«

»

يوليو
22

استمرار الدعوة للوهْم!

كتبتُ في رمضان العام الماضي مقالاً بعنوان «الدعوة إلى الوهم» ناقشت فيه إعلان المحكمة العليا عن طلب ترائي هلال الأشهر المرتبطة بالعبادات الموسمية في مساء التاسع والعشرين من الشهر السابق بغض النظر عن المعطيات الطبيعية للهلال. وبيّنت أن هذه الدعوة كانت، ولاتزال، سبباً رئيساً لمبادرة الواهمين بالشهادة برؤية الهلال حتى إن كان يغرب قبل الشمس في مساء ذلك اليوم أحياناً. وقد عادت المحكمة الموقرة إلى هذه الممارسة هذا العام بإصدارها بياناً (الشرق، 1434/8/7 هـ) تطلب فيه ترائي هلال شهر رمضان مساء الإثنين 1434/8/29 هـ.

ولم يراعِ هذا البيان حقيقة أن رؤية الهلال مساء 1434/8/29 هـ مستحيلة، بالعين المجردة أو بأية وسيلة أخرى.

وهذا ما تضافرت بيانات المراكز الفلكية العربية والإسلامية والعالمية عليه. ومن ذلك، مثلاً، البيان الذي نشره الدكتور علي الشكري، أستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، قبل أيام، من أن رؤية الهلال مساء الإثنين «من منطقة مكة المكرمة ستكون غير ممكنة لقربه الشديد جداً من الأفق» أقل بكثير من درجة، يغرب مع غروب الشمس (وسُمكه الضئيل جداً) حوالي 1.115 من الدرجة (وإضاءته الخافتة جداً) حوالي 1.2% من البدر «وهي دون تحسس العين البشرية المجردة وحتى دون قدرة المناظير الفلكية».

وتؤيد ذلك الحساباتُ الفلكية للمشروع الإسلامي لرصد الأهلة في الإمارات، وحسابات مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية التي تبين أن الهلال سيغيب بعد الشمس بدقيقة تقريباً في مساء الإثنين في أفق مكة المكرمة، ولو أنها حددت أن الثلاثاء أولُ أيام شهر رمضان بناء على معياريها المعروفين، وهما: أن يحدث الاقتران بين الشمس والقمر قبل الغروب، وأن يغرب القمر بعد الشمس في أفق مكة المكرمة بغض النظر عن مدة مكثه.

ومما يتصل بهذا الأمر أن الشيخ عبدالله بن منيع، عضو هيئة كبار العلماء، كان ينتقد، لسنين، الأخْذ بـ»شهادة» الواهمين الذين يزعمون دائماً أنهم «خبراء» في تتبع الهلال ومعرفة الليلة الأولى التي يظهر فيها بعد غروب الشمس ورؤيته تبعاً لذلك، بل يزعم بعضهم أنه يراه قبل غروب الشمس! وكان يصفهم بـ»الوهم» لأنهم -في نظره- كثيراً ما يشهدون برؤية الهلال مخالفين تقارير الحسابات الفلكية بعدم وجوده فوق الأفق في ذلك المساء.

وكان يرى، ولايزال، الاعتمادَ على الحساب الفلكي في «نفي» الرؤية، أي رد شهادة من يدعي أنه رأى الهلال إذا كان يغرب قبل الشمس.إلا أن الشيخ المنيع صار يرى رأياً جديداً لافتاً، منذ العام الماضي. وهو غريب منه بعد أن تزحزحت المحكمة العليا قليلاً عن الموقف الموروث من المجلس الأعلى للقضاء، الذي كان لا يعتدّ بالحساب الفلكي إطلاقاً. فقد صارت تستأنس بالحساب الفلكي في رد الشهادة برؤية الهلال إذا غرب قبل الشمس.

ويبيّن هذا الموقفَ الجديد قولُه («الوطن»، 1434/8/29 هـ) إنه «وفقاً للحساب الفلكي فإن يوم الثلاثاء (2013/7/9 م) سيكون أول أيام شهر رمضان المبارك… حيث إن الشمس تغرب مساء الإثنين الموافق 1434/8/29 هـ، ويغرب القمر بعدها، وإن الفرق الزمني بين غروب الشمس قبل القمر وغروب القمر بعد الشمس دقيقة واحدة، فيولد هلال شهر رمضان يوم الإثنين الساعة العاشرة و16 دقيقة صباحاً، وعليه يكون الثلاثاء الموافق 2013/7/9 م هو أول أيام شهر رمضان المبارك باعتبار الحساب الفلكي، فإذا تم ترائي هلال رمضان مساء الإثنين الموافق 1434/8/29 هـ، وجاء من يشهد برؤيته، وكان عدلاً مقبول الشهادة، فيجب قبولها فهي شهادة شرعية متفقة مع الحساب الفلكي، وإنه لا يمنع قبولها القول بعدم إمكان الرؤية، إذ أن العبرة بالواقع لا بالإمكان، ولقوله صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته». أما إن لم يُرَ مساء الإثنين الموافق 1434/8/29 هـ، وإن كان موجوداً في الأفق بعد غروب الشمس، فيجب إكمال شعبان ثلاثين يوماً، فيكون الثلاثاء الموافق 2013/7/9م هو المكمل لشهر شعبان، ويكون الأربعاء الموافق 2013/7/10م هو أول أيام شهر رمضان المبارك، إذ المُعتبر من الحساب الفلكي ما يقرره نفياً لا إثباتاً».

والملاحظ هنا أن الشيخ المنيع لم يحدد المكان الذي سيمكث في أفقه الهلال تلك الدقيقة الواحدة. أما هذا المكان فهو مكة المكرمة.

ويعرف القارئ الكريم أن الواهمين المبادرين بالشهادة يأتون دائماً من منطقتين قريبتين من الرياض يغيب الهلال عن أفقهما، مساء الإثنين، قبل دقيقتين من غروب الشمس. فهل يرى الشيخ الفاضل قبول شهادة هؤلاء (العدول دائماً!)، بناء على عدم تحديده المكان الذي يمكث في أفقه الهلال دقيقة بعد غروب الشمس؟

وهناك مشكل ثانٍ في هذا الموقف الجديد يبينه قولُه: «فإذا تم ترائي هلال رمضان مساء الإثنين الموافق 1434/8/29 هـ، وجاء من يشهد برؤيته، وكان عدلاً مقبول الشهادة، فيجب قبولها فهي شهادة شرعية متفقة مع الحساب الفلكي، وإنه لا يمنع قبولها القول بعدم إمكان الرؤية، إذ أن العبرة بالواقع لا بالإمكان».

ويُذكٍّر هذا بقوله العام الماضي إن: «القول بعدم إمكان الرؤية تقييد لقدرة الله تعالى أن يعطي بعض عباده قوة بصرية تحطم معايير إمكان الرؤية»(الرياض، 1433/9/5هـ).

وكنت علقتُ على هذا القول في مقال بعنوان «التحول المريب» (الشرق، 1433/9/14هـ) بيّنت فيه أنه يفتح الباب واسعاً للواهمين ليتجاسروا على الشهادة برؤية الهلال اعتداداً بما يزعمونه لأنفسهم من قوة أبصارهم التي تمكنهم من رؤية الهلال حتى قبل غروب الشمس!

كما يتصادم مع ما هو معروف علمياً من محدودية البصر البشري خاصة في وجود الوهج الشديد الناتج عن قرب الهلال من الشمس في تلك اللحظات، وخفوت ضوئه، مما يحول دون رؤيته حتى بأدق أجهزة الرصد المتمثلة في تقنية الــ CCD imaging الأحدثِ التي تفوق أدق التلسكوبات.

وخلاصة القول أن دعوة المحكمة العليا لترائي الهلال مساء التاسع والعشرين من الشهر بشكل تلقائي توحي بأنها ترى أن الهلال يمكن أن يخرج صدفة من غير اعتبار للمعطيات الطبيعية التي تحدد وجوده فوق الأفق أو عدمه. وكان الأوفق ألا تطلب المحكمة الموقرة ترائي الهلال إلا إن كانت رؤيته ممكنة.

كما لا يمكن الأخذ برأي الشيخ المنيع في إثبات دخول شهر رمضان هذا العام. ذلك أنه لم يحدد المكان الذي سيمكث الهلال في أفقه دقيقة تقريباً بعد غروب الشمس، هذا أولاً. وثانياً، أن رؤيته حتى في مكة المكرمة مستحيلة للمعطيات العلمية التي سبق الحديث عنها (وقد تعلل المتراؤون المعروفون لعدم تمكنهم من رؤية الهلال مساء الإثنين بالغبار الكثيف الذي عمَّ أجواء المملكة!). كما لا يمكن الركون إلى الادعاءات غير العلمية التي تزعم أن أشخاصاً اختُصوا بقوة بصر تخرج عن الممكنات البصرية البشرية.

1 تعليق

  1. علي بنعبد الرازق says:

    يقول العلماء المسلمون القدماء في مثل هذه الحالة إن القمر يكون في الاحتراق.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: