«

»

يوليو
14

صور وأرصاد فريدة لهلال شهر رمضان 1434 هـ

لم يكتف رمضان الحالي بتميزه بالبداية الموحدة في جميع الدول العربية ومعظم العالم الإسلامي، والتي لم نشهد لها مثيلا منذ عقود، بل وتميز أيضا بأرصاد وصور للهلال فريدة! كانت أولها يوم تحري الهلال يوم الإثنين 29 شعبان 1434 هـ الموافق 07 أغسطس/آب 2013م، حيث حدث الاقتران يومها في الساعة 07:14 صباحا بالتوقيت العالمي.

 في ذلك اليوم وأثناء تحضيري لمتابعة المستجدات حول نتائج تحري الهلال من قبل أعضائنا وما يتعلق بالإعلانات الرسمية التي بدأت الدول الإسلامية بإصدارها، فاجأني صديق لي في فرنسا اسمه تياري ليغول، وهو هاوي فلك من نوع آخر! فهو لا يعشق إلا تصوير الأحداث الصعبة! فقد سافر سابقا من فرنسا إلى سلطنة عمان فقط لتصوير حدث فلكي لا يظهر إلا من هناك، وهو من القلائل في العالم الذي يقوم بتصوير الهلال الجديد نهارا باستخدام الكاميرا، فاجأني ببريد إلكتروني في الساعة 09:33 صباحا بالتوقيت العالمي بصورة لهلال شهر رمضان التقطها وقت الاقتران تماما! في الحقيقة هي ليست أول مرة يصور تياري الهلال وقت الاقتران، فقد سبق وقام بتصوير هلال في وقت مماثل، وامتلك منذ ذلك الوقت لقب مصور أصغر عمر للهلال! طبعا هو أصغر عمر! فعمر الهلال هو صفر ساعة وصفر دقيقة! فلقد قام بتصوير الهلال لحظة الاقتران تماما، وقد كان حينها على بعد 4.4 درجة من الشمس!

خالطتني مشاعر مختلفة عندما رأيت الصورة… تبسمت…. شعرت بالسعادة…. ثم ارتبكت….. سعرت بالسعادة لأنني أحب هذا النوع من الأرصاد. فسبحان الله؛ لكل نوع من الرصد متعته الخاصة، فرؤية الهلال بالعين المجردة ليس كرؤيته بالتلسكوب فقط، وأيضا ليست كرؤيته بالـ CCD كاميرا. أما ارتباكي فكان بسبب أننا نعلم أن رؤية الهلال في ذلك اليوم بالطرق التقليدية (العين المجردة والتلسكوب) هي مستحيلة، لأن القمر سيغيب قبل غروب الشمس في معظم منطقتنا العربية، فخشيت إن قمت بنشر هذه الصورة أن تسبب استفزازا لمن اعتاد الشهادة برؤية الهلال حتى وهو غير موجود! فكنت على يقين أننا بمجرد نشر الصورة ستصل خلال دقائق لعدد مهول من الناس الذي كانوا متعطشين وقتئذ لمعرفة أي خبر وأية همسة متعلقة برؤية الهلال، وقد كان ذلك جليا على شبكة التواصل تويتر تحديدا!

فضلت التريث قليلا، فالصورة ستسبب إرباكا لا محالة، خاصة وأن معظم الناس لا يعلموا أصلا عن تقنية تصوير الهلال نهارا باستخدام الـ CCD كاميرا، فستختلط عليهم الأمور وسيعتقدوا أنها صورة لهلال أمكنت رؤيته فعلا إما بالعين المجردة أو بالتلسكوب، مسببة بذلك -عند البعض- شعورا بأن الفلكيين مخطئون بقولهم باستحالة رؤية الهلال في ذلك اليوم! ومن جهة أخرى قد تستفز أقواما آخرين فيرون الهلال رغما عنه! فأخرنا الإعلان عنها حتى غربت الشمس وأعلن من نخشاهم عدم تمكنهم من رؤية الهلال، فعندها فقط قمنا بنشر الصورة. وهذه الصورة التي نتحدث عنها والتي نعرضها تاليا هي عبارة عن تجميع لـ 4000 صورة تم التقاطها خلال ثواني باستخدام كاميرا متخصصة، ومن ثم تم تجميعها بواسطة برنامج حاسوب متخصص، وبعد ذلك تمت معالجة الصورة وتعديل قيم التباين، وعند التصوير تم استخدام مرشح أحمر لتحسين التباين. وفقط بعد ذلك كله ظهر الهلال في الصورة.

 

بعدما وصلتني صورة الهلال من قبل تياري في فرنسا بعدة ساعات وصلتني صورة أخرى للهلال تم التقاطها نهارا باستخدام الـ CCD كاميرا، ولكنها هذه المرة من مدينة مكة المكرمة! نعم إنها من مكة المكرمة! فأرسل أحد أصدقائي الفلكيين صورة الهلال في الساعة 07:33 مساء بتوقيت السعودية. لقد أرسل صديقي الصورة بعد الغروب إلا أنه قام بتصوير الهلال نهارا عندما كان موجودا في السماء. وتاليا هي صورة الهلال نهار يوم الإثنين من مدينة مكة المكرمة.  

 

 في الحقيقة إن لهذه الصور دلالات هامة جدا، فهي أبلغ رد على من يشكك في دقة الحسابات الفلكية أو يشكك فيما يقوله الفلكيون. إذ أنه عندما يكون هناك هلال في السماء يرى، فإن الفلكيين بحكم علمهم وخبرتهم سيكونون أول من يراه! وليس كما درجت العادة بأن يؤكد الفلكيون استحالة رؤيته ويقومون برصده ثم لا يرونه لا بأعينهم ولا بتلسكوباتهم، ثم يأتي أحد ما ويشهد برؤيته بالعين المجردة والقمر غير موجود في السماء أصلا!

قد يقول آخر لم يع مغزى القول أننا لسنا مطالبين برصد الهلال بكل هذه التعقيدات والكاميرات فالدين يسر وليس عسرا، والتكلف والتنطع مرفوض! فما علينا إلا الرصد بالعين المجردة، فإن جاء من يشهد برؤيته قبلناه ببساطة وبيسر بلا تكلف! في الحقيقة لا نريد لا التكلف ولا التنطع، وإن شاء من شاء أن لا يرصد الهلال إلا بالعين المجردة فلن نكون له من المعارضين! فوسيلة التحري ليست من تخصص الفلكيين، فهذه مسألة يحددها الفقهاء، فإن قالوا أن التحري لا يكون إلا بالعين المجردة، فأهلا وسهلا، فهذه ليست مسألتنا! إنما غاية قولنا أننا قد وصلنا مرحلة من التقدم بحيث أصبحنا نرى الهلال في وضح النهار وهو في وضع الاقتران باستخدام تقنيات حديثة، فقد آن لهذا العلم أن يستمع له ويلقى له بال! وقد آن أن لا تقبل شهاد أحد برؤية شيء يؤكد العلم القطعي الذي أنعم الله علينا به أنه غير موجود! بل في الحقيقة حري بالمسؤولين محاسبة هؤلاء المتوهمين على ما قاموا به من أخطاء متعمدة خلال سنوات عديدة خلت!

وقبل الانتقال للأرصاد الأخرى، قد يسأل سائل ويقول: بما أن الهلال كان موجودا يوم الاثنين بل وحتى تم تصويره، فلم لم نبدأ الصيام يوم الثلاثاء إذا! والجواب أولا هو أننا لم نكن بانتظار هذه الصور لنعلم أن الهلال كان موجودا يوم الإثنين، فنحن نعلم ذلك دون الحاجة لرصده وتصويره، وهذه حسابات بسيطة يعرفها أي مبتدأ في علم الفلك، ويعرف من خلالها موقع القمر وموعد غروبه وموعد اقترانه، ولكن هذه الرؤية تمت نهارا قبل غروب الشمس، وهناك قسم من الفقهاء يرى أنه لا عبرة برؤية الهلال نهارا ولا بد من أن يرى بعد غروب الشمس، وكما ذكرنا مرارا فالقمر قد غاب في معظم منطقتنا العربية قبل غروب الشمس، وبالتالي لم يكون موجودا في السماء ليرى في ذلك اليوم بعد غروب الشمس. ومن جهة أخرى هذا الهلال لم ير بالعين المجردة ولم ير كذلك باستخدام التلسكوب، بل تمت رؤيته من خلال تصويره مئات الصور، ومن ثم تم تجميعها في الحاسوب وتم معالجة الصورة كما أنه تم استخدام مرشح أحمر وأحيانا يستخدم مرشح تحت أحمر! فهذه الطريقة الجديدة لرؤية الهلال لم نجد لها جوابا فقهيا حتى الآن، ولكن لغاية الآن يميل معظم الفقهاء لعدم قبول هذا النوع من الرؤية أو على الأقل السكوت عنه حتى يتم بحثه والبت فيه فقهيا!

 وقبل الاستمرار في الأرصاد المميزة لشهر رمضان المبارك، نعرض تاليا خارطة تبين إمكانية رؤية الهلال يوم الإثنين 08 تموز / يوليو 2013 باستخدام برنامج المواقيت الدقيقة باعتماد معيار عودة، بحيث:-

- رؤية الهلال مستحيلة من المناطق الواقعة في اللون الأحمر بسبب غروب القمر قبل غروب الشمس أو/و بسبب حصول الاقتران السطحي بعد غروب الشمس.

- رؤية الهلال ممكنة باستخدام التلسكوب فقط من المناطق الواقعة في اللون الأزرق.

- رؤية الهلال ممكنة باستخدام التلسكوب من المناطق الواقعة في اللون الزهري، ومن الممكن رؤية الهلال بالعين المجردة في حالة صفاء الغلاف الجوي التام والرصد من قبل راصد متمرس.

- رؤية الهلال ممكنة بالعين المجردة من المناطق الواقعة في اللون الأخضر.

- رؤية الهلال غير ممكنة بالعين المجردة أو بالتلسكوب من المناطق غير الملونة، على الرغم من غروب القمر بعد غروب الشمس ومن حصول الاقتران السطحي قبل غروب الشمس، وذلك بسبب قلة إضاءة الهلال و/أو بسبب قربه من الأفق.

 وفي اليوم التالي وصلنا تقرير (نشر أولا مع الصورة في موقع تقويم مكة المكرمة) يفيد بأنه تمت رؤية الهلال بالعين المجردة يوم الإثنين من دولة بولينيزيا الفرنسية، وهي جزيرة تقع في وسط المحيط الهادئ وموقعها عند النقطة السوداء المبينة في الخارطة أعلاه، وقد تم تصوير الهلال كما هو موضح أدناه. وتكمن أهمية الرصد أنه تم من مكان يقع داخل المنحنى الزهري، ورؤية الهلال من هذه المنطقة ليس سهلة أبدا، بل تحتاج إلى خبرة وسماء صافية.

وفي مساء نفس اليوم الثلاثاء كلمني الزميل المهندس طارق هادي من العاصمة الأردنية عمّان، وأخبرني أنه تمكن من رؤية الهلال يوم الثلاثاء بالعين المجردة بصعوبة، وقد يسأل أحدهم: وما الأهمية في رؤية الهلال يوم الثلاثاء؟ وهل هي كانت صعبة أصلا؟ والجواب يكون بالنظر إلى خارطة إمكانية رؤية الهلال يوم الثلاثاء، وهي مبينة أدناه. ومنها نرى أن إمكانية رؤية الهلال من العالم العربي كانت ممكنة بالتلسكوب فقط في بعض الأجزاء وكانت ممكنة بصعوبة بالعين المجردة في معظم أجزاء الوطن العربي. وموقع مدينة عمّان قريب جدا من اللون الأزرق، وهذا يعني أن رؤية الهلال بالعين المجردة من مدينة عمان يوم الثلاثاء كان أصعب منها في بولينيزيا الفرنسية يوم الإثنين. ومثل هذه الأرصاد لها أهمية من الناحية العلمية إذ أنها تؤكد دقة المعايير الفلكية المستخدمة للتنبؤ بإمكانية رؤية الهلال، كما أنها تستخدم هي وغيرها لتنقيح المعايير وتحسينها.

ختاما، لا يسعنا إلا نشكر أعضاء المشروع الإسلامي لرصد الأهلة وأصدقائه لحماسهم في إرسال نتائج أرصادهم وتحريهم لهلال شهر رمضان المبارك، والتي يمكن الاطلاع عليها كاملة على موقع المشروع.

11 تعليقات

  1. عبد الرحمن says:

    شكرًا جزيلاً، و نتمنى في المرة المقبلة ان شاء الله نشر صور الهلال مباشرة بعد التقاطها لكي يعم النفع في حينه، و شهر رمضان مبارك.

    1. محمد عودة
      محمد عودة says:

      شكرا لك عزيزي الأخ عبد الرحمن على المتابعة والتعليق. في الواقع لقد قمنا في حينها بإرسال جميع هذه الأرصاد الهامة على حسابنا على تويتر @icoproject كما أن جميع هذه الأرصاد تنشر في حينها على موقعنا على شبكة الإنترنت (http://www.icoproject.org/icop/ram34.html)، وإضافة لهذا كله هناك قائمة بريدية لأعضاء المشروع يمكنك الانضمام لها (http://groups.google.com/group/icopmem)، وقد طرحت جميع هذه الأرصاد في حينها. إنما الهدف من هذه التدوينة هو تجميع هذه الأرصاد المهمة في مكان واحد ليطلع عليها من لم تسمح ظروفه سابقا بالاطلاع عليها، ولتكون لنا مرجعا في المستقبل. وحياكم الله عزيزي

  2. Abdalla Zubia says:

    بارك الله فيكم وفي مجهوداتكم وجعل ذلك في ميزان حسناتكم.

  3. نورالدين عمراوي says:

    شكرا على هذا التوضيح,يا أستا ذ

  4. ابو انس ملكاوي says:

    شكراً اخي المهندس محمد عودة على هذه الجهود المميزة ، واتمنى لك دوام التوفق/ اخوك محمود ملكاوي-المركز الجغرافي الملكي الاردني

    1. محمد عودة
      محمد عودة says:

      شكرا لك أستاذ محمود ولجميع من علق بهذه الردود الطيبة. جزاكم الله خيرا وشكرا على متابعتكم

  5. حسين الشيخ عيسى says:

    السلام عليكم
    بارك الله فيك أخي محمد على هذه التدوينة الرائعة من حيث دقة المعلومات وكذا التعبير الجميل فعلا كانت التدوينة مميزة من جميع النواحي
    أريد فقط ان انوه إلى تحقق رؤية الهلال بالعين المجردة في مدينة غرداية شمال الصحراء الجزائرية (الاحداثيات موجودة في التقرير) يوم الثلاثاء مع العلم أنها تقع في المنطقة الزهرية وهي كذلك من الحالات النادرة عندنا على الأقل منذ سنة 1998
    بارك الله فيكم ومزيدا من النجاح والتميز

    1. محمد عودة
      محمد عودة says:

      يااااه….. أولا أشكرك كثيرا على تعليقك…. في الواقع لقد نسيتها وبطريقة مضحكة! باختصار قررت أخذ استراحة أثناء الكتابة، وقلت لنفسي سأعود وأكتب عن رصد الجزائر وأختم! وعدت ولكنني نسيت موضوع رصد الجزائر تماما… سبحان الله. نعم رؤية الهلال بالعين المجردة من مدينة غرداية يوم الثلاثاء من الأرصاد الصعبة والهامة، وذلك مبين في الخارطة أعلاة. شكرا لك واعتذر عن ذكر ذكر رصدكم بسبب النسيان….

      1. حسين الشيخ عيسى says:

        لا شكر على واجب أخ محمد والعذر عند كرام الناس مقبول – كما يقال – أتصور مقدار الضغط والانشغالات الكثيرة عندكم خاصة هذه الأيام …
        نعم كما أشرت منذ مدة طويلة ونحن نحاول رصد هلال بالعين المجردة يقع في المنحنى الزهري والحمد لله وفقنا الله لذلك ونحن لازلنا نتعلم منكم ومن تجربتكم وفقكم الله وأدامكم في خدمة الدين والعلم … تقبل الله صيامكم والسلام عليكم

  6. عبدالله الأحمري says:

    (…..وم الإثنين 29 شعبان 1434 هـ الموافق 07 أغسطس/آب 2013م، حيث حدث الاقتران يومها في الساعة 07:14 صباحا بالتوقيت العالمي.).
    ملاحظة : في المقتطف أعلاه أنتم تقصدون 07 يوليو / تموز 2013 م (للتصحيح)

    السلام عليكم
    عزيزي الأستاذ المهندس محمد عوده
    مشكورن ومثابون إن شاء الله وأسأل الله أن يكتب لكم الأجر على مجهوداتكم القيمة في مجال الترائي …

    رغم حبي للتصوير فهو من هوايتي المحببة ولكني أرى التريث في الطرح و الإقتراب من التصوير بتقنية CCD كثيرا
    حتى توضع المعايير المناسبة والحيثيات الصحيحة والمعتمدة من متخصصين وذلك :

    حتى لا تستخدم هذه التقنية ويساء إستخدامها كدليل من قبل من يشهدون برؤية الهلال قبل ولادته
    وأحيانا يشهدون برؤيته وهو تحت الأفق !
    أيضاً لا زال هناك الكثير من العقبات في فهم(….. حسبان …) وسؤ فهم شرعي وعلمي عن الترائي.
    فيكف سيكون الوضع مع هذه التقنية.

    بارك الله فيكم ونفع بكم

    كابتن: عبدالله الأحمري/ جده

  7. محمد says:

    قال اللة تعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون
    فالعلم متفق مع القراءن والحسابات الفلكية مضبوطة والصورالتي تلتقط بالكمرات ادق فلماذاهذة الزوبعة فكل المسائل الفقهية تبنى على الدليل القطعي فاي دليل جازم لحسم الخلاف ناخذبه القراءن ردالشهادة الكذبةقال تعالى (واخران يقومان ويشهدان……..الخ)فالمقصودان ايام النبي كانت العين ادق شي يروابه ولاكنه اليوم تعتبر العين وسيلة بدائية لرؤية مثل هذافالكمراءادق ويجب الاخذبهاوتوثيقها

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: