«

»

أغسطس
03

ماهية علوم الفضاء (معهد الفلك وعلوم الفضاء في جامعة آل البيت: رؤية من الداخل – الجزء 3)

معهد الفلك وعلوم الفضاء في جامعة آل البيت: رؤية من الداخل

الجزء 3: ماهية علوم الفضاء

في مجتمعاتنا المحلية، حين يُسأل أحد طلبة معهد الفلك وعلوم الفضاء—أو أحد خريجيه—عن موضوع دراسته فيجيب “علوم الفلك والفضاء”، تتراوح ردود الفعل الأولية ما بين الابتسامة الساخرة إلى التعليق الاستنكاري “إذاً سترسلون صواريخ إلى الفضاء؟!” أو “متى ستطلقون قمركم الصناعي؟!”.

هذا على مستوى المجتمع … أما في الوسط الجامعي والأكاديمي فالوضع ليس أفضل بكثير—كما رأينا في الجزء السابق وكما سنرى لاحقاً … إلى حد أن رئيس جامعة أسبق قد صرح لي ذات يوم بأن “الفضاء ليس ملكاً لنا” !! فجامعتنا، التي ينبغي أن تقود المجتمعات المحلية والمجتمع ككل وأن تكون منابر علم وتنوير، أصبحت هي نفسها منقادة من قبل المجتمع وإفرازاته السلبية … والجامعات التي ينبغي أن تقدم حلولاً لإشكاليات المجتمع وعيوبه أصبحت هي نفسها تعاني من هذه الإشكاليات والعيوب …   فما هي علوم الفضاء؟ وفيما تبحث هذه العلوم؟ وما هي تطبيقاتها؟ وهل يمكننا—كدولة نامية—أن نستفيد منها بل وأن نساهم فيها؟ أم أنها—كما ذهب ذلك الأكاديمي القيادي—حكر على الولايات المتحدة وروسيا والدول الكبرى؟!

في الحقيقة، إن مصطلح “علوم الفضاء” أصبح يستعمل بشكل فضفاض جداً اليوم ليغطي كافة العلوم والتقنيات المتعلقة بدراسة الفضاء القريب من الأرض وصولاً إلى أعماق الفضاء الخارجي (فهو في النهاية يتقاطع مع علم الفلك)—وهذا التعريف الفضفاض يستعمله مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي UNOOSA ومقره العاصمة النمساوية فيينا—ولنا عودة إلى هذه المؤسسة.

إن دراسة الطبقة الدنيا من الغلاف الجوي الأرضي (التروبوسفير) التي تجري فيها معظم تقلبات الحالة الجوية من غيوم وأمطار ورياح وعواصف—ويبلغ ارتفاعها المتوسط نحو 11 كيلومتر عن مستوى سطح البحر—هي موضع اهتمام علم الأرصاد الجوية (علم الأنواء الجوية) وعلم المناخ … أما الطبقات الأعلى، مثل الستراتوسفير والميزوسفير والأيونوسفير (الطبقة المتأينة)، فقد وجه العلماء اهتمامهم لدراستها حديثاً فيما يعرف بفيزياء الفضاء، وذلك بفضل تطوير المناطيد عالية الارتفاع وصواريخ السبر sounding rockets. إلا أن التطور الحاسم في هذا المجال قد جاء عام 1957 بعد إطلاق القمر الصناعي الأول “سبوتنيك-1″، والذي دشن رسمياً ولادة عصر الفضاء.

بعد ذلك التاريخ، أصبح بالإمكان دراسة ما يحيط بالأرض من وسط غازي (ما يعرف بالبلازما وهوغاز متأين) والفضاء ما بين الأرض والشمس (والرياح الشمسية)، وكذلك دراسة الأجرام السماوية الأخرى (كالقمر والكواكب وأقمارها والشمس والكويكبات والمذنبات …) من خلال المركبات الفضائية بأنواعها.

فالقمر (التابع) الصناعي هو أي جسم أطلقه الإنسان إلى الفضاء ليتحرك في مدار حول جرم فضائي طبيعي. ويميل الفلكيون وعلماء الفضاء إلى استعمال مصطلح “قمر صناعي” للإشارة إلى الأجسام التي توضع في مدار حول الأرض، بينما يميلون إلى استعمال مصطلح “مركبة مدارية” orbiter للأجسام التي توضع في مدار حول أي جرم فضائي آخر غير الأرض (كالشمس أو القمر أو الكواكب …).

وللأقمار الصناعية (والمركبات المدارية عموماً) وظائف متباينة للغاية، أوجزها فيما يلي:

1- الاستشعار عن بعد: وهو يعني تصوير القمر الصناعي للجرم الذي يدور حوله مدارياً (في الغالب هو كوكب الأرض) باستخدام الأشعة المنبعثة والمنعكسة طبيعياً عن هذا الجرم. وهذه الأشعة قد تكون في أي جزء من الطيف الكهرمغناطيسي، وبخاصة في مجال الأشعة تحت الحمراء والضوء المرئي. وهذا النوع يدعى بالاستشعار عن بعد الخامل passive remote sensing. إلا أن ثمة نوع آخر يدعى بالاستشعار عن بعد النشط active remote sensing، حيث يقوم القمر الصناعي بإصدار أشعة راديوية (مثلاً) باتجاه الجرم الذي يدور حوله ثم يقوم بالتقاط الأمواج الراديوية المنعكسة عنه (ما يدعى بالتصوير الراداري). أما تطبيقات الاستشعار عن بعد فمتباينة للغاية، منها: الأرصاد الجوية، وعلم المحيطات، واستكشاف مكامن المياه والثروات المعدنية والنفطية، والدراسات البيئية، والدراسات الزراعية …

2- الاتصالات الفضائية: وقد تنبأ كاتب الخيال العلمي البريطاني آرثر كلارك بإمكانية استعمال الأقمار الصناعية للاتصالات الفضائية عام 1945، إلا أن الفكرة لم تؤخذ جدياً … وحالياً، أصبح هذا المجال يحقق أرباحاً طائلة للمستثمرين في هذا القطاع (من خلال الأقمار المخصصة للاتصالات الخلوية أو تلك المخصصة للبث الفضائي التلفزيوني وغيرها …) !

3- أنظمة تحديد الموقع: وهي تعني استعمال منظومة من الأقمار الصناعية كمنصة فضائية مدارية بهدف تحديد مواقع النقاط والأجسام الواقعة على سطح الأرض. وربما أن أشهرها هي المنظومة المعروفة بأقمار الـ GPS التي أنشئت في البداية لغايات عسكرية … إلا أن دخولها إلى مجال التطبيقات المدنية ساهم في تطوير الجيوديسيا وعلم المساحة والملاحة بأنواعها …

4- التلسكوبات الفضائية: لا يسمح الغلاف الجوي الأرضي إلا بإنفاذ طيف الضوء المرئي والطيف الراديوي الآتيين من الفضاء، أما الأطياف الأخرى من الأشعة الكهرومغناطيسية فيتم امتصاص معظمها قبل أن تصل سطح الأرض. لذا، فإن ولادة عصر الفضاء قد أتاحت الفرصة للعلماء أن يرصدوا أجرام الكون بالأطياف الأخرى (أشعة غاما والأشعة السينية وفوق البنفسجية وتحت الحمراء) من خلال وضع التلسكوبات في مدارات فوق الغلاف الجوي، ما عمق فهمنا للكون وأجرامه—ويدعى هذا الفرع بالفيزياء الفلكية الفضائية space astrophysics .

5- الأقمار التجسسية والعسكرية: وهي متنوعة للغاية. ومنذ بداية التسعينيات أصبحت هذه الأقمار قادرة حتى على قراءة العناوين الرئيسية في صحيفة يحملها شخص واقف على سطح الأرض—مثلاً !

توجد بالطبع أشكال أخرى من المركبات الفضائية، ومنها المحطات المدارية التي يمكن أن يقيم على متنها رواد الفضاء، ومثال ذلك المختبر الفضائي سكاب لاب ومحطة مير الفضائية (قديماً) والمحطة الفضائية الدولية ISS. وعلى متن مثل هذه المحطات تجري تجارب في كل المجالات العلمية من الفيزياء وعلم المواد والكيمياء وعلم الحياة … حتى العلوم الهندسية المختلفة والعلوم الطبية والصيدلانية، وفي ظروف الجاذبية الصفرية. ويتم نقل رواد الفضاء بين الأرض والمحطة المدارية على متن كبسولات تحمل بوساطة الصواريخ. وسابقاُ استعمل الأمريكان مكوك الفضاء space shuttle لهذه الغاية (وهو ينطلق نحو المحطة الفضائية بمساعدة الصواريخ، وبعد انتهاء مهمته يعود المكوك إلى الأرض كطائرة).

أما المسابر الفضائية space probes على أنواعها، فتهدف إلى دراسة أجرام النظام الشمسي البعيدة من كواكب وأقمار ومذنبات وغيرها، وذلك إما بطريقة غير مباشرة (بالتصوير والتحليل الطيفي والفوتومتري)، بحيث يأخذ المسبار مداراً حول الجرم المستهدف أو يقترب منه دون وضعه في مدار كجسم بالستي (مقذوف)؛ أو بطريقة مباشرة وهذا يتطلب أن يهبط المسبار على سطح الجرم المستهدف (ما يدعى بمركبة الهبوط lander) وأن يقوم بأخذ عينات منه وتحليلها بطرق مختلفة (فيزيائية وكيميائية وجيولوجية …). ومركبات الهبوط إما أن يكون ثابتة أو متحركة (العربات الفضائية space rovers).

وجدير بالذكر أن الجرم الفضائي الوحيد الذي هبط عليه الإنسان من خلال مركبات مأهولة (أي تحمل بشراً) هو القمر، تابع الأرض، وذلك من خلال ست رحلات فضائية ضمن برنامج أبوللو بين عامي 1969 و1972، بحيث نزل رائدا فضاء في كل مرة ليصبح العدد الكلي إثنا عشر رائد فضاء وصلوا سطح القمر ثم عادوا إلى الأرض. أما بقية الرحلات المأهولة، فهي بين الأرض ومحطات الفضاء المدارية.

وسنترك موضوع إمكانية مساهمة الدول النامية في دراسة الفضاء وعوائد ذلك عليها إلى الجزء المقبل.

 

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: