«

»

أغسطس
06

عندما يختلف الفلكيون في تصريحاتهم

لتحديد بداية الأشهر الهجرية فهناك أكثر من معيار فقهي معمول به في الامة حاليا، ولكن عندما يتبنى الفلكي أحد هذه المعايير الفقهية بالذات دون غيره ويعلن نتائجه الفلكية استنادا إليه، فهو بالتاكيد قد خرج في هذه الجزئية عن النطاق العلمي الفلكي الصارم المعروف بنتيجة الأحادية. وهذا بالضبط ما فعله بعض الفلكيين في تقدير غرة شوال لهذا العام. ولهذا قد تجد رأيين صوابين وربما ثلاث آراء صائبة ولكنها مختلفة.

 من الواضح أن علم الفلك علم يقيني قطعي بحيث أنه لا يتصور أن يخرج فلكيان بنتيجتين حسابتين مختلفتين صحيحتين لمسألة فلكية واحدة. فلو سألنا كل فلكيي العالم عن الموعد القادم لخسوف القمر أو كسوف الشمس أو حتى مواقيتها بعد قرن من الزمان، فسوف يأتون بنتائج متشابه تماما. وفي أسوأ الحالات قد تصل الفروق الحسابية -ولا أقول الاختلافات- الى دقيقة أو أجزائها. أما أن يصرح الفلكيون أنفسهم بمواعيد تصل فيه الفروق إلى يوم كامل فيما يخص غرر رمضان وشوال، فهذا بالتأكيد لا يطاق ولا يبرر مطلقا.

كفلكي أعتقد أننا بمثل تلك التصريحات إنما نسيء الى انفسنا في كل مرة نحاول فيها تحديد بداية الشهر بتعبير من مثل: “رمضان فلكيا سيوافق كذا…” او “العيد فلكيا يوافق كذا وكذا…”. فكيف يستوي ان نكون اصحاب علم يقيني ثم نعطي نتائج متباينة تماما في المسألة الواحدة! مثل هذا التباين مقبول في مسائل فقهية او مسائل الرأي كالسياسة وبعض فروع العلم كعلم النفس وعلم الاجتماع مثلا، اما علم الفلك الحسابي فللمسألة الواحدة لا يمكن أن تقبل إلا نتيجة واحدة. وهكذا فمن غير الممكن أن تأتي حسابات بنتيجة مفادها ان كسوفا شمسيا سيكون غدا وحسابات أخرى تفيد بحدوث ذلك الكسوف بعد غد. ببساطة يجب أن تكون إحدى النتيجتين مغلوطة وهذا ما لا يفعله الفلكيون أبدا.

في رمضان هذا العام والذي ابتهج بتوحيد بدايته كل الفلكيين والعامة من الناس، نجد أن السعد لم يكتمل وأن الحظ جاءنا بعكاز. ففي حين ترى المشككين بصحة البداية بدأوا يتغامزون ويطالبون باستطلاع هلال شوال مساء الثلاثاء، فنجد حتى بعض الفلكيين المعروفين بعلمهم وصرامتهم العلمية يشيرون إلى أن الخميس هو غرة شوال وأول أيام عيد الفطر السعيد معللين ذلك بحقيقة صحيحة وهي أن القمر في مساء الأربعاء سيكون هلالا أتم اقترانه وسيمكث فوق الأفق لبضع دقائق بالنسبة لمعظم البلاد العربية وبالتالي وجب الفطر برأيهم في اليوم التالي أي الخميس. بينما تجد علماء فلك آخرين أجلاء أيضا ولا يقلون عن الفريق الأول علما وشهرة يصرحون بأن الجمعة هو غرة شوال مستندين إلى عدم امكانية مشاهدة الهلال الجديد مساء الأربعاء وذلك لاعتبارات فلكية صحيحة أيضا. إذن كيف يُفسر هذا الاختلاف بين الفلكيين أنفسهم وكيف سمحوا لأنفسهم به في حين لا يبرر الاختلاف في الحساب الفلكي اليقيني القطعي كما بينا أعلاه؟

الحقيقة أن السر في الاختلاف هذا يكمن في نقطة واحدة وبسيطة وهي محاولة الفلكيين في تحديد غرة الشهر بتعبير يتجاوز شرح وتفسير الحالة الفلكية للهلال وإمكانية الرؤية، لما من شأنه تحديد يوم الغرة بحسب معيارفقهي ما يتبنونه أنفسهم كفلكيين. إذن فالقضية تكمن في المعيار والمسألة مرة أخرى مسألة فقهية وليست فلكية. فعندما نتكلم عن الهلال وحساباته وأحواله كلها وإمكانية رصده فتلك مسألة فلكية صرفة ولا يجب أن يفتي فيها سوى الفلكيين. ولكن للأمر جانب آخر لا طاقة للفلكيين به ولا يجب أن يكون لهم فيه اكثر من أي مسلم آخر فيه من نصيب وهو الجانب الفقهي. فهذا الجانب غير موحد بين المسلمين وهو كأي مسألة فقهية تختلف باختلاف المذاهب والمراجع الدينية وإسناداتها. فمن الفقهاء من يشترط الرؤية العينية البسيطة بالعين المجردة ومنهم من يسمح باستخدام المراقب الفلكية وآخرون لا يمانعون بوسائل التصوير الضوئي. وفي الجانب الآخر تجد من الفقهاء من يسمح بالحساب وهو على نوعين حساب الرؤية وحساب الاقتران. إذن فالفلك وحساباته كما أسلفنا أعلاه لا يقبل نتيجتين أو رأيين ولكن المسألة الفقهية فهي تقبل هذا الاختلاف وتعلل أحيانا بالتيسير على الأمة وهذا ليس موضوع البحث.

إذاً ما الحل بالنسبة للفلكيين؟

طالما أن الفلكي مختص بأوضاع الهلال والشمس وحساب مواقيت شروق وغروب كل منهما ومكث القمر وأحواله وحساب إمكانية رصده وما الى ذلك من حسابات فالأجدر بنا أن نصرح بكل ذلك ونساند الفقهاء في حيثيات وملابسات تلك الحسابات ثم لينتهي دورنا كفلكيين عند توضيح وتفسير تلك المعايير الفلكية لقبول بداية الشهر بحمل الجانب التثقيفي في كل وسائل الإعلام والتحذير مما قد تقع في الاطراف التنفيذية من أخطاء حيال تطبيق ما ارتضه من تلك المعاير. فليس على الفلكي إذا القول أن غدا يوافق غرة كذا وكذا بل يحسن به التصريح بالقول أن الدول التي تتخذ مبدأ الرؤية الاستطلاعية بالعين المجردة معيارا لها فإن غرة الشهر توافق كذا. والدول التي تكتفي بوجود القمر فوق الأفق بعد غروب الشمس وقد تجاوز مرحلة الاقتران، فإن الغرة توافق كذا وهكذا بحيث لا نتورط بين العامة والخاصة بنتائج متباينة يلوكها المغرضون بين افكاكهم لتوجيه اسهمهم السامة في صدر العلم الذي لم يستحق أبونا آدم لقب انسانيته وشرف سجود الملائكة له الا بعد ان اكرمه الله به.

لذا علينا كفلكيين وسط أمة وبلاد لم توحد معاييرها الفقهية تجاه الأهلة وبدايات الشهور، تجنب الإشارة إلى تاريخ غرر الأشهر والأعياد بطريقة متبناه للجميع لأن هذا بمثابة وقود نعده بأنفسنا لحرق انفسنا كفلكيين أمام العامة وبمباركة كثيرين ممن ما زالوا يعادون العلم ويجهلونه بل وينعتونه بغير ما نعته الله تعالى.

ومع ذلك فأنا كفلكي لا أحاول إقصاء دور الفلكيين بل أقول بعد الدور العلمي الكبير الذي عليهم تأديته فللفلكيين الحق في إظهار أخطاء كل دولة أو تقصيرها في تحقيق المعيار الفلكي الذي ارتضه لأبنائها وذلك من من باب صون الأمانة والسؤال عما أودعهم الله من علم يوم القيامة. ولهذا فعلى كل دولة أولا اتخاذ ما يرتضيه فقهاؤها وعلماؤها من المعايير الفلكية لبدايات الشهور القمرية كالرؤية بالعين المجردة أو مع الاستعانة بالمرقب او حتى باستخدام تقنيات التصوير المتطورة او الاكتفاء بقبول حساب الرؤية او حتى حساب الاقتران مع وجود القمر فوق الأفق الغربي بعد غروب الشمس او غير ذلك من المعايير التي اعدها ودرسها وأشبعها دراسة فلكيون مسلمون عظام من كل العالم. بعد ان يقرر اصحاب الشأن معيارهم -مع امنيتنا كأمة أن يكون معيارا واحدا للجميع- يصبح لزاما عليهم بذل كل ما بوسعهم للتحقق من حماية ذلك المعيار بكل الوسائل العلمية حسابية كانت أم رصدية وبما يقتضيه الامر من تشكيل لجنان فلكية فقهية للتحقق من مشاهدة الشهود لأصحاب معايير الرؤية الاستطلاعية.

وإلى أن تتمكن الأمة من اتخاذ معيار واحد تتوحد جميعها تحته وبماركة كل من الفقهاء والفلكيين معا وتجنبا لأي لبس يجعلهم في دوائر الريبة العلمية فأنصح أخواني الفلكيين بالاكتفاء بتصريح الأحوال الفلكية للقمر ثم يكون إعلانهم حول حساب تاريخ غرة الشهر بحيث يخص كل بلد على حدى ومستندا إلى أساس معيار ذلك البلد بالذات. ثم بعد أن يتم الإعلان عن غرة الشهر في ذلك البلد يكون للفلكيين الحق الجلّي في محاكمة ذلك الإعلان في ذلك البلد ووضعه في المحك العلمي وهو معيارهم انفسهم بهدف المساهمة في التغيير باتجاه التطوير والأصلاح. فالفلكيون لا يجب أن ينحازوا لمعيار دون آخر، وبالنسبة لهم فكل بلد طبّق معياره بنجاح، فإعلانهم صحيح, وأي بلد أهمل معياره ولم يحْمِه كأن يقبل شهادات رؤية تخالف العلم – في الدول التي تشترط الرؤية- فليس على الفلكيين تجميل الأمر بل التقدم بالدلائل والبراهين العلمية على تلك النتائج غير المسنجمة والمعيار الذي ارتضاه ذلك البلد.

ونسأل الله لهذه الأمة الوحدة والصلاح.

4 تعليقات

  1. مالك الدوحاني says:

    بارك الله فيك يا مهندس مروان…. شكرا على هذا المقال الرائع. .. والذي نتمنى نشره في احد الصحف اليومية… لتوضيح للعامة اساسيات الاختلاف في تحرئ الاهله……

  2. Osama albusaidi says:

    شكرا استاذ مروان
    مقال وافي

  3. علي بن عبد الرازق says:

    السلام عليكم. أشكرم على هذا المقال ولكن أريد أن أوضح بأن في مسألة رؤية الهلال هناك تآويل فقهية عديدة ولكن هناك معيار شرعي واحد مبني على الكتاب والسنة وإجماع علماء الفلك الشرعيين.فاليراجع المؤلف العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال للعالم الشرعي الفلكي محمد بن عبد الرازق وشكرا جزيلا على اهتمامكم بالموضوع.

  4. غسان الرفاتي says:

    بارك الله فيك أستاذنا الفاضل مروان الشويكي ، بالفعل وضعت يدك على نقطة مهمة حتما ستكون لها عواقب عدة إن لم يلتزم الفلكيين بالمعايير العلمية و ستظهر للناس أن هنالك إختلافا بين الفلكيين و نعود عندها إلى نقطة الصفر مرة أخرى (الفلك اجتهاد ظني الدلالة ….الخ) ، لذا نتمنى من إخواننا الفلكيين متابعة جهودهم بالنحو العلمي و ترك المعايير الفقهية و شلأنها فهي من إختصاص أهل الفقه .

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: