«

»

سبتمبر
12

إفراغ اقتراح الشيخ من مضمونه

أنهى الشيخ عبدالله بن عقيل – رحمه الله ـ رسالته إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ــ رحمه الله ــ التي يقترح فيها إنشاء مراصد لرصد الهلال، بتمنِّيه أن يُنفَّذ اقتراحه ليُعمل به في إهلال شهر رمضان 1403 هـ.
وقد أمر الملك فهد بإحالة الاقتراح إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الذي كوَّن لجنة لدراسته، ثم أحيل تقرير اللجنة إلى هيئة كبار العلماء لدراسته واتخاذ قرار بشأنه.
ونشرت مجلة البحوث الإسلامية (ج 29، ص 342) نص القرار الذي جاء فيه:
قرار رقم (108) وتاريخ 11/2 /1403 هـ
«ففي الدورة الثانية والعشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف، ابتداء من 20/10 حتى 11/2 /1403 هـ بحث المجلس موضوع إنشاء مراصد فلكية يستعان بها عند تحري رؤية الهلال، بناء على الأمر السامي الموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم (4ص19524) وتاريخ 8/18 /1403 هـ، والمحال من سماحته إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (26521 د)، وتاريخ 1403/9/1 هـ. واطلع على قرار اللجنة المشكلة بناء على الأمر السامي رقم (2/6) وتاريخ 1/2 /1403 هـ،.. المؤرخ في 5/16 /1403 هـ المتضمن «النقاط الست التالية»:
1- إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعاً.
2- إذا رئي الهلال بالعين المجردة، فالعمل بهذه الرؤية، وإن لم ير بالمرصد.
3- إذا رئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعيَّن العمل بهذه الرؤية، ولو لم ير بالعين المجردة؛.. الحديث يصدق أنه رئي الهلال، سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بها عن طريق المنظار، ولأن المثبت مقدم على النافي.
4- يطلب من المراصد من قبل الجهة المختصة عن إثبات الهلال تحري رؤية الهلال في ليلة مظنته، بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه.
5- (. . . ).
6- تعميم مراصد متنقلة؛ لتحري رؤية الهلال في الأماكن التي تكون مظنة رؤية الهلال، مع الاستعانة بالأشخاص المشهورين بحدة البصر، وخاصة الذين سبق لهم رؤية الهلال إ هـ.
وبعد أن قام المجلس بدراسة الموضوع ومناقشته ورجع إلى قراره رقم (2) الذي أصدره في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان من عام 1394 هـ في موضوع الأهلة، قرر بالإجماع: الموافقة على النقاط الست التي توصلت إليها اللجنة المذكورة أعلاه، بشرط أن تكون الرؤية بالمرصد أو غيره ممن تثبت عدالته شرعاً لدى القضاء كالمتبع، وأن لا يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر أو خروجه».
ولم يوافق عضو الهيئة الشيخ محمد بن جبيرــ رحمه الله ــ على النقطة الثانية وكتب اعتراضه عليها بخط يده.
ومن الواضح أن توصية اللجنة التي اعتمدتها الهيئة «في نقاطها الخمس خاصة» أفرغت اقتراح الشيخ ابن عقيل من مضمونه تماماً، وضمنت ألا تتاح الفرصة لمن يتراءى الهلال بالمراصد أن يشهد في المحاكم برؤيته إطلاقاً.
ويتبين ذلك في نقاط خمس منه.
1- نصت النقطة الأولى على «الاستعانة»، بدلاً من «الاعتماد»، على المراصد في تحري الهلال، ويوحي هذا بعدم الاقتناع باستخدام هذه الوسيلة.
2- تقدِّم النقطة الثانية قبول شهادة الشهود بالعين مباشرة حتى إن خالفت ما يقوله المختصون الذين يستخدمون المناظير المقرِّبة.
وتوحي النقطة الثانية كذلك باعتقاد أعضاء الهيئة أنه يمكن أن يُرى الهلال بالعين المجردة في الليلة نفسها التي لا يمكن أن يُرى فيها بالمرصد! ويدل هذا إما على عدم المعرفة بتفوق المراصد على العين البشرية المجردة، أو أنه من قبيل «رفع العتب»، كما يقال، حتى تعتذر اللجنة بأنها لم تلغِ الاعتماد على المراصد! ويتبين «رفع العتب» من نص النقطة الثالثة بأنه يمكن الاعتماد على المراصد «وإن لم ير بالعين المجردة»!
3- وضعت الهيئة عائقاً جوهرياً يضمن ألا يُستشهد بالمختصين الذين يستخدمون المراصد، ويتمثل هذا العائق في عبارة أن «المثبت مقدم على النافي». وما دام أنه يمكن أن تقبل شهادة من يدعي رؤية الهلال بالعين المجردة حتى إن لم ير بالمرصد «كما تقول النقطة الثانية» فهذا يجعل هؤلاء الشهود شهود إثبات، والمختصين الذين يتراءونه بالمرصد شهود نفي. ثم يقدم المثبت على النافي! وكان من نتائج إعمال هذه القاعدة أنه لم يحدث طوال الثلاثين سنة الماضية أن تقدم الذين يرصدون الهلال بالمناظير بإثبات رؤيتهم للهلال. ونتج عن ذلك أن صار إثبات الهلال خلال تلك الفترة كلها عن طريق شهادة من يدَّعون أنهم يرونه بالعين المجردة! وتختلف هذه القاعدة الأصولية عن القاعدة الأصولية التي استخدمها الشيخ عبدالله بن عقيل التي تعني أن استخدام المراصد واجب لإتمام واجب الترائي.
وكنت أشرت في مقالات سابقة إلى أنه لا يمكن المقارنة بين الإثبات والنفي إذا اختلفت وسيلتا الترائي.
4- تتضمن النقطة الرابعة أن الجهة المختصة «أي المجلس الأعلى للقضاء سابقاً، والمحكمة العليا حالياً» هي التي تقرر الليلة التي تكون «مظنة للهلال»، «بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه».
ولم تبين الهيئة الطريقة التي تقرر بها الجهتان «ليلة الترائي». وظلت تلك الليلة تحدد في عرف المجلس الأعلى للقضاء سابقاً والمحكمة العليا حالياً، دائماً، بأنها مساء اليوم التاسع والعشرين من الشهر اعتماداً على ثلاث طرق: 1ــ إكمال الشهر الماضي، 2ــ شهادة الشهود برؤية هلال الشهر الماضي، 3ــ الاعتماد على تقويم أم القرى. ولا تلتفت الجهتان إلى عدم وجود الهلال فوق الأفق في ذلك المساء، أو وجوده على ارتفاع لا تمكن رؤيته معه.
والوسيلة الوحيدة لتحديد تلك الليلة هي «الحساب الفلكي». لكن تقرير اللجنة وقرار الهيئة نصا على عدم الاعتداد به.
ولعلنا نتذكر أن أحد الأسباب لاقتراح الشيخ ابن عقيل هو الخلاص من الشهود «المتطوعين»! ومع هذا فقد نص قرار الهيئة على الاستعانة بهم وأوحى بالثناء عليهم!
وكان أول نتائج تفريغ اقتراح الشيخ ابن عقيل من مضمونه أن مجلس القضاء الأعلى أدخل شهر رمضان 1404 هـ وأخرجه خطأ، وصام الناس 28 يوماً اعتماداً على شهادة أحد شهود الوهم خطأً في الحالتين. وبدلاً من الالتفات إلى تقرير مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية عن ذلك الخطأ صار هذا الواهم، ومجموعة صغيرة معه، المقدمين في الشهادة.
واللافت للنظر أنه لم يعد أحد يذكر اقتراح الشيخ ابن عقيل!!

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: