«

»

يوليو
31

العـرب هم أول من قالوا بعـودة المذنبات دورياً

أثناء زيارتي العلمية لجامعة بابل العراقية في حزيران 1993 ، بناء على دعوة رسمية من قسم الفيزياء للجمعية الفلكية الاردنية ، تحدث رئيس قسم الفيزياء  الدكتور وفيق شاكر رضا  بحماسة كبيرة عن مشروعه العلمي الكبير: جمع أخبار الأرصاد العربية حول الظواهر الفلكية و الطبيعية مثل السوبرنوفا ، الخسوف و الكسوف ،  المذتبات و الشهب و النيازك  … الزلازل و الأعاصير ..إلخ .

و هذه الأرصاد و الأخبار واردة في ثنايا الكثير من الكتب التراثية العريبة : في التاريخ و الأدب  و الجغرافيا و الرحلات  و مختلف مناحي العلوم و الفكر الأخرى . إن مشروع الدكتور وفيق شاكر  رضا ، يمثل عملاً ريادياً و فريداً  في دراسة التراث العربي ،  و يمكن أن  نعثر فيها على الكثير من الأخبار و المعلومات العلمية المثيرة ، كما برهن الدكتور وفيق على ذلك و اهتمت بكشوفاته هذه جامعة ديورهام  Durham البريطاتية .

وأخذنا سوية  نقرأ  و بصوت عالٍ بعض هذه النصوص التي اكتشفها ، نقرأها   باستمتاع كبير ، يسبب طرافة السرد في الكثير من الأحيان ، و فجأة شدني أحد النصوص  بقوة ، إذ  جاء في أحد النصوص التراثية ، أن المذنب الذي ظهر  في سماء الموصل  في عام 684 هجري ، هو نفسه الذي ظهر  في السنوات الهجرية  420  و 490  و  553  هجرية . و هذا لعمري  نص مثير جداً  ، لأننا معشر الفلكيين ، هواة و علماء  ، نعرف أن الفلكي البريطاني  إدموند هالي ، المتوفي  سنة 1742 م ، هو أول من قال بعودة المذنب الشهير بإسمه ، مذنب هالي ، الذي ظهر حينها في عام 1682 م ، فبرهن على أنه هو تفسه الذي ظهر في عام 1531  و في عام 1607 م و أنه سيعود للظهور في أيام عيد الميلاد  Christmass عام 1758 م ، و هذا ما حدث فعلاً . 

و في سنة 1705  أصدر  هالي  كتابه   A Synopsis of the Astronomy  of Comets 

و في هذا الكتاب استعمل هالي  قوانين نيوتن في الجاذبية  كأول إتسان في التاريخ بعد نيوتن نفسه . و في  هذا الكتاب  كتب  هالي أيضاً ، بأن مذنب  1682  هو نفسه المذنب الذي ظهر  سنة  1607 م و أيضاً في سنة 1531 م.  و بناء على الحسابات و على قوانين نيوتن تنبأ بعودة هذا المذنب  في  آواخر سنة 1758 .  و هذا ما حدث فعلاً  ، و عليه أطلق الفلكيون على هذا المذنب إسم ( مذنب هالي ) . و للأسف لم يعش هالي  ليعيش  لحظات  ظهور هذا المذنب كما تنبأ  به هو نفسه    ، لأنه توفي  في سنة 1742 م .

و استطاع الفلكيون  متلبعة ظهورات هذا المذنب  رجوعاً إلى الوراء في التاريخ حتى عام  240  قبل الميلاد  . و كان الصينيون قد شاهدوه في كل هذه الظهورات الثلاثين ، باستثناء ظهور سنة  164  ق.م  ، و لكن هذا الظهور  وجد أن البابليين قد وصفوا  ظهوره  بتفاصيل ـ و قد نقش ذلك على رقيم  مسماري ، عثر عليه في المتحف البريطاني سنة 1985 م .

         و الحقيقة أن فكرة عودة نفس المذنب للظهور ، أول من قال بها هو العالم الفلكي الفرنسي  كاسيني Cassini  مدير أحد المراصد الفلكية ، حين زاره الفلكي  إدموند هالي  لرصد مذنب عام 1680 ، فأطلعه كاسيني على كتابه حول المذنبات و قال له : إن هذا المذنب 1680  هو نفسه المذنب الذي  ظهر في  سنة 1577 م وسنة  1665 م . و اقتنع هالي بهذه الفكرة الجريئة ، فمن الصعب أن يكون هناك ثلاثة مذتبات بتفس السرعة و الاتجاه  و لها ايضاً نفس المدار .

و كتب إدموند هالي رسالة إلى نيوتن  ، اعترف فيها ، بأن فكرة عودة المذنبات ، قد سمعها من الفلكي Cassini  .  هذه الفكرة لم تخطر قبل ذاك على بال  أحد علماء الفلك .

و الآن نعود إلى النص العربي التراثي ، الذي  عثر عليه الدكتور وفيق شاكر رضا  من كتاب تراثي عربي ، حققه و نشره  في عام 1969 م  المستشرق Ulrich  Haarmann  تحت العنوان :

حوادث الفترة  بين سنتي  682 – 687 هجرية ، كما دوّنها  شمس الدين بن إبراهيم الجزري في كتابه ( حوادث الزمان ) ، و أيضاً أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري في كتابه ( كنز الدرر  و جامع الغـرر )  .

(أنظر النص في الرسالة التي بعثها إلي مشكوراً  البروفسور وفيق شاكر رضا)

 

و يقول هذا النص التراثي بأن المذنب الذي ظهر  في سماء مدينة الموصل العراقية سنة 1285 م هو نفسه المذنب الذي  ظهر قي السنة  1158 م  ،  و سنة  1096 م  و في سنة 1029 م .

إذن ، هذا القول  بعودة  مذنب و بشكل دوري (  هنا في هذه الحالة مرة كل حوالي 64.5 سنة ) سبق  ما قاله إدموند هالي  بفترة  1705 م – 1285 م =  420  سنة .  إن هذا لاكتشاف    عظيم ، يغير في كتابة التاريخ الفلكي ، و على الاتحاد العربي لعلوم الفضاء و الفلك و الجمعيات الفلكية في العالم العربي أن يعملوا على ذلك ، بالاتصال  بالمؤسسات الفلكية العالمية  ذات  العلاقة .

و آخيراً نضع فيما يلي النص  العربي ، مؤكدين و واثقين  من وجود آلاف  النصوص  العلمية   و الأرصاد لظواهر فلكية مختلفة ، و التي حين نجمعها  و نحققها ،  و نترجمها إلى اللغات الحية الأخرى ،  سوف تساعد في تصحيح  بعض سجلات هذه الظواهر الفلكية  و في إعادة  كتابة  تاريخ الفلك و العلوم الأخرى .

 ملاحظات  حول  النص

في النص التراثي  يظهر هذا المذنب  في السنوات التالية  :

سنة  1029 م  ثم في سنة 1096 م  : أي بعد  67 سنة

ثم يظهر في سنة 1158 م  : أي بعد  62 سنة بعد ظهور 1096 م

ثم ظهر في سنة 1285 م أي  بعد 127 سنة  ، مما يعني أن ظهوراً ما بين ظهور 1285م        و ظهور 1158  لم يشاهد  ، فإذا  قسمنا الفنرة 127 سنة على  2 فنحصل على رقم  63.5 ستة هي الفترة التي ظهر فيها المذنب بعد ظهور 1158  و قبل ظهور 1285 .

إذن  فإن فترة العودة  في كل مرة تتذبذب ما بين 67 سنة و  62 سنة ، أي بحوالي خمس سنوات

و هذا التذبذب  عادي و مألوف في المذنبات الدورية الأخرى التي نعرفها ، و على الأخص  في عودة ظهورات المذنب  هالي ، أشهر مذنب في التاريخ ، إذ نعـرف بتوثيق  30 ظهوراً  له ، ما بين سنة 240 قبل الميلاد و حتى عام 1985/1986 . فالتذبذب عنده يتأرجح  بين  79.25 سنة       و  74.4 سنة  ، أي ما يعادل : 4.85  سنة . أما إذا أخذنا الظهور  ما بعد القادم ، أي في سنة 2134 م  فيكون التذبذب : 79.25   -  72.67  =  6.58  سنة ، أي أن  التذبذب  يكون أكبر .

( بخصوص التذبذب في فترات عودة المذنب هالي ، أنظر الجدول التالي   )

 

إذن هناك  اختلافات طفيفة في دورية عودة هذا المذتب … و قد يعود ذلك إلى عدم الدقة  في نقل الروايات عنه  ، أو لأن تأثير جاذبية بعض الكواكب إذا ما صدف و أن اقترب منها  في بعض الظهورات ، و على الأخص كوكب المشتري و هناك اجتهادات علمية حول عوامل أخرى لا مجال لذكرها ، تؤثر في موعد العودة الدورية  للمذنب  .  و لكن الفكرة  صحيحة و جريئة  و قريبة من المنطق  العلمي المعروف عن فلك  المذنبات   .

و آخيراً يجب التحقق  في ماهية هذا المذنب  684 هحري ( 1285 ميلادي )  طبقاً  لجداول المذنبات المعروفة حتى الآن عند الفلكيين .     مرة أخرى ، على الاتحاد العربي  لعلوم الفضاء     و الفلك و الجمعيات الفلكية في العالم العربي ـ أن تقوم بواجبها  في هذا الموضوع .

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: