«

»

أبريل
19

كيف تغيّر “المعلومات الكثيرة” (‘Big Data’) حياتنا

بين ما قبل التاريخ وحتى العام 2003، أنتجت البشرية كمّاً من المعلومات يقدّر بخمسة إكسابايت (ملايين الميغابايت) على شكل نصوص ورسومات وموسيقى وقياسات وحسابات، إلخ. وفي العام 2011 تم إنتاج نفس القدر السابق من المعلومات خلال يومين فقط. وفي عامنا الحاليّ 2013 سيكون بالإمكان إنتاج ذلك الكمّ كلّ عشر دقائق! إننا اليوم نسبح في بحر من المعلومات، بل سنغرق فيها إن لم نستطع مواكبة هذا المدّ الهائل بقدرة مناسبة على تحليل هذه الكميات الضخمة من المعلومات.

لقد ظهر مفهوم “المعلومات الكثيرةBig Data ” لأول مرة في العام 2006، وصار شائعاً في العام 2012 عندما جعل البيت الأبيض ومنتدى دافوس الاقتصادي العالميّ (ومؤسسات مهمة أخرى) هذا المفهوم قضية مركزية تحتاج الى متابعة واهتمام. ويتضمّن هذا الأمر فكرتين رئيسيتين : أولاً، نحن ننتج المعلومات حالياً بتزايد أسّيّ (متسارع)؛ ثانياً، نحن بحاجة إلى أساليب جديدة لتحليل المعلومات، إذ إنّ الأساليب القديمة لم تعد قادرة على مجاراة هذا النوع من المعطيات.

وحيثما التفتنا نجد إنتاج المعلومات يتم بوفرة من خلال كلّ نشاط في حياتنا المعاصرة: بواسطة حواسيبنا وهواتفنا الذكية وكاميراتنا وأنظمة تحديد الموقع GPS، بالإضافة إلى مختلف الأجهزة الرقمية الأخرى والمجسّات والماسحات كافّة، مثل التجهيزات الطبية وأدوات البحث وأجهزة الأمن وغيرها.

ولقد كان للشبكة العنكبوتية (الإنترنت) الدور الأعظم في ثورة ” المعلومات الكثيرة” هذه: فهناك 200 مليون من رسائل البريد الإلكتروني يتم إرسالها كلّ دقيقة، و 20 مليون من التغريدات على “تويتر” كلّ ساعة، ومائة ألف  ساعة بثّ للفيديوهات تُرفع على اليوتيوب كلّ يوم، وبلايين من التدوينات تضخّ المعلومات باستمرار. أليس من المثير أن نعلم أنّه خلال ساعة واحدة فقط يستطيع تدفّق المعلومات الذي توفّره شبكة الإنترنت ملء 10 بلايين من أقراص الـDVD ، وهو كمٌّ من الضخامة بحيث لو تمّ تكديس هذه الأقراص فوق بعضها لبلغت ارتفاعاً أكبر بعشر مرّات من ارتفاع قمة إفرست! ليس هذا فحسب، بل إن هذا الكمّ يتضاعف مرتين كلّ 20 شهراً.

حسناً، إنّ ما ذكر أعلاه يجلب معه بعض الأخبار الطيبة وبعض الأخبار السيئة أيضاً.

دعونا نبدأ بالجانب الأكثر إشراقاً من المسألة. إن المزيد من المعلومات يعني المزيد من فرص المعرفة، وبالتالي تحسينات أكبر على حياتنا والمزيد من التقدم للإنسانية. خذوا مثلاً كيف يمكن لتسجيل سلوك المستهلك (من خلال التخزين القانوني لمعلومات بطاقات الائتمان، وبيانات التسوّق وبحثنا على الإنترنت) وكذلك رصد عادات العمّال، كيف يمكن لكلّ ذلك أن يزيد من الإنتاجية ومستوى المبيعات.

لقد أشارت دراسة حديثة شملت 179 من كبرى الشركات إلى أن الجهات التي عملت على الاستفادة من “المعلومات الكثيرة”، ووضعتها في صلب استراتيجيتها، استطاعت أن تزيد من الإنتاجية بنسبة 5 إلى 6 بالمئة، اعتماداً على هذا العامل فقط. أما ما هو أكثر أهمية لسوق العمل، فقد خلُص تقرير صدر العام الفائت إلى أن الولايات المتحدة تحتاج وحدها ما بين 140,000 و 190,000 من العاملين القادرين على التعامل مع البيانات، وقدّر التقرير أن 1.5 مليون من المديرين بحاجة أن يكونوا ذوي قدرة على “قراءة البيانات”.

وفي العلوم، أصبحت “المعلومات الكثيرة” جزءاً من هيكلية البحث، خاصةً في المشاريع العلمية الضخمة مثل الجينوم البشري، والمسح الرقميّ للسماء، والمصادم الهادروني الكبير. ففكّ شفرة الجينوم البشريّ استغرق عشر سنوات وكلّف 100 مليون دولار في أول مرة تم تنفيذه (منذ عقد من الزمن)، بينما يمكن تنفيذه حاليا خلال أسبوع بكلفة أقلّ من 10 آلاف دولار، وسيكون بالإمكان تنفيذه قريباً خلال يوم واحد وبكلفة ألف دولار فقط، أي أسرع بـ500 مرة وأرخص كلفة بـ100 ألف مرة عن ذي قبل. وبالمثل، اكتشف الباحثون في المصادم الهادروني الكبير جسيم “هيغز″ فقط لأنهم استطاعوا انتقاء حدث واحد من بين 6 مليون خلال كلّ ثانية وحلّلوا البيانات على مدى 6 أشهر. إنه أمر أشبه بالعثور على إبرة في تلّة من القشّ.

وحتى المجالات المتنوّعة الأخرى مثل العلوم السياسية والرياضة فإنها تتطلّب الآن خبرة في تحليل البيانات، حيث يمكن لتأثير صغير مستخرج من “أطنان” من المعلومات أن يقدّم تفوّقا على المنافسين. على سبيل المثال، من خلال تحليل أنماط تعبير مستخدمي الفيسبوك “بالإعجاب” أو رصد اختياراتهم في قراءة بعض الأخبار ومتابعتهم لها يمكن تطوير استراتيجيات للحملات الانتخابية وجذب اهتمام الناخبين.

في المقابل، فإن “المعلومات الكثيرة” يمكن أن تتحوّل – إن لم نكن حذرين – إلى ما يسمى بـ”الأخ الأكبر” (المراقب الأكبر) بما تمثله من معرفة مفصّلة لمجاميع الناس وبالتالي من وصاية عليهم. فقد ظهرت شركات متخصصة بجمع البيانات وبيعها (تُعرف بـ”سماسرة البيانات”)، تجني أرباحاً هائلة من بياناتنا دون علمنا. ومن أمثال هذه الشركات “آكسيوم” التي تمتلك بيانات عن 500 مليون شخص في أرجاء العالم، بما في ذلك معظم المستهلكين في الولايات المتحدة، بما يشمل بيانات عن أعمارهم ومواقعهم ومستوياتهم التعليمية ومفضّلاتهم وعاداتهم في التسوّق، بل وحتى معلومات عن إن كانت المرأة حاملاً! شركة أخرى قامت بعقد شراكة مع موقع الفيسبوك وشركات بطاقات الائتمان القانونية لتجميع أطنان من البيانات حول عادات معيّنة للمستهلكين وبيع هذه المعلومات والتي يمكن أن تُستثمر لاحقاً من خلال إعلانات يجدها مستخدمو الفيسبوك على صفحاتهم أو في الواجهة لدى استخدام محرّك البحث جوجل، ناهيكم عن الإعلانات التي تنهال من خلال البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية.

أخيراً، هناك فكرتان مهمّتان أودّ إلقاء الضوء عليهما. أولاً، إنّ توفّر كمّ ضخم من البيانات لا يعني تحوّل ذلك تلقائياً إلى “معرفة”، بل قد يؤدي ذلك إلى استنتاجات خاطئة واكتشافات مغلوطة أو ما يسميه الخبراء “موجبات كاذبة”، وهو أمرٌ وضّحه  كتاب تصدّر مؤخّراً أرقام المبيعات للمؤلف “نيت سيلفر” الذي اختار له عنواناً معبّراً وهو  “الإشارة والضجيج”، يوضّح من خلال عرضه أمثلة لا تحصى  كيف يمكن للبيانات أن تحدث تشويشاً فتضلّلنا وتقودنا إلى استنتاجات واختيارات خاطئة. ولهذا يجب التأكيد على أن تحليل البيانات، وخاصة ذلك النوع الكثير، يتطلّب فهماً دقيقاً ومتطوّراً حتى لا نقع فريسة التشويش.

ثانياً، ثورة المعلومات المتسارعة هذه تعني ظهور احتياجات وظيفية جديدة : مستشارون وخبراء في تحليل البيانات، الذين يجري البحث عنهم حالياً في أرجاء العالم. وبالنسبة للمدرسين وواضعي المناهج، فإنّ هذا يعني الحاجة إلى تعديلات في المناهج التعليمية ومخرجات التعليم.

ويمكننا أن نختم بما ذكره المطوّر الاقتصاديّ “مارك لوتمان” مؤخّرا: “إن ثمانين بالمئة من وظائف المستقبل ليست موجودة بعد”، فنحن إذن بحاجة لإعداد الطلبة لوظائف وأشكال حياة الغد لا اليوم. 

1 تعليق

  1. ]d says:

    شكرا للأستاذ الدكتور قسوم على المقال الهم ،حركة الزمن وتدفق المعلومات بشكل سريع جدا ،يستحيل الإمساك بهما،لكن في أوطاننا العربية نشعر بالعكس ،الزمن يلتفت للخلف والمعلومات لا تحمل علما جديدا ولا أخبارا مبهجة…مقالك سيدي الفاضل يبرز كم هم كبار وكم نحن صغار،لكن نبهني أكثر إلى فعل الجوسسة الذي تستثمر فيه المعلوماتية المتدفقة. شكرا جزيلا

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: