«

»

سبتمبر
12

رسالة للتاريخ: رئيس مجلس القضاء الأعلى بالنيابة يدعو إلى إنشاء مراصد لإثبات الهلال!

ربما يستغرب القراء الكرام عنوان هذا المقال لمخالفته ما يعرفونه عن مقاومة المؤسسات الدينية الرسمية في بلادنا للاستعانة بالوسائل التقنية الحديثة لإثبات الهلال. وسيزداد استغرابهم حين يكون مقترِحُ هذه المراصد رأسَ مؤسسة ظلت لأكثر من خمسة وعشرين عاماً تقاوم ــ بَعْد اقتراحه ـ استخدامَ المراصد فعلاً، وهو ما استمرت عليه المحكمة العليا التي ورثت مهمة إثبات الأهلة عن تلك المؤسسة لخمس سنوات حتى الآن.

وجاء هذا الاقتراح في رسالة بعثها الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل رحمه الله، رئيس مجلس القضاء الأعلى بالنيابة، قبل اثنتين وثلاثين سنة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله. وسأورد هذه الرسالة لأهميتها التاريخية، وللنظرة العلمية المتقدمة التي تتضمنها ويجب أن يطلع عليها الناس. وأشكر بهذه المناسبة أحد الأصدقاء الأعزاء الذي لفت نظري إليها، وأشكر صاحب دار النشر الذي صوَّرها لي من الكتاب المنشورة فيه، وسمح لي بنشرها، وسأُرجئ التعليق عليها إلى المقال القادم.

وهذا نص الرسالة:

«بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم: فهد بن عبدالعزيز آل سعود، أيده الله بنصره.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

تعلمون ـ حفظكم الله ــ ما يعانيه مجلس القضاء الأعلى المختص بإثبات الأهلة من الإحراج عند إثبات دخول شهر رمضان وشوال وذي الحجة من كل عام، وكذلك ما يعانيه المسؤولون في الدولة ككل، لا سيما حينما تساهل الناس في ترائي الهلال، وضعف اهتمامهم به، مما يضطر المجلس إلى الرجوع لإكمال العدة، بينما يمكن أن يكون قد هلَّ في بعض البلدان، ولكن لم يجد من يهتم به ويعتني برؤيته، كما حدث فعلاً في إثبات شهر ذي الحجة هذا العام 1402 هـ، وبهذه المناسبة أتقدم لجلالتكم باقتراح قد كان في نفسي منذ مدة، وفيه خروج من هذا الحرج بإذن الله، كما أن فيه تطويراً لأسلوب إثبات الأهلة بطريقة شرعية، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، متفق عليه. وحديث: (لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه). وأخذاً بالقاعدة الشرعية: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن ذلك وجوب الأخذ بالأمثل من أساليب العمل بإثبات الأهلة، وتوحيد أعياد المسلمين وصومهم وفطرهم بطريقة شرعية مقنعة، في ظل دولتنا المسلمة التي تقود العالم الإسلامي، ويتطلع إليها المسلمون في هذا وغيره من الأمور الشرعية، وخلاصة الاقتراح أن يُعمل على إيجاد مراصد متخصصة تقوم بتحري الأهلة تُربط إدارياً بمن يراه جلالتكم، تُجعل هذه المراصد في مناطق متعددة من المملكة، يُراعى فيها الموقع الجغرافي من حيث خطوط الطول والعرض وزاوية الرؤية ومقدار اتساعها، وكذلك وضوح الرؤية، وعدم وجود الموانع التي تحول دون الرؤية، كالغيوم والضباب والغبار ونحوها، ويُزوَّد كل مرصد بعدد من المختصين يكون من بينهم من له إلمام بالعلم الشرعي، ويزود المرصد بالأجهزة اللازمة التي يحددها المختصون التي تمكِّن من رؤية الهلال حتى لو كان في المحاق، كما يمكن من رؤيته حال ما يولد، وتقوم هذه المراصد برصد الهلال ومتابعته على طول السنة، فإذا كان ليلة التحري ـ وسيحددها مجلس القضاء الأعلى بوقتهاـ فيَشْخص أحد القضاة النابهين ومعه عدد من ذوي الاختصاص المعروفين بصفاء النظر وحدَّته إلى المرصد، ويقوم المختصون بالمرصد بتحديد زاوية الرؤية وموقع مولد الهلال من الأفق، فإذا شاهده المختصون أروه القاضي ومن معه، فإن تمكنوا من رؤيته بالعين المجردة فذاك، وإلا فيمكنهم الاستعانة بالأجهزة التي توضح رؤيته بعد ولادته ومعرفة ارتفاعه ومدة بقائه بعد غروب الشمس، وبعد ذلك يتم إبلاغ المجلس من قبل القاضي ومن معه ثم يثبت الهلال على علم وبصيرة وحسب الأصول الشرعية. وبهذا يتيسر لمجلس القضاء أن يقوم بعمله في هذا المجال بطريقة منظمة شرعية لا تعتمد على تطوع الذين يتطوعون برؤيته وما يترتب عليه من مفاجآت وطول انتظار يؤثر على طريقة إثباته وعلى ما يترتب عليه من إجراءات من قبل ولاة الأمر، أعزهم الله، وبجانب هذا فسيعمد مجلس القضاء إلى الإعلام للناس عن تحري الرؤية بنفس الطريقة المعمول بها في إثبات الأهلة فيما سبق، لكي تتضافر الجهود على ما شرعه الله ورسوله من إثبات الأهلة بالرؤية وجعلها مواقيت للناس والحج، وإذا تم تنفيذ هذا الاقتراح بعد دراسة متكاملة وتكميل إجراءاته فسيعطي الانطباع لدى دول العالم الإسلامي بل ودول العالم أجمع أن هذه المملكة المسلمة المتمسكة بتعاليم الدين الإسلامي، قادرة بفضل الله ثم بأجهزتها وإمكانياتها على تحمل هذه المسؤولية والقيام بها وبغيرها، وليعلم الجميع مدى ما منَّ الله به على هذه المملكة المسلمة من فتوح في مجال العلوم المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي تتفيأ ظلاله في معظم مجالات الحياة.

وأقترح على جلالتكم في حالة موافقتكم تشكيل لجنة تدرس هذا المشروع، وترفع تقريراً مستعجلاً لجلالتكم، تتألف من مندوبين متخصصين عن المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا وجامعة الملك سعود ومصلحة الأرصاد الجوية، ومندوب من مجلس القضاء الأعلى لكي تدرس الموضوع من جميع أطرافه، وتضع التفاصيل الفنية والتنفيذية، وجدولاً زمنياً مستعجلاً للتنفيذ، وإن ما أعرفه عن جلالتكم ـ حفظكم الله ـ من همة في سرعة تنفيذ كل ما فيه الصالح العام ليجعلني أتطلع إلى تنفيذه على وجه يجعلنا نستفيد منه في إثبات شهر رمضان القادم بإذن الله وتوفيقه.

وفي الختام، أدعو الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفق جلالتكم لما فيه الخير والصلاح، لبلادنا وللأمة الإسلامية جمعاء، إنه سميع مجيب.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

رئيس مجلس القضاء الأعلى بالنيابة

ورئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى

عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل».

تاريخ الرسالة: 1402/12/24 هـ.

من كتاب: «الشيخ العلامة عبدالله بن عقيل.. سيرته الذاتية وأهم مراسلاته». اعتنى بجمعه وإخراجه: أبو عبدالله بلال بن محمود عدّار الجزائري. أشرف عليه وراجعه: صاحبه فضيلة الشيخ عبدالله بن عقيل ــ رحمه الله. دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط1، 1433 هـ، ج2، ص 124ـــ 126.

ولا يمكن لأحد أن يتجاسر على اتهام هذا العالم الفاضل بالتخلي عن السنة النبوية الشريفة، كما هي الاتهامات المعهودة لمن يقترح مثل هذا الاقتراح.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: