«

»

أغسطس
03

حول علوم الطبيعة الأساسية (معهد الفلك وعلوم الفضاء في جامعة آل البيت: رؤية من الداخل – الجزء 4)

 معهد الفلك وعلوم الفضاء في جامعة آل البيت: رؤية من الداخل

الجزء 4: حول علوم الطبيعة الأساسية

بعد أن عالجنا سابقاً علوم الفلك والفضاء من منظور معرفي مع إشارة إلى بعض تطبيقاتها، وقبل أن نطرح بعض التساؤلات الحتمية، من قبيل: ماذا قد تستفيد الدول النامية (ومنها الأردن) من التدريس والبحث العلمي في تخصصات علوم الفلك والفضاء؟ ألا تعتبر هذه العلوم ضرباً من “الترف العلمي” بالنسبة للدول النامية؟ ألا توجد أولويات أكثر أهمية في الوقت الراهن؟ … وبما أن علوم الفلك والفضاء تنتمي إلى العلوم الطبيعية (التي لها تسميات أخرى كالعلوم البحتة pure sciences أو العلوم الأساسية fundamental sciences)، لا بد أولاً من طرح التساؤل الأشمل: لماذا العلوم الطبيعية (الفيزياء والكيمياء وعلم الحياة وعلم الأرض وعلم الفلك …)؟ وهو تساؤل قد يطرح حتى في الدول الصناعية المتقدمة من قبل عامة الناس أو من قبل الإداريين والسياسيين.

إن أكثر ما يزعج الباحثين في علوم الطبيعة هو السؤال الاستنكاري “ماذا نستفيد من دراسة هذه الظاهرة الطبيعية؟” أو “ما هي العوائد الاجتماعية و/ أو الاقتصادية من دراسة هذه الظاهرة أو تلك؟” … إذ يعرف الباحثون في مجال العلوم الطبيعية أن غايتهم الأساسية من البحث العلمي عموماً هي الحصول على فهم أفضل للطبيعة أو إحدى ظواهرها. فالغاية هي معرفية بالدرجة الأولى. إلا أن إجابة كهذه—مع أنها الإجابة الصادقة—قد لا ترضي رجال السياسة أو الإدارة أو رجال الأعمال، ممن يبحثون عن عوائد مادية مباشرة.

لكن علم الفلك تحديداً، عدا عن سعيه للحصول على فهم أفضل للكون وظواهره، يساهم في بناء رؤية لهذا العالم، كما يساهم في بناء شخصية الإنسان (ما يمكن تسميته بالوعي الفلكي) … فالإنسان المثقف فلكياً يصبح قادراً على طرح تساؤلات علمية—وفلسفية—كبرى حول نشأة الكون وأجرامه المختلفة، بل حول مصير هذا الكون وأجرامه المختلفة … والإنسان الذي اعتقد—في مرحلة ما—بأن الشمس هي مركز الكون هو—على الأرجح—أكثر تواضعاً وأقل أنانية من ذلك الذي اعتقد بأن الأرض هي مركز الكون … والإنسان الذي يعرف—حالياً—بأن الشمس هي نجم مما لا يقل عن 100 مليار نجم في مجرتنا “درب التبانة” هو أقل أنانية … وذلك الذي يعرف بأن شمسنا تقع في “ضواحي المجرة” لا في مركزها هو أقل أنانية أيضاً … والإنسان الذي يدرك بأن هناك ما لا يقل عن 100 مليار مجرة مثل مجرتنا في هذا الكون هو أقل أنانية … والإنسان الذي يدرك عدم وجود مركز لهذا الكون هو أيضاً أقل أنانية … إلا أن ما يثير دهشتي حقاً هو أنه ما زال بيننا أشخاص يعتقدون بأن الكون وأحداثه تتمركز حولهم شخصياً!!

في المقابل، بعيداً عن الفهم الأفضل للكون وعن بناء الشخصية، دعونا نأخذ بعض الأمثلة التاريخية للعوائد التطبيقية للعلوم الطبيعية عموماَ. على سبيل المثال، فإن الفيزيائي الإنجليزي إسحق نيوتن قد أرسى في كتابه “المبادئ الرياضية لفلسفة الطبيعة” مبادئ علم الحركة (الميكانيكا) والجاذبية. فمن كان يمكنه أن يتخيل—من معاصري نيوتن—أن كتاباً يحمل عنواناً مجرداً كهذا سوف تكون له تطبيقات تكنولوجية هائلة: فكل آلة صناعية، وكل مركبة نقل (من السيارة إلى القطار، ومن السفينة إلى الغواصة، ومن الطائرة إلى المركبة الفضائية …) تدخل في توصيفها قوانين نيوتن هذه …

ولو أخذنا مثالاً آخر، لكن من فيزياء القرن العشرين، هو النظرية العامة في النسبية (للفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين)—التي هي نظرية فيزيائية رياضية في هندسة الزمان والمكان ومعالجة محدثة لمفهوم الجاذبية (أدت هذه النظرية في النهاية إلى مفاهيم غير متوقعة بل وغاية في الغرابة، مثل توسع الكون وعدسات الجاذبية والثقوب السود  …). لم يخطر ببال أحد أن مثل هذه النظرية المجردة سيكون لها تطبيقات تكنولوجية مهمة. فلولا إدخال تأثير تباطؤ الزمان بالقرب من الكتل الكبيرة في حسابات منظومة أقمار تحديد الموقع GPS لنتجت أخطاء (تراكمية) في قدرة هذه المنظومة على تحديد مواقع النقاط والأجسام على سطح الأرض، ما يعني في النهاية فشلاً كاملاً لهذه المنظومة من الأقمار ذات التطبيقات الهائلة—أنظر الجزء (3) من هذه السلسلة.

في المقابل، دعونا نأخذ مثالاُ على الفرق بين البحث العلمي الأساسي وذلك التطبيقي. ومثالنا هو التأثير الكهروضوئي photoelectric effect. فقد لاحظ بعض العلماء في القرن التاسع عشر خروج إلكترونات (أو حصول شرارة كهربائية) من بعض المواد إثر تعرضها لأشعة الضوء أو للأشعة فوق البنفسجية … إلا أن التفسير والتوصيف المقداري الدقيق لهذه الظاهرة قد جاء عام 1905 على يد ألبرت أينشتاين، وهو الأمر الذي زاد من فهمنا للطبيعة الكمومية للضوء والجسيمات على حد سواء—هذا من منظور العلوم الأساسية. أما من منظور العلوم التطبيقية والهندسية، فقد أدى هذا المفهوم في النهاية إلى تطبيق تكنولوجي مهم، ألا وهو الخلايا الضوئية الجهدية photovoltaic cells (ما يعرف عموماً بالخلايا الشمسية التي تولد الكهرباء من ضوء الشمس). وتتركز البحوث الهندسية والتطبيقية حالياً في كيفية زيادة كفاءة الخلايا الشمسية لإنتاج أكبر كمية ممكنة من الكهرباء.

إذا، فالبحوث والاكتشافات في علوم الطبيعة الأساسية لا تهدف إلى إنتاج “تطبيق” ما بقدر ما تهدف إلى الحصول على فهم أفضل للطبيعة أو إحدى ظواهرها—بمعنى ما هي البحث العلمي لذاته. لكن، هذا الفهم الأفضل للطبيعة وظواهرها قد يعود علينا بالفائدة والتطبيق بعد عام أو عشرة أو مائة—لا نستطيع القول مسبقاً! وهذا ليس بالمصادفة، فالتطبيق التكنولوجي يتطلب فهماً أفضل لآليات عمل الطبيعة (قوانينها) نوعياً ومقدارياً بغية تسخيرها، وهذا الفهم لا يأتي إلا عن طريق علوم الطبيعة الأساسية.

يمكننا الآن العودة إلى بعض التساؤلات المبدئية حول علوم الفلك والفضاء. حيث يسلم البعض بأن لعلوم الفضاء تطبيقات عملية مهمة هي الأقمار الصناعية وتطبيقاتها (كما رأينا في الجزء 3 من هذه السلسلة) التي تدخل في الاتصالات الفضائية والملاحة وتحديد الموقع والاستشعار عن بعد والأرصاد الجوية … لكن، هل هناك تطبيق عملي ما لعلم الفلك أو للفيزياء الفلكية، أم أنه “علم محض”؟

في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، دعونا نتخيل لو أن النظام الشمسي (أي الشمس وما حولها من كواكب وأقمار وأجرام أخرى) كانت محاطة بسديم كثيف من الغبار والغاز بحيث أنه يحجب عنا رؤية أية نجوم أو مجرات أو غيرها من أجرام الفضاء البعيدة … هل يمكن أن يكون لهذا أي تأثير سلبي على حياتنا؟ يمكننا أن نتخيل—في حالة كهذه—أن التاريخ الأسطوري الميثولوجي والشعري الملحمي للبشرية كان سيختلف جذرياً … لكن ليس هذا فقط، بل إن المغامرة البشرية في الاستكشافات والفتوحات الجغرافية كانت ستتاثر سلبيا بسبب تأثر الملاحة البحرية! تخيلوا قبطان السفينة في عرض البحر دون نجوم يهتدي بها ليلاً. وعلى سبيل المثال، لقد عرف العرب والمسلمون تاريخياً—في عصور كنا فيها منتجين للعلم وأدواته لا مجرد مستهلكين—أن الارتفاع الزاوي للنجم القطبي عن الأفق كما يراه الراصد يمثل زاوية دائرة العرض لذلك الراصد.

ومن جهة أخرى، فإن الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية على اختلافها مزودة بأنظمة متباينة تساعدها على حفظ التوازن (كالجيروسكوبات) وعلى تحديد البعد والسرعة والتسارع (كمقياس التسارع وأنظمة الرادار) وعلى تحديد الاتجاه (أجهزة تتبع النجوم). ففي الفضاء الخارجي الخالي من التضاريس، فإن الوسيلة الأنجح لتحديد الاتجاه، خاصة على المدى المتوسط والبعيد، هي النجوم التي هي بمثابة “الرصيف الثابت” في الفضاء. لذا لو تخيلنا أن تلك النجوم قد حجبت عنا (كما افترضنا أعلاه)، فإن مصير الأقمار الصناعية وتطبيقاتها هو الفشل المحتم! وهذا مثال بسيط على أهمية علم الفلك حتى بمعناه الكلاسيكي (أي معرفة مواقع النجوم والأجرام السماوية وحركاتها) لعصب الحياة المعاصرة (أي الأقمار الصناعية وتطبيقاتها) …

وأما إمكانية مساهمة الدول النامية في علوم الفلك والفضاء فسنترك مناقشتها إلى الجزء التالي.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: