«

»

سبتمبر
12

حوار ثالث مع الشيخ عبدالله بن منيع

يُسوِّغ الشيخ عبدالله المنيع لمن يريد تقليد المملكة في إدخال رمضان وخروجه بقوله إن المملكة «لديها من التقيد والعناية البالغة في النظر في إثبات دخول شهر رمضان وخروجه ما ليس لدى كثير من الدول الإسلامية».

ولا شك أن المملكة تهتم بقضية إثبات دخول رمضان وخروجه، إلا أنه ليس من العدل إنكار ما تقوم به الدول الإسلامية الشقيقة من جهود للتأكد من دخول رمضان وخروجه. كما أن امتداح النفس في مقابل الحط من الآخرين لا يليق بأية حال.

هذا من حيث المبدأ، أما الواقع فهو أن الدول الإسلامية كلها تقريباً تتفوق على المملكة في إجراءات التأكد من دخول رمضان وخروجه. فهي لا تصوم ولا تفطر، باستثناء دول قليلة كتركيا والجزائر، إلا بالرؤية البصرية المباشرة. وتوجد في أكثرها لجان رسمية، وأخرى أهلية، كثيرة جداً تخرج إلى مختلف أنحاء الدولة المعينة لاستطلاع الهلال. ويشارك في تلك اللجان علماء فلك وعلماء دين وجمهور من المهتمين والهواة. ومن أشهر الدول في هذا الشأن إندونيسيا التي فيها أكثر من مائة لجنة رسمية، ويخرج في إيران أكثر من مائة وخمسين لجنة، ويخرج في المغرب عدد مماثل من تلك اللجان الرسمية والأهلية.

ومما يشهد باهتمام الدول الإسلامية الأخرى بالهلال إعلانُ دخول شهر رمضان وعيد الفطر في احتفالين رسميَّين يُذاعان علناً في الإذاعات وقنوات التلفزة، ويحضرهما كبار رجال المؤسسة الدينية وكبار المسؤولين في الدولة المعينة. وهو مظهر يُقصد به إلى جانب إشهار المناسبة إشراك مواطني تلك الدولة في المعلومات المتعلقة بإثبات الهلال.

ومن أوجه العناية الأخرى التي توليها الدول الإسلامية، وبعض المسلمين، للتأكد من رؤية الهلال، عدم الاكتفاء بشاهد واحد لإدخال الشهر وبشاهدين لإخراجه كما هو المتبع في المملكة. إذ يشترط المسلمون في إندونيسيا والهند والباكستان وغيرها من الدول الإسلامية، التي تتبع مذاهب سنية غير المذهب الحنبلي، أن يكون عدد شهود الرؤية جمعاً. وهذا ما يفسر تأخرهم عن المملكة في إهلال الشهر ليوم أو يومين في كثير من الأحيان.

ويشهد هذا كله بتفوق تلك الدول الإسلامية على المملكة في هذا الشأن، بعكس ما يقول الشيخ المنيع.

ذلك أن إجراءات التأكد من الهلال في المملكة أقرب ما تكون إلى العشوائية، وهو ما كتبتُ، وكتب عنه غيري مراراً، وهو ما سألخصه في ما يلي:

لا يوجد في المملكة إلا عشر لجان لاستطلاع الهلال من مناطق مختلفة. ويشارك في كل واحدة منها علماء فلك وقاض وبعض طلبة العلم وبعض المهتمين والهواة. ومع هذا العدد المتواضع من اللجان لم يحدث، ولو لمرة واحدة، أن أخذ المجلس الأعلى للقضاء سابقاً، أو المحكمة العليا منذ سنوات قليلة، برأي هذه اللجان، ولم يستأنس قط برأي المتخصصين فيها عن صحة شهادة الشهود.

ومما يشهد بتأخر المملكة كثيراً وراء الدول الإسلامية الأخرى في الاهتمام بترائي الهلال اعتماد المجلس الأعلى للقضاء سابقاً والمحكمة العليا الآن طوال الثلاثين سنة الماضية تقريباً، وإلى الآن، على عدد لا يزيد على خمسة أشخاص من منطقتين متقاربتين يشهدون دائماً برؤية الهلال، ويُحكم بعدالتهم تلقائياً، ويؤخذ بشهادتهم. هذا مع مخالفة شهادتهم دائماً، كما كتبتُ، وكتب غيري مراراً، لواقع الهلال. وتشهد بذلك دراسات إحصائية علمية تُظهِر أن شهادات هؤلاء تخالف واقع الهلال في أكثر من 80% من الحالات، وما بقي، من اتفاق شهاداتهم مع واقع الهلال، لا يعدو أن يكون مصادفة.

وكان المجلس الأعلى للقضاء يحتج لتقديم شهادة هؤلاء المبادرين بالشهادة برؤية الهلال بالقاعدة الأصولية التي تقول: «المثْبِتُ مقدَّم على النافي»، وهو ما يعني أنه إذا شهد هؤلاء برؤية الهلال، وقرر أعضاء لجان ترائي الهلال أنهم لم يروه، فإنه يؤخذ بقول هؤلاء الشهود، ولا يُنظر إلى ما يقوله الفلكيون إطلاقاً.

وكان رئيس المجلس يحتج دائماً بأنه لم يحدث قط أن تقدم إليه أحد من الفلكيين بالشهادة برؤية الهلال! لكن: كيف يمكن للفلكيين أن «يسبقوا» هؤلاء الواهمين الذين يشهدون برؤية الهلال قبل ليلة من إمكان رؤيته؟!

وزاد رئيس المجلس على ذلك كله بتصديقه ادعاءات «زعيم» هؤلاء الواهمين بأنه «أثبت» خطأ علماء الفلك السعوديين في مناسبات عدة وعن ظواهر متعددة! وهي ادعاءات بيَّن الفلكيون السعوديون عدم صحتها.

بل إن بعض القضاة الذين يرافقون لجان الترائي الرسمية في تلكم المنطقتين كثيراً ما يستخفون بما يقوله الفلكيون السعوديون حين يبينون لهم أنه ليس هناك هلال ليراه هؤلاء الشهود الواهمون، ويصادقون على تلك الشهادات الواهمة!

أما المحكمة العليا فصارت تستأنس بما يقوله الحساب الفلكي في عدم قبول شهادة من يشهد برؤية الهلال إذا غاب قبل الشمس. لكن هذا لم يسهم في كبح جماح المبادرين بالشهادة. وكنت عرضت لممارستهم في مقال سابق بعنوان «التحول المريب!»، بيَّنت فيه أن هؤلاء صاروا لا يشهدون حين يغرب الهلال قبل الشمس، وهو ما يعرفونه من اطلاعهم على ما يقوله الفلكيون. لكنهم صاروا يبادرون بالادعاء بأنهم يرونه حين يغرب بعد غروب الشمس بدقائق قليلة. وإن أكد علماء الفلك أن رؤيته مستحيلة.

وقد وجد هؤلاء سنداً لادعاءاتهم تلك في رأي الشيخ المنيع الذي صار يقول به في السنوات القليلة الماضية، وهو أنه يمكن قبول شهادة هؤلاء حتى في هذه الأوضاع المستحيلة احتجاجاً بأن الله تعالى ربما أعطاهم قوة بصر تفوق قوة أبصار الآخرين. وكنت بينت في مقالات سابقة عدم صحة هذا الرأي علمياً.

فهل يمكن لنا الآن، بعد أن رأينا عناية المسلمين الفائقة خارج المملكة لإثبات الأهلة، في مقابل ما يشبه أن يكون إجراءات عشوائية في المملكة، أن ندعي بأننا أفضل منهم في تحري الهلال؟!

بل إن الإجراءات القريبة من العشوائية التي تتبعها الهيئات المكلفة بإثبات الأهلة تؤدي إلى قدر كبير من اللغط الذي يثور كل عام في العالم الإسلامي عن إدخال رمضان وخروجه.

وهذا ما جعل كثيراً من المسلمين يتخلون في السنوات الأخيرة عن اتباع المملكة في إدخال رمضان وإخراجه. فقد أعلنت الجمعيات الإسلامية في أمريكا منذ سنوات قليلة أنها توقفت عن اتباع ما تقرره المملكة في هذا الشأن لمخالفته المعطيات العلمية للقمر.

لذلك كله ينبغي أن نتواضع قليلاً ولا ندعي فضلاً على غيرنا من المسلمين في إجراءات التأكد من دخول رمضان وخروجه لأن قصورنا في هذا الشأن لا يخفى على أحد.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: