«

»

مايو
10

لماذا لم تعد الأقمار الصناعية تلفت الانتباه؟

أحدث إطلاق الاتحاد السوفييتي لأول قمر صناعيّ (سبوتنك) قبل 55 عاماً هزّة قوية لدى الأمريكيين، وأدّى ذلك إلى تغييرات جذرية في برامج التعليم والبحث العلميّ ونفقات الميزانيّة في أمريكا. لقد أدرك الأمريكيون فوراً الأهمية الاستراتيجية لحيازة الأقمار الصناعية، فأنشأوا وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، وخلال 12 عاماً وطِئوا القمر…

خلال السنوات الثلاث الماضية، أطلقت الإمارات العربية المتحدة ثلاثة أقمار صناعية: “دبي سات 1″، الذي أطلق من قاعدة “بايكونور” في كازاخستان (الاتحاد السوفييتي سابقا) في 29 تموز/ يوليو 2009؛ “ياه سات 1A”، الذي تمّ إطلاقه من محطة “آريان سبيس″ الفضائية في غيانا الفرنسية في 23 نيسان / إبريل 2011؛ و”ياه سات B1″، الذي أطلق من كازخستان في 24 نيسان/ إبريل 2012. ويتوقّع إطلاق “دبي سات 2″ نهاية هذا العام، ويتم التخطيط لإطلاق “دبي سات 3″ في العام 2015.

هناك دول عربية أخرى أطلقت أقماراً صناعية، ولكن برنامج الإمارات العربية المتحدى للأقمار الصناعية يتميّز بالنشاط والسرعة، ويستحقّ الإشادة.  

لكن للأسف، باستثناء الأخبار الإعلامية المحلية والتي في معظمها لا تزيد عن نقل خبر الإطلاق ووظائف هذه الأقمار الصناعية، فإنني لم ألحظ حوارات إعلامية وثقافية واسعة كان يجدر إثارتها في المجتمع بكامله. صحيح أن هذه الأقمار ليست محلية الصنع بعد: حيث قمرا “دبي سات” 1 و2 صُنِعا في كوريا الجنوبية، وإن اشترك عددٌ كبير من المهندسين الإماراتيين في ذلك، و”ياه سات” مشروع مشترك مع شركة الفضاء الأوروبية “تاليس ألينيا”، لكنّ المسؤولين الرسميين في الإمارات العربية قد وعدوا أن يكون “دبي سات 3″ محليّ الإنتاج بالكامل.  

تُرى، هل أصبحت الأقمار الصناعية “غير لافتة للانتباه في حياتنا أم أنها أصبحت جزءاً عادياً منها؟ إن سألنا الناس عن دور الأقمار الصناعية في حياتهم، فإنّ تطبيقين اثنين سيتم ذكرهما غالباً: أولاً، مئات القنوات التلفازيّة المعتمدة على الأقمار الصناعية، أمثال عرب سات ونايل سات، وثانياً، أجهزة تحديد الموقع GPS المستخدمة في سياراتنا وهواتفنا الذكية لتحديد الطرق والاتجاهات.

في الواقع، هناك العديد من تطبيقات الأقمار الصناعية التي بدونها ستكون حياتنا أقلّ تقدّماً. فمثلا ثمة غرضان مهمّان آخران توفّرهما الأقمار الصناعية الإماراتية : التصوير والاستشعار عن بعد، وهو ما تقوم به سلسلة أقمار”دبي سات”، والاتصالات ونقل المعلومات بسرعة وهو ما يقوم به “ياه سات”.

التصوير والاستشعار عن بعد هما في غاية الأهمية لتطبيقات عديدة : الرصد الجويّ، ورسم الخرائط الأرضية والتخطيط الحضريّ، والاستخدامات الزراعية ومراقبة المناطق الصحراوية والغابات، والمراقبة العسكرية، إلخ. ويلزم لهذه الأقمار، مثل “دبي سات”، أن توضع في مدارات منخفضة (بضعة مئات من الكيلومترات فوق سطح الأرض) لتتمكّن من الدوران بسرعة فوق مناطق محدّدة وتصويرها.

أمّا الاتصالات والنقل السريع للمعلومات (وهو ما يقوم به قمر “ياه سات”) فهما أمران حيويّان في المجتمعات الاقتصادية والمعرفية المعاصرة، مع احتياجنا للتواصل وتبادل المعلومات من أيّ مكان وفي أيّ لحظة، حتى في الأماكن النائية برّاً وبحراً، مثل منصّات النفط. على سبيل المثال، فإن معظم الناس لا يدركون أنه عند سحب الأموال من ماكينات الصرّاف الآلي خلال السفر أو لدى استخدامنا لبطاقات الائتمان، فإن البنوك تحتاج لتبادل سريع للمعلومات وعلى مسافات شاسعة، وهو ما تقوم الأقمار الصناعية بتنفيذه. والأمر ذاته بالنسبة للشركة أو الزبون عندما تكون الحاجة لمعرفة مكان رسالة أو طرد مستعجل. كلّ ذلك يحتاج ” للأقمار المركزية “الثابتة بالنسبة للأرض”، وهي التي توضع في مدارات شاهقة الارتفاع (36000 كم فوق سطح الأرض)، بحيث تدور بالتزامن مع دوران الأرض (مرّة كل 24 ساعة) فتبقى شبه ثابتة فوق نقطة معيّنة من سطح الأرض.  

الأهمية الاستراتيجية

هناك العديد من التطبيقات الأخرى للأقمار الصناعية، تشمل المراقبة المستمرة لسطح كوكبنا للاستجابة السريعة لأيّ كارثة طبيعية، والبحث والإنقاذ للناس بعد وقوع الحوادث، والاستكشافات العلمية للأرض والفضاء، إلخ. ويوجد حوالى 3000 قمر صناعيّ قيد الاستخدام حالياً. وإنّ “خفاءها” بالنسبة لنا يدل على مدى اندماجها بسلاسة في واقعنا الحياتيّ.  ومع هذه الأهمية الاستراتيجية للأقمار الصناعية وتأثيرها القويّ في التطوّر الاقتصاديّ-الاجتماعيّ للدول، فإنه ينبغي أن لا يُنظر إليها على أنها “تحصيل حاصل”، بل يجب أن يتمّ التوعية بشأنها والتعريف بها وتقدير دورها. كما قلت في المقدمة، لقد أصاب إطلاق قمر “سبوتنك” من قبل الاتحاد السوفييتي الأمريكيين بصعقة، ودفعهم ليس لتحسين نظرتهم الاستراتيجية فحسب بل ولبرامجهم التعليمية كذلك. وفعلا حدث أعظم تطوير في المناهج التعليمية الأمريكية في العلوم، وكانت أعظم قفزة في أعداد الطلبة في المجالات العلمية. وأكثر من ذلك، أصبح ارتياد الفضاء هاجساً وسحراً في الثقافة الأمريكية. نحن بحاجة إلى أن تُحدث مجالات الأقمار الصناعية والفضاء شرارة ثقافية مماثلة لدينا، تؤدّي إلى تغيير جذريّ في منظورنا التعليميّ العلميّ والثقافيّ في دولنا العربية. وينبغي أن تكون هذه الأقمار الصناعية رموزاً في المجتمع، ويمكن حشد الرأي العام للقيام بدور فعّال في هذه الأنشطة، بل والمشاركة في الأبحاث العلمية ذات الصلة، وهو ما سأبيّنه في مقالة قادمة إن شاء الله.

ترجمة أ. بسمة ذياب

2 تعليقات

  1. غسان الرفاتي says:

    بارك الله فيك دكتور على هذا الطرح الممتع و الفريد ، فقلما نجد أقلاما تتطرق لهذه الأمور ، و إن شاء الله سيكون دور الإمارات في هذا المجال دور ريادي ، بحيث تكون الشعلة التي تضيء سماء دولنا الإسلامية و العربية لفتح آفاق المعرفة و معاهد البحث العلمي النموذجي……وشكرا للآنسة بسمة على الترجمة .

  2. مراد حمدوش says:

    شكرا استاذ نضال على المقال الرائع ، بالنسبة للجزائر اعتقد ان الوضع يختلف قليلا في مجال استراتجية العمل فقد تم تدشين مركز لانجاز الاقمار الصناعية بمدينة ارزو وهران ضمن مشروع وكالة الفضاء الجزائرية Asal ، كما تم اطلاق Alsat1 و Alsat 2 و لديها مشروع طموح ، لانجاز سلسلة من الاقمار الصناعية الصغيرة ,بالنسبة للتوعية باهمية التعريف بدور الاقمار الصناعية في مجتمعاتنا فاشاطرك الراي استاذ وهذا عمل الجميع خاصة الجمعيات الفلكية او العلمية و هناك مشاريع مقترحة للعمل في هذا الاطار كالتنسيق مع جامعات متخصصة او وكالة فضاء عالمية لتصنيع او تركيب اقمار صناعية مدرسية ، ينجزها الطلبة كمشروع النجم البراق http://www.siriusalgeria.net/starshine.htm

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: