«

»

سبتمبر
12

حوار ثان مع الشيخ عبدالله بن منيع

من حالات الهلال التي عرض لها الشيخ عبدالله بن منيع في المقابلة التي أجرتها معه مجلة «الدعوة»، وأشرت إليها في مقالي السابق، أنه «إذا قال علماء الفلك إن الهلال لا يولد إلا بعد غروب الشمس بثلاث ساعات مثلاً، وجاء من شهد برؤية الهلال بعد غروب الشمس أرى رد شهادته -ولو كانوا جمعاً- حيث إن هذه الشهادة لم تنفك عمَّا يكذبها فهي شهادة باطلة».

وهذا القول غير دقيق علميا لأنه يوحي بقصر عدم قبول شهادة الشهود على حالة ولادة الهلال بعد فترة طويلة من غروب الشمس. أما «ولادة» الهلال فيمكن أن تحدث في أية لحظة قبل غروب الشمس وبعد غروبها. فيمكن أن يحدث الاقتران، مثلا، بالتزامن مع غروب الشمس، وينشأ عن هذا الاقتران أحيانا أن تغرب وهي كاسفة. ولم تخف هذه الحالة على الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- الذي أفتى بعدم قبول شهادة من يشهد برؤية الهلال إذا غربت الشمس وهي كاسفة، لأن ذلك يعني أن الهلال لم يولد بعد. وفي إجابة الشيخ المنيع عن سؤال المجلة عن اعتماد الحساب الفلكي قال: «لم يكلفنا -تعالى- بمعرفة بدء الشهر القمري بما لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس كالحساب الفلكي».

وهذه حجة قديمة يلجأ إليها الذين لا يرون الاستعانة بالحساب الفلكي، وهي لا تعدو أن تكون مغالطة.

ذلك أن عدد الذين يعرفون الحساب الفلكي الآن في العالم الإسلامي كثير، يضاف إليهم أعداد كثيرة أخرى في العالم. بل إن مدارسنا تدرِّس شكلا مبسطا من علم الفلك يتعلق بالمجموعة الشمسية والظواهر الكونية كالكسوف والخسوف ودورات الأفلاك، وغير ذلك. كما صار الاطلاع على الحسابات الفلكية سهلا جدا بوجود مئات المراكز العلمية الموثوقة، ويدير بعضها علماء مسلمون ثقات، بالإضافة إلى مئات المواقع الفلكية الموثوقة في فضاء الإنترنت. ويعني هذا أن هذا العلم لم يعد وقفا على عدد قليل من الناس كما كان في القديم.

وكان حريا بالشيخ الفاضل أن يوجه هذه الحجة نفسها إلى المحكمة العليا التي تعتمد اعتمادا كليا كل عام على أشخاص لا يزيدون عن خمسة يغامرون بالشهادة الواهمة دائما بما لا يتفق مع المعطيات العلمية للقمر. وهم يدعون أنهم يعرفون عن أحوال الهلال ما لا يعرفه غيرهم. فلو كانت حجة عدم الاعتماد على «النزر اليسير» صحيحة لوجب استخدامها لمنع الاعتماد على هؤلاء الخمسة الذين يدعون معرفة لا تتوفر لغيرهم.

ومن الحجج الأخرى التي ساقها الشيخ المنيع لرد الاعتماد على الحساب الفلكي قوله: «لو كان الأخذ بالحساب الفلكي في إدخال الشهور وإخراجها متجهاً ومشروعاً؛ لبيَّنه الله تعالى على لسان رسوله، ولما جاء تعليق الأمر بالصوم والفطر بالرؤية فقط».

وهذه حجة أخرى، بل مغالطة أخرى، لا يمل المناوئون للحساب الفلكي من تكرارها، ويستغرب صدورها من الشيخ المنيع خاصة. ذلك أنه عضو في لجنة تقويم أم القرى. وهي التي تحدد أوقات الصلوات الخمس طوال العام اعتمادا على الحساب الفلكي. وقد جاءت النصوص الكريمة التي تحدد مواقيت الصلوات بعلامات طبيعية ظاهرة بيَّنها جبريل -عليه السلام- للرسول -صلى الله عليه وسلم- لدخول وقت الصلوات وخروجه.

فلو صحت الحجة التي أوردها الشيخ المنيع عن إدخال الشهور وإخراجها لكانت صحيحة كذلك لرد تحديد أوقات الصلوات بالحساب الفلكي. إذ يمكن القول إنه لو كان «إدخال أوقات الصلوات وإخراجها بالحساب الفلكي متجهين ومشروعين لبينه الله تعالى على لسان رسوله، ولما جاء تعليق الأمر بالصلاة بتلك العلامات فقط».

والحساب الفلكي وسيلة حديثة لم يعرفها المسلمون في عهد النبوة، ويمكن أن يقاس على كثير من الوسائل الحديثة التي جدت في حياة البشر. ومن ذلك، مثلا، أن الله تعالى امتنَّ في القرآن الكريم على عباده بتيسيره ركوب الخيل والإبل والحمير والبغال لهم. لكن هذه الدواب لم تعد وسيلة للتنقل في دنيانا المعاصرة، واستبدل بها غيرها.

كما امتن تعالى على عباده في القرآن الكريم بحملهم في البر والبحر. ولم يذكر حملهم في الجو الذي لم يتيسر إلا في المائة السنة الأخيرة.

فهل يمكن القول بأن استخدام وسائل النقل الحديثة غير متوجه لأن الله تعالى لو أراد استخدامنا لها لبينه لنبيه؟ ويرى كثير من المفسرين المعاصرين أن هذه الوسائل الحديثة تدخل في قوله تعالى بعد امتنانه على عباده بتيسير وسائل النقل القديمة، «ويخلق ما لا تعلمون»(النحل،8), إذ يقول أحد المفسرين إنها تعني ما: «يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها بأعيانها، لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره، وأما ما ليس له نظير في زمانهم فإنه لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه بأنه إشارة إلى الوسائل التي تسهل حياة الناس في العصور التالية لعصر النبوة».

ومن الواضح أنه يمكن قياس الحساب الفلكي على هذا. وأدى موقف الشيخ المنيع المناوئ للحساب الفلكي إلى وقوعه في ما يشبه التناقض. فقد رأينا في المقال السابق قوله عن دقة الحساب الفلكي في تحديد ولادة الهلال. وهو ما يفصل فيه في مكان آخر من المقابلة بقوله: «أقوال الفلكيين مبنية على نظريات فلكية تعتمد الحساب في تقدير سير الأفلاك، ومن نتائج هذه العلوم الفلكية: معرفة الكسوف والخسوف ابتداءً وانتهاءً زماناً ومكاناً، وهي علوم يؤكد مجموعة كبيرة من علماء الإسلام في الفلك قديماً وحديثاً صحة نتائجها». وأنه «لا شك أن علم الفلك في عصرنا الحاضر قد تطور وأصبحت بعض مسائله حقائق علمية». وكان الأولى أن تنتهي هذه الآراء الإيجابية عن علم الفلك إلى أن يثق الشيخ المنيع بما يقوله الحساب الفلكي. لكنه يعود، بدلا من ذلك، إلى القول: «وفضلاً عن ذلك فإن علم الحساب مبني على أمور عقلية لا مجال للحس في اعتبارها. وحيث إن التقديرات العقلية تحتمل الخطأ والاضطراب فضلاً عمَّا في تحصيل نتائجها من الكلفة والمشقة».

وهو قول ينقض بشكل كامل ما قاله عن دقة علم الفلك ونظرياته. ولا يخفى أن ما قاله الشيخ المنيع هنا لا يعدو أن يكون قول ابن تيمية بألفاظه تقريبا.

وفي المقال التالي مزيد من النقاش.

1 تعليق

  1. علي بنعبد الرازق says:

    السلام عليكم
    أريد أن ألفت انتباهكم للمسألة التالية: لا يجب المقارنة بين تحديد أوقات الصلوات وإمكانية رؤية الهلال بالحساب الفلكي, لقد علق وقت الصلاة شرعا بدخول الوقت المحدد لكل صلاة وعلقت بداية الشهور القمرية برؤية الهلال وليس بوجود الهلال في السماء. وكلنا نعلم إذا اتفقنا على الضوابط الفلكية الملائمة للضوابط الشرعية المتعلقة بأوقات الصلاة فالنتائج الحسابية الفلكية تكون معلومة بدقة مسبقا. أما إمكانية رؤية الهلال بالحساب الفلكي فنتائج الحسابية الفلكية تارة تفيد امتناع الرؤية وتارة تفيد عسرها وتارة تفيد رجحانها وتارة تفيد القطع بها. وأصحح كذلك المعلومة الحساب الفلكي وسيلة حديثة لم يعرفها المسلمون في عهد النبوة. بل العرب‌ قبل‌ الإسلام‌ كانوا يعرفون‌ منازل‌ القمر والمنازلُ الثمانية‌ والعشرون‌ للقمر كانت‌ من إبداعاتهم. ‌أغلب القدماء كانوا يتّخذون‌ الشهور‌ القمريّة‌ في‌ أُمورهم‌. وعند هذه‌ الطوائف‌ جميعاً كانت‌ بداية الشهر القمريّ برؤية‌ الهلال‌ بعد خروجه‌ عن شعاع‌ الشمس. وشكرا

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: