«

»

يونيو
08

لا عبرة بارتفاع هلال الشهر

يقترب بإذن الله شهر رمضان المبارك ومعه تظهر تساؤلات سنوية بصيَغ مختلفة مضمونها: هل سيكمل شعبان أيامه أو سيظهر من يدلي برؤيته للهلال بعد غروب شمس يوم الجمعة 29 شعبان 1435هـ الموافق 27 يونيه 2014م؟ وعادة تتزامن مع هذه الظروف ظهور إجابات لمختصين ممتزجة بما يسمى “معايير إمكانية الرؤية”، التي سيتم هنا توضح المقصود منها وتطورها وكيفية تفاوت ارتفاع الهلال في الليلة الواحدة على خطوط عرض مختلفة.

لقد تعددت معايير رؤية الهلال وتطورت عبر قرون ووصلت إلى ماهي عليه اليوم. ومن أهم أهداف المعايير تمحيص الشهادات التي تَرِد إلى القضاة بخصوص رؤية الأهلة والمساعدة في تقدير إمكانية الرؤية من عدمها، وبالتالي تطوير التقويم الهجري. وهنالك معايير قديمة، ويعتبر المعيار البابلي من أقدمها، ومضمونه أنه حتى يمكن رؤية الهلال لابد ألا تقل فترة غروبه بعد الشمس عن 48 دقيقة (وتسمى مُكث الهلال). ثم انتقل تطور هذه المعايير إلى العالم الإسلامي فكان للمختصين المسلمين دور كبير في تطويرها. ومن أوائلها معيار الخوارزمي، وهو أنه لرؤية الهلال لابد أن يكون بُعْده عن الشمس أكبر من 9.5 درجة عند غروب الشمس، ثم قنن موسى ابن مأمون القرطبي هذا المعيار بجعله معتمدًا على الفصول السنوية. أما ثابت ابن قرة فكان معياره عامًا ومحصورًا ما بين 11-25 درجة، انظر (الشكل 1). كما وضع البتاني معادلات حسابية نتج عنها عدد من الجداول التي تستخدم لتحديد إمكانية رؤية الهلال، وخلاصة معياره أن يكون عمر القمر لحظة غروب الشمس أكثر من يوم، وبعده الزاوي عن الشمس أكبر من 12 درجة، وأيّد البيروني معيار البتاني. وبعد تدهور الحضارة الإسلامية توقف التطور العلمي في جميع المجالات عمومًا وفي علم الفلك خصوصًا. 

وفي بداية القرن العشرين الميلادي توصل “فثرنهام” إلى منحنى يحدد ظروف إمكانية رؤية الأهلة، ويعتبر أول معيار في العصر الحديث، وقد وُصِف بأنه مطابق لمعيار البتاني. وخلال العقدين الأخيرين من القرن الميلادي الماضي ظهرت أبحاث الأستاذ الدكتور محمد إلياس (ماليزيا) بخصوص رؤية الهلال. وخلاصة أبحاثه في ثلاث نقاط: أن يكون ارتفاع الهلال ما بين 5-10 درجات، وعمره لا يقل عن 15 ساعة، ومكثه بعد غروب الشمس يتراوح ما بين 41-60 دقيقة. ثم ظهر معيار مرصد جنوب إفريقيا، ومعيار “يالوب”. وأخيراً ظهر معيار “عودة” المعتمد على سُمك الهلال والفرق الزاوي على الأفق ما بين موقعي غروبه وغروب الشمس.

إذن يتطلب الأمر التعرف على الخصائص الدقيقة للهلال لحظة غروب الشمس مثل العمر والارتفاع عن الأفق والبعد الزاوي عن الشمس. هذه الخصائص تعطي فكرة أوليه عن حالة إمكانية الرؤية: أهي مستحيلة أم صعبة أم ممكنه؟ هذا يختلف من مكان إلى آخر، اعتمادًا على خطوط العرض وخطوط الطول. فبالنسبة لتأثير خطوط الطول على إمكانية رؤية الهلال فهو معروف منذ قرون وذلك أنه كلما اتجهنا غربًا (بثبوت خط العرض) تصبح إمكانية الرؤية أفضل وذلك لتأخر الليل. أما تأثير خطوط العرض على إمكانية رؤية الهلال فقد بدأتُ بتوضيحها منذ عدة أعوام وخاصة في المؤتمر الذي نظمه المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في ربيع الأول 1433هـ. وهذا التأثير يعتمد على موقع الهلال بالنسبة للشمس؛ فإما أن يكون على يمينها أي ناحية الشَمَال (شامي) أو على يسارها ناحية الجنوب (يماني). فلو كان الهلال يمانياً، فإنه كلما اتجهنا جنوبًا كانت إمكانية الرؤية أكبر، والعكس صحيح.

وحيث أن هلال شهر رمضان 1435هـ يقع على يسار الشمس، فإننا كلما اتجهنا جنوبًا تصبح إمكانية الرؤية أكبر. ولتوضيح هذا التأثير سنعتمد خط طول مكة المكرمة وسنبحث ارتفاع الهلال لحظة غروب الشمس عند خطوط عرض مختلفة. ففي شمال الجزيرة العربية نجد أن القمر يكون تحت الأفق بحوالي درجتين عند غروب الشمس، وفي مكة المكرمة يغرب الهلال مع الشمس، وعلى خط الاستواء يكون الهلال على ارتفاع درجتين مع غروب الشمس، وعند خط عرض 35 جنوب خط الاستواء يكون الهلال على ارتفاع اربع درجات، وهذا ما يوضحه (الشكل 2).

 

وكتطبيق عملي، فإن القمر يوم الجمعة 29 شعبان 1435 يغرب في تبوك قبل الشمس بدقيقة واحدة، ويغرب القمر في مكة المكرمة مع الشمس، ويغرب في أبها بعد الشمس بدقيقتين، وكلما اتجهنا جنوبًا يتأخر غروب الهلال. وفي اقصى جنوب الجزيرة العربية يكون ارتفاع الهلال أقل من درجة واحدة لحظة غروب شمس يوم الجمعة. وهذه الحالات تكون الرؤية فيها مستحيلة نظرًا لتدني ارتفاع الهلال فوق الأفق وبقائه دقيقة أو دقيقتين قبل غروبه، وذلك اعتمادًا على إرث تاريخي لأرصاد موثقه. وإذا كانت حافة القمر السفلي ملامسة للأفق اللامع كما هو الحال في مكة المكرمة، فان رؤية الهلال تصبح مستحيلة (الشكل 3). إذن، من باب أولى استحالة رؤية الهلال في مناطق تقع في أواسط وشرق المملكة.

 

ولننتقل الآن إلى نقطة أخرى ألا وهي كيفية ظهور الهلال لحظة غروب شمس يوم السبت (ليلة الأحد) المكمل لشعبان وقد ارتفع عن الأفق ارتفاعًا ملحوظًا. هذا يفتح بابًا للنقاش وهو أن هذا الهلال لليلة الثانية من الشهر وليست الأولى، ويحدث التشكيك في نتائج ترائي الليلة السابقة. وهنا لا بد لنا أن نُذكِّر بأن عمر الهلال قد زاد عن الليلة الماضية بأربعة وعشرين ساعة مما أتاح له أن يكون بهذا الارتفاع الملحوظ.

ولتأكيد صحة هذا، فإننا لا زلنا نذكر غروب الشمس وهي في حالة كسوف جزئي يوم الأحد 29 من شهر ذي الحجة 1434هـ، الموافق 3 نوفمبر 2013م، وقد شوهد في كل أنحاء الجزيرة العربية (وتم تصويره بالفيديو على ساحل ينبع) حيث نلاحظ أن الحافة السفلى لقرص القمر (والتي تمثل الهلال المطلوب ترائية لدخول الشهر) أصبحت تحت الأفق قبل غروب كامل قرص الشمس تمامًا، (الشكل 4)، مما يؤكد عدم وجود هلال للترائي. وهكذا كان يوم الاثنين مكمل لشهر ذي الحجة 1434هـ. وفي يوم الاثنين وبعد غروب شمسه ظهر الهلال وهو مرتفع كهلال لأول ليلة لشهر محرم بالرغم من هذا الارتفاع المتميز، وفي هذا دلالة قوية وواضحة انه لا عبرة لارتفاع الهلال للتشكيك في صحة دخول الأشهر القمرية.
هكذا وبناء على ما تقدم من معطيات فإن شهر شعبان 1435هـ سيكتمل باذن الله وسيكون دخول شهر رمضان بيوم الاحد الموافق 29 يونية 2014م سآئلاً الله ان يبلغنا رمضان وان يتقبل صالح الاعمال وكل عام والجميع بخير.

 

أ‌. د. حسن محمد باصرة 
رئيس قسم العلوم الفلكية
جامعة الملك عبدالعزيز

3 تعليقات

  1. د. مجيد محمود جرا د says:

    شكراً د باصره على هذه المقاله المتميزة والشكر موصول للأخ المهندس محمد عوده تحياتي

  2. علي بنعبد الرازق says:

    كلام قيم جميل ولكن عنوان المقال مخيف يجعل القارء يتسائل هل ارتقاع القمر ليس له دور في تحري رؤية الهلال؟ وطبعا الجواب جاء ليفسر بأن المراد هو ارتفاع القمر يوم الثلاثين من الشهر القمري.

  3. كابتن الأحمري says:

    مقال رائع يا دكتور حسن

    بارك الله فيك ونفع بعلمك ….

    من أدعى أنه يرى الهلال وهو لم يولد أو ولد ولكنه تحت الأفق
    فلا غرابة أن نسمعه يدعي أنه رأى هلال رمضان بعد غروب شمس يوم الجمعة
    ٢٩ شعبان المرافق ل ٢٧ يونيو والله المستعان..

    لم نعد نتفاجأ ولكن أيدينا فوق قلوبنا

    الله ألحقنا في رمضان

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: