«

»

يونيو
21

لم يُر الهلال، فماذا نستفيد؟

 لقد قمت بتحري هلال شهر شعبان يوم الأربعاء 20 يونيو من مدينة أبوظبي باستخدام تقنية التصوير الفلكي بكاميرا السي سي دي. وكنبذة سريعة، هذه التقنية هي أحدث طريقة لتحري الهلال، وهي تفوق التحري باستخدام التلسكوب، فقد أمكن باستخدام هذه الطريقة رؤية أهلة لم تكن رؤيتها ممكنة سابقا باستخدام التلسكوبات، بل حتى أمكن رؤية أهلة باستخدام هذه التقنية في وضح النهار، ومن البديهي القول أنه إن لم ير الهلال باستخدام تقنية التصوير الفلكي هذه، فمن المؤكد أنه لم يكن بالإمكان رؤية الهلال باستخدام التلسكوب من نفس المكان والظروف، وبالطبع يكون من المستحيل رؤيته بالعين المجردة في هذه الحالة.

إن رصدي لهلال شهر شعبان هذا استوقفني كثيرا، فالحسابات الفلكية كانت تشير إلى أن إمكانية رؤية الهلال بعد غروب الشمس في ذلك اليوم من مدينة أبوظبي ممكنة باستخدام التلسكوب وصعبة جدا بالعين المجردة، أما إمكانية رؤيته باستخدام تقنية التصوير الفلكي الحديثة فهي سهلة جدا، فقد تم سابقا رؤية الهلال في وضح النهار باستخدام هذه التقنية عندما كان على بعد 5 درجات فقط من الشمس (بل حتى أقل من ذلك بقليل)، وبالنسبة لي، فقد كان بعد القمر عن الشمس يوم الأربعاء في الساعة التاسعة صباحا 8 درجات، وأصبح في الساعة الثانية ظهرا 9 درجات، وفي الساعة السابعة مساء (أي قبل غروب الشمس بـ 14 دقيقة) 11 درجة، وهذه الأرقام تعني أنه من السهل رؤية الهلال من الصباح الباكر، وستصبح الرؤية اكثر سهولة بمرور الوقت، إلى أن تصبح ممكنة بعد الظهر بدون استخدام أي نوع من أنواع معالجة الصور، فهذا هو ما نعرفه من واقع التجربة من خلال راصدين آخرين في ألمانيا وفرنسا، بل وحتى من واقع رصدي باستخدام هذه التقنية من الأردن وقطر والإمارات.

أثناء نقل أدوات الرصد على سطح المبنى بإشراف أحمد موعد ومن قبل سنديب وآخرين

ولكن عندما بدأت الرصد في الساعة التاسعة والنصف صباحا لم أر الهلال على الرغم من استخدام فلتر يمرر الأشعة تحت الحمراء فقط حتى يزداد التباين بين إضاءة الهلال وخلفية السماء الزرقاء فتسهل رؤيته، وعلى الرغم من تجميع 300 صورة للهلال تم وضعها فوق بعضها البعض عن طريق برنامج متخصص في معالجة الصور لتسهيل الرؤية!

اعتبرت الأمر عاديا ولم أبالي كثيرا، فما زال أمامنا متسع من الوقت، وسيزداد بعد القمر عن الشمس، وسيصبح متيسرا بالتأكيد بعد الظهر، وبسبب درجة الحرارة المرتفعة التي بلغت 39 درجة مئوية في الساعة العاشرة صباحا، وبلغت 43 درجة مئوية بعد الظهر، كنا نأخذ استراحات طويلة كل فترة من الزمن، وبعد 19 محاولة لم أفلح برؤية الهلال! 15 محاولة منها تمت بين الساعة الرابعة عصرا والسابعة مساء! قد يعتقد أحدهم أن المشكلة كانت بتوجيه التلسكوب، في الحقيقة لقد كنت استخدم تلسكوبا محوسبا يتوجه نحو الهلال بشكل تلقائي بمجرد الضغط على أمر التوجه نحو القمر، ولأتأكد من دقة توجه التلسكوب قمت عدة مرات بالطلب من التلسكوب بالتوجه إلى كوكب المشتري ونجمة رجل الأسد وكوكب عطارد، وكان الجرم المطلوب ياتي دائما في منتصف حقل الرؤية تماما، عدا مرة واحدة كان الجرم منحرفا شيئا قليلا عن وسط الحقل. إذا لا توجد مشكلة في التوجيه ولا في ضبط البؤرة ولا في التصوير ولا في أي أمر آخر، وإلا لما ظهرت هذه الأجرام.

جانب من الرصد مع زميلي خالد اسكندر

إلا أن اللافت للنظر أن كوكب المشتري على الرغم من شدة ضيائه (فهو ألمع جرم في السماء بعد الشمس والقمر وكوكب الزهرة) إلا أنه عندما ظهر في منتصف حقل الرؤية كان ظاهرا بصعوبة، وبالكاد تمكنت من رؤيته! فعلى الرغم من أن الضياء الكلي للهلال أكبر من الضياء الكلي للمشتري، إلا إنه بسبب أن الهلال عبارة عن جرم متسع، فإن الإضاءة تتوزع على مساحة كبيرة، وبالتالي تكون الإضاءة على وحدة المساحة بالنسبة للهلال أقل من تلك للمشتري، وبكلام آخر أقصد القول أن رؤية المشتري في تلك الظروف أسهل من رؤية الهلال… فإن كان المشتري قد بدا بتلك الصعوبة، فكان من الطبيعي أن لا يظهر الهلال! ولكن لماذا كانت هذه الصعوبة في الرؤية على الرغم من أن عمر الهلال في الساعة السابعة مساء كان 22 ساعة و27 دقيقة، وكان مكثه بعد غروب الشمس 37 دقيقة، إلا أن كل هذا لم يشفع له ليرى باستخدام أكثر التقنيات تقدما؟ وهنا نصل إلى بيت القصيد!

لقد كنت أرصد من مدينة أبوظبي بالقرب البحر، وكان الجو في ذلك اليوم يعتبر بالنسبة لمدينة أبوظبي عاديا، ولكن بالنسبة للمقاييس العالمية كان الجو مغبرا وكانت نسبة الرطوبة عالية، وأعيد وأكرر أنه لم يكن يوما استثنائيا أو شاذا، بل كان يوما عاديا. في الحقيقة هذا هو حال المناطق الواقعة على سطح البحر وحال معظم المناطق الصحراوية، فالمعلومة الشائعة أن الصحراء هي من أفضل الأماكن لرصد الهلال عبارة عن معلومة مغلوطة، بل حتى معكوسة! فالصحراء الرملية والأماكن الواقعة على سطح البحر هي من أسوأ الأماكن لرصد الهلال، فالغبار والرطوبة يعملان على تشتيت أشعة الهلال القليلة أصلا، فلا يصلنا منها شيئا! ولذلك كانت التوصية دائما بالرصد من المناطق الجبلية، حيث الغلاف الجوي النقي.

وهذا الرصد لهو دليل قوي لبعض متخذي القرار على ضرورة التثبت من الشهود الذين يشهدون برؤية الهلال من الأماكن الصحراوية، خاصة عندما يشهدون برؤية هلال يجمع أهل الخبرة على أنه غير ممكن الرؤية، وخاصة عندما لا يراه الفلكيون بتلسكوباتهم! ويكون الرد علينا غالبا أنهم أهل خبرة! ولكن في الحقيقة نحن أيضا أهل خبرة، وعندنا من التقنية ما تفوق تقنيتهم وعينهم المجردة، وهذا ما أثبتناه للملأ عمليا لا نظريا. إلا أن كل خبراتنا هذه وكل أجهزتنا المتقدمة لم تشفع لنا لنخرق قوانين الطبيعة أو دفعتنا للادعاء برؤية أمور تعجز حتى أكثر الأجهزة العلمية تقدما من رؤيتها …. فمتى سنلقي بالا للعلم نحن أمة إقرأ؟

ملاحظة: لا بد أن أشكر زميلي في العمل خالد أشرف على مرافقتي في الرصد على الرغم من الجو غير المحتمل، فقد كان خالد المسؤول عن بث وقائع الرصد مباشرة على شبكة الإنترنت. فبالنسبة لي كانت النتيجة العلمية وأهدفنا في المشروع الإسلامي لرصد الأهلة دافعا قويا للاستمرار حتى عند درجة حرارة 43 مئوية، إلا أن زميلي خالد لم يكن له أي دافع سوى صداقتنا فكل الشكر والتقدير له.

10 تعليقات

3 بنج

  1. billal says:

    السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته

    الشكر الجزيل للأستاذ محمد على المقال الرائع و الغني، حقيقة تجربة الرصد و المثابرة على ترائي الأهلة بشتى الطرق من أبسطها إلى أعقدها تجربة رائعة .

    وبحكم تجربتي المتواضعة جدا بخصوص رصد الأهلة، فأنا مؤيد تماما لما توصلتم إليه من صعوبة ذلك في الصحراء و ساحل البحر (وأنا أعيش في مدينة صحراوية)

    لكن متى تلقى مثل هذه الخبرات و التجارب الإهتمام من هيآتنا لتكون معيارا لتحديد الشهورو رمضان على الأبواب؟؟

    ملاحظة: الخبرة في رأيي تكتسب اكتسابا و بتجربة كل الطرق المتوفرة في مجال ما ، إذا لا يمكن القول أن شخصا خبيرا في ترائي الهلال بالعين المجردة وهو لم يجرب لم يجرب التلسكوب و المنظار و CCD أو لا يعرف بوجود هذه التقنيات أصلا.

    أعيد الشكر لكل من ساهم و يساهم في هذه المدونة الرائعة و خصوصا أنت أستاذنا محمد على المبادرات الرائعة في تنوير العلقول و تصحيح المفاهيم .

    والسلام عليكم

  2. عبد الرحمان says:

    شكرا على التدوينة، وخلاصتها مهمة.

    ذكرت أنك قمت بإلصاق الصور معا لمحاولة رؤية الهلال بدون نتيجة.

    لعلي اقترح شيئا ربما يساعد في فحص أكثر للصورة وهي أن تحاول دراسة توزع ضدة الإضاءة بجمع البكسلات التي يُتوقع أن ترى فيها الهلال، ومقارنتها مع بكسلات الخلفية. هي تقنية نستعملها كفلكيين لتحليل صور الأجرام الخافتة جدا. بما أنه لديك عدد كبير من الصور، فعوض ما تجمع الصور مع بعض، تأخذ من كل صورة مجموع البكسلات التي تتوقع أن يكون فيها الهلال، وتقارنها مع مجموع الخلفية. هذا اقتراح تقني علمي بحت

    شكرا جزيلا

    1. محمد عودة
      محمد عودة says:

      السلام عليكم عزيزي عبد الرحمن المحترم

      شكرا على اقتراحك واهتمامك بالموضوع، في الحقيقة لقد شرحت التقنية بشكل مقتضب جدا لأنها ليست موضوع التدوينة، ولكن في الحقيقة عملية معالجة الصور التي تتم كثيرة جدا، ففي العادة لا نقوم بأي عمليه معالجة في البداية، فإن لم ير الهلال نقوم بطريقة الإلصاق وطرح ما يسمى بالفلات فيلد، فإن لم ير نقوم بتعديل قيم التباين، فإن لم ير نقوم بعملية توحيد الإضاءة الخلفية، فإن لم ير نقوم أخيرا بعملية معالجة يدوية للتباين، وعدد البرامج التي تستخدم يصل إلى ثلاثة برامج مختلفة لمعالجة الصور، الخلاصة أننا في الحقيقة نستنزف الصورة قبل أن نعلن أننا لم نر الهلال :-)

  3. عدنان قاضي says:

    هذا الشكر لخالد. أما أنت يا محمد فتقوم بعمل تحبه؛ وأجرك هناك. خالد، ما ذنبه؟ شكرا يا خالد. وعشان عين تكرم مدينة، شكرا يا محمد. وأجركما على الله.

    ملاحظة: يا محمد، النفخ في قربة مخروقة لا ينفع. والله ما يقنهعم شيء.

    1. محمد عودة
      محمد عودة says:

      سلام عزيزي عدنان…. طبعا… أنت ممن ثابر وناضل في هذا الميدان،ودفع الثمن لقوله الحق… ربما لم أفصّل كثيرا في دور خالد في الرصد… في الحقيقة لقد تميز هذا الرصد أنه كان أول واحد يتم بثه مباشرة على شبكة الإنترنت صوت وصورة وبجودة عالية، فكان من الممكن لأي مهتم أي يشاهدنا مباشرة على الهواء، وإن شاء الله يكون البث القادم أفضل من الحالي، فنحن نتعلم من تجاربنا… أما خالد فكان هو المسؤول بشكل كامل على البث هذا

  4. عمران طلبه says:

    السلام عليكم

    رصد مثير بقدر الجهود المبذولة والتقتيات المستعملة، وقد يطرح التساؤلين:

    1) هل يوحي ذلك إلى إدخال عوامل في برمجيات رسم خرائط رؤية الهلال مثل المتوفرة في برتامج “المواقيت الدقيقة”…

    2) هل من الممكن أن يكون لما نشر مؤخرا في وسائل الإعلام من ظروف مناخية خاصة ربما بسبب حالة تمر بها الشمس دور في عدم ثبوت الرؤية رغم استعمال وسائل حديثة فائقة الجودة…

    تحياتي

    1. محمد عودة
      محمد عودة says:

      السلام عليكم أخ عمران

      هذا الرصد ونتيجته لا تغير شيء في خرائط رؤية الهلال (معايير إمكانية رؤية الهلال)، فهذه المعايير تعطي إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة أو التلسكوب بعد غروب الشمس، أما ما كنا نقوم به فهو التحري باستخدام تقنية التصوير الفلكي أثناء النهار، فهذه قصة أخرى. وإن كنت قد رصدت لدقائق معدودة بعد اختفاء الشمس، وأيضا لم أر الهلال، وهنا نكون قد وصلنا لسؤالك الثاني.

      ما شهدته من حالة جوية أثناء الرصد كان أمرا طبيعيا! فمن الطبيعي جدا أن تكون المناطق الصحراوية مغبرة! ومن الطبيعي جدا أن تكون المناطق الواقعة بالقرب من البحر رطبة، فكما ذكرت في التدوينة نفسها أن ذلك اليوم لم يكن استثنائيا، بل حتى لا يمكن وصفه أنه كان أسوأ من معدل طبيعة الأيام في أبوظبي بكثير.. ربما أصنفه أنه أسوأ من المعدل بشيء طفيف.. يعني باختصار لا علاقة للشمس ونشاطها الذي تتحدث عنه بموضوعنا، وهذا النشاط لا يؤثر أصلا على الطقس… وشكرا عى مداخلتك

  5. د. مشهور الوردات says:

    السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

    جهد مبارك يا أستاذ محمد ونتيجة أعتبرها رائعة لأنها وضعت الكثير من الأمور في موازينها، وأنصحك بالقيام بنفس التجربة من مكان صافي ومقارنة النتائج و نشرها.

    تحياتي

    1. محمد عودة
      محمد عودة says:

      حياك الله د. مشهور…. شكرا على متابعتك، وكلاامك في محله، لا بد من إعادة التجربة من مكان جبلي صافي الجو للمقارنة، وإن كان غيري قام بذلك، وقد قمت بنفسي بذلك بالرصد من مدينة عمان يوم 19 سبتمبر 2009 ويمكن رؤية صورة الهلال على الموقع ( http://icoproject.org/Shawwal-Crescent-by-CCD_ed-id!2.ks ) لقد كان بعد الهلال عن الشمس 10 درجات وتمت الرؤية الساعة الواحدة ظهرا، علما بأن جميع الأجهزة المستخدمة لم تكن مناسبة كوني كنت على سفر، وعلى الرغم من ذلك أمكنت الرؤية، في حين أن نفس قيم الهلال لم تكن كافية لرؤيته من أبوظبي بسبب الفرق في نقاء الغلاف الجوي

  6. علي الشريف says:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    حبيت ابارك لكم رمضان واتمنى لكم التوفيق والنجاح

    وكان الموضوع جيد يستحق المتابعه

    تحياتي للجميع

  1. > لم يُر الهلال، فماذا نستفيد؟ الجزء الثاني » مدونة المرصد says:

    [...] « لم يُر الهلال، فماذا نستفيد؟ [...]

  2. > لم يُر الهلال، فماذا نستفيد؟ (الجزء الثالث) » مدونة المرصد says:

    [...] تفاصيل مسألة نقاء الغلاف الجوي، ونرى من الضروري قراءة الجزء الأول و الجزء الثاني من هذه التدوينة حتى تكتمل الصورة، ويكون [...]

  3. > لم يُر الهلال، فماذا نستفيد؟ (الجزء الرابع) » مدونة المرصد says:

    [...] قصوى! فلاحظت ظاهرة لم أرها بهذا الوضوح من قبل! ففي الجزء الأول والثاني والثالث من هذه المدونة كنا نتحدث عن دور التلوث [...]

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: