«

»

مارس
13

حتى قيمة 0.6 ليست كافية لرؤية الهلال ولا مذنب بان ستارز

التاريخ…. الإثنين 11 آذار / مارس 2013م….. استيقظت من النوم وبدأت الاستعداد للذهاب إلى العمل، وفجأة تذكرت أن اليوم قد يكون مناسبا لرصد الهلال بتقنية التصوير بكاميرا السي سي دي، وقد كنت منذ فترة طويلة أنتظر وضعية مناسبة للهلال (من حيث بعده عن الشمس) لإجراء بعض التجارب، فأريد معرفة تأثير تلوث الغلاف الجوي بالغبار على نجاح رصد الهلال، وقد كنت كتبت عدة أجزاء سابقة بهذا الصدد، ومن الأفضل قراءتها لتكوين فكرة أشمل عن هذا الموضوع. وهذه المواضيع هي: لم ير الهلال فماذا نستفيد؟ (الجزء الأول، الجزء الثاني، الجزء الثالث، الجزء الرابع).

نظرت من النافذة، ولاحظت أن زرقة السماء أكثر من الأيام العادية، فبدأت بالتحمس للرصد، فعملية الرصد هذه تحتاج إلى تشجيع حقيقي، فالراصد سيمكث تحت أشعة الشمس فترات طويلة، فلا بد من توفر همة عالية لإتمام الرصد، ومن الصعب أن أقنع نفسي فجأة فور الاستيقاظ من النوم أنني سأرصد بهذه التقنية اليوم! فحاولت تشجيع نفسي، إلى أن تذكرت أنه يمكنني استخدام التلسكوب أيضا عند الغروب لرصد المذنب بان ستارز، الذي أصبح بمثابة تحد للفلكيين كونه قريبا من الشمس مما يجعل رؤيته صعبة! علما بأن بعض التوقعات السابقة رجحت أنه سيكون شيئا عظيما! هنا بدأت بالتشجع…. فسأرصد الهلال نهارا، وبعد الغروب سأرصد المذنب… هذا شيء مشجع…. خاصة وأننا أعلنا لعامة الناس أننا سنرصد المذنب يوم الأربعاء المقبل، ومن الجيد إجراء تجربة قبل الرصد العام لمعرفة إمكانية رؤية المذنب فعلا….

حسنا! قررت! غيرت طريقي واتجهت إلى جمعية الإمارات للفلك حيث توجد الأجهزة، أخذتها واتجهت إلى العمل، وكنت سعيدا أنني خططت لذلك مسبقا فأرحت نفسي من عناء العودة من العمل إلى مقر الجمعية لأخذ الأجهزة….. خلال الطريق كنت أنظر إلى السماء وأحاول تقدير قيمة الـ AOD فزرقة السماء لفتت نظري في البداية، ولكن في الطريق بدأت أرى الغبار وألاحظ أن الأبنية البعيدة غير واضحة بسبب الغبار! قلقت! كانت هناك بعض الغيوم ولكن لم تكن بالتي تثير القلق….

 وصلت إلى مقر العمل، جلست قليلا، وزرت موقع ناسا لعرفة قيمة الـ AOD بالنسبة لأبو ظبي! لم تكن المحطة قد بثت نتائج اليوم بعد، فاطلعت على نتائج الأمس، حيث أن الجو لم يتغير كثيرا عن الأمس.. كانت القيمة مشجعة نوعا ما….. كنت متحمسا فلم أكمل فنجان القهوة، وذهبت سريعا إلى سطح البناية، وبدأت بتركيب الجهاز… ثم فجأة!!!! أين هذه القطعة!! أووووه! لقد نسيتها ولا يمكن إجراء الرصد بدونها!! فهي التي تصل التلسكوب بالقاعدة! تذكرت حينها اللحظة التي وقفت فيها أمام الأجهزة وأنا في الجمعية وقلت لنفسي هل نسيت شيئا؟ فلا أريد العودة إلى هنا من مكان العمل…. شعرت وقتئذ أنني سأعود…. ولكن لا أعلم لماذا سأعود!

نظرت إلى السماء وإذ بها ملبدة بالغيوم! واختفت الشمس! فكرت لبرهة! لم أغضب.. لم أنزعج! عدت سريعا إلى أبوظبي (حوالي 30 دقيقة) لأحضر القطعة… وخلال الطريق كنت ما أزال أرى الغيوم وهي تفترش السماء! قلقت قليلا فكلمت الأرصاد الجوية، عرفته بنفسي واستفسرت منه عن وضع الغيوم في أبوظبي، فما كان منه إلا أن بشرني باحتمالية سقوط زخات خفيفة من المطر! يبدو أنه لم يسمع جيدا أنني من جمعية الإمارات للفلك وأنني أفضل سماء صافية للرصد، ففي هذا التوقيت بالذات الأمطار ليست بشارة جيدة… على كل حال.. أعلم أن التنبؤ الجوي شيء لا يمكن الوثوق به… فأكملت طريقي، وما أن وصلت وبدأت بتركيب القطع إلا وانقشع الغيم وصفت السماء وسطعت الشمس! جميل جدا… بدأت الرصد، وعندي العديد من التجارب التي أريد عملها، فهناك برنامجين جديدين للتصوير الفلكي أريد تجربتهما، وكذلك أريد معرفة أقل قيمة لاستطالة القمر عن الشمس يمكن عندها رؤية الهلال من خلال هذه التقنية الجديدة. نحن نعلم مسبقا أن رؤية الهلال نهارا باستخدام هذه التقنية من منطقة مغبرة وهو على بعد 11 درجة عن الشمس ممكنة، ولكن لا نعلم الحد الفاصل، فكنت أفضل أن أبدأ الرصد والقيمة تساوي 11 درجة وأبقى مستمرا بالرصد إلى أن يختفي الهلال… بالنسبة لهذا الهلال فقد بدأت الرصد وهو على بعد 8 درجات عن الشمس، وستقل القيمة بمرور الوقت! إنها قيمة صغيرة بالنسبة لتجربتي وأظنها تحتاج إلى سماء صافية لرؤية الهلال!

على أي حال بدأت الرصد بحدود الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الإثنين 11 آذار / مارس 2013م، والرصد كان للهلال الأخير لشهر ربيع الثاني 1434 هـ. لم أر الهلال باستخدام البرنامج الأول، ولم أره باستخدام البرنامج الثاني… فقررت التأكد من دقة التلسكوب نفسه.. فوجهته نحو نجمة النسر الواقع، فجاءت في المنتصف تقريبا، ووجهته نحو كوكب المشتري فجاء منحرفا قليلا عن الوسط، وهذا شيء طبيعي لأن المشتري كان بعيدا الشمس، وطريقة ضبط التلسكوب نهارا تعطي دقة عالية للأجرام القريبة من الشمس ولكن الدقة تقل كلما ابتعدنا عن الشمس، فإذا كان المشتري البعيد عن الشمس قريبا من منتصف حقل الرؤية، فمن المؤكد أن الهلال سيكون في المنتصف. وفيما يلي صورة تبين موقع المشتري في حقل الرؤية أثناء الرصد.

عندها تأكدت من دقة التلسكوب وتأكدت كذلك أن ضبط البؤرة ممتاز. عدت مرة أخرى إلى الهلال ولكن لم أره أيضا، فقررت إجراء معالجة الصور بالطريقة التقليدية التي أعرفها جيدا، وهي أخذ الصور وتخزينها ومن ثم معالجتها بهدوء في المكتب، ففعلت ذلك… وعدت إلى المكتب وبدأت بالمعالجة المفصلة والدقيقة…. أيضا لم أر الهلال… هذه هي الصورة في الأسفل، فهل يرى أحد منكم الهلال؟ لا داعي للقول أنني رأيت في هذه الصورة ما يزيد عن خمسة أهلة بل ربما أكثر! ولكن ليس واحد منها هو الهلال فعلا، فإنني أعرف كيف يجب أن  تكون فتحة الهلال، ولم تتطابق أي من تلك الاهلة الوهمية مع شكله، باستثناء واحد في الصورة الثانية وقفت عنده كثيرا! وكنت على وشك أن أزعم أنني رأيت الهلال! ولكن لم أصل إلى مرحلة اليقين بأنه الهلال، لذلك لا يمكنني القول أنني رأيته! لقد أجريت اليوم ثلاثة أرصاد للهلال ما بين الساعة 11:26 والساعة 13:46 بالتوقيت المحلي، وقد تأكدت فيها جميعا من دقة توجيه التلسكوب وضبط بؤرته. 

حسنا! لم أر الهلال إذا! فلأزر موقع ناسا لمعرفة قيمة الـ AOD وقت رصدي من أبوظبي، الحمد لله بيانات اليوم موجودة، وحيث أنني وضعت مرشحا أحمر (طول موجته 685 نانوميتر) فسأعتمد قيمة أقرب موجة لها وهي 675 نانوميتر، اللافت للنظر أن قيم AOD كانت جيدة قبل أن أبدأ الرصد، ولكن عندما بدأت أول رصد لي كانت قيمتها تساوي 0.588، وسرعان ما ازداد الوضع سوءا وبشكل متسارع. للوهلة الأولى قد تبدو الأرقام جيدة، ربما لأننا اعتدنا في تدوينات سابقة أن نجد القيمة في أبوظبي تتجاوز الواحد، ولكن علينا ألا ننسى أن أي قيمة تساوي أو تزيد عن 0.4 تعني أن السماء غير صافية أبدا، بل حتى تصف إحدى المجلات الفلكية أنه عند القيمة 0.4 أو أكبر فإن الراصد لا يرى ليلا إلا العناقيد النجمية اللامعة فقط، والقيمة اليوم تجاوزت حتى 0.6.

إذا يبدو أن تجاوز الـ AOD لقيمة 0.6 يعني أنه لا يمكن رؤية هلال يبعد عن الشمس 08 درجات أو أقل! هل هذه نتيجة قطعية؟ بالطبع لا! هذا مجرد استنتاج أولي بحاجة إلى مزيد من التجارب والتكرار، وهذا كان أحد الأهداف الرئيسة لرصد اليوم!

طويت صفحة الهلال، وبدأت التحضير لرؤية المذنب، صعدت مرة أخرى للسطح في الساعة 17:30، أي قبل ساعة من الغروب، وبدأت بالرصد بالسي سي دي كاميرا، وتأكدت أكثر من مرة من دقة توجيه التلسكوب، وكنت بين الحين والآخر أرصد مباشرة عن طريق التلسكوب، ولكن أيضا لم أر المذنب! وبقيت أحاول حتى الرمق الأخير…. إلى أن غاب المذنب ولم أره.

عدت إلى المنزل وأنا أفكر بالموضوع، واستذكرت جملة في مجلة Sky and Telescope حول تأثير قيمة الـ AOD  على رصد الأجرام السماوية، حيث تقول الجملة:-

An AOD below 0.2 is good enough for most deep-sky work, up to 0.4 is satisfactory for bright star clusters and planetary nebulae, and anything above that means a very poor night for deep-sky observing.

http://www.skyandtelescope.com/howto/visualobserving/19331599.html

 وحيث أن المذنبات تعامل معاملة الأجرام السماوية البعيدة (المجرات والسدم والعناقيد) فهذا يعني أن قيمة سيئة للـ AOD تعني عدم إمكانية رؤية المذنب أيضا، خاصة وأنه في وهج الشمس وقريب من الأفق. وأثناء كتابة هذه التدوينة وصلتني رسالة من الدكتور خالد الزعاق تفيد بأنه تمكن من رؤية المذنب اليوم من منطقة بريدة الواقعة شمال الرياض بثلاثمئة كم. فبحثت كثيرا لأعلم قيمة الـ AOD بالنسبة لأبوظبي وبالنسبة له، خاصة في ظل عدم وجود معلومات عن قيمتها في كل من أبوظبي وفي البريدة وقت الرصد، إلى أن وجدت خارطة تبين هذه المعلومات، وهي المبينة في الأسفل، وعلى الرغم من أن الخارطة لا تعكس القيم الحقيقية، بل هي تتنبأ بالقيم، ولكن حيث أننا قريبون جدا من الموعد المتنبئ له، فالخطأ لن يكون كبيرا على الأغلب، ومنها نجد أن القيمة في أبوظبي كانت لاتزال قريبة من الـ 0.6 بل قد تتعداها إلى 0.8، أما في بريدة  فهي قريبة من 0.2، وبالتالي كانت من الطبيعي أن تكون رؤية المذنب من بريدة أسهل بكثير منها في أبوظبي! بالطبع إن لمعان هذا المذنب يجعله بمصاف “الأجرام السماوية البعيدة” اللامعة، ولكنه صعب الرؤية بسبب وقوعه في وهج الشمس، ومن جهة أخرى لو كان ألمع من  ذلك لتمت رؤيته حتى ولو كان الجو أسوأ، فكلامنا عن تأثير نقاء الغلاف الجوي انطبق عليه لأن ظروفه من حيث اللمعان والبعد عن الشمس جعلت رؤيته حساسة جدا للعوامل الجوية.

وإلى اللقاء في رصد آخر بقيمة أفضل للـ AOD.

2 تعليقات

  1. بشير جراح says:

    السلام عليكم
    بارك الله بك على جهدك المشكور

    حاولت عدة ليال من 8 -13 آذار ولم نر المذنب !! مع العلم انه مرت امسيات بعد غروب الشمس كانت صافية ولم نر شيء.,
    ومرت ايام وفيها سحب سماوية افقية ولا يمكن لرؤية شيء!!!

    اما البارحة 13 أذار رأيت الهلال فقط مرتفعا فوق بعض السحب وصورته … وبين الحين والاخر نستعمل التلسكوب 10x meade ولم نر المذنب…. يذكر ان موقع الرصد على ارتفاع حواي 900 متر فوق سطح البحر (البقاع الغربي).
    ا
    لحقيقة ينقصنا معلومات حسابية عن مسار المذنب فوق لبنان… فيا ريت احد يزودنا بها …وشكرالكم

    اخوكم بشير جراح
    لبنان -المرج

  2. عدنان قاضي says:

    محمد، زادت الله علما وندفع بك خلقه
    تحياتي

اترك رداً على عدنان قاضي إلغاء الرد

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: