«

»

نوفمبر
08

ابن تيمية و«العلوم الدقيقة»

ظل ابن تيمية طويلاً ضحية لمواقف شانئيه ومحبيه على السواء بسبب آرائه عن «العلوم الدقيقة»، كما يسميها.

فيورد شانئوه آراءه عن تلك العلوم زاعمين أنه كان ضداً لها من غير أن ينظروا إلى السياقات التي وردت فيها. كما يأخذ محبوه تلك الآراء كأنها الحق الذي لا معقب عليه، ويفهمونها كذلك من غير التفات لتلك السياقات نفسها.

أما من يقرأ ما كتبه بتجرد فسيجد أن مقاصده مختلفة عما يفهمه الفريقان، وربما يجد له عذراً بأكثر مما يفكر به محبوه.

فيبين ما كتبه ابن تيمية عن «العلوم الدقيقة» أنه لم يكن معادياً لها من حيث المبدأ. ويشهد بذلك قوله في كتابه «الرد على المنطقيين» إن: «النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدربه ويقويه على العلم… ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرايض والوصايا والدَّوْر لشحذ الذهن فإنه علم صحيح في نفسه ولهذا يسمى الرياضي فإن لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: في رياضة الأبدان بالحركة والمشي كما يذكر ذلك الأطباء وغيرهم، وفي رياضة النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة، وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة».

وكنت أشرت في مقالي السابق إلى معرفته بعلوم الفلك السائدة في عصره وحديثه عن دقة بعض الملحوظات الفلكية عن الكسوف والخسوف واستسرار القمر وولادته ومعرفة الفلكيين الدقيقة بدرجة ارتفاعه بعد غروب الشمس.

والسؤال هو: مادام ابن تيمية على هذا المستوى من الاطلاع على بعض المعارف العلمية «الدقيقة»، والإشادة بدقتها، فما سبب معارضته الشديدة لاستخدامها في تحديد مواقيت العبادات وفي بعض «الأمور الشرعية» الأخرى؟ وما السر وراء ما يبدو تناقضاً بين المعرفة والتطبيق عنده؟

وسيجد المتتبع لما كتبه عن هذه القضايا أن منعه لاستخدام هذه العلوم في «الأمور الشرعية» يتأسس على ما كان يلحظه من خلط بعض الفلكيين لعلم الفلك بالتنجيم، واشتغال بعض المشتغلين بالكيمياء بتحويل المعادن الخسيسة إلى نفيسة، وغير ذلك من الخرافات التي كانت سائدة.

يضاف إلى ذلك ما لحظه من أن بعض المشتغلين البارزين بمحاولة استخدام هذه العلوم في «الأمور الشرعية» لم يكونوا من أهل السنة والجماعة. وهو لا يطمئن إليهم ويتهم من يشتغل منهم بالحساب الفلكي بالنفاق، ويذكر منهم كوشيار الديلمي، الشاعر «الشيعي» (الفتاوى، ج 28، ص 481 – 482). إلى جانب أسباب أخرى مهمة. فلم تكن مواقفه من هذه العلوم عشوائية، بل كانت تقوم على مبدأ مطَّرد يَحكمها جميعاً. ويتمثل ذلك المبدأ في منعه الاستفادة من «العلوم الدقيقة» في الأمور الشرعية كلها. ويقوم هذا المبدأ على أسس ثلاثة: فالأول منع استخدام العلوم التي أسسها غير المسلمين في الأمور الشرعية، إذ يقول إن: «شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلاً وإن كان طريقاً صحيحاً». والثاني الاكتفاء في الأمور الشرعية كلها بالطرق التي استخدمها الصحابة والتابعون، فيقول: «وهكذا كل ما بعث به الرسول.. مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال فكل هذا يمكن العلم به بالطرق المعروفة التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا يحتاج معها إلى شيء آخر وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقاً أخرى وكثير منهم يظن أنه لا يمكن المعرفة بالشريعة إلا بها وهذا من جهلهم».

وثالثها أن في استخدام هذه الطرق «العلمية» تطويلاً وتكلفاً.

ويتبين من هذا أن مواقفه من «العلوم الدقيقة» لا تقوم على عدائه لها من حيث المبدأ، بل تقوم على إيجاب الاقتصار على استخدام الوسائل التي استخدمها السلف في الأمور الشرعية، ولكون المسلمين يستطيعون استخدام تلك الطرق بــ»فطرية» (وهذا لفظه) من غير تكلف، وهو ما يعني التيسير عليهم.

وربما يكون ابن تيمية معذوراً في منعه استخدام «العلوم الدقيقة» في الأمور الشرعية في زمانه للأسباب التي ذكرها بالإضافة إلى أسباب أخرى منها أن تلك العلوم لم تكن قد وصلت حينذاك إلى مستويات الدقة التي بلغتها الآن، وكانت الاتصالات بدائية جداً تجعل إيصال المعلومات الضرورية إلى المسلمين جميعاً في وقتها مستحيلاً، وكانت الأمية منتشرة، وكانت معرفة عموم المسلمين بالعلوم الدقيقة محدودة، وكان أكثرهم يعيشون في البوادي والأرياف البعيدة عن مراكز العمران. لذلك كان منعه لاستخدام هذه «العلوم الدقيقة» لمعرفة القبلة، واستخدام الحساب الفلكي لتحديد أوائل الأشهر المرتبطة بالعبادات الموسمية ونهاياتها، وتحديد أوقات الصلوات، مثلاً، مفهوماً لأنه أكثر تيسيراً على المسلمين. فقد كان الأيسر لهم، والأبعد عن إدخال الشكوك عليهم أن يعتمد كل منهم على نفسه، وكل جماعة صغيرة على نفسها، في تحديد مواقيت العبادات من غير ارتباط بعلوم لا يعرفونها أو بمعرفة لا تصل إليهم في حينها.

لكن السؤال هو: هل لاتزال هذه الاعتبارات قائمة الآن؟ والجواب أنها لم تعد قائمة. بل إن مبدأ التيسير على المسلمين الذي كان الدافع الرئيس لاتخاذه تلك المواقف الموحية بالتناقض لم يعد يتحقق بتلك الوسائل القديمة في الوقت الحاضر. بل إن ما كان أكثر تيسيراً عليهم في زمنه صار الآن أكثر جلباً للمشقة. ولا يكاد يختلف اثنان على أن التيسير عليهم الآن لا يتحقق إلا باستخدام الوسائل الحديثة التي تقوم على أسس علمية. وقد اطمأن المسلمون الآن لاستخدام الوسائل العلمية في أكثر الأمور الشرعية. ويشهد بذلك أن الهيئات الدينية الرسمية في المملكة لا تمنع استخدامها في تحديد أوقات الصلوات وكثير من الأمور الشرعية الأخرى. بل إن سماحة مفتي عام المملكة يؤكد الثقة بتقويم أم القرى بقوله إنه «صحيح وموثوق وعدل ولا إشكال فيه» (جريدة المدينة، 8/3/1427هـ).

فيوجب الاقتداء بابن تيمية، إذن، أن تقيم الهيئات الدينية الرسمية في المملكة سياساتها الشرعية الخاصة بتوقيت العبادات كلها على مبادئ مطردة كما فعل هو. فليس من الاطراد استخدام الحسابات الفلكية الدقيقة في تحديد القبلة وأوقات الصلوات، ثم منع استخدام تلك الوسائل نفسها في استطلاع الهلال.

فإما أن تستخدم الوسائل العلمية الحديثة في الأمور الشرعية كلها، بعد أن زالت الأسباب التي دعت ابن تيمية إلى منع استخدامها، أو ألا تستخدم فيها كلها اتباعا له.

 

2 تعليقات

  1. عز الدين كزابر
    عزالدين كزابر says:

    السلام عليكم ورحمة الله

    ما هو الإطراد الذي يُدعى إليه؟
    - أهو الاستفادة من القياسات الفلكية في تضييق نطاق الرؤية مكاناً وزماناً؟ – إذا كان الأمر كذلك، فهذا لا ينبغي أن يمانع فيه الفقهاء!

    - أم أنه استبدال الحسابات الفلكية برؤية الهلال، كما استبدلت بقياسات الظلال لمعرفة دخول أوقات الصلاة؟
    ولكن قياس هذا على ذلك غير صحيح!
    والسبب أنه يجوز استخدام الحسابات الفلكية في تعيين مواقيت الصلاة لأنها يقينية في تحقيق الدخول الشرعي لأوقاتها، ولكن الحسابات الفلكية ليست يقينية في تحقيق الدخول الشرعي لدخول الشهر، والمتعين بأول رؤية للهلال،
    فأي دعوى بالاطراد يُتنادى بها إذاً؟
    بمعنى آخر أن: محل النزاع هو قدرة الحسابات الفلكية على معرفة دخول الشهر يقيناً، والحسابات لا تسطيع ذلك. وأقصى ما تستطيعه أن ترشد المترائين إلى احتمالات الرؤية مكاناً وزماناً، وهذا يؤخذ به على الرحب والسعة. أما أكثر من ذلك فهو تبديل في الدين وليس استعانة بالحسابات في التيسير.

    عزالدين كزابر

  2. د. حمزة المزيني
    د. حمزة المزيني says:

    التفريق بين استخدام الحسابات الفلكية في تحديد مواعيد الصلاة واتجاه القبلة من جهة واستخدامها في مسألة الأهلة من جهة ثانية ليس وجيها، كما يبدو لي. ذلك أن الأمر هنا يتعلق بالمبدأ الذي يصدر عنه ابن تيمية الذي يقضي بعدم استخدام أية وسيلة إلا ما استخدمه الصحابة والتابعون.
    ومن هنا فاستخدام الحسابات الفلكية في تحديد أوقات الصلاة، مهما كان التعليل، خروج واضح على مبدأ ابن تيمية.
    أما تعليل استخدامها في تحديد أوقات الصلاة بهذه التعليلات فهو من قبيل تلمس الأعذار للذين يمنعون استخدامها في الحسابات الفلكية. وهي تعليلات ليست قوية، على كل حال.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: