«

»

ديسمبر
14

الإمام السبكي (3)

أوردتُ في المقال السابق بعض آراء الإمام السبكي عن مسألة احتمال التعارض بين الشهادة برؤية الهلال وقول أهل الحساب بعدم إمكانها. وكما رأينا، فهو يرى الاعتماد على ما يقوله الحساب في حالة نفي الرؤية ويقدمه على قبول الشهادة.

ونظراً لأهمية آرائه في هذه المسألة أورد في هذا المقال مزيداً منها. ويمكن للمتأمل فيها أن يلمس مدى أهميتها لتقويم الطريقة التي كان يتعامل بها المجلس الأعلى للقضاء، وتتعامل بها المحكمة العليا الآن، في مسألة الشهادة بالرؤية المباشرة. وهي طريقة تقوم أساساً على الثقة المطلقة بعدد قليل من الأشخاص اعتادوا المبادرة بالشهادة بالرؤية التي كثيراً ما تكون واهمة.

وتتضمن آراء السبكي تفصيلات دقيقة لحالات من يتقدمون للشهادة برؤية الهلال، إضافة إلى وصايا مهمة للقضاة يحضهم فيها على الاستئناس بالحساب للتأكد من صحة الشهادة. وبعض هذه الوصايا نظري، وبعضها حكاية لأخطاء بعض القضاة الذين يثقون بمن يتقدم بالشهادة من غير انتباه لحالاتهم، ولا يستأنسون بما يقوله أهل الحساب. ويكاد كلامه يكون معاصراً لنا فيما يخص مشكل الاستعجال في قبول شهادة الواهمين، والتزكية التلقائية لأشخاص أثبت البحث الفلكي الدقيق خطأهم في الرؤية في أكثر الأحيان.

أما من حيث الشهود فيقول: «ولاشك أن بعض من يشهد بالهلال قد لا يراه، ويشتبه عليه، أو يرى ما يظنه هلالاً وليس بهلال، أو تريه عينه ما لم يرَ، أو يؤدي الشهادة بعد أيام ويحصل الغلط في الليلة التي رأى فيها، أو يكون جهله عظيماً يحمله على أن يعتقد في حمله الناس على الصيام أجراً، أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكى ويصير مقبولاً عند الحكام. وكل هذه الأنواع قد رأيناها وسمعناها».

وتعود بعض هذه العوامل إلى حالات الوهم التي يمكن أن يقع فيها من يتقدم للشهادة، لكنها ربما تعود، كما يقول، إلى نوازع أخرى كحب الشهرة، أو الحرص على أن يشهد له بالعدالة، أو لجهله، أو لمطامع دنيوية أخرى. ويؤكد السبكي أن هذه ليست مجرد ادعاءات واتهامات، فَقد خَبَرَها أو نُقلتْ له.

ويعني كلام السبكي وجوب الاحتياط من قبول شهادة الشهود تلقائياً، ووجوب استقصاء حالهم لتبرأ شهاداتهم من هذه العوارض التي يمكن أن تطعن في صحتها. ويقع عبء هذا الاستقصاء على القضاة الذين يجب عليهم التأني في قبول الشهادة والعمل على استنفاد السبل كافة للتأكد من صحتها.

وتتمثل أهم وسائل التأكد من صحة شهادة الشهود، كما يقول السبكي، في اللجوء إلى أهل الحساب. لذلك يقول إنه: «يجب على الحاكم (القاضي) إذا جرَّب مثل ذلك (من أنواع الشهود الواهمين أو الكاذبين)، وعرف من نفسه أو بخبر من يثق به أن دلالة الحساب على عدم إمكان الرؤية، أن لا يقبل هذه الشهادة ولا يُثبت بها ولا يحكم بها، ويستصحب الأصل في بقاء الشهر، فإنه دليل شرعي محقق حتى يتحقق خلافه. ولا نقول الشرع ألغى قول الحساب مطلقاً، والفقهاء قالوا لا يعتمد، فإن ذلك إنما قالوه في عكس هذا (أي في حالة الإثبات)، وهذه المسألة المتقدمة التي حكينا فيها الخلاف. أما هذه المسألة فلا. ولم أجد في هذه نقلاً ولا وجهاً فيها للاحتمال غير ما ذكرته».

فهو يؤكد هنا أنه يجب على القاضي في حالة النفي الاستعانة بمعرفته هو (أي القاضي) أو معرفة من يثق به من أهل الحساب إذا كانت الرؤية غير ممكنة حسابياً. ويؤكد أن «الشرع» لم يلغِ الاعتماد على الحساب، لأن الصورة التي مَنع من اعتماد الحساب فيها هي حالة إثبات رؤية الهلال فقط.

ويؤكد الاستعانة بالحساب في مسألة «اختلاف المطالع» التي كان يُنظر إليها بمعايير قديمة لم تكن تأخذ بحساب خطوط الطول والعرض. فهو يؤكد، حتى في هذه المسألة، أنه إذا «دل الحساب» على عدم إمكان الرؤية في بعض المناطق القريبة «فشهد اثنان أو ثلاثة على رؤيته مع احتمال قولهما بجميع ما قدمناه فلا أرى قبول هذه البينة أصلاً ولا يجوز الحكم بها».

وينفي أن يكون «القطع» بالحساب ناتجاً عن البرهنة العقلية. ذلك أنه «مبني على أرصاد وتجارب طويلة وتسيير منازل الشمس والقمر ومعرفة حصول الضوء الذي فيه بحيث يتمكن الناس من رؤيته. والناس يختلفون في حدة البصر فتارة يحصل القطع إما بإمكان الرؤية وإما بعدمه، وتارة لا يقطع بل يتردد، والقطع بأحد الطرفين مستنده العادة».

ويعني بـ«العادة» هنا تكرار الظاهرة بانتظام. وهو ما يعني أن الحساب ليس عشوائياً، بل حصيلة موثوقة لعمليات رصد منضبطة تكشف عن اطراد الظواهر الفلكية. وهذا ما يوجب الثقة بالحساب الذي يرصد تلك الظواهر.

ويؤكد رأيه بأوضح عبارة في قوله «إذا شهد عندنا اثنان أو أكثر ممن يجوز كذبهما أو غلطهما برؤية الهلال، وقد دلّ حساب تسيير منازل القمر على عدم إمكان رؤيته في ذلك الذي قالا إنهما رأياه فيه، ترد شهادتهما لأن الإمكان شرط في المشهود به، وتجويز الكذب والغلط على الشاهدين المذكورين أولى من تجويز انخرام العادة».

ويوجه القضاة إلى التأكد من عدم مخالفة شهادة الشهود للحساب، فيقول: «وحق على القاضي التيقظ لذلك، وأن لا يتسرع إلى قبول الشاهدين حتى يفحص عن حال ما شهدا به من الإمكان وعدمه، ومراتب الإمكان فيه، وهل بصرهما يقتضي ذلك أو لا، وهل هما ممن يشتبه عليهما أو لا. فإذا تبين له الإمكان وأنهما ممن يجيد بصرهما رؤيته ولا يشتبه عليهما لفطنتهما ويقظتهما ولا غرض لهما وهما عدلان» (قبِل شهادتهما، وإلا فليتوقف أو يَردها). و: «فلا يعتقد القاضي أنه بمجرد شهادة الشاهدين وتزكيتهما يثبت الهلال، ولا يعتقد أن الشرع أبطل العمل بما يقوله الحساب مطلقاً، فلم يأتِ ذلك. وكيف والحساب معمول به في الفرائض وغيرها»؟. ويروي السبكي حالات أثبت فيها القاضي الهلال احتجاجاً باختلاف المطالع. لكنه لم يقبل بحكم القاضي وامتنع من تنفيذ حكمه «عملاً بالاستصحاب المضموم إلى عدم إمكان الرؤية، والاستصحاب وحده دليل شرعي وقد قوي بذلك».

ويبلغ اعتداد السبكي بالحساب أنه يرى أن القاضي يمكن «أن يكتفي» في معرفة إمكان الرؤية من عدمها «بإخبار واحد (من أهل الحساب) موثوق به ويعلمه. أما اثنان فلاشك فيهما».

أضف تعليق