«

»

يونيو
19

وقفات مع شرح حديث (إنا امة أمية)

د. عماد الدين خيتي

من أكثر ما يستدل به في مناقشة موضوع (الحساب الفلكي) حديث: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ)، فلا بد من النظر في شرح هذا الحديث ودقة الاستدلال به المسألة.

 نص الحديث:

عن ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ؛ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) متفق عليه.

مكانة الحديث بين النصوص في موضوعات (الفلك والأهلة):

ورد هذا الحديث ضمن عدد من النصوص الموضَّحة لكيفية الحكم ببدء الشهر القمري والدلالة على كيفية التصرف في حال عدم الهلال، وذلك بالمنع من تقديم الصيام لأجل الاحتياط وهو ما يعرف باسم (يوم الشك)، مع أحاديث أخرى مثل حديث: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَة،ِ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه،ِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ) رواه مسلم.

وحديث: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) رواه أبو داود والنسائي.

شرح الحديث:

أرشدَ الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى وسيلةٍ واضحةٍ يسيرةٍ في إثبات الشهر وذلك برؤية الهلال، فإن لم يُرَ الهلال فإننا نعمل بعَدِّ الشهر ثلاثين يومًا ثم نصوم؛ لأن الشهر القمري يدور بين تسع وعشرين وثلاثين.

معنى الأمية في الحديث:

في الحديث نصٌ على عدم معرفة الناس في ذلك الوقت لحساب سير الشمس والقمر، لكن هل هذا النفي يتضمن النهي للمستقبل؟

ذهب الفقهاء قديمًا وجمهورهم حديثًا إلى أنَّ هذا الحديث يتضمن نهيًا عن العمل بالحساب، واعتبروه من أقوى الأدلة على عدم جواز العمل بالحساب في إثبات الشهور القمرية، ومما جاء في ذلك:

 قول الحافظ ابن حجر:

“المرادُ بالحساب هنا: حسابُ النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النـزر اليسير، فَعَلَّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية؛ لرفعِ الحرجِ عنهم في معاناة التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك. بل ظاهر السياق ينفي تعليق الحكم بالحساب الأصلي.

ويوضحه قوله في الحديث الماضي: (فَإِنْ غُمَّ عَلَيكُمْ: فَأَكمِلوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ)، ولم يقل: فَسَلوا أهلَ الحسابِ، والحكمةُ فيه: كونُ العددِ عند الإغماءِ استوى فيه المكلفونَ فيرتفعُ الاختلاف والنـزاعُ عنهم، وقد ذهب قومٌ إلى الرجوعِ إلى أهل التسييرِ في ذلك، وهم الروافض ونُقِلَ عن بعض الفقهاءِ موافقتُهم ” أ.هـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

“(إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهرُ هكذا وهكذا) فلم يقل: إنَّا لا نقرأ كتابًا ولا نحفظ، بل قال: (لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ)، فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب كما عليه أهل الكتاب”.

وقال: “فمن أخذ علم الهلال الذي جعله الله مواقيت للناس والحج بالكتاب والحساب فهو فاسد العقل والدين.

 والحساب إذا صَحَّ حسابه: أكثر ما يمكنهُ ضبط المسافة التي بين الشمس والقمر وقت الغروب مثلاً، وهو الذي يسمى بعد القمر عن الشمس لكن كونه يرى لا محالة أو لا يرى بحال لا يعلم بذلك” أ.هـ.

وتكلَّم الحافظ ابن رجب عن عدم مراعاة الحساب في معرفة القبلة، ثم قال: “ديننا لا يحتاج إلى حسابٍ ولا كتابٍ كما يفعله أهل الكتاب من ضبط عباداتهم بمسير الشمس وحسباناتها، وأن ديننا في ميقات الصيام مُعَلَّقٌ بما يرى بالبصر وهو رؤية الهلال، فإن غُمَّ أكملنا عدة الشهر ولم نحتج إلى حسابٍ” أ.هـ.

 مدى موافقة هذا الشرح لبقية النصوص الشرعية:

عند البحث في مختلف النصوص الشرعية المتعلقة بموضوعات (الأهلة وإثبات الشهور القمرية) نجد الأدلة التالية:

1_ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [يونس:5]، ففي الآية نصٌ على انضباط حركة كلٍ من الشمس والقمر، أنَّ منازل القمر مضبوطةُ مُقدِّرة وفق سنن الله تعالى الكونية.

وأنَّ الحكمةَ من خلق الشمس والقمر معرفة الحساب، أي حساب سيرهما، ويتعلَّق بحساب سيرهما الليل والنهار: فبمعرفة حركة الشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام، وأوقات الصلاة، وبدء الشهر كذلك، وهذا هو الحساب.

2_ قوله تعالى: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [الأنعام: 96]، ففيها نصٌ على أنَّ سير الشمس والقمر ودورانهما في أفلاكهما، وما ينتجُ عن ذلك من توالي الأيام والشهور والسنين بحساب لا يزيد ولا ينقص، ولا يتغيَّر ولا يضطرب، إلى أن يبلغا نهاية أمرهما وأجلهما، مما يعني الحثَّ على تعلُّم أمورهما وما ينتج عنهما، ومن ذلك: أوقات الصلاة، وبدء الشهر اليومي، ومعرفة بدء الشهر.

3_ قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)  وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)  لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس: 38_ 40]، فهذه الآيات تدلُّ على أنَّ سيرَ الشمس والقمر _ومعها بقية الكواكب_ في غايةِ الدِّقةِ والنِّظام، لا اختلافَ فيه ولا اضطراب، وهذا قمة الحساب والإتقان.

والعملُ بالحساب هو عملٌ بمقتضى خلق الله _تعالى_ وأمره، ولا يكون هذا بدعةً أو ضلالاً.

4_ قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [التوبة: 36]، مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا).

فهذه الأدلة تدلُّ على أنَّ التوقيت السنوي والشهري توقيفيٌ من عند الله تعالى، لا يُمكن تغييره ولا تعديله، فطول السنة القمرية اثنا عشر شهرًا، وهذا من الحساب والضبط.

5_ قوله صلى الله عليه وسلم: (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ ثَلَاثِينَ)، ففي هذا الحديث نصٌ على أنَّ الكون وسير الكواكب فيه _ومنه حركة القمر_ في قِمة الدِّقة، وهي تسيرُ حسب نظامٍ دقيقٍ لا يختلُّ ولا يُخطئ، فلا يُمكن أن يزيد الشهر على ثلاثين يومًا أو ينقص عن تسعةٍ وعشرين، وهذا هو الحساب بذاته.

6_ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا).

فالمقصود باستدارة الزمان في هذا الحديث: رجوع هذا الوقت مثل الوقت الذي خلق الله _تعالى_ فيه السماوات والأرض، وهو ما يُعرف باسم الدَّورة الزمنية، وكان الوقت الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في سنة حجة الوداع، حيث وافق ذلك حلول الشمس في برج الحمل حيث يتساوى الليل والنهار، وهذه الدورة تدلُّ على إتقان سير الكواكب وحركتها.

مع الأدلة الأخرى التي تُشير إلى وجوب التفكر في خلق السماوات والأرض، والامتنان بالنجوم

فإذا تيقن المسلم أنَّ حركة الشمس والقمر والكواكب تسير بدقةٍ ونظامٍ لا يتغيَّرُ ولا يختلُّ، فالحساب هو ملاحظة البشر لهذه الحركة وإدراكها، وبهذا يكون الحساب في حقيقته ليس من صنع البشر أو اختراعهم، بل هو نظامٌ دقيقٌ من خلق الله _تعالى_ وإتقانه للكون، ثم جاء علم البشر وملاحظتهم لهذا النظام.

7_ قوله صلى الله عليه وسلم: (فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ).

وقد سبق بيان أنَّ المقصود بالقدر هنا: حساب أيام شهر شعبان ثلاثين يومًا، وهو نوعٌ من الحساب، والذي يسميه البعض (الحساب العددي) تفريقًا له عن (الحساب الفلكي) المعتمد على ولادة القمر.

 الراجح في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ):

إذا أُضيفت لهذه الأحاديث بقية النصوص الدالة والمشيرة إلى علم الفلك وعلم التقويم تبيَّن أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إنَّما علَّل عدم أخذه بالحساب عدم وجود علم الحساب الدقيق الشامل في ذلك الوقت.

كما أنَّ هذا الحديث لا يتضمَّن النهي عن الأخذ بالحساب؛ فإنَّه يستحيل أنَّ يأتي قوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)، ثم يوحي إلى رسوله  النَّهي عن تعلُّم الحساب.

 وبهذا يُعلم أنَّ معنى هذا الحديث: النفي، وليسن النهي.

ثم إنَّه نفيٌ مُتعلِّق بسببٍ مؤقت: (أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ)، فإذا زال السبب: زال الحكم، والحكم يدورُ مع عِلَّته وجودًا وعدماً.

قال الشيخ أحمد شاكر: “فمما لا شك فيه أنَّ العرب قبل الإسلام وفي صدر الإسلام لم يكونوا يعرفون العلوم الفلكية معرفةً علميةً جازمة، كانوا أُمَّة أُميين، لا يكتبون ولا يحسبون، ومن شدا منهم شيئًا من ذلك فإنما يعرف مبادئَ أو قشورًا، عرفها بالملاحظة والتتبع، أو بالسماع والخبر، لم تُبن على قواعدَ رياضيةٍ، ولا على براهينَ قطعيةٍ ترجع إلى مقدماتٍ أوليةٍ يقينية، ولذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعَ إثبات الشهر في عبادتهم إلى الأمر القطعي المشاهد الذي هو في مقدورِ كلِّ واحدٍ منهم، أو في مقدور أكثرهم. وهو رؤية الهلال بالعين المُجَرَّدة، فإنَّ هذا أحكمُ وأضبطُ لمواقيت شعائرهم وعباداتهم، وهو الذي يصل إليه اليقين والثقة مما في استطاعتهم، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

لم يكن مما يوافق حكمة الشارع أن يجعلَ مناطَ الإثبات في الأَهِلَّة: الحسابَ والفلكَ وهم لا يعرفون شيئًا من ذلك في حواضرهم، وكثير منهم بادونَ لا تصلُ إليهم أنباء الحواضر إلا في فتراتٍ متقاربةٍ حينًا، ومتباعدة أحيانًا، فلو جعله لهم بالحساب والفلك لأَعْنَتَهُم، ولم يعرفه منهم إلا الشَّاذُّ والنادر في البوادي عن سماعٍ إِنْ وصل إليهم، ولم يعرفه أهل الحواضر إلا تقليدًا لبعض أهل الحساب، وأكثرهم أو كلهم من أهل الكتاب.

ثم فتح المسلمون الدنيا، وملكوا زمام العلوم، وتوسعوا في كل أفنانها، وترجموا علوم الأوائل، ونبغوا فيها، وكشفوا كثيرًا من خباياها، وحفظوها لمن بعدهم، ومنها علوم الفلك والهيئة وحساب النجوم.

وكان أكثر الفقهاء والمحدثين لا يعرفون علوم الفلك، أو هم يعرفون بعض مبادئها، وكان بعضهم _أو كثيرٌ منهم_ لا يثق بمن يعرفها ولا يطمئن إليه، بل كان بعضهم يرمي المشتغل بها بالزيغ والابتداع، ظنًا منه أنَّ هذه العلوم يتوسل بها أهلها إلى ادعاء العلم بالغيب _التَّنجيم_ وكان بعضهم يَدَّعي ذلك فعلاً، فأساء إلى نفسه وإلى علمه، والفقهاء معذورون، ومن كان من الفقهاء والعلماء يعرف هذه العلوم لم يكن بمستطيع أن يُحدِّد موقفها الصحيح بالنسبة إلى الدين والفقه، بل كان يشير إليها على تخوف”.

ثم قال: “كانت العلوم الكونية غيرُ ذائعةٍ ذَيَعان العلومِ الدينية وما إليها، ولم تكن قواعدها قطعية الثبوت عند العلماء.

وهذه الشريعة الغراء السمحة باقيةٌ على الدهر إلى أن يأذن الله بانتهاء هذه الحياة الدنيا، فهي تشريعٌ لكلِّ أمةٍ، ولكل عصر، ولذلك نرى في نصوص الكتاب والسنة إشاراتٍ دقيقةً لما يستحدث من الشؤون، فإذا جاء مصداقها فُسِّرتْ وعُلِمَتْ، وإن فَسَّرها المتقدمونَ على غير حقيقتها”.

ثم ذكر طرفًا من أقوال أهل العلم في نفي الحساب، ثم قال:

“فهذا التفسيرُ صوابٌ في أنَّ العبرة بالرؤية لا بالحساب، والتأويل خطأٌ في أنَّه لو حدث من يعرف ذلك [أي الحساب] استمرَّ الحكم في الصوم [أي باعتبار الرؤية وحدها]؛ لأنَّ الأمرَ باعتمادِ الرؤيةِ وحدها جاء مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ منصوصة، وهي أنَّ الأُمَّةَ “أُمِّيةٌ لا تَكتُبُ ولا تَحْسُب“، والعِلَّةُ تَدورُ معَ المعلولِ وجودًا وعدمًا، فإذا خَرَجَتْ الأُمَّة عن أُمِّيتها، وصارتْ تَكتب وتَحسب، أعني صارت في مجموعها ممن يعرف هذه العلوم، وأمكن النَّاس _عامَّتُهم وخاصَّتُهم_ أن يَصِلوا إلى اليقينِ والقطعِ في حسابِ أوَّلِ الشهر، وأمكن أن يَثِقوا بهذا الحسابِ ثِقَتَهم بالرؤية أو أقوى، إذا صارَ هذا شأنهم في جماعتهم وزالت علة الأُمية: وَجَبَ أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخـذوا في إثبات الأَهِلَّةِ بالحسـابِ وحـدهِ، وألا يرجعوا إلى الرؤية إلا حين استعصى عليهم العلم به، كما إذا كان ناس في باديةٍ أو قريةٍ، لا تصل إليهم الأخبارُ الصحيحةُ الثابتةُ عن أهل الحساب.

وإذا وجب الرجوع إلى الحساب وحده بزوال علة منعه، وجب أيضًا الرجوع إلى الحساب الحقيقي للأهلة، واطّراح إمكان الرؤية وعدم إمكانها، فيكون أول الشهر الحقيقي: الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس، ولو بلحظة واحدة”.

ثم قال: “وما كان قولي هذا بدعًا من الأقوال: أن يختلف الحكم باختلاف أحوال المكلفين فإن هذا في الشريعة كثير، يعرفه أهل العلم وغيرهم …

ولقد أرى قولي هذا أعدل الأقوال، وأقربها إلى الفقه السليم، وإلى الفهم الصحيح للأحاديث الواردة في هذا الباب”. أ.ه.

أما مسألة الاستقلال بإثبات رمضان بالحساب فهي مسألة أخرى سيأتي بيانها بإذن الله.

والله أعلم.

 http://www.aleqt.com/2012/06/18/article_667972.html

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: