«

»

نوفمبر
12

إن كان للإحصاءات معنى!

أوردت في مقال سابق ما كتبه الدكتور محمد عبدالرحمن البابطين «الداعية الإسلامي والمستشار في وزارة العدل السعودية لشؤون الأهلة» عن مشاهداته لبعض من يتراءون الهلال بالعين المجردة التي يحوطها الشك مقارنة بالترائي بالمناظير الفلكية؛ حيث يكون الترائي سهلا ويقينيا. وما كتبه الدكتور البابطين ليس جديدا؛ فهو مما أشار إليه المتخصصون طويلا، واشتكوا منه، وأشرت إليه في مقالات عدة طوال السنين الماضية.

ولبيان ذلك أورد في هذا المقال الإحصاءات التي وصل إليها المهندس عدنان قاضي عن النِّسب الكبرى لعدم التوافق بين قرارات مجلس القضاء الأعلى، المكلَّف سابقا بإصدار قرارات إدخال الشهور المتصلة بالعبادات الموسمية، على مدى 50 عاما، اعتمادا على شهادة بعض المبادرين بالشهادة برؤيته، وحقيقةِ الهلال في الليالي التي يتقدمون فيها بالشهادة (عدنان قاضي: الأهلة: نظرة شمولية ودراسات فلكية. 50 عاما لأهلة رمضان وشوال وذي الحجة (1380هـ ـــ 1430هـ). ط2، 1430هـ، ص ص 210 – 218). (وأرجو أن يعذرني القارئ الكريم على إيراد النقولات الطويلة).

ومن أهم النتائج لهذه الدراسة الإحصائية الموثَّقة ما قاله المؤلف في بداية تلخيصه لتلك النتائج (ص211): «لم يحصل قط أن أظهر الحساب العلمي الفلكي أن رمضان كان من المفروض أن يدخل قبل إعلانه رسميا خلال الفترة، لقد كان أهل الرؤية دائما سباقين».

وكنت لاحظت هذه الظاهرة في كثير من المقالات التي كتبتُها عن الموضوع. ذلك أن هؤلاء «الشهود العدول» يبادرون بالشهادة برؤية الهلال في ليلة الترائي التي كان يحددها مجلس القضاء الأعلى (وما زالت المحكمة العليا تفعل ذلك) بمساء التاسع والعشرين من الشهر بغض النظر عن الحقيقة الطبيعية للهلال. وكثيرا ما يدعي أولئك الشهود رؤيته في تلك الليلة.

يقول المهندس قاضي عن إحصائياته عن دخول شهر رمضان (بتصرف):

وافقت طريقةُ الرؤية التقليدية المتبعة الحسابَ الفلكي في إعلان دخول رمضان في 6 مرات من الـ 50 مرة، أي بنسبة 12%.

* عارضتْ طريقةُ الرؤية التقليدية المتبعة الحسابَ الفلكي في إعلان دخول رمضان في 44 مرة من الـ 50 مرة، أو 88%.

* كان الهلال تحت الأفق في ليلة إعلان دخول رمضان في 28 مرة من الـ 50 مرة (56%)، وفوق الأفق في 22 مرة من الـ 50 مرة (44%)، منها 16 مرة فوق الأفق لكن ارتفاع زاوية القمر كانت أقل من المعيار المطلوب وهو خمس درجات.

* كان الهلال بعيدا تحت الأفق (4 درجات ونصف تقريبا إلى 12 درجة ونصف تقريبا) في ليلة إعلان دخول رمضان في 9 من 28 مرة (32.14%)، بحيث لابد من مضي يومين لدخول رمضان، وهذه أقصى مدة سُجلت. بينما كان هناك 19 من الـ 28 مرة (67.86%) كان الهلال تحت الأفق بحيث إنه لابد من مضي يوم آخر لدخول رمضان.

* ولد الهلال في أول يوم من رمضان (كما أُعلن) في 14 مرة من مرات التعارض الـ 44 (31.82%)؛ أي بدأ رمضان (كما أُعلن) ولم يكمل الهلال دورتَه الشهرية بيوم.

* يعتبر إعلان بدء وانتهاء رمضان 1404هـ أقصر رمضان لكل الفترة. حيث أُعلن رسميا أن يوم الجمعة 1984/6/1مم أولُ أيام رمضان، كما أُعلن رسميا أن يوم الجمعة 1984/6/29مم أولُ أيام عيد الفطر. هذا يجعل عدد أيام الصيام 28 يوما، وهو خطأ واضح. لقد كان دخول الشهر صحيحا وهو أحد السنين الست التي وافقت الرؤية البصرية الحساب الفلكي. ففي يوم الأربعاء 1984/5/30م، وبتوقيت مكة المكرمة، غرب الهلال الساعة 6 و52 دقيقة ثم غربت الشمس الساعة 6 و58 دقيقة ثم ولد هلال رمضان في الساعة 7 و49 دقيقة؛ وبالتالي من المستحيل أن يكون يوم الخميس أول رمضان. ثم أُعلن رسميا أن العيد يوم الجمعة 1984/6/29م، وهذا خطأ مركَّب. ففي ليلة العيد، وبتوقيت مكة المكرمة يوم 1984/6/28م غرب الهلال الساعة 6 و40 دقيقة ثم غربت الشمس الساعة 7 و8 دقائق. وفي صبيحة يوم 1984/6/29م ولد الهلال الساعة 6 و20 دقيقة والناس تستمع لخطبة العيد.

(وكان عبدالله الخضيري «الرائي المشهور» هو الذي تسبب في هذين الخطأين بسبب شهادته فيهما، ومن الغريب أن يكون هذان الخطآن سبب شهرته وتمتعه بثقة مجلس القضاء الأعلى وثقة المحكمة العليا بصفة مطلقة إلى الآن!).

أما عن مدى توافق الإعلان الرسمي عن هلال شهر شوال فبلغت مرات التوافق مع المعايير الفلكية 7 حالات (14%) وبلغت مرات التعارض 43 مرة (86%) وكان الهلال تحت الأفق في تلك المرات في 32 مرة، وكان فوق الأفق 18 (36%) لكنه كان أقل من المعيار المطلوب وهو 5 درجات.

ومن الحوادث المشهورة التي تسببت فيها هذه الأخطاء في الرؤية ما حدث عن إعلان بدء شوال 1389هـ، في يوم الثلاثاء 1969/12/9م. فقد كان الهلال في مساء الإثنين، 29 رمضان، بعيدا تحت الأفق (13 درجة ونصف)، وغرب الهلال قبل غروب الشمس بـ 64 دقيقة. وقد ولد الهلال الساعة 12 و43 دقيقة ظهر الثلاثاء، في أثناء ما كان الناس صائمين، وانتشرت سيارات النجدة في شوارع مكة المكرمة وجدة تخبر الناس أن اليوم عيد وعليهم الإفطار.

أما الإعلان عن بدء ذي الحجة فقد وافق المعايير الفلكية في 12 مرة (24%)، وعارضها في 38 مرة (76%)، وكان الهلال في مرات التعارض تحت الأفق في 15 مرة».

ومن أشهر حالات عدم توافق الرؤية مع المعايير الفلكية تغيير المجلس الأعلى للقضاء بداية شهر ذي الحجة 1425هـ في اليوم الرابع من الشهر بناء على ادعاء شاهدين كبيري السن أنهما رأياه في ليلة سبقت الليلة التي أعلن في البداية أنها بداية الشهر.

وحين ننظر إلى هذه الإحصاءات بمجموعها نجد أن الإعلان الرسمي لبداية الأشهر الثلاثة توافق مع المعايير الفلكية 25 مرة من 150 مرة (أقل من 17%) وربما كانت بعض حالات التوافق تلك نتيجة للصدفة المحض؛ وهو ما سيزيد من حالات الخطأ في نسبة الرؤية لو استقصي، وكان القمر تحت الأفق في 75 مرة (50%). وبلغت نسبة الخطأ الإجمالية (83% تقريبا).

واللافت للنظر أن المجلس الأعلى للقضاء سابقا، والمحكمة العليا الآن، لم يلتفتا قط إلى نسبة الخطأ العالية هذه. وكان يجب أن تلفت نظريهما، إن كان للإحصاءات معنى، وأن تجعل المسؤولين فيهما يتنبهون إلى أن «عدالة» الشهود» لا تضمن عدم وقوعهم في الخطأ والوهم برواية ما يظنون أنهم رأوه.

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: