرار، ولا يكون خسوف القمر إلا في وسط الشهر وليالي الإبدار، ومن ادعى خلاف ذلك من المتفقهة أو العامة فلعدم علمه بالحساب” مجموع الفتاوى، (35/175).

وهي في ذلك مثل الشهادةِ بطلوعِ الشمسِ قبل طلوعِ الفجر، وتكون هذه الشهادة إما مكذوبة، أو مُتوَّهمة.

فمن شهد بأنَّه رأى الهلالَ وقد دلَّ الحسابُ على عدم حصول الاقتران فتكون شهادته غير صحيحة؛ لأنَّ معرفة حدوث الاقتران أمرٌ قطعيٌ لا خلاف فيه.

يقول ابن تيمية: ” ومن معرفة الحسابِ: الاستسرارُ والإبدارُ الذي هو الاجتماع والاستقبال، فالناس يُعبِّرون عن ذلك بالأمر الظاهر من الاستسرار الهلالي في آخر الشهر، وظهوره في أوله وكمال نوره في وسطه، والحُسَّابُ يُعبِّرون بالأمر الخفي من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار، ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الإبدار، فإنَّ هذا يُضبط بالحساب” مجموع الفتاوى، (25/185).

الحالة الثانية:

أن يحكم الحساب بإمكانية الرؤية حتى لو مع صعوبتها: فهنا لا تُردُّ فيها الشهادة، ولو قيل بصعوبتها؛ لأنَّ الصعوبةَ أو عدم الوضوح أمرٌ غيرُ مقطوعٍ به، وهو أمرٌ نسبي، وما دامت الرؤية مُمكنة: فلا يُحكم بردِّها أو رفضها ما دامت قد استجمعت شروطها الصحيحة.

ومثال ذلك: لو شهد شخص برؤية الهلال وكان الحساب قد دلَّ على صعوبة الرؤية لكون الهلال تحت درجة كذا، أو أنَّه قريبٌ من الشمس بأقل من كذا، فلا تُردُّ الرؤيةُ بشيءٍ غير قطعي.

وقد صرَّح عددٌ من الفقهاء بنفي إمكانية تحري رؤية هلال شهر رمضان، وما يترتَّب عليها من رد شهادة من يشهد برؤية الهلال وعدم اعتبارها إذا دلَّ الحساب على استحالة ذلك.

فممن قال بذلك:

السُّبكي من الشافعية، فقد قال في فتاويه: “أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته ويُدرك ذلك بمقدمات قطعية ويكون في غاية القرب من الشمس ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسًا لأنه يستحيل، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط فالذي يتجه قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما؛ لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان والظن لا يعارض القطع فضلاً عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنٌ حسًا وعقلا وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكانِ: استحالَ القبول شرعًا لاستحالة المشهود، به والشرع لا يأتي بالمستحيلات، ولم يأت لنا نص من الشرع أنَّ كلَّ شاهدين تقبل شهادتهما سواء كان المشهود به صحيحًا أو باطلاً، ولا يترتب وجوب الصوم وأحكام الشهر على مجرد الخبر أو الشهادة”.

وقال في العلم المنشور، في إثبات الشهور: “فينظر القاضي في حال الشهود … ومحل الهلال مما يُشوِّش الرؤية، ومعرفة منـزلة الهلال التي يطلع فيها، وما يقتضيه الحساب من إمكانية رؤيته وعدمها …والإخبار يحتمل الصدق والكذب، والكذب يحتمل التعمد والغلط، ولكل منهما أسبابٌ لا تنحصر، فليس من الرُّشد قبول الخبر المحتمل لذلك أو الشهادة به مع عدم الإمكان؛ لأنَّ الشرع لا يأتي بالمستحيلات، وهذه المسألة لم نجدها مسطورةً فتفقهنا فيها ورأينا عدم قبول الشهادة، وإنَّما سكت الفقهاء عنها لأنَّها نادرة الوقوع، ولما وقعت في هذا الزمان احتجنا إلى الكلام فيها … وقد رأينا من يوثق بعقله ودينه يغلطُ في رؤيته الهلال كثيرًا …

فإذا سلمت البيِّنةُ من هذه الأمور كلها وسَلِمَ موضع الهلال من الموانعِ وحاسة الشاهد من الآفاتِ: قبلناه إذا جوَّزنا الرؤية، فإن أحلناها بدليلٍ قام عندنا لم نقبل تلك الشهادة، وحملناها على الغلط أو الكذب… لأنَّ الحساب القطعي أو القريب من القطعي على عدم الإمكان أقوى من الريبة”.

وقد اشتدَّ في الإنكار على من يرفض الحساب في هذه المسألة فقال: “قد  يحصل لبعض الأغمار والجهال توقف فيما قلناه، ويستنكر الرجوع إلى الحساب جملةً وتفصيلاً، ويجمد على أنَّ كل ما شهد به شاهدان يثبت، ومن كان كذلك لا خطاب معه، ونحن إنما نتكلم مع من له أدنى تبصر، والجاهل لا كلام معه!”.

وممن قال به من الفقهاء المعاصرين: الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، الذي علَّق على كلام السُّبكي السابق قائلاً: “إنَّ ما يدل عليه الفنُّ من استحالةِ الرؤيةِ بإجماعِ أهله يُجِبُ ردَّ تلك الشهادة؛ لأنَّه بمنـزلةِ جرحِ أولئك الشهود، ومن المُقَرِ أنَّه يؤثِّر في جرحِ الشهودِ وسقوطِ عدالتهم أقوال الجارحين وإن كانت مظنونةً غير معلومة، فكيف وهي مقطوعٌ بها كالقطعِ بأنَّ الواحدَ نصف الإثنين؟ وأنَّ العلم نور والجهل ظلمات؟

وكلُّ من شدا طرفًا من هذا الفن _فن الهيئة والميقات_ صار هذا لديه من البديهيات، ودين الحنيفية يتبعه العقل أنَّى سار، وتؤيده علومه أنَّى اتجه”.

وغيرهم كثير من أهل العلم المعاصرين.

والأدلة على هذه المسألة ما يلي:

  1. أنَّ من شروط قبول الشهادة: أن تكون منفكة عما يكذبها حساً وعقلاً، والشهادة المُخالفة لما دلَّ عليه العلم اليقيني: هي شهادةٌ دلَّ العقل والحس المبني على العلم اليقيني أنَّها غير صحيحة.

فإذا شهد شخصٌ أو _مجموعة أشخاص_ برؤية الهلال وكان الحساب القطعي يدل على عدم إمكانية رؤيته، إما لعدم ولادته، أو كونه تحت خط الأفق، أو غير ذلك، فيجب رد شهادتهم وعدم التعويل عليها.

  1. أنَّ دلالة الحساب على وقت طلوع الهلال مثل دلالته على مكان طلوعه، وشكله عند طلوعه، فلو شهد شاهدٌ برؤيته في مكانٍ لا يطلع فيه فلا تُقبلُ شهادته.

كما لو أنَّه شهد بأنَّه رآه على شكل كذا وكان كلامه خطأ فيدلُّ على أنَّ شهادته غير صحيحة، فلا تُقبل.

  1. لا يقتضي الحكم بردِّ الشهادة الحكم بكذب الشاهد، فإنَّه من خلال النظر في أقوال العديد ممن يرفضون رد الشهادة إذا خالف الحساب دعواهم أنَّ الشهود ثقات، وليس هذا محل نـزاع؛ فإنَّ قبول الشهادة أو رفضها لا يتوقف على صدق أو كذب الشاهد، بل هناك مجموعةٌ من الشروط الواجب توافرها في الشاهد، وفي الشهادة، وكيفية تحمُّلها، وكيفية أدائها.
  2. القياس على بقية الشهادات الأخرى، كالشهادات في الحدود أو الحقوق أو غير ذلك، فلو شهد شهود _ولو كانوا عدولاً_ على أمرٍ، والواقع والحس يُناقضان الشهادة: لما جاز الأخذُ بالشهادة مهما كانت عدالة الشهود أو عددهم.

ويُلحظ أنَّ الذين صرَّحوا بهذا الرأي هم من القُضاة، أو ممن كان له علاقة ومعرفة بالقضاء، مما يؤيد وجوب الأخذ بهذا الرأي؛ لأنَّه صدر عن أهل الخبرة والرأي في هذه المسألة، فهم أعلم بها وبما يتعلَّق بها.

ومن الأمثلة المُعاصرة على الإخلال بهذا الشرط:

ما أعلنه مجلس القضاء الأعلى في السعودية عن رؤية هلال شهر ذي الحجة يوم الأحد 9/12/2007م، وبناءً عليه يكون يوم الإثنين 10/12/  هو أول أيام شهر ذي الحجة لعام 1428هـ.

لكن بالنظر في المعلومات الفلكية ليوم الأحد يتبيَّن الآتي:

وقت غروب الشمس

وقت أذان العِشاء

وقت اقتران الشمس بالقمر

(5.34) مساءً

(7.04) مساءً

(8.40) مساءً

فاقتران الشمس بالقمر يحدث يوم الأحد في تمام الساعة (8.40) مساءً بتوقيت السعودية، بينما يكون أذان العشاء في حدود الساعة (7.04) مساءً، أي أنَّ اقتران الشمس بالقمر يكون بعد غروب الشمس، وبعد دخول وقت العِشاء بأكثر من ساعةٍ تقريبًا.

مما يعني أنَّ القمر لم يكن قد اقترن بالشمس أصلاً عند غروب الشمس، فضلاً عن افتراقه عنها، ثم إمكانية رؤيته، بل إنَّ اقترانه بالشمس يكون بعد غروبها بأكثر من ثلاث ساعات!.

ونتيجة ذلك: أنَّ رؤية الهلال في السعودية في ذلك اليوم هي رؤيةٌ مستحيلة؛ لعدم وجود القمر وقت الترائي، وهذا ما حكم به الفلكيون في العالم الإسلامي، ونشروا به اعتراضًا على رؤية الهلال المزعومة هذه.

مع أنَّ رؤية الهلال في غيرها من بلدان العالم في ذلك اليوم ممكنة، كمناطق غرب العالم.

http://www.aleqt.com/2012/05/08/article_654833.html

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: