«

»

مارس
14

أخيرا تمت رؤية الهلال في وضح النهار

لقد ختمت تدوينتي السابقة بجملة “وإلى اللقاء في رصد آخر بقيمة أفضل للـ AOD.” ولم يخطر ببالي أبدا أن هذا اللقاء سيكون في اليوم التالي! نعم… اليوم….. الثلاثاء 12 آذار / مارس 2013م، الثلاثون من شهر ربيع الآخر 1434 هـ.

في الطريق إلى العمل لفتت نظري الزرقة الشديدة في السماء! سماء لم أشهدها منذ فترة طويلة، وكانت الشمس قد أشرقت قبل قليل، وعلى الرغم من ذلك فإن ضياءها كان شديدا جدا! هذا اليوم لن أعتمد على قيم الـ AOD من محطة “مدينة مصدر” في أبوظبي، والتي يمكن الحصول عليها من موقع ناسا على شبكة الإنترنت، فيوم أمس عانيت من تأخر وضع القيم على الموقع، فاصطحبت معي اليوم جهاز قياس شدة إضاءة الشمس والذي يمكن من خلاله حساب قيمة AOD في أي وقت أشاء ومن منطقتي بالضبط. كانت نيتي أن أبدأ الرصد بحدود منتصف النهار عندما يصبح بعد القمر عن الشمس أكثر من حوالي 8 درجات. ولكن ما أنت وصلت مكان العمل وقمت بقياس قيمة الـ AOD ووجدتها تساوي 0.114 حتى اختلف الوضع جذريا! كانت الساعة حينها 07:39، لم أصدق للوهلة الأولى فأعدت الحسابات! ولكنها كانت صحيحة! إنني لم أحصل على مثل هذه القيمة سوى مرة واحدة من مدينة عمّان التي ترتفع حوالي 1000 متر عن سطح البحر! بل حتى إنني لم أحصل على مثل هذه القيمة في مدينة عمّان في جميع الأيام!

حسنا، كنت قد تركت التلسكوب على سطح المبنى منذ الأمس، فقررت الذهاب فورا لإجراء رصد للهلال، فهذه قيمة لا تعوض لصفاء الجو! وصلت إلى التلسكوب، ضغطت على مفتاح التشغيل، لكن!!! لم يتحرك التلسكوب، وأظهر لي خطأ أعرفه جيدا! فقد أتلفت إحدى محركات القاعدة! يبدو أنني كنت قاسيا عليه في الأمس! عندها توقفت لبرهة متأملا الحلول المتوفرة! فأسرعها هو الذهاب إلى أبوظبي لإحضار القاعدة الأخرى (فلحسن الحظ نملك اثنتين)، ولليوم الثاني على التوالي أعيد نفس السيناريو! وحتى لا أضيع الوقت ذهبت فعلا وأحضرت القاعدة الثانية، وخلال هذا الوقت الذي تجاوز 90 دقيقة كان صفاء الغلاف الجوي قد نقص قليلا إلا أنه ما زال جيدا. ففي الساعة 09:42 قمت بقياس الـ AOD مجددا وكانت القيمة تساوي 0.194. وفي ذلك الوقت بدأت قراءات محطة “مصدر” تظهر على الإنترنت، وقد اتفقت قراءاتنا، فتأكدت حينها من صحة قرءاتي.

توجهت إلى التلسكوب، وبدلت القاعدة، وبدأت فعلا بالرصد…. قيم صفاء الغلاف الجوي جيدة، ولكن أيضا لم أر الهلال! الذي كان حينها على بعد 6.8 درجة عن الشمس. تأكدت من دقة توجيه التلسكوب من خلال توجيهه على بعض النجوم، فكانت النتيجة أن التوجيه ممتاز. هنا، توقفت قليلا ودار حديث مع نفسي…. قلت لنفسي لقد صدعت رؤوس الناس بقصص الـ AOD وأنه السبب بعدم رؤيتنا للهلال، فماذا سأقول اليوم للناس، فلا عذر لي اليوم! في ذلك الوقت كان ارتفاع الهلال عن الأفق 43 درجة، وكذلك كانت هناك رياح شبه شديدة كانت تحرك التلسكوب نفسه أحيانا وإضافة إلى هذا كله كانت في السماء سحب لا تظهر جيدا بالعين المجردة ولكنها كانت واضحة جدا من خلال التلسكوب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى عند حديثنا الآن فإن القيمة التي تعنينا أكثر هي TOD وليس AOD، وللتذكير فإن قيمة AOD تعبر عن مقدار فقدان الأشعة القادمة من جرم ما (الهلال في حالتنا) بسبب التشتت والانعكاس والامتصاص الناتج بسبب الغبار والعوالق والدخان. أما قيمة الـ TOD فهي تشمل الـ AOD مضافا لها تأثير طبقة الأوزون، وقيمتها شبه ثابتة وهي 0.03، ومضافا لها قيمة أهم وأكبر وهي التشتت الناتج عن جزيئات الغلاف الجوي نفسة (نيتروجين وأكسجين) وبالنسبة للمناطق الواقعة على سطح البحر فإن هذه القيمة بشكل عام تساوي 0.06، وعليه فإن قيمة TOD في الساعة العاشرة صباحا كانت 0.282. إنها قيمة جيدة، ولكنها ليست رائعة. على كل حال، تذكرت أثناء رصدي للهلال من مدينة ميونخ مع مارتن أننا لم نر الهلال عندما كان منخفضا، ولم يظهر إلا عندما أصبح عاليا في السماء.

قررت أخذ استراحة والعودة مرة ثانية بعد ساعة أو ساعتين، وخلال الاستراحة شهدت الحالة الجوية اضطرابات عجيبة، فتارة تصبح الدنيا مغبرة لدرجة أصبحت ألمس الغبار على جسدي، ومن ثم تهدأ وتصفا، بقي الوضع كذلك حتى الساعة الواحدة ظهرا، عندها قررت الذهاب للرصد غير مكترث لا برياح شديدة ولا بسحب كانت بحق مزعجة… وقلت لنفسي…على الرغم من تلك العقبات ولكن لا بد أن تأتي فترة تهدأ فيها الرياح وتبتعد هذه السحب الخفية عن الهلال! ذهبت وبدأت الرصد…. ثم فجأة… رأيته!!! نعم رأيته!! بكل تأكيد رأيته… كانت الساعة حينها 13:35 بالتوقيت المحلي، وكان بعد الهلال عن الشمس 7.7 درجة، وكان ارتفاعه عن الأفق 66 درجة. إنه رقم قياسي بحق! أن يرى هلال يبعد عن الشمس هذه القيمة في وضح النهار عبارة عن إنجاز حقيقي. كنت حينها استخدم برنامجا يقوم بمعالجة الصور بشكل تلقائي ومباشر، فكانت تظهر أمامي صورة جديدة كل 10 ثواني، وتكون هذه الصورة معالجة ولا تحتاج أي عمل إضافي آخر. وبسبب الرياح والسحب، فقد كان يختفي الهلال أحيانا، ويظهر أحيانا أخرى، وتختلف إضاءته تبعا لسرعة الرياح وحركة السحب. بعد الانتهاء من الرصد قمت بقياس قيم الـ AOD و الـ TOD وكانت 0.182 و 0.270 على التوالي.     

إذا نعم، لقد طابق الواقع الكلام النظري، وأصبحنا نلمس فعلا وعمليا تأثير صفاء الغلاف الجوي على رؤية الهلال، والأهم من ذلك هو أن نستشعر أهمية أن يعلم الراصد قيمة الـ AOD عند رصد الهلال، فهي تعطي الراصد فكرة أولية وهامة عن وضع السماء وعن احتمالية رؤية الهلال. ومما لا شك فيه، أننا ما زلنا في مراحل مبكرة حتى نعطي حكما أو استنتاجا عن القيم المناسبة لرؤية الهلال، فنحن بحاجة إلى المزيد من التجارب لنصل إلى نتائج موثوقة ودقيقة.

ملاحظة: جميع قيم الـ AOD والـ TOD في هذه التدوينة كانت للون الأحمر على طول الموجة 625 نانوميتر

1 تعليق

  1. noureddine Amraoui says:

    سلام.
    لا تشاهدوا غرة جمادى الأولى يوم 12 مارس ، لا في ماليزيا,ولا في اندونيسيا ، يمكن أن يرى(بضم الياء,وفتح الراء) لكم، من المدن الأخرى التي تشترك في يومكم، و”اليوم القمري” لهذا الشهر يبدأ عند خط طول 140 غرب تقريبا
    ما رأيكم؟
    الجمعية الفلكية بماليزيا (تحري الهلال)

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: