«

»

يوليو
11

لم يُر الهلال، فماذا نستفيد؟ الجزء الرابع

وتتوالى الأحداث المرتبطة بأهمية صفاء الغلاف الجوي لرؤية الأجرام السماوية، وخاصة ما يعنينا منها الآن وهو الهلال، فاضطررت قبل حوالي أسبوع للسفر إلى مدينة عمان في زيارة قصيرة، وكحال أي مسافر كنت أفضل رحلة مباشرة من أبوظبي إلى عمّان، ولكن بسبب قرب موعد السفر وموسم الإجازات لم يتيسر لي إلا رحلة إلى مدينة عمّان مرورا بالبحرين، وبالطبع لم يسعدني ذلك، ولكن سبحان الله فقد كان لنزولي في البحرين أهمية قصوى! فلاحظت ظاهرة لم أرها بهذا الوضوح من قبل! ففي الجزء الأول والثاني والثالث من هذه المدونة كنا نتحدث عن دور التلوث الجوي في تشتيت وامتصاص أشعة الأجرام السماوية، ووجدنا أنه توجد مشاريع علمية وشبكات عالمية تقيس مقدار التلوث الجوي بأرقام واضحة تمكننا من معرفة مقدار التلوث بشكل دقيق بدلا من استخدام التقدير بالعين المجردة وما يخضع لذلك من وجة نظر الراصد وتقديره النسبي للأمور! فعلمنا أن هناك قيمة تسمى (TOD)  Total Optical Depth وهي تعبر عن مقدار تشتت وامتصاص الأشعة الحاصل في الغلاف الجوي، وكلما زادت هذه القيمة كان الجو أسوأ ورؤية الأجرام أصعب. وعلمنا أن الـ TOD  تتكون بشكل رئيس من مكونين الأول هو Aerosol Optical Depth (AOD) والثاني هو Rayleigh Optical Depth (ROD) إضافة لمكونين آخرين ليسا ذوي تأثير وهو التشتت والامتصاص الحاصل بسبب طبقة الأوزون والآخر بسبب الغازات النادرة الأخرى.

أما الـ ROD فهو التشتت والامتصاص الحاصل بسبب مكونات الغلاف الجوي نفسه (نيتروجين وأكسجين) وقيمته في العادة صغيرة وبشكل عام لا تتغير في المكان الواحد، فهي شبه ثابته. ولذلك كان اهتمام جميع الحملات العالمية بقيمة الـ AOD فهي القيمة التي لا يمكن حسابها بشكل دقيق أو حتى توقعها في المستقبل، وهي تتغير بشكل كبير جدا، وإن كانت كبيرة فقد تستحيل رؤية الأجرام السماوية على الرغم من وجودها. والـ AOD عبارة عن التشتت والامتصاص الحاصل في الغلاف الجوي بسبب العوالق من غبار وأدخنة ورماد وغيره من العوالق الكبيرة. وبشكل عام إن كانت قيمة الـ AOD في منطقة ما أكبر من 0.5 فإن هذا يعني أن الغلاف الجوي مغبر وغير نقي وغير صالح للأرصاد الفلكية الجادة، ووجدنا أن هذه القيمة عند تحري هلال شهر شعبان من مدينة أبوظبي كانت أكبر من 1.2 وهذه قيمة تعتبر مهولة وهي تعني أن الغلاف الجوي كان مغبرا وغير نقي لدرجة عالية جدا، مما جعل الشمس نفسها تختفي قبل غروبها بدقائق.

ومن المعروف أن زرقة السماء تختلف باختلاف نقاء الغلاف الجوي، فعندما يكون الغلاف الجوي نقي تكون السماء زرقاء، وكلما ازداد صفاء الغلاف الجوي ازدادت زرقة السماء، لدرجة أنها في المناطق الجبلية العالية قد تصبح أقرب إلى الكحلي في المناطق البعيدة عن الشمس، في حين أن زرقتها تقل كلما ازداد التلوث لدرجة أنها قد تصبح حليبية اللون من شدة التلوث.

عودة إلى بيت القصيد، فقد بدأت القصة معي عندما بدأت الطائرة بالهبوط في مطار البحرين، فقبل الهبوط كانت الطائرة تحلق على ارتفاع حوالي 7 كم فوق سطح البحر، وهذا بالطبع ارتفاع شاهق، وعندها كانت السماء شديدة الزرقة، وقد كنت أنظر إلى سحابة صغيرة من نوع سيروس، وهذا النوع عبارة عن سحب رقيقة عالية الارتفاع وتظهر في السماء على شكل ريشة أو ما شابه ذلك. وكلما كانت الطائرة تنخفض وتقترب من الأرض كانت تقل زرقة السماء وتنتقل إلى اللون الحليبي، وكانت تلك السحابة تقل وضوحا بسبب دخولنا في المنطقة الملوثة من الغلاف الجوي، وكلما انخفضا أكثر قل التباين بين السحابة وخلفية السماء التي خلفها، إلا أن وصلت إلى مرحلة لم أعد أرى تلك السحابة إطلاقا على الرغم من أنها كانت شديدة الوضوح قبل قليل!

لقد ذهلت مما رأيت، فقد كنت في الأجزاء السابقة من هذه المدونة أتحدث عن هذه الحقيقة عن طريق الأرقام، ولكن أن أرى بنفسي تأثير تلوث الغلاف الجوي على رؤية الأجسام فقد كان ذلك مدهشا بحق! وما رأيته كان مشابها إلى حد كبير بل شبه مطابق لمسألة رؤية الهلال! فالسحابة المرصدة عبارة عن جرم صغير في السماء أبيض اللون وصغير الحجم، وكان واضحا عندما كانت السماء نقية على ارتفاعات عالية، ولكن ما أن بدأنا بدخول المنطقة الملوثة من الغلاف الجوي إلا وبدأت رؤية السحابة تزداد صعوبة إلا أن اختفت تماما لأن الغلاف الجوي الملوث شتت جميع إضاءتها!

كم كنت أتمنى أن أصور مراحل رؤية هذه السحابة حتى يرى القارىء ما كنت أرى، ولكن للأسف لم يخطر ببالي أن مثل هذه التجربة ستحدث معي، فلا أملك إلا كاميرا الجوال، وهي جيدة إلا أنها ليست مخصصة لمثل هذه الأمور! كما أن تسارع الأمور أذهلني وأدهشني! فلا معنى لتصوير السحابة عندما أصبحت صعبة الرؤية إن لم أكن قد صورتها وهي واضحة!

 

نزلت في مطار البحرين، ولا يوجد في ذهني إلا ما رأيت، وما هي إلا 50 دقيقة إلا وأقلعت الطائرة متجهة إلى عمّان! ولكن هذه المرة كنت أكثر استعدادا، فكنت أبحث في الأفق على أي سحابة تشبه تلك التي رأيت لأصور هذه التجربة! وبالفعل!! نجحت في ذلك، ولكن جزئيا، فكون الكاميرا غير احترافية فقد كانت بعض الصور غير مضبوطة الرؤية، ولكن الصورة الأولى والأخيرة وقبل الأخيرة كانت ناجحة. فأما الصورة الأولى فتبين سحابتين صغيرتين قرب الأفق، وواضح من الصورة أننا قريبين جدا من الأرض، فقد التقطت هذه الصورة بعد إقلاعنا بثواني. ويتضح من الصورة مقدار الهباء (Haze) الموجود في الغلاف الجوي حينئذ! ونستطيع من الصورة تمييز لون السماء الحليبي!

التقطت عدة صور أثناء الإقلاع ولكنها غير واضحة كما ذكرت، ولكن الصورة التالية تبين نفس السحابة عندما أصبحنا على ارتفاع 10.5 كم عن سطح البحر! يالروعة المنظر وعظم الفرق! لقد أصبح التباين بين السحابة والسماء عاليا جدا! ولقد أصبحت السماء شديدة الزرقة.

أما الصورة التالية فقد التقطتها عندما أصبح ارتفاعنا 11.5 كم عن سطح الأرض وهي أفضل بقليل من سابقتها، ونلاحظ من الصورتين السابقتين أن هناك الكثير من تفاصيل السحابة لم تكن ظاهرة أصلا ونحن على الأرض!

يهمني التركيز على نقطة وهي أنني لا أدعو لتحري الهلال من هذا الارتفاع الشاهق، ولا القول أنه ينبغي علينا الحصول على صفاء بهذا الشكل وإلا فإن رؤية الهلال غير ممكنة! فهذا صفاء مبالغ به! ولكن يمكننا الحصول على صفاء مقارب له أو على الأقل التخلص من جزء كبير من التلوث بمجرد الرصد من مكان مرتفع، فتشير الأبحاث العلمية أن معظم  التلوث موجود على ارتفاع أقل من حوالي 1500 – 2000 متر عن سطح البحر! فإن استطاع الراصد التحري من مثل هذه الارتفاعات فإنه بشكل شبه مؤكد يقوم بالرصد من مكان ممتاز!

ومن خلال رصدنا من مدينة عمّان التي يصل ارتفاع بعض مناطقها إلى 1000 متر، فقد لاحظنا أن مثل هذا الارتفاع مناسب جدا، وتمكنا بالفعل من رؤية أهلة صعبة! فلا أدعو للتطرف والعناء من  أجل رصد الهلال، ولكن يعنيني التركيز على أن الرصد من مكان يقع على مستوى سطح البحر سيء جدا خاصة في منطقتنا العربية الصحراوية والمجاورة للبحر! فهذه الأماكن تعتبر أسوأ مكان لتحري الهلال. وتهمني الإشارة إلى أهمية دور الارتفاع عن سطح البحر في تحسين إمكانية رؤية الهلال!

بقيت هذه التجربة في ذهني طيلة إقامتي في عمّان، ونويت إعادتها في رحلة العودة، فأما عند الهبوط في البحرين فلم أتمكن من ذلك لأسباب مختلفة، ولكن كانت تجربة الهبوط في أبوظبي رائعة! فراقبت سحابتين، إحداهما رقيقة ممتدة على طول الأفق والأخرى كبيرة مرتفعة، وقد بدا واضحا اختلاف الوضع جذريا بين صفاء الغلاف الجوي من أعلى ومن أسفل!

وسأبدأ بالسحابة الرقيقة الممتدة فالصورة الأولى التقطت عندما كنا على ارتفاع حوالي 7.7 كم من سطح البحر ( الساعة 16:56)، والسحابة واضحة، بل حتى الفراغ بينها وبين الأفق واضح.

الصورة التالية التقطت بعد دقيقة في الساعة 16:57 (ارتفاع 7 كم)، وهي لا تفرق كثيرا عن سابقتها،

الصورتين التاليتين التقطتا بعد دقيقتين من السابقة وبفارق حوالي نصف دقيقة في الساعة 16:59 (ارتفاع 5.8 كم)، ونلاحظ الفرق بوضوح السحابة.

الصورة التالية التقطت في الساعة 17:00 (ارتفاع 5 كم)، وهنا نلاحظ أن الوضع بدأ يختلف بشكل ملموس! فلون السماء اختلف، والسحابة بدأت بالاختفاء.

الصورتين التاليتين التقطتا بعد دقيقة من السابقة وبفارق حوالي نصف دقيقة في الساعة 17:01 (ارتفاع 4.8 كم)، ونلاحظ أن السحابة شبه اختفت.

الصورة الأخيرة التقطت في الساعة 17:02 (ارتفاع 4.4 كم)، ويمكننا القول أن السحابة اختفت فعلا الآن!

هذه الصورة الأخيرة هي مجرد مقارنة بين أول صورة وآخر صورة! والصورة أبلغ من أي تعليق أو كلام!

التجربة الثالثة سأكتفي بوضع أول صورة وآخر صورة مناسبة إذ أن وجود بعض السحب بعد الصورة الثانية لن يمكننا من إجراء المقارنة بشكل دقيق. فالصورة الأولى التقطت في الساعة 17:01 (ارتفاع 4.8 كم) ونرى على يسار الشاشة السحابة الكبيرة، أما الصورة الثانية فقد التقطت في الساعة 17:04 (ارتفاع 3.5 كم)، ويتضح من المقارنة الفرق في زرقة السماء والتباين بين السحابة وخلفية السماء خلفها، والأهم من ذلك هو اختفاء الملامح الدقيقة للسحابة التي كانت ظاهرة في الصورة الأولى!

التجربة الأخيرة سأعرض فيها اختلاف وضع السماء والسحب حتى على ارتفاعات منخفضة! فالصورة الأولى التقطت في الساعة 17:12 (ارتفاع 1 كم)، وواضح في الصورة السحب المختلفة.

الصورة الثانية والثالثة أخذتا في الساعة 17:14 (ارتفاع 450 متر)، أي بعد دقيقتين فقط من الأولى، ويالهول المنظر! التلوث الهائل في الغلاف الجوي أخفى جميع السحب! فلم أعد أرى في السماء أي سحابة! 

الصورة الرابعة أخذت في الساعة 17:15   قبيل الهبوط بدقيقتين.

الصورة الخامسة  والسادسة أخذتا في الساعة 17:16 قبيل الهبوط بدقيقة.

الصورة التالية أخذت في الساعة 18:47 (توقيت الإمارات) بعد خروجي من المطار.

في الحقيقة لم أعلق على الصور الأخيرة لأن الصورة كانت كافية لشرح الوضع، ولكن قد يقول قائل بإن يوم التجربة هذا كان استثنائيا ولا يمكن القياس عليه وتعميمه. وجوابي هو نعم ولا! هو جو استثنائي مقارنة بمناطق أخرى من العالم! ولكنه ليس استثنائيا لتلك المنطقة! فهذا هو حال السماء في معظم الأيام في تلك المنطقة! وأقدر أن هذا اليوم كان أسوأ من معدل أيام السنة بنسبة يسيرة، كما وأود التأكيد أن هذا الحال ليس لمدينة أبوظبي فحسب! فكما لاحظنا أن تجربتنا امتدت من أبوظبي إلى البحرين! وفي الحقيقة إن الوضع سيكون مشابها لجميع المناطق الساحلية الواقعة والقريبة من الخليج العربي! فالطبيعة الجغرافية والمناخية متقاربة لجميع هذه المناطق، مع وجود اختلافات غير كبيرة بالطبع.

كذلك قد يدهش الناظر للصور من وضع السماء عندما أصبحنا على الأرض، وسيكون حكمه قطعا أن هذا يوما استثنائيا، وذلك لأنه يقارن وضع السماء على الأرض مع وضعها على ارتفاع 7 كم. ولكن في الحقيقة إن منظر ولون السماء الظاهر في الصور هو منظر قد اعتدناه في منطقتنا، وأصبحنا لا نعتبره أمرا ملفتا للنظر فهو المعتاد، بل أصبحت السماء الزرقاء إن ظهرت هي النادرة وغير الطبيعية.

بقي القول أنني لا أزعم أن هذه الصور التقطت بحرفية وبطريقة علمية حقيقية، فهذا ما أسعفني به الوقت والإمكانيات المتوفرة، فما شاهدته بعيني ولم أستطع تصويره أبلغ بكثير من هذه الصور التي وفقت ببعضها ولم أنجح في غيرها مما لم أعرضه! فطبيعة التغير بوضوح السحب كان مذهلا بحق!

أتوجه بالشكر لنسيبي الكابتن يزيد سلمي الذي يعمل قائد طائرة في الملكية الأردنية، وهو من قدّر ارتفاع الطائرة من البحرين إلى أبوظبي بعد أن زودته بنوع الطائرة ووقتي بداية الهبوط والوصول.

1 تعليق

  1. عدنان قاضي says:

    لله درك يا محمد، أرجو الله أن تحمد عقباك. أما هؤلاء الذين لا يقدروا ما فعلت، فأجرك ليس عليهم؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة. لقد سعدت وطربت بهذه السلسلة وهذا الجهد العظيم. وشكرا أيضا للقطبان يزيد، زاده الله ارتفاعا.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: