«

»

يوليو
23

لماذا لا يرى الهلال إذ غاب بعد غروب الشمس بفترة قصيرة؟

صرح عدد من الفلكيين أن رؤية هلال عيد الفطر القادم (شوال 1435 هـ) يوم الأحد 29 رمضان الموافق 27 تموز/يوليو 2014م غير ممكنة من المنطقة العربية لا بالعين المجردة ولا باستخدام التلسكوب على الرغم من أن القمر يغيب يومها بعد غروب الشمس بفترة تصل في بعض المناطق العربية إلى 18 دقيقة.

وأثار هذا التصريح بعض التساؤلات بين عامة الناس بكيفية تصريح الفلكيين بعدم إمكانية الرؤية على الرغم من غروب القمر بعد غروب الشمس، ونأمل من خلال هذه الأسطر القليلة الإجابة على هذه التساؤلات. وتتكون هذه التدوينة من أفكار رئيسية عدة، سأبينها تاليا بشكل واضح حتى يسهل استيعاب الموضوع.

 الفكرة الأولى: نحن أيضا “متراؤون”

شهدت السنوات الماضية ظاهرة جد خطيرة، وهي تصوير الفلكيين كطرف أول لا يعرفون من موضوع رؤية الهلال إلا الأمور النظرية، وأنهم لو “تنازلوا” وقاموا بترائي الهلال لغيروا آراءهم وتصريحاتهم، وصورت هذه الظاهرة “المترائين” كطرف ثاني مخلص لا يوجد عنده هدف إلا الامتثال لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا يحتسبون من عملهم هذا إلا الأجر والثواب من الله، فأصبح الناس ينظرون إلى الفلكي كشخص غير متمرس بالرصد العملي للهلال، ويقارب اشتغاله بموضوع الأهلة درجات أوصلها بعضهم للفسق والخروج من الملة. وينظرون إلى “المترائي” كشخص مسكين مظلوم مفتر عليه من قبل الفلكيين “الظلمة”! وهذه الصورة غاية في القبح، وفيها تزييف كبير للواقع وللحق!

فنحن الفلكيون أيضا “متراؤون”! ونحن نقوم بتحري الهلال أيضا، ولا نرجو من عملنا هذا إلا مرضاة الله أيضا، ونحن لا نطالب بإلغاء الرؤية والاعتماد على الحساب كما يتصور الكثيرون! إنما غاية ما نطالب به أن رؤية الهلال التي سنبدأ بسببها الشهر يجب أن تكون صحيحة منفكة عما يكذبها، ولا تتعارض مع الحقائق العلمية القاطعة! فديننا دين علم وقد أعلى من شأنه، والشرع لا يأتي بالمستحيلات!

نعم نحن متراؤون أيضا! فكاتب هذه التدوينة بدأ رصد الهلال بشكل عملي منذ العام 1995م (1415 هـ) ونحن نتحرى الهلال بالعين المجردة، ونتحراه باستخدام التلسكوب ونتحراه باستخدام أكثر الوسائل العلمية تطورا أيضا! وهذا هو حال معظم الفلكيين المشتغلين في موضوع الهلال، فنحن بحمد الله نجمع بين الخبرة العملية والواقعية وبين حثيثيات الموضوع النظرية والعلمية! فلا يتصور أحد أننا نصرح بما نصرح ونحن بعيدون عن الواقع! نعم رصدنا الهلال مئات المرات وقارنا بين معايير رؤية الهلال وبين ما كنا نشاهده واقعا! وقد سبقنا فلكيون آخرون بالرصد منذ مئات السنين، وما تشكلت معايير رؤية الهلال الحالية، إلا بعد رصد مستفيض من قبل خبراء أفنوا حياتهم في موضوع رؤية الهلال. فرصدنا الهلال في ظروف كانت السماء فيها صافية جدا، وفي ظروف كانت الأحوال الجوية فيها سيئة، ونعلم كيف سيبدو الهلال في كل منها! ويوجد من الفلكيين الراصدين للهلال من هم متواجدون في شتى بقاع العالم، ويوجد بيننا تواصل وتبادل في الخبرات والآراء! فرؤية الهلال ليست محصورة في ثلة قليلة غير موجود إلا في بقعة واحدة من الأرض!

ويحضرني في هذا المقام ما قاله مفتي قطر السابق عندما كثرت الأخطاء في رؤية الهلال، حيث قال الشيخ عبد الله آل محمود مفتي قطر ورئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية رحمه الله: “قد ثبت بالتجربة والاختبار كثرة كذب المدعين لرؤية الهلال في هذا الزمان؛ وكون الناس يرون الهلال قويا مضيئا صباحا من جهة الشرق ثم يشهد به أحدهم مساء من جهة الغرب وهو مستحيل قطعا، ويشهدون برؤيته الليلة ثم لا يراه الناس الليلة الثانية من كل ما يؤكد بطلان شهادتهم. كما شهدوا في زمان فات برؤية هلال شوال وأمر الناس بالفطر فأفطروا، وعند خروجهم إلى مصلى العيد لصلاة العيد انخسفت الشمس والناس في مصلى العيد، ومن المعلوم أن الشمس لا يخسف بها في سنّة الله إلا في اليوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين، أي ليالي الإسرار، كما أن القمر لا ينكسف إلا في ليالي الأبدار؛ أي ثلاث عشرة أو أربع عشرة أو خمس عشرة، كما حقق ذلك أهل المعرفة بالحساب وعلماء الفلك وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة وأبطل ما يعارضه. فالاستمرار على هذا الخطأ الناشئ عن الشهادات المزورة لا يجيزه النص ولا القياس، ولن نعذر عند الله وعند خلقه بالسكوت عنه. فلأن نخطئ في التوثق والاستحياط أولى من أن نخطئ في التساهل والاستعجال”. وقال في موضع آخر: “إن الهلال لن يُطلب من جحور الجرذان والضبان بحيث يراه واحد دون الناس كلهم! وإنما نصبه الله في السماء لاهتداء جميع الناس في صومهم وحجهم وسائر مواقيتهم الزمانية؛ {ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} وما كان ميقاتا للناس لزم أن يشاهدوه جليا كمشاهدتهم لطلوع الفجر عندما يريدون الإمساك للصوم وعندما يريدون صلاة الفجر، وقال: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} فيا معشر علماء الإسلام أنقذونا وأنقذوا أنفسكم وأنقذوا الناس معكم من هذا الخطأ المتكرر كل عام حتى صار عند أكثر الناس من المألوف المعروف”.

 ما أروع هذا الكلام! نعم إن الهلال لن يطلب من جحور الجرذان بحيث يراه واحد دون الناس جميعهم! وهذا الخطأ المتكرر كل عام تقريبا ولّد عند عامة الناس مفاهيم خاطئة اعتقدوها هي الصواب، مثل أن الهلال يجب أن لا يمكث بعد غروب شمس اليوم الأول من الشهر الهجري طويلا! وهذا مناقض للصواب، فالشهر إذا بدء برؤية صحيحة، يجب حينها أن يغيب الهلال بعد فترة طويلة نسبيا من غروب شمس اليوم الأول!

فالفكرة الأولى التي أردت التأكيد عليها أننا نحن الفلكيين أيضا راصدون للهلال، ولا نصرح بما نصرح به إلا بعد معرفتنا الكاملة بظروف الرؤية، بل إننا نحن المتخصصون بهذه المسألة، ولا يجوز لأي شخص غير متخصص حتى وإن كان فقيها كبيرا التحدث بإمكانية رؤية الهلال من دون علم، فالفقيه وإن كان ذو مكانة لا يجيز لنفسه التحدث في الأمور الطبية عندما يسأله مريض إن كان يجوز له الإفطار في رمضان! بل يكون جوابه باستشارة طبيب حاذق، فإذا أكد له الطبيب أن الصيام سيضر به فعندها يجوز له الإفطار! وعلم الفلك ليس من ذلك ببعيد! فالفلكي هو من يقرر أن رؤية الهلال ممكنة أو غير ممكنة، فهو صاحب الاختصاص والخبرة بهذه الجزئية.  وهو من يحدد إن كان غروب القمر بعد الشمس بمقدار 20 دقيقة مثلا كاف لرؤيته أو ليس كاف! إلا أننا للأسف نجد من هو غير متخصص ويفتي بأريحية أن القمر طالما أنه يمكث في السماء بعد غروب الشمس فإن رؤيته ممكنة ولا يجوز رد الشهود حتى وإن أكد أهل الاختصاص أن رؤيته غير ممكنة!

 الفكرة الثانية: تقدم شاهد أو أكثر برؤية الهلال عندما يؤكد الفلكي عدم إمكانية رؤيته لا يعني أن كلام الفلكي المتخصص كان خاطئا

وهذه تكاد تكون أم المصائب، فكثيرا ما يصرح أهل الاختصاص أن رؤية الهلال غير ممكنة، ثم تعلن بعد ذلك عدة دول ثبوت رؤية الهلال، وعندها يستنتج كثير من الناس فورا أن كلام الفلكي المتخصص كان خاطئا، وأن رؤية الشاهد هي الحق والصواب. وهذا الأمر ليس من الحكمة والصواب! فمنذ متى كانت شهادة أحد طرفي النزاع دليلا لأحدهم! فهذه هي مسألة الخلاف أصلا، ولا يجوز اعتبار ادعاء أحد الأطراف هو الدليل! في جميع المجتمعات المتقدمة علميا، عندما يحصل نزاع في مسالة ما، فإنهم يردوه إلى أهل الاختصاص والخبرة في هذا المجال! إلا للأسف في معظم دولنا! ففي هذه المسألة يصبح أهل الاختصاص هم المتهمون، بل ولا يسلمون للأسف من اللمز والغمز، وكأن في القضية مصلحة شخصية لهم، متناسيين أن المسألة علمية بحتة، وفي تصرفهم هذا نبذ للعلم واستخفاف بعقول الناس!

 الفكرة الثالثة: غروب القمر بعد غروب الشمس بدقائق بسيطة ليس كافيا حتى تمكن رؤية الهلال

وهذا هو واقع شهر شوال القادم، فالهلال يوم الأحد القادم سيغيب في جاكرتا بعد 17 دقيقة من غروب الشمس، وفي أبو ظبي بعد 08 دقائق من غروب الشمس، وفي مكة المكرمة بعد 11 دقيقة من غروب الشمس، وفي عمّان بعد 05 دقائق من غروب الشمس، وفي القاهرة بعد 07 دقائق من غروب الشمس، وفي الرباط بعد 08 دقائق من غروب الشمس، ورؤية الهلال يومها في جميع هذه المدن غير ممكنة لا بالعين المجردة ولا باستخدام التلسكوب. ولمعرفة معاني هذه الأرقام تجدر الإشارة إلى أن أقل مكث لهلال أمكنت رؤيته بالعين المجردة كان 29 دقيقة وتمت رؤيته يوم 20 أيلول/سبتمبر 1990م من فلسطين، ولا يكفي أن يزيد مكث الهلال عن هذه القيمة لتمكن رؤيته، إذ أن رؤية الهلال متعلقة بعوامل أخرى كبعده الزاوي عن الشمس و بعده عن الأفق لحظة رصده. ولا يتسع المقام هنا لشرح كيف يعرف الفلكيون إمكانية رؤية الهلال، فهذا لوحده موضوع كبير لا يتسع المجال لذكره الآن.

 الفكرة الرابعة: هل عدم إمكانية رؤية الهلال يوم الأحد القادم يعني أن الدول لن تعلن ثبوت رؤية الهلال يوم الأحد؟

 بالطبع لا! بل نتوقع أن تعلن الكثير من الدول ثبوت رؤية الهلال يوم الأحد، وأيضا لا يتسع المجال لذكر سبب ذلك بالتفصيل، إنما يجب أن نفرق دائما بين متى يجب أن يبدأ الشهر وبين متى سيبدأ الشهر! فأما بالنسبة للسؤال الأول فإجابته يحددها العلم المبني على الرصد المستفيض والأبحاث العلمية التي أجراها علماء متخصصون في هذا المجال، وأما بالنسبة لجواب السؤال الثاني، فهذا في الواقع خارج اختصاصنا، ولا يعنينا ما سوف تعلنه الدول، بل إن توقع ما ستعلنه الدول قد يقع ضمن إطار التنجيم! وإنما قولنا أننا نتوقع أن تعلن الكثير من الدول ثبوت رؤية الهلال يوم الأحد مبني على ما تعودناه منهم خلال السنوات الماضية، فإذا سارت الأمور هذا العام كما كانت تسير عليه في السنوات الماضية، فبكل تأكيد سيكون عيد الفطر يوم الإثنين في معظم دول العالم الإسلامي! إلا أننا بحق نرجو ونأمل أن يلقي المسؤولون بالا للحقائق العلمية ولا تقبل الشهادات التي تتعارض مع العلم القطعي! فنحن لسنا ضد الرؤية والتحري، بل على العكس، نحن من يطالب بها، إنما غاية مرادنا أن نبدأ بناء على رؤية صحيحة لا تتعارض مع ما أثبته العلم من حقائق.  

 الفكرة الخامسة: تصريح فلكي ما أن يوم الإثنين سيكون أول أيام شهر شوال لا يعني بالضرورة أن رؤية الهلال ممكنة يوم الأحد.

 وهذه أيضا إشكالية كبيرة، فكثير من الناس لا يدرك تصريحات بعض الفلكيين أو من هم محسوبون على الفلك، فيقرؤون عنوان الخبر كما ورد في الإعلام ويبنون عليه استنتاجاتهم التي قد تكون غير صحيحة! فقد يصرح فلكي ما أن بداية شهر شوال يجب أن تكون يوم الإثنين لأن هذا الفلكي لا يشترط رؤية الهلال أساسا لبدء الشهر، بل من وجهة نظر ذلك الفلكي إن مجرد غروب القمر بعد الشمس ولو بدقيقة يعتبر كافيا لبدء الشهر! أما بالنسبة لعامة الناس إن تصريح فلكي ما أن بداية الشهر ستكون يوم الإثنين مثلا يولد عند القارئ استنتاجا ضمنيا أن رؤية الهلال ممكنة يوم الأحد! وهذا غير صحيح، فإذا أردنا الاستشهاد بقول أحد الفلكيين يجب أن نفهم أولا لماذا صرح ذلك الفلكي أن بداية الشهر ستكون في اليوم الفلاني؟! وهنا فإننا ننتقد الفلكي نفسه على هذا التصريح أيضا، فلا يجوز للجهات الفلكية أن تعلن موعد بدء الشهر، بل يقتصر دور الجهات الفلكية على بيان الحقائق العلمية حول رؤية الهلال، ويترك موعد تحديد بداية الشهر للجهات الرسمية المختصة، وتحدث بعض الفلكيين في هذه الجزئية يسبب إرباكا وتشويشا عند عامة الناس.

 والطريف في الموضوع أن بعض الأشخاص يتهمون المشروع الإسلامي لرصد الأهلة بمثل هذه الاتهامات بناء على ما يظهر للمشروع من تصريحات في بعض وسائل الإعلام. وفي الواقع إن موقفنا من هذه المسألة واضح، ولا ينبغي لأحد أن يحاسبنا على تصريحاتنا التي تظهر في وسائل الإعلام، فهي تكون خاضعة لتحرير وسائل الإعلام نفسها، خاصة عنوان الخبر! وعلى من يريد الاطلاع على بياناتنا أن يطلع عليها من موقعنا مباشرة.

 وأكتفي بهذا القدر، وعلى من يرغب بالمزيد قراءة ما كتب في الروابط التالية، التي تجيب على كثير من الجزئيات التي مررت عليها سريعا في هذه التدوينة. 

- بيان المشروع الإسلامي لرصد الأهلة حول رؤية هلال شهر شوال.

- الهلال بين الرؤية والحسابات الفلكية 

- حتى قيمة 0.6 ليست كافية لرؤية الهلال

- ماذا قال الفلكيون عن بداية شهر رمضان الحالي وهل هم مختلفون؟

- هل بداية شهر رمضان كانت خاطئة لاكتمال البدر ليلة 12 من رمضان؟!

- أسرار اللحظات الأخيرة قبل إعلان دخول شهر رمضان الحالي (1434 هـ)

- كيف ثبت؟! للدكتور حمزة المزيني

- استمرار الدعوة للوهم للدكتور حمزة المزيني

- التحول المريب للدكتور حمزة المزيني

- قصة البث المباشر لتحري هلال شوال وكيف رؤي الهلال

- ماذا نستفيد من كسوف الشمس القادم؟

أضف تعليق

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: