«

»

يوليو
04

ماذا قال الفلكيون عن بداية شهر رمضان الحالي وهل هم مختلفون؟

قرأنا تصريحات لبعض الفلكيين يقولون فيها أن غرة شهر رمضان المبارك ينبغي أن تكون يوم الأربعاء، وقرأنا تصريحات أخرى لفلكيين آخرين يقولون فيها أن غرة الشهر ينبغي أن تكون يوم الثلاثاء! فما سبب هذا الاختلاف، وهل الفلكيون فعلا مختلفون؟ وماذا يريد الفلكيون على وجه الحقيقة؟ وهل الفلكيون بشر مثلنا؟  لهم عينان؟ ولسانا وشفتان؟

 نعم… أقول ذلك لأن هناك نسبة لا بأس بها من الناس تتعامل مع الفلكيين وكأنهم مخلوقات من كوكب آخر وتصفهم بأوصاف لا تليق بهم… ناسين أو متناسين أنهم موقوفون أمام الله ومسؤولون عما يقولون.

نحن كفلكيين نريد من الناس أن يعرفوا أولا ماذا يريد الفلكيون قبل أن يبنوا موقفا تجاه الفلكيين، فهناك فئة من الناس تعتقد خطأ أن الفلكيين يريدون إلغاء الرؤية، والاعتماد على الحسابات الفلكية لبدء الشهر الهجري. فإن كنت من هذه الفئة فيمكنك إكمال القراءة، لأن هذه التدوينة مكتوبة لك. أما إن كنت غير ذلك، فلا داعي لإكمال التدوينة، ويمكنك التوقف من الآن.

فالجل الأعظم من الفلكيين مع تحري الهلال، ويرى أنه يجب أن نبدأ الشهر بناء على رؤية الهلال، ولا نكتفي بالحسابات الفلكية فقط. إنما يطالب هؤلاء الفلكيون أن نبدأ الشهر بناء على رؤية صحيحة للهلال، وليست رؤية متوهمة أو خاطئة! فالاستئناس بعلم الفلك هو أحد الطرق السهلة والدقيقة لتطبيق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: “لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَال وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان ثَلَاثِينَ.” رواه البُخَارِيِّ. فكم مرة شهد أحدهم برؤية الهلال والقمر غير موجود في السماء! فهل يقبل أنصار الرؤية أن نبدأ الشهر والقمر غير موجود في السماء أصلا! أم أن السبيل لبدء الشهر بناء على رؤية صحيحة في زمننا الحالي يمكن ضمانه أكثر بالاستئناس بالعلم القطعي.

 قد يقول قائل، إننا غير مطالبين بغير رؤية الشهود، ولا ينبغي علينا الاستئناس بالحساب، فهكذا كان الأمر وقت الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول كان يقبل شهادة شاهد واحد لبدء الشهر. وعلى الرغم من ضعف هذا الحديث الذي يستشهد به البعض لبدء الشهر لمجرد شهادة شخص يشهد أن لا إله إلا الله، وبغض النظر عن هذا الطرح والفرق الزمني بين ذلك الوقت ووقتنا الحاضر. فإنه يجب على كل فريق أن يحترم رأي الآخر! ولا يتهمه في دينه بل ويدخل حتى في نيته! فلا يملك أي فريق من الفريقين الدليل القاطع على أنه هو المصيب والآخر هو المخطئ! لماذا لا تختلف آراؤنا ونبقى محترمين لبعضنا البعض؟! أم نسي البعض أن التسامح واحترام الآخر هي من أخلاق المسلم! أم يعتقد أحدهم أنه لا يمكن أن يبدي رأيه إلا إن شنع على من خالفه، واتهمه بالكذب والفسق، واحتكر الصواب لنفسه فقط!؟

خلاصة ذلك، إننا ندعو الفريق الآخر إلى أن يعي ما يريده الفلكيون…. وأن يعلموا قبل ذلك أن الفلكيين بشر مثلهم، ومنهم العلماء ومنهم طلبة علم شرعي أيضا! ولا أقول أن الفلكيين بشر مثل باقي الناس استهزاء، بل هي واقعة حقيقية حصلت مع أحد أستاذة الفلك في إحدى الجامعات العربية، التي يتعصب فريق من فقهائها تجاه علم الفلك. فبعد أن قابل أحد هؤلاء المشايخ الكبار هذا الفلكي في الجامعة واستمع له وعرف ماذا يريد، قال له ما يفيد بأنه تفاجأ من الفلكيين ولم يكن يظن أنهم أناس مثله يؤمنون بالله وأنهم مثقفون متعلمون!

وبعد ذلك نطلب من ذلك الفريق أن يحترم الرأي الآخر طالما أنه مبني على سند علمي وشرعي فقهي معتبر، بل وحتى قد يكون سنده أقوى من سند الفريق الآخر! فلا مشكلة في أن نختلف! بل المشكلة أن نصبح أعداء إذا اختلفنا!

بعد هذه المقدمة التي قد تكون أطول من صلب الموضوع، أدخل مباشرة في سبب ما قد يبدو للبعض أنه اختلاف بين الفلكيين، وأبدأ بسرد وضع القمر والشمس في سماء المنطقة العربية يوم الإثنين 08 يوليو، فالرؤية في ذلك اليوم مستحيلة من جميع المناطق الشمالية من العالم، وبعض المناطق الوسطى، وهذا يشمل العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية وشمال أفريقيا، وذلك بسبب غروب القمر قبل أو مع غروب الشمس، أما ما تبقى من مناطق العالم الإسلامي فإن رؤية هلال شهر رمضان منها يوم الإثنين غير ممكنة إطلاقا بسبب غروب القمر بعد الشمس بدقائق معدودة لا تسمح برؤية الهلال حتى باستخدام أكبر التلسكوبات الفلكية. وفيما يلي مواعيد غروب القمر والشمس يوم الإثنين، علما بأن موعد غروب القمر قد تم حسابه للحافة السفلى من قرص القمر وليس الحافة العليا، فالقمر يوم الاثنين سيغيب قبل غروب الشمس بثمان دقائق في كل من بغداد ودمشق وبيروت، وقبل غروب الشمس بسبع دقائق في عمّان وتونس، وقبل الغروب بست دقائق في الكويت والقدس والجزائر، وقبل الغروب بخمس دقائق في المنامة والقاهرة، وقبل الغروب بأربع دقائق في الدوحة وأبوظبي والرياض ومسقط وطرابلس، وقبل الغروب بثلاث دقائق في الرباط، وقبل الغروب بدقيقة في مكة المكرمة، في حين سيغيب القمر بعد غروب الشمس بدقيقة واحدة في صنعاء، وبعدها بدقيقتين في الخرطوم، وستكون أطول مدة لمكث للقمر في المنطقة العربية في نواكشوط حيث سيغيب القمر بعد غروب الشمس بسبع دقائق. ورؤية الهلال في جميع هذه المناطق السابقة هي ما بين مستحيلة وغير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب الفلكي حيث كان أقلّ مكث للهلال في التاريخ أمكن معه رؤيته بالعين المجردة هو 29 دقيقة. ونذكر بأن مواعيد غروب القمر هذه هي للحافة السفلى للقمر وليس العليا، وتم اعتماد الحافة السفلى لأنها الأهم في رصد الهلال، حيث أن الهلال يتواجد كله أو معظمه عند الحافة السفلى للقمر في حين تكون الحافة العليا مظلمة.

 الآن، بالنسبة للفلكيين الذين يعتبرون رؤية الهلال شرطا أساسيا لبدء الشهر، فإنهم سيقولون أنه بما أن الرؤية مستحيلة يوم الإثنين من جميع مناطق العالم الإسلامي، فإن الثلاثاء ينبغي أن يكون المتمم لشهر شعبان ويكون يوم الأربعاء أول أيام شهر رمضان المبارك، وهذا هو قول معظم الفلكيين. ولكن هناك قسم آخر من الفلكيين وهم الأقلية يقولون أنه بما أن القمر قد وصل مرحلة الاقتران ظهر يوم الإثنين وبما أن القمر سيغيب بعد الشمس يوم الإثنين في أجزاء من العالم الإسلامي، فإن هذا يعتبر شرطا كافيا لبدء الشهر ويعتبرون يوم الثلاثاء أول أيام شهر رمضان المبارك. فلنلاحظ أن كلا الفريقين متفقين على موعد الاقتران ومتفقين كذلك على مواعيد غروب الشمس والقمر وهم متفقون أيضا على أن رؤية الهلال غير ممكنة يوم الإثنين من العالم الإسلامي، إنما الفرق بينهم (ولا أقول الخلاف) هو أن قسما منهم يرى أن رؤية الهلال ضرورية لبدء الشهر فقالوا بناء على ذلك أن يوم الأربعاء هو غرة شهر رمضان المبارك، فيما يرى القسم الآخر منهم أن حدوث الاقتران وغروب القمر بعد الشمس في أجزاء من العالم الإسلامي يعتبر كافيا لبدء الشهر فقالوا بناء على ذلك أن غرة الشهر يوم الثلاثاء. في الحقيقة إن الخلاف بينهم فقهي وليس فلكي. ونحن نرى أنه ليس من تخصص الفلكي أن يخوض في المسائل الشرعية ولا ينبغي له أن ينصب نفسه فقيها فيحدد الشروط الفقهية لبدء الشهر! فهذه أمور فقهية ينبغي على الفقهاء البت فيها. وبعد الرجوع للفقهاء نجد أن معظمهم يرى أن رؤية الهلال شرط أساسي لبدء الشهر.

هذا ما يتعلق بالفلكيين، ومن جهة أخرى نجد أن هناك دول إسلامية أو مرجعيات فقهية لا تعتمد رؤية الهلال بل تعتمد الحسابات أو تعتمد رؤية الهلال من أي مكان في العالم، ومن هؤلاء تركيا ومكتب سماحة العلامة محمد فضل الله، حيث يقول كلاهما أن الشهر الهجري يبدأ إن كانت هناك إمكانية لرؤية الهلال من مكان ما في العالم (بالنسبة لتركيا) أو من مكان يشترك مع منطقتهم بليل (فضل الله)، وحيث أن هناك إمكانية لرؤية الهلال يوم الإثنين من قارة أمريكا الجنوبية فقد أعلن كلاهما أن يوم الثلاثاء هو غرة شهر رمضان المبارك. وقد استغل البعض إما تسرعا أو جهلا بهذه الحقائق هذه الإعلانات ليستدل بها خطأ على تخبط الفلكيين أو على جهلهم على حد قوله! فقد كان من الأحرى بالمشككين أن يتحروا الدقة فيما ينقلون أو يستنتجون، فقد وقعوا هم أنفسهم بما اتهموا به الفلكيين.

ومن جهة أخرى قد تلعب بعض وسائل الإعلام من دون قصد دورا في هذا التشويش، فقد يقوم الإعلامي الذي يحرر الخبر باختصاره أو يضع هو استنتاجاته في تصريح أحد الفلكيين فيشوهه، بل قد يؤدي ذلك أحيانا لتناقض في البيان نفسه! وقد حصل ذلك معي في شهر رمضان هذا! فقد طلبت مني إحدى الجهات الإعلامية تصريحا هو رؤية هلال شهر رمضان الحالي، وقد بدأته بالقول أن غرة شهر رمضان الحالي ينبغي أن تكون يوم الأربعاء باعتماد رؤية الهلال من العالم الإسلامي، فما كان من الصحفي إلا أن قام بإجراء بعد الاختصارات والتعديلات على البيان، كان من ضمنها أو وضع عنوانا للتصريح يقول أن غرة شهر رمضان هي يوم الثلاثاء! فكان البيان متناقضا بل حتى مضحكا! فكان العنوان أن غرة رمضان ستكون يوم الثلاثاء في حين كان أول سطر في التصريح يقول صراحة وبوضوح أن غرة شهر رمضان ستكون يوم الأربعاء باعتماد الرؤية.

خلاصة لما سبق، إن جل ما نطلبه هو عدم تسرع البعض في إطلاق الأحكام، بل وحتى عدم بناء الاستنتاجات على ينتشر في وسائل الإعلام والذي قد يكون معدلا أو حتى مشوها! بل الأحرى أن يستقي المهتمون المعلومات من مصادرها، وأن لا يبني استنتاجاته إلا بعد أن يتأكد أنه استوعب المعلومات الواردة فيه. وفي النهاية حتى وإن اختلف مع فريق ما فلا ينبغي له التشنيع على من خالفه،  فمن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد.


أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: