«

»

نوفمبر
17

الحِدَّةُ التيمية

مما يلفت النظر في كلام ابن تيمية عن الأهلة استخدامه لغة حادة في تقرير رأيه، وفي تخطئته لآراء «الحسّابين» الذين يرميهم بالنفاق والجهل والكذب، وفي كلامه عن بعض القضاة الذين يأخذون بأقوال «الحسابين» في ردّ شهادة من يشهدون برؤيتهم للهلال.

وتشيع تلك اللغة الحادة في موضوعات كثيرة من الكتاب الذي جمع فيه إبراهيم الحازمي كلام ابن تيمية عن هذه القضية الخلافية بعنوان «رؤية الهلال والحساب الفلكي أو الأحكام المتعلقة بالهلال»، الذي أشرت إليه في مقال سابق. ومن تلك التعبيرات الحادة قوله:

1 – أن الدافع لتحريره رأيه في مسألة الأهلة «حفظ الدين عن إدخال المفسدين» (ص53).

 2 – أن بعض أهل الحساب «جهّال» (ص41)، و«كَذَبة جهال» (ص42)، و«فأما اتِّباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم» (ص43).

3 – أن القضاة الذين يردُّون شهادة «العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب» هم «ممن كذَّب بالحق لما جاءه» (ص41)، وأنهم «من السمّاعين للكذب» (ص42).

4 – «فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور، لأنه وقّت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار، فلا يضل أحد عن دينه، ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه، ولا يكون طريقا إلى التلبيس في دين الله كما يفعل بعض علماء أهل الملل في مللهم»(ص51).

5 – أن «قوله: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» هو خبرٌ تضمَّن نَهْيا. فإنه أخبر أن هذه الأمة التي اتبعتْه هي الأمة الوسط، أمية لا تكتب ولا تحسب. فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم. بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة، فيكون قد فعل ما ليس من دينها، والخروج عنها منهي عنه، فيكون الكتاب والحساب المذكوران محرَّمين منهيًّا عنهما»(ص85).

6 – «ولعل من دخل في ذلك من (الحسّابين) كان مرموقا بنفاق، فما النفاق من هؤلاء ببعيد، أو يتقرب به إلى بعض الملوك الجهال، ممن يحسن ظنه بالحساب، مع انتسابه إلى الإسلام»(ص108).

7 – «ولهذا قال من قال إن كلام هؤلاء (الحسّاب) بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها، وإن بعض الظن إثم ولقد صدق، فإن الإنسان الحاسب إذا قتل نفسه في حساب الدقائق والثواني كان غايته ما لا يفيد. وإنما تعبوا عليه لأجل الأحكام (ربما: «الحُكّام»). وهي ظنون كاذبة»(ص132). ومن المفارقات أن ابن تيمية عبَّر عن رأيه في هذه القضية في موضوعات أخرى بلغة أكثر اعتدالا وإن كانت قوية، كقوله: «فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه»(ص43). وقوله: «ما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصلحها وأبعدها عن الاضطراب»(ص48).

وكان يمكنه الاستغناء بهذا الأسلوب المعتدل الذي استخدمه، هو نفسه، في مناقشة بعض الأمور الفقهية الأخرى. فقد لاحظ دارسوه أنه يبدو أحيانا أقل استخداما للغة الخشنة، وأكثر إعذارا لمن يختلف معهم في الرأي. ومن ذلك قوله الذي أورده الزميل خالد السيف: «المتأول المجتهد كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد بعضهم حل أمور واعتقد الآخر تحريمها كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة وبعضهم بعض المعاملات الربوية وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف فهؤلاء المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء»(الشرق، 1/11/2012م).

ويعبِّر هذا النص أبلغ تعبير عن السماحة في تناول الخلافات الفقهية. والمؤكد أن استخدام الحساب الفلكي للتأكد من صحة الشهادة بدخول الأشهر القمرية أخف بما لا يقاس من الأمور التي أعذر فيها ابن تيمية المخالفين لرأيه هنا. ولو استخدم هذا الأسلوب في التعبير عن رأيه المانع لاستخدام الحساب الفلكي لكان أقصى ما يمكن أن يصف به الذين يَدْعون لاستخدامه أنهم مجتهدون متأوِّلون، أو مخطئون، وكلُّهم معذورون.

وتكمن خطورة هذه اللغة الحادة في أنها تنقل هذه القضية الفقهية الخلافية البسيطة من مستوى ما يمكن الإعذار فيه إلى مستوى القضايا الكبرى المتعلقة بالإيمان والكفر والنفاق والفسق والكذب والجهل. كما يمكن لها أن تصدَّ من يأخذها حرفيًّا عن الإصغاء إلى أي رأي آخر مهْما كان وجيها. وقد بان خطرُها من استساغة بعض «طلبة العلم» في بلادنا استخدامها الآن مع أن كثيرا من المتخصصين في علم الفلك مسلمون، وبعضهم مواطنون سعوديون.

ويتطلب الخروج من مأزق هذه اللغة الحادة النظر إليها على أنها استثناء من اللغة الهادئة المتسامحة التي يستخدمها ابن تيمية فيما يكتبه، ولا يقاس عليها، ولا يؤخذ معناها حرفيا، وأن يرفض استخدامها في النقاش العلمي الذي يوجب احترام وجهات النظر الأخرى مهما كانت مختلفة.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه، وإن استمر بعض «طلبة العلم الكبار» في بلادنا في استخدام تعبيرات ابن تيمية الحدية القاسية عند الكلام عن هذه القضية، إلا أن الهيئات الدينية الرسمية أجازت منذ زمن بعيد الأخذ بالحسابات الفلكية في بعض ما منع ابن تيمية استخدامها فيه، كتحديد القبلة وأوقات الصلوات وغيرهما، كما أشرت في مقالي السابق. ويعني هذا أن هذه الهيئات لم تعد تأخذ لغته الحادة حرفيا، ولا ترى مقتضياتها لازمة.

وبعد ذلك كله فلم تكن آراء ابن تيمية الوحيدة في هذه القضية. فقد كان لبعض الفقهاء الكبار، السابقين له (ومنهم بعض التابعين)، والمعاصرين له، وممن جاء بعد عصره آراء تخالف آراءه وتجيز استخدام الحساب الفلكي في التأكد من صحة شهادة الذين يشهدون برؤيتهم الهلال، مع أنهم يتفقون معه في الاقتصار على الرؤية البصرية المباشرة. وكان من أبرز هؤلاء الفقهاء معاصرُه الإمامُ السُّبْكي الذي كان يعيش معه في دمشق. ويتميز السبكي في تعبيره عن آرائه بأسلوب أقل حدة، وكان أكثر سماحة مع مخالفيه. وهذا هو موضوع المقال التالي.

2 تعليقات

  1. عبد الواحد دليح says:

    السلام عليكم ورحمة الله،
    نشكر الأخ حمزة المزيني على هذه المقالات ولدي بعض الملاحظات أريد التنبيه عليها

    في التعبير السابع أضاف المؤلف كلمة ربما الحكام بين قوسين و لاأدري أهو من استنتاجاته أم هو لك وعلى كل فأنا أرجح أنه يقصد الأحكام أي الأحكام النجومية التي كانت سائدة في عصره و أظن أن هذا هو الأمر الذي جعله ذا تعبير حاد ضد الفلكيين المنجمين في ذلك العصر.
    وقد قرأت له في الفتاوى أنه قال أن معرفة حساب تعديل السبعة السيارة و هي الخنس الجواري الكنس كما قال بالثوالث و الروابع و الخوامس من مضيعة الوقت وقد كان المنجمون بهذه الحسابات المدققة يدعون علم الغيب من خلال التأثيرات الروحية للكواكب.
    أضف لذلك أن ادعاء الإحاطة بالرؤية في ذلك الزمن من نفي واثبات كان من عمل المنجمين ويعلم جميع المتخصصين أن القطع باثبات الرؤية بالحساب ليس ممكن لحد الساعة وذلك بعد توفر تقنيات و مقاييس جديدة كالتدقيق في درجة الحرارة و الرطوبة و الصفاء و الضغط الجويين فما بالك في ذلك العصر حيث لم يكن التدقيق متوفرا في القياسات التجريبية.
    ويعد هذا من الإيجابيات في فكر ابن تيمية في ذلك العصر ومن كمال علمه الذي يحمد عليه.
    وقد قرأت له كذلك أنه قال أن تعلم جهة الهلال أي السمت و معرفة ارتفاعه من الأمور المصدق بها وهي من شروط الرؤية كما قال وعليه فهو لا ينفي الحساب جملة في مسائل رؤية الأهلة وخير دليل على ذلك أنه رد قولا فقهيا وهو اجتماع صلاة الكسوف مع صلاة عيد الأضحى فقال أنه من المستحيلات العلمية حيث أن الكسوف لا يحدث إلا وقت الاستسرار وهو كون الشمس والقمر والأرض حلى محاذاة واحدة وهذا لا يحدث إلا عند الاقتران أو الابدار يوم الرابع عشر من الشهر القمري . وناقش كذلك تأثيرات أخرى وهي الارتفاع و الانخفاض لموقع الرصد وصفاء الجو وهما مؤثران لا يمكن القطع بهما إذ لكل منطقة خصائصها وهو ما يضاف كذلك لحسناته العلمية.
    وفق الله الجميع في رفع الجهل عن الأمة و تنوير دروبها العلمية و السلام عليكم.

  2. Ali M. Al-Shukri says:

    مقال مهم وجهد مشكور.
    كان هناك خلط بين علم الفلك والتنجيم في تلك العصور وحتى بعدها وان الكثير من العلماء وخاصة علماء الشريعة كابن تيمية كانوا يعتقدون بذلك. وقد ساعد الكثير من النفعيين المشتغلين بذلك العلم على ترسيخ ذلك المفهوم لدى معظم شرائح المجتمع وهذا سبب كافي لحدة ابن تيمية في شأن الفلك واعتداله في امور اساسية اخرى كما ذكر كاتبنا الفاضل. وفي اعتقادي ان ابن تيمية لو عاش في زمننا هذا لما تردد في الاخذ بالحساب في امكانية الرؤية لسعة افق تفكيره وتحليلاته وهذا ما يحتاج اليه الكثير من علمائنا الافاضل. واكرر الشكر والتقدير لاخونا الفاضل سعادة الدكتور حمزة المزيني على مساهماته المفيدة والمهمة في شأن الأهلة.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: