«

»

يونيو
05

أصحاب مركزية الأرض من الكون، وخطأ استنصارهم بـ أينشتاين والنظرية النسبية

 بسم الله الرحمن الرحيم

  أرسل إليّ أحد المعارضين رابطة مستند؛ يحمل العنوان الداخلي:

 مركزية الأرض من الكون لم يتم دحضها أبداً Geocentrism Never Disapproved

  وفيه نصوص أقوال أربعة من العلماء هم: (أينشتاين، وماكس بورن، وفرد هويل، وجورج إيليس). ويستنصر صاحب المستند بهذه الأقوال على جواز القول بمركزية الأرض للكون!، ومن ثم يستنصر على أن هذه الفكرة لم يتم دحضها أبداً، بزعمه!

 وسنجري هنا تحقيقاً للنصوص الواردة في هذا المستند، لنرى وجاهة الاستنصار بها، وهل فهمها من أعد المستند وعنوانه، أم أنه ضل طريقه في أمور علمية لا قِبل له بها ؟!!!

 يقول أينشتاين:

 The struggle, so violent in the early days of science, between the views of Ptolemy and Copernicus would then be quite meaningless. Either CS (Coordinate System) could be used with equal justification. The two sentences: (the sun is at rest and the earth moves) or (the sun moves and the earth is at rest) would simply mean two different conventions concerning two different CS.

(Einstein and Infeld, The Evolution of Physics, p.212 (p.248 - 1938 Edition)

وبترجمته، يقول أينشتاين:
[صاحَب الأيام الأولى لنشأة العلم الحديث نزاع محتدم بعنف، بين نظام بطليموس القائل بمركزية الأرض من الكون، ونظام كوبرنيكوس الجديد القائل بمركزية الشمس. غير أن هذا النزاع عندئذ لم يكن ذي معنى، لأن أي من النظامين يمكن استخدامه بنفس القيمة الاحتجاجية (أو نفس الفعالية العملية)، لأن العبارتين (الشمس ساكنة والأرض تدور)، و(الشمس تدور والأرض ساكنة) تعنيان ببساطة نظامي مواضعة مختلفين مرتبطين بإطاري إحداثيات مختلفة.]
..
ولكن هذه العبارة، وفي إطار هذا النص المقتبس، منتزعة من سياقها، وبها إشارة إلى غائب، ولا يلحظ غير الخبير بالفيزياء واللغة تلك الإشارة، لتداخلها مع حاضر بالعبارة يمكن أن يحتمل تلك الإشارة، لو استقلت العبارة بنفسها. ولكن عند وضعها في سياقها الأصلي، وكيف انتُزعت منه، يتبين الأمر.
وبيان ذلك كالآتي:

 أعيد هنا الترجمة، وأشير إلى الغائب بين الأقواس:

[صاحَب الأيام الأولى لنشأة العلم الحديث نزاع محتدم بعنف، بين نظام بطليموس القائل بمركزية الأرض من الكون، ونظام كوبرنيكوس الجديد القائل بمركزية الشمس. غير أن هذا النزاع عندئذ (أي: في هذه الحالة) لم يكن ذي معنى، لأن أي من النظامين يمكن استخدامه بنفس القيمة الاحتجاجية (أو نفس الفعالية العملية)، لأن العبارتين (الشمس ساكنة والأرض تدور)، و(الشمس تدور والأرض ساكنة) تعنيان ببساطة نظامي مواضعة مختلفين مرتبطين بإطاري إحداثيات مختلفة.]

 والسؤال هو: إلى ماذا تشير (عندئذ) بالعربية، أو (then) بالإنجليزية كما جاءت بعبارة أينشتاين؟!

يقول لسان حال المستشهد:
تشير (عندئذ) إلى ما كان حاضراً بالعبارة وهو (الأيام الأولى لنشأة العلم)
أو بالإنجليزية (in the early days of science).

 وهذه الإجابة خطأ:

 ولبيان خطئها: سأورد قول الله تعالى: “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ  “

 وأعيد صياغتها في عبارتين (عند أحد المتلاعبين بالنصوص كالآتي):

 “السُّكارى لا يعلمون ما يقولون”

 “إذا قمتم وأنتم لا تعلمون ما تقولون ، فعندئذ لا تقربوا الصلاة”

 وأتساءل: إلى ماذا تعود (عندئذ) في العبارة الثانية؟! … هل تعود (إلى القيام على أي حال من عدم العلم) أم إلى (كونهم سكارى)؟!

 الإجابة بالطبع، إلى كونهم سُكارى خصيصاً، والذي نتج عنه عدم العلم بما يُتلفظ به.

 وإذا أراد الـمُدلس إخفاء الإشارة إلى علة الحكم، وجاء بالشق الثاني فقط من العبارتين الشارحتين للآية، دون الأولى، وقال: ها هو القرآن يقول ما معناه:

 “إذا قمتم وأنتم لا تعلمون ما تقولون ، فعندئذ لا تقربوا الصلاة”

 فعلى السامع الفطن لتدليسه، أن يقول له، أنت أخفيت علة الحكم المنصوص عليها، وأتيت بإشارة لغيرها، أقصد (عندئذ) … لأن عبارتك أصبحت تشير إلى محض القيام على هذه الهيئة، دون ما كان مقصوداً صراحةً منها، والذي اختفى بطمس الشق الأول، والتي هي “السُّكارى لا يعلمون ما يقولون”!

 ونعود الآن إلى عبارة أينشتاين، ولنبحث في عبارته عمّا أشار إليه بقوله: (عندئذ …)

وبالبحث جيداً لن نجد المُشار إليه!!، لأن عبارته مبتورة، أي تم اقتطاعها من سياقها، وما بقى فيها من إشارة تم إحالته بالضرورة إلى غيره من المعاني الحاضرة، .. وذلك وفاءاً بمعنى ممكن الفهم، وقد هيأه صاحِب الاقتباس على هذا النحو غافلاً أو عامداَ.

ولكن إذا عدنا إلى النص الأصلي لأينشتاين من مصدره، سيتبين الأمر، ويتضح التدليس أو عدم الفهم …

وإذا فعلنا ذلك وأتينا بالنص المُقتطع من مصدره الأصلي، الذي يتضح به المشار إليه، والذي انطمس بالاقتطاع، … سنجد أينشتاين يقول (متسائلاً ومجيباً):

[Can we formulate physical laws so that they are valid for all C.S. (Coordinate Systems), not only those moving uniformly, but also those moving quite arbitrarily, relative to each other? If this can be done, our difficulties will be over. We shall then be able to apply the laws of nature to any c.s.] The struggle, so violent in the early days of science, between the views of Ptolemy and Copernicus would then be quite meaningless. Either c.s. could be used with equal justification. The two sentences, “the sun is at rest and the earth moves”, or “the sun moves and the earth is at rest”, would simply mean two different conventions concerning two different c.s.

وتمثل العبارة بين الأقواس المربعة، ما تم طمسه من السياق الأصلى (أي عدم الإتيان به) والمظلل منه هو ما كنا نبحث عنه في الإشارة بـ(عندئذ)، واقتصر المقتبس على الباقي من النص.

وبترجمة كامل العبارة السابقة (الأحمر هو المطموس) نحصل على الآتي:

يتساءل أينشتاين ثم يجيب:

[هل يمكن صياغة القوانين الفيزيائية بحيث تكون صحيحة في كل الإطارات الإحداثية، وليس فقط لتلك التي تتحرك بسرعة منتظمة، ولكن أيضاً لتلك الإطارات التي تتحرك حركة عفوية غير متتظمة بالنسبة إلى بعضها بعضا؟! – إذا كان ذلك ممكناً، فسوف تزول كل مصاعبنا، وعندئذ سنكون قادرين على تطبيق قوانين الطبيعة في أي إطار إحداثيات. (وإذا تذكرنا كم)] صاحَب الأيام الأولى لنشأة العلم الحديث نزاع محتدم بعنف، بين نظام بطليموس القائل بمركزية الأرض من الكون، ونظام كوبرنيكوس الجديد القائل بمركزية الشمس. غير أن هذا النزاع عندئذ (أي: في هذه الحالة التي سنستطيع فيها تطبيق قوانين الطبيعة في الإطارات الإحداثية العفوية) لن يكون ذي معنى، لأن أي من النظامين يمكن استخدامه بنفس القيمة الاحتجاجية (أو نفس الفعالية العملية)، لأن العبارتين (الشمس ساكنة والأرض تدور)، و(الشمس تدور والأرض ساكنة) ستعنيان ببساطة نظامي مواضعة مختلفين مرتبطين بإطاري إحداثيات مختلفة.

وإذا وصلنا إلى مقصد أينشتاين بوضوح على ما بينّا، وفساد الاقتباس المبتسر الذي رأيناه لمن يستشهد بكلامه على إمكانية اعتبار الأرض مركز الكون، مثلها مثل الشمس، ولا فرق. فنتساءل: وماذا في هذا الكلام لأيشنتاين مما يُستشهد به؟! … إن الرجل يقول أن أي جسم متحرك وبأي حركة كانت؛ منتظمة، أو غير منتظمة، كما هو حال الأرض، يمكن اعتباره مركز إحداثيات عام. … هذا الذي يقوله أينشتاين!! .. فهل في ذلك حجة على أن الأرض ساكنة سكوناً مطلقاً في مركز الكون؟!

وإذا قال أن العبارتين: (الشمس ساكنة والأرض تدور)، و(الشمس تدور والأرض ساكنة) متكافئتين، فهو لا يقصد من لفظ (السكون) هنا السكون عن الحركة، بل السكون في نظام الإحداثيات. أي أن إحداثيات الأرض دائماً صفرية في نظام الإحداثيات المحمول عليها. ويقصد أيضاً من لفظ (الحركة) الحركة بالنسبة لإطار الإحداثيات، وليس أي حركة مطلقة، كالتي قال الله تعالى فيها “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا”. … هذه هي معاني السكون والحركة عند الفيزيائيين، ولا يشيرون إلى سكون مطلق ولا إلى حركة مطلقة، إلا إذا وَسَمُوها صراحةً بالإطلاق، وإن فعلوا، فإنهم سرعان ما ينفوا الاستدلال عليها اعتباراً من بدايات القرن العشرين لغياب المرجع الإحداثي المطلق الذي يمكن الاستدلال منه على أي تقدير للحركة المطلقة.

نقول – لمزيد من التفهيم – إذا كان هناك سفينتان حربيتان تتنازعان السيادة على أعلي البحار، وتتناوران، فتدور هذه حول هذه، وهذه حول هذه، كل منهما يظهر براعته في المناورة والقدرة الالتفافية، .. هل إذا كان نظام الملاحة في كل منهما يقيس مواضع نجوم السماء وعلامات البحار وموانيها بالنسبة إلى موضع السفينة باعتبارها ساكنة – حتى لا تضل طريقها، رغم أنها متحركة، هل يعني ذلك أن تلك السفينة أصبحت في مركز الكون؟! .. بالطبع لا، … وكذلك أينشتاين، يقول أنه لا فرق بين الأرض والشمس بهذا المعنى إذا اعتبرنا الأرض في مركز الإحداثيات، أو اعتبرنا أن الشمس هي التي في مركز الإحداثيات . .. وليس في كلامه أي إشارة إلى سكون أيهما، بل إن كلامه صريح في أنه يسعى إلى الوصول إلى صياغة واحدة للقوانين الفيزيائية في الإطارات الإحداثية المتحركة بحركة عفوية غير منتظمة، ثم جاء بالأرض والشمس وساوى بينهما بهذا المبدأ، وهذا دليل على أنه جاء بمتحركات تحقق مقصوده، أي أنهما تتحركان – بدلالة استشهاد أينشتاين نفسه بهما- حركة عفوية غير منتظمة، ومن يفهم من كلام أينشتاين جواز القول بأن الأرض ساكنة سكوناً مطلقاً، فهو مسكين، يجدر به أن يتعلم كل من الإنجليزية والفيزياء مرة ثانية، هذا إن سبق له تعلمهما.

والخلاصة:
الاقتباس المشار إليه خضع إما لتدليس، أو لعدم فهم ممن اقتبسه، أو ممن اجتمعت فيه الصفتان. .. وليس هناك من قيمة لهذا الاستشهاد على جواز اعتبار الأرض ساكنة سكوناً مطلقاً، وعدم حركتها. بل إن العبارة واضحة في أن أينشتاين قصد الإتيان بمتحرك يجعله مركز إحداثيات، ليدلل على براعة النظرية النسبية العامة، التي ستحقق هذا الإنجاز الرياضياتي القادر على صياغة واحدة للقوانين مهما كانت حركة المرجع الإحداثي. ولو لم تكن الأرض والشمس تتحركان، وأنهما يتكافآن في التدليل على مراده من إثبات صحة نظريته الرياضية في النسبة إلى متحرك، مع بقاء صياغة القوانين واحدة، لما كان لاستشهاده أي معنى.

 يُستكمل بتحقيق باقي النصوص المقتبسة في الملف المشار إليه أعلى (Geocentrism)، وهي على الترتيب: أقوال ماكس بورن، وفِرِد هويل، وجورج إيليس.

وذلك على الرابط الآتي:

أصحاب مركزية الأرض من الكون، وخطأ استنصارهم بـ أينشتاين والنظرية النسبية

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: