«

»

يوليو
28

حوار مع الشيخ عبدالله بن منيع

أشرت في مقالات سابقة إلى أن الشيخ عبدالله بن منيع، عضو هيئة كبار العلماء، كان لسنين طويلة، أشهر المنتقدين للطريقة التي كان يعمل بها المجلس الأعلى للقضاء في قبول شهادات الواهمين برؤية الهلال على الرغم من مخالفة شهاداتهم لواقعه كما يؤكده الحساب الفلكي. وكان رأيُه أنه يجب ألا تقبل تلك الشهادات إذا كان هناك ما يكذِّبها في ليلة الترائي.

وأشرت كذلك إلى أنه صار في السنوات الماضية القريبة يقول ببعض الآراء التي تفتح الباب لمجموعة الواهمين أنفسِهم ليدَّعوا رؤية الهلال في ليلة غرب فيها بعد غروب الشمس، وإن أكد الحساب الفلكي استحالة رؤيته بالعين المجردة. وقد غيَّر هؤلاء من طريقتهم، بالفعل، استئناسا برأيه!، فصاروا لا يشهدون إلا إذا قال الحساب الفلكي إن الهلال سيغرب بعد غروب الشمس (انظر مقالي «التحول المريب!»).

وملخص رأيه أنه إذا كان الهلال فوق الأفق وتقدم أحد للشهادة برؤيته فيجب قبولها بغض النظر عن ارتفاعه وبغض النظر عن الوقت الذي مكثه فوق الأفق بعد غروب الشمس. وحجته في ذلك أنه لا يستبعد أن الله يعطي بعض الناس قوة إبصار تفوق قدرات غيرهم! وكنت ناقشت هذا الرأي في مقالات سابقة وبينت عدم صحة هذه الحجة علميا.

وقد نشرت مجلة الدعوة (عدد2401، 1434/8/25 هـ ، ص 14-17) مقابلة مع الشيخ ابن منيع ورد فيها مزيد من الآراء غير الدقيقة علميا التي يمكن أن تشجع الواهمين بالرؤية على الاستمرار في أوهامهم المعهودة.

ومن العناوين التي وضعتها المجلة للمقابلة العنوان التالي المعبِّر: «النصوص صريحة في أن الشهر لا يثبت إلا بالرؤية والأخذ بالحساب في الإثبات طرح للنصوص الثابتة».

وأورد الشيخ الفاضل في المقابلة النصوص المعروفة التي يُحتج بها دائما لربط الصيام والفطر بالرؤية ثم عقب بقوله «وقد صدر قرار حكيم من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بوجوب الاقتصار في إثبات شهر رمضان دخولاً وخروجاً على الرؤية، وعلى هذا القول جماهير علماء المسلمين وفقهاؤهم قديماً وحديثاً».

والمشكل في هذا القول أنه يبدو أن «الرؤية» لا تعني إلا «الرؤية البصرية المباشرة». ويخالف هذا رأيَ هيئة كبار العلماء نفسِها بأن الرؤية بالمقربات البصرية رؤيةٌ، وما أفتى به الشيخ ابن باز -رحمه الله- من أن الرؤية بالمقربات رؤية كذلك.

ويتمثل مشكل حصر معنى «الرؤية» بـ«الرؤية البصرية المباشرة»، في أن الذين يدَّعون رؤية الهلال يتقدمون بشهاداتهم على الرغم من أن اللجان الرسمية الست التي كلفتها الدولة بالترائي، وتتوزع على مناطق المملكة كلها، لا تستطيع أن ترى الهلال الذي يدعي هؤلاء رؤيته في الليلة نفسها. ذلك مع أن هذه اللجان يُشرف عليها متخصصون موثوقون، ويشاركهم عدد من المهتمين، وتستخدم أحدث المقرِّبات الفلكية.

ومن الغريب أن يدعي أشهر الواهمين دائما، وتصدقه الجهات الرسمية!، أنه لا يمكن الاطمئنان إلى التلسكوبات لأن إعدادها في أماكن الترائي يستغرق وقتا طويلا وأنها تعمل ببرامج حاسوبية يدخلها الخطأ!

ولا يمكن أن يلام هذا الواهم على ادعاءاته هذه، بل يجب أن تلام الجهات التي تأخذ بشهادته الواهمة التي يدعمها بهذه الادعاءات التي تسخر من التقنيات المضبوطة والعلوم الناضجة الموثوقة! وهي ادعاءات تكفي وحدها، لرفض شهادته وشهادات رفاقه الواهمين الآخرين.

وقبول شهادة هؤلاء الواهمين يتناقض من حيث المبدأ مع ما يؤكده الشيخ المنيع في المقابلة من وجوب «التثبت من الرؤية»، وإعطاء التثبت منها ما تستحقه «من النظر والتثبت».

وتتضمن المقابلة كذلك آراءه المعروفة التي ترى الاطمئنان إلى الحساب الفلكي. ومن ذلك قوله إن علماء الفلك «في جميع أنحاء المعمورة من مسلمين وغيرهم لا يختلف بعضهم عن بعض في توقيت ولادة الهلال»، التي هي «قضية علمية لا تقبل الجدل ولا الاختلاف إلا عند منكري القضايا العلمية المعروفة لدى العلماء بالضرورة».

ويفصل في إجابته عن أحد الأسئلة أحوالَ الرؤية في عدد من النقاط. لكن الملاحظ أن تعبيره عن بعض المعطيات الفلكية يبدو متساهلا ومخالفا لما يقوله العلم عنها، ما يجعل كلامه مثيرا للَّبس، ويفتح الباب لتوهمات المتوهمين.

ومن تلك النقاط أنه: «إذا قال علماء الفلك إن الهلال مولود بعد الظهر وقبل غروب الشمس، ولكن لم يتقدم للجهة المختصة بإثبات الهلال من يشهد برؤيته، في هذه الحال أرى عدم اعتبار قول علماء الفلك بولادة الهلال إدخالاً للشهر، وأن العبرة بالرؤية الشرعية، وحيث لم تثبت فلا اعتبار للحساب». وقوله: «إذا قال علماء الفلك إن الهلال قد ولد قبل غروب الشمس، وجاء من يشهد برؤية الهلال، أرى اعتبار شهادته بعد التحقق من صحتها، فقد اتفق الحساب والرؤية على دخول الشهر».

وهذا الرأي غير ممكن علميا! فهو يوحي بأن من المحتمل أن يأتي من يشهد برؤية الهلال في هذه الحال! ذلك مع أن أقل مدة رؤي فيها بالعين المجردة بعد «ولادته» كانت 15 ساعة تقريبا. ويمكن الاستشهاد على عدم دقة هذا القول بحال هلال رمضان هذه السنة. فقد حدث الاقتران في الساعة العاشرة وست عشرة دقيقة بتوقيت المملكة صباح الإثنين 1434/8/29 هـ (قبل الظهر!). وغربت الشمس في مكة المكرمة مساء ذلك اليوم في الساعة السابعة وسبع دقائق، ومكث في الأفق دقيقة واحدة. ولم يتمكن أحد من رؤيته بأية وسيلة.

ولم ير أحد هلال رمضان في العالم بالعين المجردة إلا في إحدى جزر بولينيزيا الفرنسية في المحيط الهادي (مدونة كتبها المهندس محمد عودة، «المشروع الإسلامي لرصد الأهلة»). ومن المعروف أن توقيت المملكة يتقدم على توقيت تلك الجزر بثلاث عشرة ساعة. ويعني هذا أن الاقتران حدث هناك في الساعة التاسعة وست عشرة دقيقة مساء الأحد الموافق 2013/7/7م. وغربت الشمس هناك يوم الإثنين 2013/7/8م الساعة السادسة مساء تقريبا. ويعني هذا أنه مضى على «ولادة» الهلال في الوقت الذي رؤي فيه عشرون ساعة و25 دقيقة، ومكث 42 دقيقة، ومع هذا كانت رؤيته صعبة.

يضاف إلى ذلك ما سيحدث في هلال شوال. فسيحدث الاقتران الساعة 12,50 دقيقة من صباح الأربعاء 1434/9/30 هـ بتقويم أم القرى، وستغرب الشمس في مكة المكرمة الساعة 6,56 مساء. ويعني هذا أن عمر الهلال حينذاك سيكون 16 ساعة وست دقائق. ومع هذا لن يمكث في أفق مكة المكرمة إلا عشر دقائق بعد غروب الشمس وستكون رؤيته مستحيلة.
وفي المقال التالي مزيد من النقاش.

1 تعليق

  1. عبدالله الأحمري says:

    مقال رائع وأتفق معه فقد بدى التناقض في كلام الشيخ حفظه الله
    وقد كنت أستبشر ببعضها سابقا ولكن في الأخير عدنا للمربع الأول
    ويبدو أن إصرار هؤلاء المدعين برؤية المستحيل يجعل البعض في حرج…!!؟؟

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: