«

»

سبتمبر
12

اقتراح يَدحض الحججَ التقليدية كلها

نشرت «الشرق» الأسبوع الماضي رسالة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل، الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء بالنيابة، التي تتضمن اقتراحا تقدم به إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- بإنشاء مراصد لرصد هلال الأشهر القمرية، وأشهر العبادات الموسمية خاصة.
وتأتي أهمية تلك الرسالة التاريخية من كونها دليلا على ما كان يتمتع به الشيخ ابن عقيل من فقه بمقاصد الشريعة، وحس علمي يؤدي إلى الثقة بالإنجازات العلمية الحديثة، ولكونها دليلا على صحة موقف المنادين بالتخلص من العشوائية التقليدية في إثبات الهلال. ومن أهم ما تقتضيه الرسالة، إضافة إلى ذلك، دحض الحجج التي تتذرع بها المؤسسات الدينية الرسمية في بلادنا في اعتمادها على شهادة الواهمين برؤية الهلال كل عام. كما تشهد بأن ممارستها التي ظلت تتبعها خلال أكثر من ثلاثين عاما، بعد تقدمه بذلك الاقتراح، ليست دليلا على صحة موقف المسؤولين الذين تولوا هذه المهمة من بعده بقدر ما تمثل تراجعا عن المستوى العلمي الفقهي المتقدم الذي كان يعلن عنه ذلك الاقتراح.
وتمثل الرسالة، كذلك، دفاعا مهمًّا عن المواقف التي ينادي بها المختصون في علم الفلك، كما أنها تدحض الاتهامات الباطلة التي توجه دائما إليهم وتصفهم بالكَذَبة والجهلة ومدعي علم الغيب.
يشير الشيخ ابن عقيل -رحمه الله- في بداية رسالته إلى «الحرج» الذي كان يعانيه مجلس القضاء الأعلى، والمسؤولون في الدولة، عند إثبات أهلة أشهر العبادات الموسمية، نتيجة للتخبط في إهلال الشهر مما يلجئ إلى «إكمال العدة» الذي لا يدل إلا على الحيرة والعشوائية. ويأتي هذا مقابلا لعدم شعور المؤسسات الدينية الرسمية عندنا الآن بمثل هذا الحرج، ولجوئها دائما إلى الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف الذي معناه أن «الصوم يوم يصوم الناس، إلخ». وهو احتجاج لا يهدف إلا إلى التغطية على القصور في إثبات الأهلة وتركه للمفاجآت وتلعُّب الواهمين.
ويورد الشيخ سببا ثانيا لتقديم اقتراحه، ذلك هو الرغبة في التخلص «من تطوع الذين يتطوعون برؤيته وما يترتب عليه من مفاجآت». والمتطوعون هم أولئك الذين يبادرون بالشهادة برؤية الهلال حتى في غير ليلة الترائي. وهذا حكم من الشيخ بأنهم يصدرون عن وهْم يدفعهم ليشهدوا برؤية هلال غير موجود.
ويختلف هذا الموقف عن موقف المسؤولين الذين جاءوا بعد الشيخ ابن عقيل الذين يثقون تلقائيا، وبإطلاق، بمجموعة محدودة من الواهمين ظلوا طوال الثلاثين سنة الماضية يبادرون بالشهادة برؤية الهلال وتقبل شهاداتهم مع مخالفتها للواقع. بل زاد الذين تلوه في رئاسة المجلس الأعلى للقضاء الدفاعَ عن هؤلاء والشهادة لهم بالتفوق على علماء الفلك الذين يرصدون الهلال بالمناظير المقربة. وزاد الشيخ عبدالله بن منيع، في السنوات الأخيرة، في دفاعه عنهم قوله إن الله تعالى ربما خصهم بقدرات بصرية استثنائية!
ومن أهم ما تتضمنه الرسالة رأي الشيخ ابن عقيل بأن استخدام المراصد في إثبات الأهلة «طريقة شرعية» معتبرة، وهي «تطوير» لطريقة «إثبات الأهلة». بل يرى أن استخدامها «واجب» لأن «واجب» الترائي الحقيقي لا يحصل إلا بها. ويتضاد هذا مع الممارسة التي لا تزال تتبعها المؤسسات الدينية الرسمية، ومنها المحكمة العليا، التي تقوم على أن تطبيق السنة النبوية لا يتحقق إلا بالرؤية بالعين المجردة.
ومن النقاط المهمة في خطاب الشيخ ابن عقيل إشارته إلى قصد مهم للتحقق من إثبات الأهلة بطريقة منضبطة، ذلك هو «توحيد أعياد المسلمين وصومهم وفطرهم بطريقة شرعية مقنعة». ويزيد على ذلك أن هذا التوحيد القائم على إثبات المملكة للأهلة بطريقة منضبطة إثبات لمكانتها في العالم الإسلامي ودعما لثقة المسلمين بقراراتها عن هذا الشأن. وكانت المؤسسات الدينية الرسمية عندنا ولا تزال تجادل بأن هذا المقصد ليس مطلوبا ولا مهمّا. وهو ما جعل المؤسسات المسؤولة عن الأهلة لا تعبأ به. وكانت نتيجة ذلك أن المملكة صارت تتعرض كل عام، وفي المؤتمرات الفلكية، والندوات التي تعقد لمناقشة قضية الأهلة في العالم الإسلامي، إلى كثير من الانتقادات والسخرية بسبب القرارات العشوائية في إثبات الأهلة.
ويشهد خطاب الشيخ ابن عقيل بالثقة بكفاءة «المختصين» في الفلك، وبأمانتهم وعدالتهم. وهو يؤكد على أن يكون القضاة الذين يرافقون المختصين وقت الترائي من «النابهين». وتبرز أهمية هذه الصفة من خلال ما عرضتُه في مقال سابق من أن بعض القضاة الذين يرافقون المترائين الآن يسخرون من المختصين في الفلك الذين يشاركون في لجان الترائي. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء القضاة يثقون بشهود الوهم ثقة مطلقة وينحازون إليهم على الرغم من تأكيد المختصين المرافقين بأن الشهادات التي قبلوها واهمة.
ويلفت النظر أن الشيخ ابن عقيل يجعل للمختصين الأولوية في الحكم في قضية الترائي. فهو يشير إلى أن هؤلاء هم الذين يحددون في البداية «زاوية الرؤية وموقع مولد الهلال من الأفق». وهم الذين يحددون لــ «القاضي ومن معه» مكان الهلال وارتفاعه وزاويته ليساعدوهم على رؤية الهلال بالعين المجردة. واللافت للنظر أكثر من ذلك إشارتُه إلى أن الأمر لا ينتهي عند عدم رؤية «القاضي ومن معه» الهلال بالعين المجردة. بل يقترح أن يرجعوا، إن لم يروه، إلى «الاستعانة بالأجهزة التي توضح رؤيته بعد ولادته ومعرفة ارتفاعه ومدة بقائه بعد غروب الشمس». ويدل هذا على معرفته بتفوق الأجهزة على العين المجردة، وأن رؤية «القاضي ومن معه» الهلال بواسطتها إثبات للهلال «على علم وبصيرة وحسب الأصول الشرعية».
والفارق كبير بين هذه الثقة بالمختصين وأجهزتهم وموقف المسؤولين الذين جاءوا من بعده الذين يدافعون عن شهود الوهم ويؤكدون علانية أنهم يتفوقون على المختصين في معرفة المكان الذي «يخرج!» منه الهلال، أو أنهم أقدر من المختصين في الحكم على غروب الشمس أو عدم غروبها، أو يقبلون ادعاء الواهمين بأن هذه الأجهزة غير دقيقة أو أنها تعمل بموجب برامج يدخلها الخطأ!
ويتميز الشيخ ابن عقيل كذلك بعدم احتكاره لقضية إثبات الهلال؛ وذلك من خلال اقتراحه بإشراك مراكز علمية وجهات حكومية عدة في هذا الشأن.
ومما يشهد، أخيرا، بتميز الشيخ ابن عقيل على الذين جاءوا من بعده رؤيتُه المتقدمة للــ»فتوح في مجال العلوم المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي» التي ينبغي الاستفادة منها لحل مشكل إثبات الهلال بعيدا عن الوقوع ضحية لوهم الواهمين.
والسؤال المهم، أخيرا: ماذا كان مصير هذا الاقتراح؟
وسأعرض لهذا في المقال القادم.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: