«

»

سبتمبر
12

هذه هي الأسباب!

تساءل الأخ العزيز الأستاذ «دعشوش» في تعليقه على مقالي السابق عن السبب الذي أدى إلى إفراغ اقتراح الشيخ عبدالله بن عقيل ـ رحمه الله-، الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، من مضمونه، وهل كان سبب ذلك أنه «دخل في موضوعٍ لا يخصه، أو لا يخص طبيعة عمله؟».
أما سبب ذلك فربما كان أن الشيخ ابن عقيل لم يكن عضواً في هيئة كبار العلماء، وأنه لم يحضر الجلسة التي أُقرت فيها التوصيات الست عن إثبات الأهلَّة. وهذا ما حرَم وجهةَ نظره من ممثل قوي لها يدافع عنها.
وهناك سبب ثانٍ يتمثل في أن أعضاء الهيئة النافذين كانوا محافظين جداً في نظرتهم لهذه القضية، وظلت الكلمة الفصل فيها لهؤلاء الأفاضل حتى الآن.
ومما يشهد بعدم قدرة أعضاء الهيئة غير النافذين على إقناعها دائماً بوجهات نظرهم غير التقليدية عن موضوع الأهلة، أنها استعرضت في اجتماع لها سنة 1394 هـ قرارات بعض المؤتمرات الإسلامية التي أوصت بالاستعانة بعلم الفلك في إهلال الأهلة وقضايا أخرى ذات صلة. ولم توافق على بعض تلك القرارات مما جعل ثلاثة من أعضاء الهيئة هم: الشيخ محمد بن جبير ــ رحمه الله-، والشيخ عبدالمجيد بن حسن ـ رحمه الله-، والشيخ عبدالله بن منيع ــ حفظه الله-، يكتبون «وجهة نظرهم» عن أحد قرارات الهيئة كما يلي «بتصرف»:
«فقد استعرضنا البحوث المقدمة للمجلس في موضوع (حكم العمل بالحساب في ثبوت دخول الشهر أو خروجه) وقرارات المؤتمرات المنعقدة؛ لبحث ذلك الموضوع، وأعدنا النظر في البحث المعدّ من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، ولم نجد فيما اطلعنا عليه من البحوث المذكورة بحثاً في الموضوع من أهل الاختصاص في علم الفلك.
وقد رأينا في تلك البحوث من يدَّعي: أن نتائج الحساب الفلكي قطعية الدلالة وينكر أن تكون مبنية على ظن أو تخمين، كما وجدنا فيهم من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي مبنية على الحدس والظن والتخمين وينكر قطعية نتائجها. وليس في الفريقين من يعتبر أهلاً لقبول قوله في قطعية النتائج أو ظنِّيتها؛ لكونه ليس من علماء الفلك.
وحيث إن الحكم في رأينا يختلف بالنسبة للأمرين: قطعية النتائج أو ظنيتها، حيث إن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي يقضي برد الشهادة برؤية الهلال دخولاً أو خروجاً إذا تعارضت معها؛ لأن من شروط اعتبار الشهادة بالإجماع: أن تكون منفكة عما يكذبها حسّاً وعقلاً، فإذا قرر الحساب الفلكي عدم ولادة الهلال، وجاء من يشهد برؤيته، كانت شهادته ملازمة لما يكذبها عقلاً، وهو القول باستحالة الرؤية للقطع بعدم ولادة الهلال، كما أن القول بظنية النتائج يقضي بردها ـ أي: النتائج ـ واعتبار الشهادة بالرؤية؛ لإمكانها، وظنية النتائج الفلكية، وذلك في حال تعارض الشهادة بالرؤية مع نتائج الحساب.
ونظراً إلى أن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها من قبيل الدعوى من الطرفين، وأن القول في الأمور الشرعية يقتضي التحقق والتثبت والاستقصاء، فقد طلبنا من المجلس استقدام أصحاب اختصاص في علم الفلك؛ لمناقشتهم في ذلك والتحقق منهم فيما يدَّعيه الطرفان، كما تقضي بذلك مادة من لائحة أعمال المجلس، فرأى المجلس بالأكثرية عدم الحاجة إلى استقدامهم.
وعليه، فإننا نؤكد ضرورة استقدام خبراء في علم الفلك لتحقق دعوى قطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها، وعلى ضوء ذلك نقرر ما نراه».
في 1395/2/14 هـ .
وتُبيِّن وجهة نظر الأعضاء الثلاثة أن الهيئة الموقرة لم تمتنع عن تبنِّي بعض تلك القرارات وحسب، بل لم ترَ ضرورة حتى لاستشارة «أصحاب الاختصاص» الذين كانوا سيساعدونها في اتخاذ قرار علمي بهذا الشأن.
ومما يشهد بتمنُّع الهيئة المبدئي أنه لم يظهر في توصيات اللجنة الست التي تبنتها أثرٌ لرأي اثنين من أعضاء اللجنة مختصَّين في الفلك، هما الشيخ محمد بن عبدالرحيم الخالد ومندوب جامعة الملك سعود الدكتور فضل أحمد نور محمد. بل لقد أكدت التوصيات عدم اعتبار خبرتهما بشكل واضح.
واستمر هذا التمنع حتى بعد إصدار مجلس الوزراء قراره رقم 143 بتاريخ 1418/8/22 هـ، بعنوان: «لائحة تحري رؤية هلال أوائل الشهور القمرية»، الذي قضى بتنفيذ التوصيات الست، وتزامن مع صدور ذلك القرار نشرُ الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، الشيخ صالح اللحيدان، مقالاً مشهوراً أكد فيه المواقف التقليدية كلها من قضية إثبات الأهلة، ومن الغريب في ذلك المقال أن يستشهد الشيخ اللحيدان بقول ابن تيمية عن سكوت الفلكي اليوناني القديم بطليموس عن قضية الهلال، ويتخذ ذلك حجة ضد علماء الحساب المعاصرين. ويمكن مقارنة موقفه الذي يؤكد تفوق الشهود بالعين المجردة على المختصين في علم الفلك وعلى المنجزات العلمية الحديثة كذلك، بموقف الشيخ ابن عقيل الذي يوصي بالاستفادة من الـ «فتوح في مجال العلوم المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي» في إثبات الأهلة وغيره.
ولم تغيِّر الهيئة الموقرة موقفها من هذه القضية على الرغم من الإحصاءات العلمية التي قدِّمت لها، طوال السنين، عن مخالفة شهادة الشهود الذين كان المجلس الأعلى للقضاء يعتمد عليهم، ولا تزال المحكمة العليا تعتمد شهادتهم، للمعطيات الطبيعية للهلال.
وكنت عرضت في مقالات سابقة، العام الماضي، مواقف أعضاء كبار في هيئة كبار العلماء من هذه القضية، وأوردت أقوالهم التي يصفون فيها علماء الفلك بأنهم «كَذَبة» و«جَهَلة»، و«مدَّعون للغيب».
ومما أسهم في طمس اقتراح الشيخ ابن عقيل، طوال العقود الثلاثة الماضية وإلى الآن، أن أعضاء اللجنة المكلفة بشأن الأهلة في المحكمة العليا لا يزالون هم الأشخاص أنفسهم الذين ظلوا أعضاء فيها منذ كان إثبات الأهلة تابعاً للمجلس الأعلى للقضاء، بل إن رئيس المحكمة الآن ظل عضواً فيها سنين طويلة.
ولا يتوقع من هذه اللجنة التي لم تقتنع، طوال السنين الماضية، بما يقوله المختصون في علم الفلك أن تغير موقفها المبدئي الذي تعودت عليه ضد المختصين بعلم الفلك، ومن ثقتها المطلقة والتلقائية في المجموعة نفسها التي ظلت أكثر من ثلاثين سنة تشهد بما يخالف المعطيات الفلكية للأهلة، كما لا يتوقع أن ينتهي تحيز بعض القضاة لمن عرفوهم من هؤلاء الشهود، في المناطق التي يأتون منها.
وخلاصة القول إنه لا يمكن أن تنتهي القرارات العشوائية في قضية الأهلة إلا بإعادة الاعتبار لاقتراح الشيخ ابن عقيل ــ رحمه الله-، وإعادة هيئة كبار العلماء الموقرة النظر في مواقفها من المختصين بعلم الفلك.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: