«

»

سبتمبر
29

«ولكنها تدور»!

يحار الملاحظ في معرفة السبب وراء معارضة المؤسسات الدينية الرسمية في بلادنا للاستعانة بعلم الفلك لتحديد بدايات الشهور القمرية، وكذلك الوسائل التقنية الحديثة، كالمناظير المقرِّبة وغيرها. إضافة إلى امتناعها عن الحديث عن الأسباب التي تفسر هذه المعارضة.
وكنت أوردت في مقالات سابقة وصف بعض الأعضاء الكبار في هذه المؤسسات للمتخصصين في علم الفلك، ومنهم مسلمون، سعوديون وغير سعوديين، بـ«الكذب» و«الجهل» و«ادعاء علم الغيب»، وغير ذلك مما يطعن في عدالتهم وعلمهم.
ويؤكد هؤلاء الفضلاء، إذا ما تحدثوا عن الأسباب التي تدفعهم إلى عدم الاستعانة بالوسائل العلمية والتقنية الحديثة في إهلال الأهلة -إضافة إلى تهوينهم من علم الفلك والفلكيين- أن مواقفهم تنبع من تمسكهم بالسنة النبوية الشريفة التي يؤكدون أنها تنص على الاعتماد في ذلك على الرؤية البصرية المباشرة وحدها.
ومن العدل القول إن بعض الأعضاء في هذه المؤسسات نفسها يحاولون دائما تغيير صورتها هذه. ومن هؤلاء الشيخ عبدالله بن عقيل الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، الذي اقترح على ولي الأمر، كما رأينا في مقالات سابقة، الأخذَ بالوسائل الحديثة في إهلال الأهلة. كما يحاول ذلك علماءُ آخرون من المنتسبين إلى هذه المؤسسات؛ ومن هؤلاء الشيخ محمد بن جبير والشيخ عبدالمجيد بن حسن -رحمهما الله- والشيخ عبدالله بن منيع، والدكتور عبدالوهاب أبو سليمان، وغيرهما، كما أشرت في مقالات سابقة.
وكنت أشرت في مقالات سابقة كذلك إلى أن بعض هذه المؤسسات تعمل في قراراتها على إفراغ الاقتراحات التي يوجهها ولي الأمر إليها من مضمونها. ومن ذلك قرار هيئة كبار العلماء عن اقتراح الشيخ ابن عقيل الذي تنقض بعضُ فقراته فقراتٍ أخرى فيه جاءت في صالح الاقتراح.
وأحد أسباب هذا التمنع طوال العقود الماضية إنما يعود إلى نفوذ بعض أعضاء الهيئة الكبار المحافظين وانسياق الأعضاء الآخرين لما يراه هؤلاء الكبار في آرائهم عن هذه المسألة.
وهناك سبب أكثر جوهرية لهذا التمنع الدائم يتمثل في أن الأعضاء الكبار في هيئة كبار العلماء لا يرون صحة ما يقوله علم الفلك عن النظام الفلكي أساساً. وتأتي معارضتهم للوسائل الحديثة في إهلال الهلال نتيجة حتمية لهذا الموقف المبدئي.
ومما يشهد بهذا تصريحُ الشيخ صالح الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، في تسجيل صوتي قبل أيام بما يكاد يكون تكفيراً لمن يقول بدوران الأرض حول الشمس. (وكان قد وصف، في تصريحات سابقة، الفلكيين بالكذب والجهل وادعاء علم الغيب).
فقد كان يجيب على سؤال وجه إليه عما يقوله «بعض الناس» من أن الأرض ليست مركز الكون وأن الشمس لا تدور حولها، وأن الأرض هي التي تدور حول الشمس. فقال:
«لا شك عندنا ولا عند المؤمنين بأن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور عليها والكواكب والأفلاك. وهذا مدلول القرآن والسنة. وأما الفكرة الغربية والفكرة العقلية البشرية فيقولون إن الأرض تدور والشمس ثابتة» (بتصرف).
ويقرب من قول الشيخ الفوزان قول الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- الذي كان عضواً في هيئة كبار العلماء، عن هذه القضية نفسها. إذ يقول في تسجيل له إجابة على السؤال نفسه:
«ظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض، ويجب علينا أن نأخذ بظاهر القرآن، وألا نترك هذا إلى أقوال العصريين. يجب ألا ندع هذا. وكيف يكون حال من كانت هذه عقيدته عند الله يوم القيامة. وهذا القول غير مسلَّم إلا إذا عرفناه معرفتنا لثيابنا التي علينا. وإذا كان الواقع هو كما يقول العصريون فيجب أن نؤول الكتاب والسنة بما يوافق الواقع لأنهما لا يخالفان الواقع» (بتصرف).
فيرى الشيخان الفاضلان أن من لوازم الإيمان الأخذ بظاهر القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في هذه القضية، وهو ما يعني الأخذ بما كان يقوله الأقدمون من ثبات الأرض ودوران الشمس عليها. ويشتركان كذلك في مخالفتهما ما يراه مئات الملايين من المسلمين في الوقت الحاضر، ومنهم علماء شرعيون كبار، حقيقة كونية لا تحتمل الجدل ولا تتعارض مع الإيمان بالنصوص الكريمة.
لكن الشيخ ابن عثيمين يختلف قليلاً عن الشيخ الفوزان في أنه أفسح المجال لإعادة تأويل النصوص الكريمة التي فهمها الأقدمون على ظاهرها تأويلا يتوافق مع ما يقوله العلم الآن عن كون الأرض تدور حول الشمس، وإن كان يوحي بأن هذا الأمر لا يزال موضع شك يتطلب البرهنة عليه.
ويتبين من هذا أن الموقف من دوران الأرض حول الشمس، وما يلزم عنه من حقائقِ أخرى، هو السبب الرئيس الذي يفسر مواقف بعض علمائنا الكبار من قضية الاستئناس بالعلوم الفلكية الحديثة لإهلال الأهلة. وهو ما يترتب عليه استمرار الجدل السنوي الذي لا يأتي بجديد ولا يفيد في تغيير تلك المواقف.
ويذكِّرني إنكارُ بعض علمائنا الأفاضل لهذه المسلَّمة العلمية التي لا يكاد يشك فيها الآن أحد من المسلمين وغير المسلمين بما حدث لي حين كنت في السنة الأولى المتوسطة. فقد كان الجيران مجتمعين في «دهليس» جارنا «حياء بن محمد السراني» (و«الدهليس» في لهجة سكان ضواحي المدينة المنورة هو مجلس الرجال المستقل عن البيت). وكنت أحاول أن أبين لهم أن الأرض تدور حول الشمس (وكان الحدثُ الأبرز الذي ألهب الخيال البشري حينذاك طيرانَ رائد الفضاء، جاجارين، في أول رحلة للإنسان إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض في 12 إبريل 1961م على متن مركبة الفضاء السوفييتية «فوستوك1»). فلم أشعر وأنا أتحدث، إلا بصفعة قوية يوجهها لي «عْوَض الشميلي»، وكان حديث عهد بالنزول من البادية «سامحه الله حياً وميتاً»، مصحوبة بزخة من الشتائم! ولا أذكر أن أحداً من الحاضرين اعترض عليه، وربما كان ذلك لأنهم كانوا يوافقونه في الإنكار عليّ، ويخافون على إيمانهم من هذه الأفكار الغريبة!
ومن المؤكد أن تلك الصفعة وتلك الشتائم أخف كثيراً مما واجهه العالم الإيطالي المشهور برونو الذي حكمت عليه الكنيسة «قبل أربعمائة سنة» بالموت حرقاً عقاباً له على هذا الرأي، أو ما حدث للعالم الإيطالي المشهور الآخر جاليليو جاليلي الذي حكمت عليه الكنيسة بالسجن بسبب هذا الرأي نفسه «في تلك الفترة نفسها». وهو الذي تنسب إليه الجملة المشهورة التي يروى أنه قالها بعد إرغامه على توقيع الوثيقة التي تراجع بموجبها عن ذلك الرأي خضوعاً لرأي الكنيسة: «ولكنها تدور»! (ومعنى كلامه: «إن تراجعي لا يغير من هذه الحقيقة الكونية شيئاً»).

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: