«

»

يونيو
29

لم يُر الهلال، فماذا نستفيد؟ الجزء الثالث

يبدو أنه قد كان من المفيد جدا عدم تمكننا من رؤية هلال شهر شعبان من مدينة أبوظبي يوم الأربعاء 20 حزيران/يونيو 2012م حتى باستخدام تقنية التصوير الفلكي، فلو تمت رؤية الهلال في ذلك اليوم لمر الحدث مرور الكرام دون أي تبعات إيجابية أو سلبية، فقد كان من المتوقع رؤية الهلال بسهولة في ذلك  اليوم من مدينة أبوظبي باستخدام التلسكوب، وبالتالي من باب أولى باستخدام التصوير الفلكي، إلا أن عدم رؤية ذلك  الهلال السهل دفعنا للبحث والتقصي في تفاصيل مسألة نقاء الغلاف الجوي، ونرى من الضروري قراءة الجزء الأول و الجزء الثاني من هذه التدوينة حتى تكتمل الصورة، ويكون الموضوع واضحا بشكل كامل.

فقد ذكرنا في الجزء الثاني وجود حملة عالمية برعاية وكالة الفضاء الأمريكية ناسا باسم Aeronet يقوم أعضاؤها بقياس قيمة معينة للغلاف الجوي تسمى(OD)  Optical Depth وهي تعطي مؤشرا مباشرا لنقاء الغلاف الجوي من منطقة الرصد، والقيمة الكلية للـ OD تسمى Total Optical Depth (TOD)  وهي تتكون فعليا من أربعة مكونات؛ الأول هو Aerosol Optical Depth (AOD) وهو التشتت والامتصاص الحاصل للأشعة في الغلاف الجوي نتيجة لوجود العوالق (غبار ودخان وغيره من العوالق الكبيرة) وهذا هو المكون الرئيس للـ TOD، والثاني  يسمى Rayleigh Optical Depth وهو التشتت والامتصاص الحاصل بسبب مكونات الغلاف الجوي وهي تحديدا النيتروجين والأكسجين، والمكون الثالث هو التشتت والامتصاص الحاصل بسبب الغازات القليلة الأخرى في الغلاف الجوي خاصة الأوزون، وأخيرا التشتت الحاصل بسبب بخار الماء (الرطوبة)، وذكرنا أنه يمكن تحويل هذه القيم لقيم يفهمها الفلكيون بشكل أفضل وهو مصطلح Atmospheric Extinction، وذلك عن طريق ضرب قيمة الـ OD بثابت معين، وبعد ذلك نحصل على الخفوت الكلي للمعان الجرم السماوي من خلال ضرب مجموع الـ ODs بما يسمى الـ Airmass، وهي كمية الغلاف الجوي الذي تعبره الأشعة نسبة لكمية الغلاف الجوي الواقع في منطقة سمت الرأس، يحيث تكون قيمة الـ Airmass  تساوي واحد إذا كان الجرم المرصود يقع في منطقة سمت الرأس، وتكون القيمة تساوي 2 عندما يكون بعد الجرم 60 درجة عن سمت الرأس، وهذا يعني أن أشعة الجرم الذي يبعد 60 درجة عن سمت الرأس ستمر في غلاف جوي يبلغ طوله ضعف ذلك الموجود لو كان الجرم يقع في سمت الرأس، وتبغ قيمة الـ Airmass  عند الأفق 40! في حين أنها تبلغ 10 عندما يكون الجرم المرصود على بعد خمس درجات عن الأفق.

 وقد وجدنا أنه من المفيد أن نقيّم مدى صفاء الغلاف الجوي في مختلف المناطق العربية حسب ما هو متوفر من محطات مشاركة في هذه الحملة العالمية، وذلك من خلال حساب لمعان الهلال الظاهري (وليس الحقيقي) عندما يكون على بعد خمس درجات عن الأفق، وقد اخترنا كمثال قيم هلال شهر شعبان الفائت، بحيث اعتمدنا أن بعد الهلال عن الشمس يساوي 9 درجات أي أن لمعانه من القدر سالب 4.9، وهذه قيم كبيرة نسبيا، فما نحن بصدد تقييمه عبارة عن هلال كبير نسبيا. وقد قمنا بإجراء المقارنة بالنسبة لمعدل قيمة الـ OD لشهر حزيران/يونيو وشهر نيسان/إبريل وشهر شباط/فبراير وأخير لمعدل القيمة خلال العام 2012 بالنسبة لكل محطة. وقد اعتمدنا طول الموجة 500nm كونها الأقرب للحساسية الأكبر للعين المجردة.

فكانت الخطوة الأول البحث في الموقع عن جميع المحطات المشاركة في الحملة والواقعة في المنطقة العربية، وكان عددها 12 محطة، اثنتان في الإمارات واثنتان في السعودية واثنتان في فلسطين واثنتان في الجزائر وواحدة في الكويت وواحدة في مصر وواحدة في المغرب وواحدة في إيطاليا بالقرب من السواحل الليبية والتونسية. وفيما يلي جدول يبين اسم المحطة مع بيان الدولة والمدينة والارتفاع عن سطح البحر بالأمتار.  

 ومن ثم حصلنا على معدل قيمة AOD لكل محطة مرة لشهر حزيران/يونيو ومرة لشهر نيسان/إبريل ومرة لشهر شباط/فبراير ومرة للعام 2012 حتى الآن. وحيث أن القيمة التي نأخذها هي AOD فقد قمنا بإضافة 0.14   حتى نحصل على قيمة TOD وهذا تقريب لا يخل بالدقة فهو قريب من الواقع. وبعد ذلك ضربنا بالثابت 1.086  لتحويله لـ Atmospheric Extinction ومن ثم ضربنا الناتج بقيمة الـ  Airmass الموجودة على ارتفاع 5 درجات، فيكون الناتج هو مقدار خفوت لمعان القمر، وبالتالي أضفنا هذا الرقم للمعان القمر (-4.9) لنحصل أخيرا على قيمة لمعان القمر الظاهرية بسبب تلوث الغلاف الجوي.

 فكانت النتيجة بالنسبة لشهر حزيران/ يونيو كما هو مبين في الجدول التالي، ونلاحظ منه أن مدينة الكويت كانت الأكثر تلوثا في ذلك الشهر فقد أصبح القمر من القدر 4.2 بدلا من سالب -4.9 وهذا خفوت مهول! وكانت الأفضل المحطة الإيطالية بحيث كان لمعان القمر الظاهري عندما يكون على ارتفاع 5 درجات فوق الأفق سالب 1.4، وهذه قيمة ممتازة لرؤية الهلال!

 أما بالنسبة لشهر نيسان/إبريل، فقد كانت الكويت أيضا المدينة الأكثر تلوثا، وكانت محطة ورزازات في المغرب هي الأفضل.

 وبالنسبة لشهر شباط/فبراير، فقد كانت محطة مزيرعة في الإمارات هي الأكثر تلوثا، وكانت المحطة الإيطالية هي الأفضل.

 وبالنسبة لمعدل القيم للعام 2012 حتى الآن، فقد كانت محطة الكويت هي الأكثر تلوثا، وكانت المحطة الإيطالية هي الأفضل.

 وتجدر الإشارة إلى الملاحظات التالية:

1-    يجب قراءة هذه القيم بحذر شديد، فهذه هي معدل القيمة خلال شهر أو خلال كامل العام 2012 حتى يومنا هذا، وقد تكون قيمة AOD يوم ووقت رصد الهلال تختلف اختلافا ملموسا عن معدل هذه القيمة. فالهدف من هذه الجداول هو إعطاء فكرة مبدئية عن واقع الحال بشكل عام.

 2-    إن هذه القيم صالحة لمحطة الرصد فقد، وقد يصعب تعميمها على منطقة واسعة بالقرب من المحطة، إلا أن التعميم المحدود قد لا يكون بعيدا عن الواقع، ولكن لا توجد قاعدة عامة يمكن اعتمادها لذلك، فواقع الأحوال الجوية هو المحدد لذلك، ولكن المؤكد أنه لا يمكن اعتماد قيم محطة لمنطقة أخرى يختلف ارتفاعها بشكل ملموس عن المحطة حتى لو كانت تقع بقربها.

4 تعليقات

  1. عمران طلبه says:

    السلام عليكم…

    السلام عليكم

    شكرا جزيلا الأخ محمد على المزيد من الإفادة…

    بالفعل رب ضارة نافعة فيما يخص عدم رؤية هلال شعبان في الإمارات، فقد أصبح التنبؤ “بقيمة” التلوث واقعا ملموسا…

    بقي الآن إدخال هذه العملية في الرصد… ولو أنه –في رأيي- يبدو أننا لا نحتاج إلى تجربتها مع هلال رمضان المقبل (ليلة الشك مساء الخميس 19/7/2012) حيث الرؤية مستحيلة في الشمال (في العراق وإيران وسورية وتركيا…وكل أوروبا، نتيجة غروب القمر قبل الشمس، رغم حدوث الاقتران في الساعة 4 و24 د صباحا بالتوقيت العالمي) وغير ممكنة في بقية الأراضي العربية والإسلامية لعدم مكوث الهلال في الأفق بما يستدعي الرصد….)

    أي أنه يفترض أن يكون أول رمضان يوم السبت 21 /7 وفي هذه الحالة يمكن – تجربتها مع هلال شوال مساء يوم السبت 18 أغسطس (29 رمضان) خصوصا في المناطق الجنوبية من الوطن العربي وبعض المناطق من العالم الإسلامي حيث تصعب الرؤية بالعين المجردة في ذلك اليوم، كما تشير إلى ذلك الحسابات الفلكية وخرائط الرؤية (المنطقتان الزرقاء والزهرية في معيار عودة في برنامج المواقيت الدقيقة)…

    تحياتي…

  2. أ. د. مجيد محمود جراد says:

    شكرا جزيلا للأستاذ المهندس محمد عودة

    لقد عودنا دائما على ايجاد شيئا جديدا يطور عملية الرصد فيما يخص الأهلة

    هذا مجهود متميز يقدم الكثير من المساعدة للراصدين المهتمين بشأن مراقبة ورصد الأهلة ويوضح لرجال الدين ايضا الموقف العلمي الفلكي من رؤية الأهلة بالعين المجردة ومدى سلامة الحسابات العلمية الفلكية بهذا الصدد

    بارك الله فيك أخي الفاضل وافاد منك في مجال التطبيقات العلمية الفلكية لخدمة الشريعة الأسلامية

  3. محمد عودة
    محمد عودة says:

    شكرا للعزيز الدكتور مجيد والأخ عمران على متابعتكم وتعليقكم، هذه الردود الإيجابية دافع لنا للاستمرار بالبحث في هذا الموضوع وما يؤثر على إمكانية رؤية الهلال. مع الشكر والتقدير لكم ولجميع الإخوة المتابعين.

  4. wajih says:

    شكرا أستاذنا محمد العودة، لي ملاحظة صغيرة …
    مدينة وجدة “OUJDA” تقع بالمغرب و ليس بالجزائر كما تبية الوثيقة و شكرا.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: