أكتوبر
29

ماذا نستفيد من كسوف الشمس القادم؟

يعتبر كسوف الشمس من أكثر الظواهر الفلكية إثارة بين هواة الفلك، ولطالما استخدم حتى من قبل العلماء لإجراء بعض الدراسات والتجارب، فقد استخدمه العديد من العلماء لدراسة النظرية (التي أصبحت حقيقة لاحقا) القائلة بانحراف مسار الضوء عند مروره بجانب مصدر جاذبي قوي…. وها هو كسوف الشمس على الأبواب، فما عسانا نستفيد منه؟

 أعتقد أن طلبي وأملي في الفائدة المرجوة من الكسوف متواضع جدا، وفي الواقع هما طلبان، وقد ذكرناهما قبل أيام في بيانين منفصلين أصدرهما المشروع الإسلامي لرصد الاهلة، وعلى الرغم من ذلك شعرت أنه من الأفضل أن أكتب شيئا يجمع الطلبين في مقالة واحدة، فسيكون ذلك أوضح من جهة، كما أنه سيكون أكثر توثيقا للمستقبل من جهة أخرى.

 أما الطلب الأول، فلطالما ذكرنا خلال السنوات الماضية وبينّا لبعض المسؤولين أن غروب القمر بعد الشمس بدقيقة أو دقيقتين لا يعني أن الهلال موجود في السماء بعد غروب الشمس! فالشمس والقمر عبارة عن أقراص وليس نقاط، والغروب يحسب دائما للحافة العليا لقرص الجرم السماوي (الشمس أو القمر). ومن الجدير بالذكر أن المدة التي يحتاجها القمر (أو الشمس) لغروب كامل قرصه -من خطوط العرض المعتدلة- يصل إلى حوالي دقيقتين ونصف. فإذا قلنا مثلا أن القمر يغيب بعد غروب الشمس بدقيقة واحدة فهذا يعني أن قرص القمر سيبدأ بالغروب قبل اكتمال غروب جميع قرص الشمس. ولذلك لا يمكن أن نقول أن الهلال يغيب فعليا بعد الشمس إلا إذا غاب القمر بعدها بأكثر من ثلاث دقائق، فإن غاب قبل ذلك فرؤية الهلال حينها تلحق بالمستحيلة. ولكن أين المشكلة في ذلك؟

 المشكلة تكمن في أن تقويم أم القرى السعودي يُدخل الشهر إذا حدث الاقتران قبل غروب الشمس وإذا غاب القمر بعد غروب الشمس ولو بدقيقة واحدة فقط بالنسبة لمكة المكرمة، ولذلك يجعل تقويم أم القرى رأس السنة الهجرية يوم الإثنين 04 نوفمبر 2013م، وذلك لأن القمر يغرب في مكة المكرمة يوم الأحد 03 نوفمبر بعد غروب الشمس بدقيقة واحدة. في الواقع ما كانت هذه المشكلة لتقع لو كان شرط التقويم هو أن يمكث القمر بعد غروب الشمس لمدة ثلاث دقائق على الأقل بدلا من دقيقة واحدة. والسؤال الآن ما علاقة الكسوف بهذا الموضوع!؟ والجواب هو أن ما سلف ذكره الآن حدث عدة مرات، وتقدم الأشخاص الذين اعتادوا على الشهادة برؤية الهلال حتى والرؤية غير ممكنة، وقد قبلت شهادتهم فقط لأن القمر غرب بعد الشمس بدقيقة أو دقيقتين، ومثال ذلك بداية شهر شوال لعام 1432 هـ. ولو أدرك المسؤولون حينها معنى أن يغيب القمر بعد الشمس بدقيقة أو دقيقتين لرفضوا تلك الشهادة ولما قبلوها ولما بدأنا الشهر حينها، وهذا الكسوف الآن هو فرصة لكي يرى الناس بأعينهم هذه الحقيقة وليعيها كل من لم يدركها بعد! فالشمس يوم الأحد ستغيب مكسوفة في مكة المكرمة، والقمر سيغيب حينها بعد الشمس بدقيقة، ولذلك كما ذكرنا قبل قليل جعل التقويم يوم الإثنين غرة شهر محرم.

 فالناظر إلى الأفق الغربي من مكة المكرمة وقت الغروب سيرى الشمس تغيب وقد اختفى منها جزء وأصبح باللون الأسود! وهذا الشيء الأسود هو القمر المحاق وقد غطى جزء منه جزءا من قرص الشمس! وسيرى الناس أن القمر الذي يغيب بعد الشمس بدقيقة هو في الحقيقة يغيب معها، إلا أن جزء يسيرا من حافة قرص القمر العليا ستبقى بعد الشمس لمدة دقيقة!

 إذا ما هو المطلوب؟ المطلوب هو أن يتم تعديل شرط بدء الشهر في تقويم أم القرى ليصبح الشرط أن يمكث القمر بعد غروب الشمس لمدة ثلاث دقائق على الأقل حتى ينتفي دخول الشهر والرؤية مستحيلة أحيانا. علما بأن جميع علماء الفلك المختصين في رصد الهلال يجمعون على أن رؤية الهلال غير ممكنة بل هي أقرب إلى المستحيلة إذا كان مكث القمر بعد غروب الشمس أقل من عشر دقائق، بل إن رؤيته بالعين المجردة أمر غير وارد إذا كان مكثه أقل من عشرين دقيقة، وهذا يتفق مع نتائج خبراء رصد الهلال الحقيقيين على مدى مئات السنين الخالية.

 وأما الطلب الثاني، فلقد درجت العادة عند بعض الفلكيين أن يبينوا موعد حدوث الاقتران (تولد الهلال) كموعد ثابت لا يتغير من منطقة لأخرى، وهذا غير دقيق، فموعد اقتران القمر (تولد الهلال) يختلف من منطقة لأخرى، والموعد الثابت الذي يبينه الفلكيون في العادة يسمى الاقتران المركزي، أي موعد الاقتران بالنسبة لمركز الأرض، ولكننا نحن الناس نعيش على سطح كوكب الأرض وليس في مركزه، وما يهمنا ويعنينا هو موعد الاقتران بالنسبة لنا وليس بالنسبة لمركز الأرض! ولكل منطقة على سطح الأرض موعد معين للاقتران يسمى الاقتران السطحي، ويصل أكبر فارق بين الاقتران المركزي والسطحي إلى ساعتين. ولقد بينا في غير مرة أهمية أن يعتمد الفلكيون ومعدو التقاويم موعد الاقتران السطحي وليس المركزي. لأن اعتماد موعد الاقتران المركزي لحساب بداية الشهر الهجري بالنسبة لمنطقة معينة تشوبه بعض الإشكاليات! فكما ذكرنا قبل قليل فإن تقويم أم القرى يبدأ الشهر إذا حدث الاقتران قبل غروب الشمس بالنسبة لمكة المكرمة وإذا غاب القمر بعد غروب الشمس في مكة المكرمة، إلا أن موعد الاقتران المعتمد هو الاقتران المركزي! فقد يبدأ الشهر في تقويم أم القرى لأن الاقتران المركزي قد حدث قبل غروب الشمس، ولكن في الواقع قد يحدث الاقتران السطحي (وهو الحقيقي) بعد غروب الشمس. وإضافة إلى ذلك فإن اعتماد موعد الاقتران المركزي قد يكون مربكا للناس أحيانا بل وحتى يوقع الناس في شك تجاه الفلكيين! فالفلكيون ما فتئوا يؤكدون أن كسوف الشمس هو اقتران مرئي، وهو شاهد يراه الناس يؤكد دقة الحسابات الفلكية! ولكن فلنلقي نظرة مرة أخرى على الوضع في اقتران شهر محرم القادم:-

 سيحدث اقتران القمر (تولد الهلال) يوم الأحد في الساعة الثالثة عصرا و50 دقيقة بتوقيت مكة المكرمة، وكما ذكرنا في نفس هذا اليوم سيشاهد سكان مكة المكرمة كسوفا جزئيا للشمس، والأصل أن يكون موعد ذروة الكسوف (منتصف الكسوف) هو موعد اقتران القمر! وإلا دل ذلك على خطأ الحسابات الفلكية! ولكن بالعودة إلى الحسابات الفلكية نجد أن كسوف الشمس في مكة المكرمة سيبدأ بمشيئة الله في الساعة الرابعة عصرا و14 دقيقة، وستكون الذروة في الساعة الخامسة عصرا و15 دقيقة، وستغيب الشمس مكسوفة في الساعة الخامسة و42 دقيقة. فلنلاحظ أن كسوف الشمس قد بدأ بعد موعد اقتران القمر بـ 24 دقيقة، وأن موعد الذروة بعد 85 دقيقة من موعد الاقتران! إذا هل هناك خلل في الحسابات الفلكية؟! في الحقيقة لا يوجد أي خلل أو خطأ، إنما غاية من هنالك أن موعد الاقتران المبين سابقا هو موعد الاقتران المركزي وليس السطحي! وإذا حسبنا موعد الاقتران السطحي (تولد الهلال السطحي) لمدينة مكة المكرمة سنجد أن موعد الاقتران هو في الساعة الخامسة عصرا و09 دقائق! وهو مقارب جدا لموعد ذروة الكسوف، وهناك سبب علمي لوجود الفارق بينهما والبالغ 06 دقائق، إلا أن المجال لا يسمح الآن لهذا الشرح. وخلاصة ذلك أننا نرى أنه من الضروري أن يعتمد معدو التقاويم على الاقتران السطحي وليس المركزي، وهذا الكسوف خير دليل على ذلك.

 كما بدأت كلامي فإنني أعتقد أن هذه الطلبات متواضعة جدا أمام الدروس المستفادة التي جناها الغرب من رصد كسوف الشمس، ولكن على الرغم من ذلك، هل سيدرك هذه الأمور البسيطة جدا بعض من مطلوب منه أن يدركها؟ وهل سيترتب على ذلك تعديل على الوضع القائم؟ لا أريد أن أكون متشائما، ولذلك سأقول… إن شاء الله!

 

 

أكتوبر
17

وعن «الشهود العدول» يحدَّثونك!

تقول المحكمة العليا في بياناتها عن إثبات الهلال دائماً إن قرارتها مبنية على شهادة عدد من «الشهود العدول». وكنتُ طلبتُ ـ وغيري ـ من المحكمة الموقرة أن تبيِّن أولئك الشهود لنعرف إن كانوا هم الأشخاص أنفسهم الذين يشهدون في كل مرة أم لا. لكنها لم تستجب لذلك يوماً.
وقد جاء البيان أخيراً في مقال كتبه الدكتور محمد عبدالرحمن البابطين «الداعية الإسلامي والمستشار في وزارة العدل السعودية لشؤون الأهلَّة» بعنوان «المراصد الفلكية وعلاقتها برؤية الهلال من الناحيتين الشرعية والفلكية» (مجلة «الدعوة، العدد 2414، 1434/12/5هـ، ص 12- 14) كشف فيه، ولأول مرة ربما، بعضاً من ممارسات هؤلاء.

وهو شهادة مهمة على كيفية عمل هؤلاء الشهود ومدى اتفاق شهاداتهم أو اختلافها مع الذين يتراءون الأهلة بالتلسكوبات. فقد أورد أربع حالات من مشاهداته لشهادات بعض الذين يتراءون الهلال بأعينهم المجردة، وتشهد هذه الحالات كلها على ما يحيط بالترائي بالعين المجردة من مشكلات، وأرجو أن يعذرني القارئ الكريم لإيراد ما كتبه الدكتور البابطين حرفياً، مما يتسبب في طول المنقول «ولا تعليق لي على أسلوبه!».

يقول عن الحالة الأولى: «فقد تم الوقوف عليها في موقع الترائي في أقصى الجهة الغربية من ضاحية لبن، حيث تم وضع التلسكوب الإلكتروني الذي يعمل وفق إحداثيات حركة القمر، ويعتبر هذا التلسكوب في غاية الدقة وقوة الرصد للقمر، وكان يوجد في الموقع أحد الإخوة من مدينة تبوك ممن يُعتمد عليه في إثبات الأهلة، وفي الوقت نفسه يعد من حديدي البصر، وعندما غربت الشمس من ناحية الأفق الغربي تم وقوف الجميع على الهلال في التلسكوب الذي كانت رؤيته فيه واضحة وجلية، إذ لم يكن بمقدورنا رؤية الهلال بالعين المجردة في تلك اللحظة، وفي الوقت نفسه لم يتم إطلاع الأخ المعروف بحدة البصر بذلك. وعليه فقد طلب منه أن يدلنا على الهلال إن كان موجوداً أم لا، وعندما تم تحديد جهته له أخذ يمعن النظر حتى دمعت عيناه (!) ورؤي فيها الجهد، وعندها أخبرنا بوجود الهلال، وأن هذا الهلال هو نفسه الهلال الذي يراه في تبوك (!!)، وعندها تم أخذه إلى التلسكوب لتأكيد صحة ما رآه، وقد ظهر لنا من هذا التطبيق أن الرؤية بالتلسكوب وما في حكمه تعد في غاية الدقة والوضوح وتفوق الرؤية بالعين المجردة؛ كونها يتحصل عليها من غير مشقة ولا كلفة، كما أن استدامة الهلال في التلسكوب مستمرة بخلاف رؤية العين المجردة التي تذهب وتعود ويُحتاج معها إلى مزيد من إمعان النظر».

«وأما الحالة الثانية، فقد تمت في جهة شمال الرياض حيث تم رصد الهلال على أحد الجبال المرتفعة في المنطقة، وكان يوجد معنا عدد من المترائين وكذلك تلسكوب (منظار) يبلغ حجم تكبيره قرابة 300 مرة من العين المجردة، وكان يوجد معنا الأخ نفسه المعروف بحدة البصر في تبوك. وعندما غربت الشمس قمنا بمتابعة الهلال من خلال التلسكوب، ولم نشاهد شيئاً، وكذلك لم نشاهده من خلال منظار آخر كان يوجد مع بعض الحاضرين، هذا عدا أن الأخ المعروف بحدة البصر لم يشاهده بالعين المجردة، وقد فوجئنا ونحن في الموقع بتقدم أحد الحاضرين يخبر برؤيته للهلال في حالة كانت مدعاة للتعجب والاستغراب، كيف يتمكن آحاد الناس من رؤية هلال لم يُشاهد في تلك اللحظة من خلال أجهزة متطورة تفوق الرؤية البصرية المجردة، وفي الوقت نفسه لم يشاهده من يُعرف بحدة البصر الذي جُرِّب في غير مرة».

«أما الحالة الثالثة، فقد تمت في الجهة الغربية من ضاحية لبن في الرياض حيث أُحضِر تلسكوب إلكتروني يرصد القمر ويتابعه وفق إحداثيات حركته، وفي الوقت نفسه كان الأخ المعروف بحدة البصر الذي شارك معنا سابقاً موجوداً في منطقة الهدا بمحافظة الطائف، وعندما غربت الشمس في الرياض تابعنا رؤية الهلال من خلال التلسكوب، ولم نعد نشاهده نظراً لوجود بعض السحب الخفيفة في الأفق الغربي، والضعف الشديد في النور المتخلِّق فيه، وفي الوقت نفسه لم نره بالعين المجردة. وقد تم الاتصال بالأخ الموجود في الهدا ليتابع لنا رؤية الهلال بعد غروب الشمس في محافظة الطائف، وبعد وقت اتصل بنا وأفادنا بأنه رأى الهلال لمدة دقيقة أو أقل ثم اختفى ولم يشاهده بعد ذلك (ويُراعَى هنا بعد وقت الغروب بين المكانين)».

أما الحالة الرابعة التي لم يفردها الدكتور البابطين فهي أنه «سبق القيام برصد الهلال حال كونه يغرب قبل الشمس، حيث تم تشغيل التلسكوب الإلكتروني تجاه الأفق الغربي من ضاحية لبن، وكان السهم فيه يشير إلى أن الهلال موجود تحت الأفق وليس فوقه؛ بما يعني عدم استهلاله، وقد كان معنا اثنان من الشهود المعروفين بحدة البصر، ولم يتم إخبارهم بهذه النتيجة المتحققة في التلسكوب. وقد طُلب منهما رؤية الهلال بعد أن حُدد لهما جهته دون إعلامهما أنه تحت الأفق. وبعد أن أمعنا النظر والرصد أفادا بأنهما لم يريا أو يشاهدا هلالاً وفق ما لدى التلسكوب».

وهذه الحالات الأربع نماذج لرؤية من يدَّعون أنهم يرون الهلال بأعينهم المجردة، ونماذج لغرائبهم، وأطرفها أن يُجهد الرائي في الحالة الأولى عينيه حتى «دمعتا!» ليجد الهلال الذي رآه الآخرون بالتلسكوب بسهولة بالغة. والأكثر طرافة أن قوله إن هذا الهلال هو الهلال «الذي يراه في تبوك»، لم يلفت نظر أحد!!.

أما الحالة الثانية، فيشهد شاهد برؤية الهلال على الرغم من عدم قدرة المترائين بالتلسكوب الفائقة رؤيته! وتشهد الحالة الثالثة بالادعاء المعتاد برؤية الهلال لبرهة قصيرة ثم اختفائه! وليست الحالة الرابعة ببعيدة عن أن «الشاهدين» كانا يعرفان مسبقاً أن الهلال تحت الأفق!
ولاحظ الدكتور البابطين في نهاية المقال مفارقةَ «انفراد آحاد من الناس بالإخبار عن رؤيته الهلال مع وجود الجمع من الناس فضلاً عن وجود التقنية العصرية»، وهو ما يجب أن يكون «مدعاة للتحقق من تلك الرؤية وتمحيصها بما يحقق الضمانة ويبعث على الطمأنينة تجاه صحة تلك الرؤية»؛ ذلك «لأن التساهل في مثل هذا يجعلنا في حرج من تعريف الإمام الشافعي للشاذ كما هو معلوم في قواعد التحديث وعلم الحديث».

ولم يبيِّن ما إن كانت المحكمة العليا أخذت بشهادة الذي «دمعت عيناه من الجهد»، والآخر الذي ادعى رؤيته في الحالة الثانية، والثالث الذي رآه لدقيقة.

وكم سيكون رائعاً لو أورد الدكتور البابطين حالات أخرى شهد فيها أشهر «الشهود العدول» الذين تعتمد المحكمة العليا شهاداتهم دائماً!

أكتوبر
12

من مثلث برمودا إلى الصومال – كسوف شمسي مركّب (2013/11/3)

نحذّر من المشاهدة المباشرة بدون نظارة الكسوف الخاصة

كفلكيين نحذّر دوما من الرصد المباشر لظاهرة الكسوف الشمسي بدون استخدام النظارة الواقية الخاصة بالكسوف وإلا فكن على استعداد لتلقي خبر فقدك لبصرك حتى لو كنت تسترق البصر بغير تأمل في الحدث. إن النظارة الصحيحة المخصصة لرصد الشمس وما يرتبط بها من ظواهر كالكسوف والبقع الشمسية وعبورات الزهرة وعطارد هي نظارة قاتمة جدا بحيث إن نظرت من خلالها إلى أقوى الأضواء المنزلية فلن ترى منها شيئا تقريبا. الشمس فقط يمكنك مشاهدتها من خلال تلك النظارة الخاصة بالكسوف. في حالة تعذر وجودها فلا بأس بصناعة واقي للعين باستخدام طبقتي صورة أشعة سوداء. وهنا يجب ألا تزيد فترة المشاهدة من خلالها عن خمس ثواني كل ربع ساعة ومع ذلك فلا ننصح إلا باستخدام النظارة الخاصة لأنها مركبة من مواد تحجب الأشعة فوق البنفسجية الخطيرة القادمة من الشمس.

لم تكن أحداث الكسوفات لهذا العام 2013 بأفضل حال من الخسوفات التي لم تصل إلى الحد الذي كان يأمله هواة الفلك في الوطن العربي. ومع ذلك فإن الكسوف الشمسي المركّب المنتظر ربما يكون ذا أهمية بالغة لدى الفلكيين والهواة وحتى العامة من الناس خصوصا عندما تطالعنا كلمة ” مركّب” ضمن العنوان كنوع من الكسوفات الشمسية. ترى من أين سيبدأ وفي أي البلدان سينتهي وما هو السبب الذي جعل من هذا الكسوف مركّبا، كل ذلك سنتعرف إليه في هذه المقالة القصيرة حول الكسوف المقبل.

في واحد من أندر الكسوفات الشمسية سوف يتمكن بعض سكان أفريقيا وراصدون محتملون في مسار دقيق في المحيط الأطلسي من مشاهدة ظاهرة الكسوف الشمسي المركّب وذلك في يوم الأحد 3 نوفمبر كدث ختامي للكسوفات والخسوفات لعام 2013.

 يبدأ الكسوف في الساعة 10:07:30 بالتوقيت العالمي في منطقة في المحيط الأطلسي تقع في مثلث برمودا شرق ولاية فلوريدا الأمريكية حين يقع ظل القمر على الأرض متجها شرقا. إن ظل القمر القصير نسبيا والعاجز عن ملامسة سطح الأرض ومائها سيرحل شرقا بانحراف قليل نحو الجنوب وبسرعة تزيد عن سرعة طائرات السفر النفاثة العادية. وخلال تلك الرحلة فإن ظل القمر المحلق فوق سط الماء دون ملامسته سوف يخلق ظاهرة معروفة للفلكيين وهي ظاهرة الكسوف الحلقي حيث ستظهر الشمس لراصدين محتملين هناك كحلقة توسطها قرص القمر. وينتج ذلك بسبب بعد القمر عن الأرض مما يجعل حجم قرصه أقل من أن يحجب كامل قرص الشمس.

HYBRID-S-eclipse-2013

وبعد رحلة قصيرة تقدر بمائتي كلم وعند منتصف مثلث برمودا تقريبا، سوف يتمكن ظل القمر أخيرا من ملامسة سطح المحيط  ليتحول الكسوف الحلقي إلى كسوف كلي في تلك اللحظة. ويواصل الظل القمري الرحيل عبر المحيط شرقا ليفرش القمر ظله بعرض متزايد حتى الشواطئ الغربية لقارة أفريقيا وهناك سيبلغ قطر الكسوف أعلى ما يمكن ليبدأ بتكلمة مشواره شرقا بظل آخذ بالانكماش ثانية ليعبر افريقيا من وسط دولة غابون فدولة الكونغو ثم إلى دول منابع النيل؛ أوغندا وشمال كينيا فجنوب أثيوبيا لينتهي في غربي الصومال في الساعة 13:23:00 بالتوقيت العالمي.

ما هي ظاهرة الكسوف الشمسي؟

الشمس أكبر قطرا من القمر بحوالي 400 مرة ولكنها أبعد منه بنفس القدر أي 400 مرة وهذه المعادلة الرائعة تجعل قرص القمر مساويا تقريبا لقرص الشمس في السماء مما يجعل ظاهرة الكسوف الكلي تحدث بصورة فريدة جدا إذا ما قسنا هذا على مستوى الكواكب وأقمارها في النظام الشمسي. وكسوف الشمس هو ظاهرة رائعة ومؤثرة في النفس البشرية خصوصا إذا كان الكسوف كليا وهو يحدث عندما يحجب القمر بقرصه قرصَ الشمس وقد يكون ذلك كليا او جزئيا. وفي حال الكسوف الكلي فقد تُحجب الشمس كاملة لفترة تتراوح ما بين جزء من الثانية وحتى 8 دقائق بحد أقصى قبل أن يبدأ ضوؤها بالبزوغ من وراء قرص القمر ثانية. وفي لحظات الكسوف الكلي يتحول النهار الجلي إلى ليل قاتم وتُنار أضواء الشوارع آليا وتعكف الطيور إلى أعشاشها وبصورة عامة ترتبك الحياة في تلك اللحظات القصيرة.

وفي بعض الحالات الخاصة وعندما يكون القمر في أوج مداره حول الأرض قد لا يكون قرص القمر كافيا لحجب كامل قرص الشمس، فيترك حلقة منها حوله ويسمى هذا النوع من الكسوفات بالكسوف الحلقي. وفي حالات أندر يكون ظل القمر على الأرض عند حد حرج تماما أي لا يكاد يلامس السطح في أجزاء من مساره لثم يلامسها فعلا في جزء آخر من مساره مما يجعل الكسوف مركّبا أي هجينا من الحالتين الكسوف الكلي والكسوف الحلقي ومن هنا جاء الاسم.

types of eclipses

solar eclipse1 2005

الرصد من الوطن العربي

بعد رحلة طويلة تقدر بآلاف الكيلومترات، سينتهي هذا الكسوف في جزئه النهائي عبر مسار قصير جدا من جموهرية الصومال العربية بعد أن يقطع كامل القارة الافريقية من منتصفها. وهذا الجزء الضئيل جدا إذا ما أحسن استغلاله من قبل هواة الفلك هناك، فمن الممكن التقاط صور فلكية فنية رائعة لأن الكسوف عندها سيكون في الأفق تماما وهذا يعني حاجة الراصد الفلكي لأن يعتلي قمة ما إن وجدت أو برجا عاليا. وحتى إن تعذر تصوير الكسوف في لحظاته النهائية ككسوف كلي -لسقوط كلا الشمس والقمر تحت الأفق في تلك اللحظة الحاسمة- فإنه بالإمكان التقاط صور فريدة جدا لما يعرف بالشمس “الهلال” التي تبدو كهلال قمري بسبب حجب القمر الاسود لمعظم قرصها. كما يمكن لهواة الفلك والتصوير في مختلف مناطق الوطن العربي أخذ صور جميلة للكسوف الذي سيبدو جزئيا بنسب متفاوتة بحسب مواقعهم وبلدانهم وابعادهاعن خط سير ظل القمر كما توضح الصورة المرفقة. إذن  ننصح الجميعات الفلكية  وهواة الفلك العرب منذ اللحظة التحضّر لهذه الظاهرة وذلك من خلال إلقاء المحاضرات التوعوية بالكسوف والخسوف والتركيز على التحذير من النظر إلى الشمس بدون نظارات واقية خاصة وكذلك محاولة توفير نظارت لرصد الكسوف لأنفسهم وللجمهور في حين موعد الظاهرة في الثالث من تشرين ثاني- نوفمبر هذا العام.

أكتوبر
12

خسوف قمري شبه ظلي، فجر الجمعة 19 أكتوبر 2013

الخسوفات القمرية أنواع: منها ما هو كلّي فيرى بسهولة حيث يتحول القمر البدر إلى اللون البني القاتم في غضون ساعة أو أقل. وهناك الخسوف الجزئي حيث يتأثر جزء فقط من القمر ويصبح بنيا قاتما. والنوع الثالث هو الخسوف القمري شبه الظلي والذي لا يبدو للعامة من الناس أن شيئا قد حصل للقمر البدر إلا أنه وبرصد دقيق وبأجهزة ليست بمعقدة يمكن الاستدلال عليه في كثير من الحالات وهذا النوع الأخير هو موضوعنا وهو الظاهرة المرتقبة في عيد الأضحى المبارك.

بعد استمتاع هواة الفلك العرب في المنطقة العربية بسلسلة من الخسوفات القمرية والتي انتهت بالخسوف الرائع ذي 100 دقيقة في منتصف 2011، فقد أمست الخسوفات القمرية إما جزئية ذات الشأن الأقل أو خسوفات شبه ظلية غير لافتة للانتباه أو حتى خسوفات كلية ولكنها غير مرئية من المنطقة العربية بصورة عامة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يبدو أن السنين القليلة القادمة ستبقى عجافا أمام هواة رصد الخسوفات في المنطقة العربية لتنفرج أخيرا ولكن ليس قبل العام 2018 حين تبدأ سلسلة أخرى من الخسوفات الكلية الرائعة.

فيما سبق، فقد شهد العام 2012 خسوفين قمريين: الأول كان في منتصف العام وكان جزئيا ولم ير منه شيء من منطقتنا العربية. وأما الثاني فقد حدث في نهاية العام تقريبا وكان خسوفا من نوع شبه الظلي أي أن القمر لم يدخل في منطقة الظل التام للأرض لا كليا ولا حتى جزئيا.

وأما في العام الحالي، فهناك ثلاث خسوفات: خسوف 25 إبريل والذي كان خسوفا جزئيا إذ بالكاد لامست الحافة الشمالية للقمر حافة الظل الأرضي وقد شوهد من المنطقة العربية والثاني حدث بعد شهر وكان خسوف شبه ظل جزئي. وأما الثالث والأخير في هذا العام، فهو الخسوف القادم المتوافق مع عيد الأضحى المبارك أي في فجر 19 أكتوبر وهو أيضا خسوف شبه ظلي جزئي والذي ستشهده المنطقة العربية إلا أنه لن يكون واضحا بالعين المجردة للعامة من الناس وهذا عكس حال الخسوفات الكلية التي تكون عادة واضحة للجميع. ومع ذلك وطالما أن هذا الخسوف سيبدأ وينتهي والقمر فوق الأفق من جميع الدول العربية، فهناك ما زالت فرصة لهواة الفلك الجادّين لمحاولة معاينة شبه الظل الأرضي على سطح القمر الأمر الذي سييلعب منظار ثابت أو تلسكوب فلكي صغير دورا هاما في تسهيل رصده ومعاينته. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بينما يسير القمر في مساره دخولا في شبه الظل الأرضي أو خروجا منه فلا يجب أن نتوقع أن يكون لشبه الظل هذا حافة حادة، بل هي تدرجات من الفاتح إلى الباهت ولكن وعلى الأغلب فلن تصل درجة شبه الظل إلى الحد الذي يسهل تمييزه من قبل العامة ممن لم يعتادوا رصد القمر.

وعلى كل حال، فهذه هي مواعيد الخسوف بتوقيت مكة المكرمة وكذلك بالتوقيت العالمي:timing_eclipse2013

مواعيد الخسوف بتوقيت مكة المكرمة،

بداية دخول منطقة شبه الظل: 00:53 بعد منتصف الليل 19 أكتوبر

ذروة الخسوف: 02:50 قبل فجر السبت 19 أكتوبر

نهاية خسوف شبه الظل: 04:48 فجر السبت 19 أكتوبر

بالتوقيت العالمي:

بداية دخول منطقة شبه الظل: 21:53 ، 18 أكتوبر

ذروة الخسوف: 23:50 ، 18 اكتوبر

نهاية خسوف شبه الظل: 01:48، فجر السبت 19 أكتوبر

وأما الخسوف القمري فهو ظاهرة فلكية طبيعية تحدث للقمر أحيانا عندما يكون القمر بدرا ويتوافق أن يكون مساره في المدار داخلا في ظل الأرض مما يسبب أن تحجب الأرضُ ضوءَ الشمس عن القمر فلا يظهر لنا إلا كقرص بني غامق اللون. وقد يكون الخسوف كليا أو جزئيا وقد يكون في منطقة شبه الظل الأرضي مما يجعل ملاحظته صعبة للغاية بالطرق التقليدية للرصد كما هو حال خسوفنا هذا. وإذا ما ذكر الخسوف القمري فلابد وأن يذكر معه الكسوف الشمسي، وهو ظاهرة فلكية طبيعية أيضا بطلاها الشمس والقمر. فكما نشاهد في الشكل أدناه، فإن الشمس ترمي ظلالا لكل من الأرض والقمر ليستمرا لمسافة ما بعيدة خلفهما وكل بحسب حجمه وبعده عن الشمس. فإذا وافق أن كان القمر أمام الأرض تماما أي في طور المحاق وحصل أن وقع ظله على جزء منها، كان ذلك كسوفا وإذا ما دار إلى وضع البدر ووافق أن دخل القمر البدر في ظل الأرض كان خسوفا. ولكن في معظم شهور السنة القمرية يحدث أن يمر القمر إما فوق أو تحت مستوى الأرض والشمس ولولا ذلك لحدثت ظاهرة كسوف شمسي عند كل محاق وخسوف قمري عند كل بدر.

earth and moon shadows-eclipse

solar_eclipse_3

سبتمبر
29

«ولكنها تدور»!

يحار الملاحظ في معرفة السبب وراء معارضة المؤسسات الدينية الرسمية في بلادنا للاستعانة بعلم الفلك لتحديد بدايات الشهور القمرية، وكذلك الوسائل التقنية الحديثة، كالمناظير المقرِّبة وغيرها. إضافة إلى امتناعها عن الحديث عن الأسباب التي تفسر هذه المعارضة.
وكنت أوردت في مقالات سابقة وصف بعض الأعضاء الكبار في هذه المؤسسات للمتخصصين في علم الفلك، ومنهم مسلمون، سعوديون وغير سعوديين، بـ«الكذب» و«الجهل» و«ادعاء علم الغيب»، وغير ذلك مما يطعن في عدالتهم وعلمهم.
ويؤكد هؤلاء الفضلاء، إذا ما تحدثوا عن الأسباب التي تدفعهم إلى عدم الاستعانة بالوسائل العلمية والتقنية الحديثة في إهلال الأهلة -إضافة إلى تهوينهم من علم الفلك والفلكيين- أن مواقفهم تنبع من تمسكهم بالسنة النبوية الشريفة التي يؤكدون أنها تنص على الاعتماد في ذلك على الرؤية البصرية المباشرة وحدها.
ومن العدل القول إن بعض الأعضاء في هذه المؤسسات نفسها يحاولون دائما تغيير صورتها هذه. ومن هؤلاء الشيخ عبدالله بن عقيل الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، الذي اقترح على ولي الأمر، كما رأينا في مقالات سابقة، الأخذَ بالوسائل الحديثة في إهلال الأهلة. كما يحاول ذلك علماءُ آخرون من المنتسبين إلى هذه المؤسسات؛ ومن هؤلاء الشيخ محمد بن جبير والشيخ عبدالمجيد بن حسن -رحمهما الله- والشيخ عبدالله بن منيع، والدكتور عبدالوهاب أبو سليمان، وغيرهما، كما أشرت في مقالات سابقة.
وكنت أشرت في مقالات سابقة كذلك إلى أن بعض هذه المؤسسات تعمل في قراراتها على إفراغ الاقتراحات التي يوجهها ولي الأمر إليها من مضمونها. ومن ذلك قرار هيئة كبار العلماء عن اقتراح الشيخ ابن عقيل الذي تنقض بعضُ فقراته فقراتٍ أخرى فيه جاءت في صالح الاقتراح.
وأحد أسباب هذا التمنع طوال العقود الماضية إنما يعود إلى نفوذ بعض أعضاء الهيئة الكبار المحافظين وانسياق الأعضاء الآخرين لما يراه هؤلاء الكبار في آرائهم عن هذه المسألة.
وهناك سبب أكثر جوهرية لهذا التمنع الدائم يتمثل في أن الأعضاء الكبار في هيئة كبار العلماء لا يرون صحة ما يقوله علم الفلك عن النظام الفلكي أساساً. وتأتي معارضتهم للوسائل الحديثة في إهلال الهلال نتيجة حتمية لهذا الموقف المبدئي.
ومما يشهد بهذا تصريحُ الشيخ صالح الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، في تسجيل صوتي قبل أيام بما يكاد يكون تكفيراً لمن يقول بدوران الأرض حول الشمس. (وكان قد وصف، في تصريحات سابقة، الفلكيين بالكذب والجهل وادعاء علم الغيب).
فقد كان يجيب على سؤال وجه إليه عما يقوله «بعض الناس» من أن الأرض ليست مركز الكون وأن الشمس لا تدور حولها، وأن الأرض هي التي تدور حول الشمس. فقال:
«لا شك عندنا ولا عند المؤمنين بأن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور عليها والكواكب والأفلاك. وهذا مدلول القرآن والسنة. وأما الفكرة الغربية والفكرة العقلية البشرية فيقولون إن الأرض تدور والشمس ثابتة» (بتصرف).
ويقرب من قول الشيخ الفوزان قول الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- الذي كان عضواً في هيئة كبار العلماء، عن هذه القضية نفسها. إذ يقول في تسجيل له إجابة على السؤال نفسه:
«ظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض، ويجب علينا أن نأخذ بظاهر القرآن، وألا نترك هذا إلى أقوال العصريين. يجب ألا ندع هذا. وكيف يكون حال من كانت هذه عقيدته عند الله يوم القيامة. وهذا القول غير مسلَّم إلا إذا عرفناه معرفتنا لثيابنا التي علينا. وإذا كان الواقع هو كما يقول العصريون فيجب أن نؤول الكتاب والسنة بما يوافق الواقع لأنهما لا يخالفان الواقع» (بتصرف).
فيرى الشيخان الفاضلان أن من لوازم الإيمان الأخذ بظاهر القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في هذه القضية، وهو ما يعني الأخذ بما كان يقوله الأقدمون من ثبات الأرض ودوران الشمس عليها. ويشتركان كذلك في مخالفتهما ما يراه مئات الملايين من المسلمين في الوقت الحاضر، ومنهم علماء شرعيون كبار، حقيقة كونية لا تحتمل الجدل ولا تتعارض مع الإيمان بالنصوص الكريمة.
لكن الشيخ ابن عثيمين يختلف قليلاً عن الشيخ الفوزان في أنه أفسح المجال لإعادة تأويل النصوص الكريمة التي فهمها الأقدمون على ظاهرها تأويلا يتوافق مع ما يقوله العلم الآن عن كون الأرض تدور حول الشمس، وإن كان يوحي بأن هذا الأمر لا يزال موضع شك يتطلب البرهنة عليه.
ويتبين من هذا أن الموقف من دوران الأرض حول الشمس، وما يلزم عنه من حقائقِ أخرى، هو السبب الرئيس الذي يفسر مواقف بعض علمائنا الكبار من قضية الاستئناس بالعلوم الفلكية الحديثة لإهلال الأهلة. وهو ما يترتب عليه استمرار الجدل السنوي الذي لا يأتي بجديد ولا يفيد في تغيير تلك المواقف.
ويذكِّرني إنكارُ بعض علمائنا الأفاضل لهذه المسلَّمة العلمية التي لا يكاد يشك فيها الآن أحد من المسلمين وغير المسلمين بما حدث لي حين كنت في السنة الأولى المتوسطة. فقد كان الجيران مجتمعين في «دهليس» جارنا «حياء بن محمد السراني» (و«الدهليس» في لهجة سكان ضواحي المدينة المنورة هو مجلس الرجال المستقل عن البيت). وكنت أحاول أن أبين لهم أن الأرض تدور حول الشمس (وكان الحدثُ الأبرز الذي ألهب الخيال البشري حينذاك طيرانَ رائد الفضاء، جاجارين، في أول رحلة للإنسان إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض في 12 إبريل 1961م على متن مركبة الفضاء السوفييتية «فوستوك1»). فلم أشعر وأنا أتحدث، إلا بصفعة قوية يوجهها لي «عْوَض الشميلي»، وكان حديث عهد بالنزول من البادية «سامحه الله حياً وميتاً»، مصحوبة بزخة من الشتائم! ولا أذكر أن أحداً من الحاضرين اعترض عليه، وربما كان ذلك لأنهم كانوا يوافقونه في الإنكار عليّ، ويخافون على إيمانهم من هذه الأفكار الغريبة!
ومن المؤكد أن تلك الصفعة وتلك الشتائم أخف كثيراً مما واجهه العالم الإيطالي المشهور برونو الذي حكمت عليه الكنيسة «قبل أربعمائة سنة» بالموت حرقاً عقاباً له على هذا الرأي، أو ما حدث للعالم الإيطالي المشهور الآخر جاليليو جاليلي الذي حكمت عليه الكنيسة بالسجن بسبب هذا الرأي نفسه «في تلك الفترة نفسها». وهو الذي تنسب إليه الجملة المشهورة التي يروى أنه قالها بعد إرغامه على توقيع الوثيقة التي تراجع بموجبها عن ذلك الرأي خضوعاً لرأي الكنيسة: «ولكنها تدور»! (ومعنى كلامه: «إن تراجعي لا يغير من هذه الحقيقة الكونية شيئاً»).

سبتمبر
12

هذه هي الأسباب!

تساءل الأخ العزيز الأستاذ «دعشوش» في تعليقه على مقالي السابق عن السبب الذي أدى إلى إفراغ اقتراح الشيخ عبدالله بن عقيل ـ رحمه الله-، الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، من مضمونه، وهل كان سبب ذلك أنه «دخل في موضوعٍ لا يخصه، أو لا يخص طبيعة عمله؟».
أما سبب ذلك فربما كان أن الشيخ ابن عقيل لم يكن عضواً في هيئة كبار العلماء، وأنه لم يحضر الجلسة التي أُقرت فيها التوصيات الست عن إثبات الأهلَّة. وهذا ما حرَم وجهةَ نظره من ممثل قوي لها يدافع عنها.
وهناك سبب ثانٍ يتمثل في أن أعضاء الهيئة النافذين كانوا محافظين جداً في نظرتهم لهذه القضية، وظلت الكلمة الفصل فيها لهؤلاء الأفاضل حتى الآن.
ومما يشهد بعدم قدرة أعضاء الهيئة غير النافذين على إقناعها دائماً بوجهات نظرهم غير التقليدية عن موضوع الأهلة، أنها استعرضت في اجتماع لها سنة 1394 هـ قرارات بعض المؤتمرات الإسلامية التي أوصت بالاستعانة بعلم الفلك في إهلال الأهلة وقضايا أخرى ذات صلة. ولم توافق على بعض تلك القرارات مما جعل ثلاثة من أعضاء الهيئة هم: الشيخ محمد بن جبير ــ رحمه الله-، والشيخ عبدالمجيد بن حسن ـ رحمه الله-، والشيخ عبدالله بن منيع ــ حفظه الله-، يكتبون «وجهة نظرهم» عن أحد قرارات الهيئة كما يلي «بتصرف»:
«فقد استعرضنا البحوث المقدمة للمجلس في موضوع (حكم العمل بالحساب في ثبوت دخول الشهر أو خروجه) وقرارات المؤتمرات المنعقدة؛ لبحث ذلك الموضوع، وأعدنا النظر في البحث المعدّ من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، ولم نجد فيما اطلعنا عليه من البحوث المذكورة بحثاً في الموضوع من أهل الاختصاص في علم الفلك.
وقد رأينا في تلك البحوث من يدَّعي: أن نتائج الحساب الفلكي قطعية الدلالة وينكر أن تكون مبنية على ظن أو تخمين، كما وجدنا فيهم من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي مبنية على الحدس والظن والتخمين وينكر قطعية نتائجها. وليس في الفريقين من يعتبر أهلاً لقبول قوله في قطعية النتائج أو ظنِّيتها؛ لكونه ليس من علماء الفلك.
وحيث إن الحكم في رأينا يختلف بالنسبة للأمرين: قطعية النتائج أو ظنيتها، حيث إن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي يقضي برد الشهادة برؤية الهلال دخولاً أو خروجاً إذا تعارضت معها؛ لأن من شروط اعتبار الشهادة بالإجماع: أن تكون منفكة عما يكذبها حسّاً وعقلاً، فإذا قرر الحساب الفلكي عدم ولادة الهلال، وجاء من يشهد برؤيته، كانت شهادته ملازمة لما يكذبها عقلاً، وهو القول باستحالة الرؤية للقطع بعدم ولادة الهلال، كما أن القول بظنية النتائج يقضي بردها ـ أي: النتائج ـ واعتبار الشهادة بالرؤية؛ لإمكانها، وظنية النتائج الفلكية، وذلك في حال تعارض الشهادة بالرؤية مع نتائج الحساب.
ونظراً إلى أن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها من قبيل الدعوى من الطرفين، وأن القول في الأمور الشرعية يقتضي التحقق والتثبت والاستقصاء، فقد طلبنا من المجلس استقدام أصحاب اختصاص في علم الفلك؛ لمناقشتهم في ذلك والتحقق منهم فيما يدَّعيه الطرفان، كما تقضي بذلك مادة من لائحة أعمال المجلس، فرأى المجلس بالأكثرية عدم الحاجة إلى استقدامهم.
وعليه، فإننا نؤكد ضرورة استقدام خبراء في علم الفلك لتحقق دعوى قطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها، وعلى ضوء ذلك نقرر ما نراه».
في 1395/2/14 هـ .
وتُبيِّن وجهة نظر الأعضاء الثلاثة أن الهيئة الموقرة لم تمتنع عن تبنِّي بعض تلك القرارات وحسب، بل لم ترَ ضرورة حتى لاستشارة «أصحاب الاختصاص» الذين كانوا سيساعدونها في اتخاذ قرار علمي بهذا الشأن.
ومما يشهد بتمنُّع الهيئة المبدئي أنه لم يظهر في توصيات اللجنة الست التي تبنتها أثرٌ لرأي اثنين من أعضاء اللجنة مختصَّين في الفلك، هما الشيخ محمد بن عبدالرحيم الخالد ومندوب جامعة الملك سعود الدكتور فضل أحمد نور محمد. بل لقد أكدت التوصيات عدم اعتبار خبرتهما بشكل واضح.
واستمر هذا التمنع حتى بعد إصدار مجلس الوزراء قراره رقم 143 بتاريخ 1418/8/22 هـ، بعنوان: «لائحة تحري رؤية هلال أوائل الشهور القمرية»، الذي قضى بتنفيذ التوصيات الست، وتزامن مع صدور ذلك القرار نشرُ الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، الشيخ صالح اللحيدان، مقالاً مشهوراً أكد فيه المواقف التقليدية كلها من قضية إثبات الأهلة، ومن الغريب في ذلك المقال أن يستشهد الشيخ اللحيدان بقول ابن تيمية عن سكوت الفلكي اليوناني القديم بطليموس عن قضية الهلال، ويتخذ ذلك حجة ضد علماء الحساب المعاصرين. ويمكن مقارنة موقفه الذي يؤكد تفوق الشهود بالعين المجردة على المختصين في علم الفلك وعلى المنجزات العلمية الحديثة كذلك، بموقف الشيخ ابن عقيل الذي يوصي بالاستفادة من الـ «فتوح في مجال العلوم المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي» في إثبات الأهلة وغيره.
ولم تغيِّر الهيئة الموقرة موقفها من هذه القضية على الرغم من الإحصاءات العلمية التي قدِّمت لها، طوال السنين، عن مخالفة شهادة الشهود الذين كان المجلس الأعلى للقضاء يعتمد عليهم، ولا تزال المحكمة العليا تعتمد شهادتهم، للمعطيات الطبيعية للهلال.
وكنت عرضت في مقالات سابقة، العام الماضي، مواقف أعضاء كبار في هيئة كبار العلماء من هذه القضية، وأوردت أقوالهم التي يصفون فيها علماء الفلك بأنهم «كَذَبة» و«جَهَلة»، و«مدَّعون للغيب».
ومما أسهم في طمس اقتراح الشيخ ابن عقيل، طوال العقود الثلاثة الماضية وإلى الآن، أن أعضاء اللجنة المكلفة بشأن الأهلة في المحكمة العليا لا يزالون هم الأشخاص أنفسهم الذين ظلوا أعضاء فيها منذ كان إثبات الأهلة تابعاً للمجلس الأعلى للقضاء، بل إن رئيس المحكمة الآن ظل عضواً فيها سنين طويلة.
ولا يتوقع من هذه اللجنة التي لم تقتنع، طوال السنين الماضية، بما يقوله المختصون في علم الفلك أن تغير موقفها المبدئي الذي تعودت عليه ضد المختصين بعلم الفلك، ومن ثقتها المطلقة والتلقائية في المجموعة نفسها التي ظلت أكثر من ثلاثين سنة تشهد بما يخالف المعطيات الفلكية للأهلة، كما لا يتوقع أن ينتهي تحيز بعض القضاة لمن عرفوهم من هؤلاء الشهود، في المناطق التي يأتون منها.
وخلاصة القول إنه لا يمكن أن تنتهي القرارات العشوائية في قضية الأهلة إلا بإعادة الاعتبار لاقتراح الشيخ ابن عقيل ــ رحمه الله-، وإعادة هيئة كبار العلماء الموقرة النظر في مواقفها من المختصين بعلم الفلك.

سبتمبر
12

إفراغ اقتراح الشيخ من مضمونه

أنهى الشيخ عبدالله بن عقيل – رحمه الله ـ رسالته إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ــ رحمه الله ــ التي يقترح فيها إنشاء مراصد لرصد الهلال، بتمنِّيه أن يُنفَّذ اقتراحه ليُعمل به في إهلال شهر رمضان 1403 هـ.
وقد أمر الملك فهد بإحالة الاقتراح إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الذي كوَّن لجنة لدراسته، ثم أحيل تقرير اللجنة إلى هيئة كبار العلماء لدراسته واتخاذ قرار بشأنه.
ونشرت مجلة البحوث الإسلامية (ج 29، ص 342) نص القرار الذي جاء فيه:
قرار رقم (108) وتاريخ 11/2 /1403 هـ
«ففي الدورة الثانية والعشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف، ابتداء من 20/10 حتى 11/2 /1403 هـ بحث المجلس موضوع إنشاء مراصد فلكية يستعان بها عند تحري رؤية الهلال، بناء على الأمر السامي الموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم (4ص19524) وتاريخ 8/18 /1403 هـ، والمحال من سماحته إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (26521 د)، وتاريخ 1403/9/1 هـ. واطلع على قرار اللجنة المشكلة بناء على الأمر السامي رقم (2/6) وتاريخ 1/2 /1403 هـ،.. المؤرخ في 5/16 /1403 هـ المتضمن «النقاط الست التالية»:
1- إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعاً.
2- إذا رئي الهلال بالعين المجردة، فالعمل بهذه الرؤية، وإن لم ير بالمرصد.
3- إذا رئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعيَّن العمل بهذه الرؤية، ولو لم ير بالعين المجردة؛.. الحديث يصدق أنه رئي الهلال، سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بها عن طريق المنظار، ولأن المثبت مقدم على النافي.
4- يطلب من المراصد من قبل الجهة المختصة عن إثبات الهلال تحري رؤية الهلال في ليلة مظنته، بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه.
5- (. . . ).
6- تعميم مراصد متنقلة؛ لتحري رؤية الهلال في الأماكن التي تكون مظنة رؤية الهلال، مع الاستعانة بالأشخاص المشهورين بحدة البصر، وخاصة الذين سبق لهم رؤية الهلال إ هـ.
وبعد أن قام المجلس بدراسة الموضوع ومناقشته ورجع إلى قراره رقم (2) الذي أصدره في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان من عام 1394 هـ في موضوع الأهلة، قرر بالإجماع: الموافقة على النقاط الست التي توصلت إليها اللجنة المذكورة أعلاه، بشرط أن تكون الرؤية بالمرصد أو غيره ممن تثبت عدالته شرعاً لدى القضاء كالمتبع، وأن لا يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر أو خروجه».
ولم يوافق عضو الهيئة الشيخ محمد بن جبيرــ رحمه الله ــ على النقطة الثانية وكتب اعتراضه عليها بخط يده.
ومن الواضح أن توصية اللجنة التي اعتمدتها الهيئة «في نقاطها الخمس خاصة» أفرغت اقتراح الشيخ ابن عقيل من مضمونه تماماً، وضمنت ألا تتاح الفرصة لمن يتراءى الهلال بالمراصد أن يشهد في المحاكم برؤيته إطلاقاً.
ويتبين ذلك في نقاط خمس منه.
1- نصت النقطة الأولى على «الاستعانة»، بدلاً من «الاعتماد»، على المراصد في تحري الهلال، ويوحي هذا بعدم الاقتناع باستخدام هذه الوسيلة.
2- تقدِّم النقطة الثانية قبول شهادة الشهود بالعين مباشرة حتى إن خالفت ما يقوله المختصون الذين يستخدمون المناظير المقرِّبة.
وتوحي النقطة الثانية كذلك باعتقاد أعضاء الهيئة أنه يمكن أن يُرى الهلال بالعين المجردة في الليلة نفسها التي لا يمكن أن يُرى فيها بالمرصد! ويدل هذا إما على عدم المعرفة بتفوق المراصد على العين البشرية المجردة، أو أنه من قبيل «رفع العتب»، كما يقال، حتى تعتذر اللجنة بأنها لم تلغِ الاعتماد على المراصد! ويتبين «رفع العتب» من نص النقطة الثالثة بأنه يمكن الاعتماد على المراصد «وإن لم ير بالعين المجردة»!
3- وضعت الهيئة عائقاً جوهرياً يضمن ألا يُستشهد بالمختصين الذين يستخدمون المراصد، ويتمثل هذا العائق في عبارة أن «المثبت مقدم على النافي». وما دام أنه يمكن أن تقبل شهادة من يدعي رؤية الهلال بالعين المجردة حتى إن لم ير بالمرصد «كما تقول النقطة الثانية» فهذا يجعل هؤلاء الشهود شهود إثبات، والمختصين الذين يتراءونه بالمرصد شهود نفي. ثم يقدم المثبت على النافي! وكان من نتائج إعمال هذه القاعدة أنه لم يحدث طوال الثلاثين سنة الماضية أن تقدم الذين يرصدون الهلال بالمناظير بإثبات رؤيتهم للهلال. ونتج عن ذلك أن صار إثبات الهلال خلال تلك الفترة كلها عن طريق شهادة من يدَّعون أنهم يرونه بالعين المجردة! وتختلف هذه القاعدة الأصولية عن القاعدة الأصولية التي استخدمها الشيخ عبدالله بن عقيل التي تعني أن استخدام المراصد واجب لإتمام واجب الترائي.
وكنت أشرت في مقالات سابقة إلى أنه لا يمكن المقارنة بين الإثبات والنفي إذا اختلفت وسيلتا الترائي.
4- تتضمن النقطة الرابعة أن الجهة المختصة «أي المجلس الأعلى للقضاء سابقاً، والمحكمة العليا حالياً» هي التي تقرر الليلة التي تكون «مظنة للهلال»، «بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه».
ولم تبين الهيئة الطريقة التي تقرر بها الجهتان «ليلة الترائي». وظلت تلك الليلة تحدد في عرف المجلس الأعلى للقضاء سابقاً والمحكمة العليا حالياً، دائماً، بأنها مساء اليوم التاسع والعشرين من الشهر اعتماداً على ثلاث طرق: 1ــ إكمال الشهر الماضي، 2ــ شهادة الشهود برؤية هلال الشهر الماضي، 3ــ الاعتماد على تقويم أم القرى. ولا تلتفت الجهتان إلى عدم وجود الهلال فوق الأفق في ذلك المساء، أو وجوده على ارتفاع لا تمكن رؤيته معه.
والوسيلة الوحيدة لتحديد تلك الليلة هي «الحساب الفلكي». لكن تقرير اللجنة وقرار الهيئة نصا على عدم الاعتداد به.
ولعلنا نتذكر أن أحد الأسباب لاقتراح الشيخ ابن عقيل هو الخلاص من الشهود «المتطوعين»! ومع هذا فقد نص قرار الهيئة على الاستعانة بهم وأوحى بالثناء عليهم!
وكان أول نتائج تفريغ اقتراح الشيخ ابن عقيل من مضمونه أن مجلس القضاء الأعلى أدخل شهر رمضان 1404 هـ وأخرجه خطأ، وصام الناس 28 يوماً اعتماداً على شهادة أحد شهود الوهم خطأً في الحالتين. وبدلاً من الالتفات إلى تقرير مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية عن ذلك الخطأ صار هذا الواهم، ومجموعة صغيرة معه، المقدمين في الشهادة.
واللافت للنظر أنه لم يعد أحد يذكر اقتراح الشيخ ابن عقيل!!

سبتمبر
12

اقتراح يَدحض الحججَ التقليدية كلها

نشرت «الشرق» الأسبوع الماضي رسالة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل، الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء بالنيابة، التي تتضمن اقتراحا تقدم به إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- بإنشاء مراصد لرصد هلال الأشهر القمرية، وأشهر العبادات الموسمية خاصة.
وتأتي أهمية تلك الرسالة التاريخية من كونها دليلا على ما كان يتمتع به الشيخ ابن عقيل من فقه بمقاصد الشريعة، وحس علمي يؤدي إلى الثقة بالإنجازات العلمية الحديثة، ولكونها دليلا على صحة موقف المنادين بالتخلص من العشوائية التقليدية في إثبات الهلال. ومن أهم ما تقتضيه الرسالة، إضافة إلى ذلك، دحض الحجج التي تتذرع بها المؤسسات الدينية الرسمية في بلادنا في اعتمادها على شهادة الواهمين برؤية الهلال كل عام. كما تشهد بأن ممارستها التي ظلت تتبعها خلال أكثر من ثلاثين عاما، بعد تقدمه بذلك الاقتراح، ليست دليلا على صحة موقف المسؤولين الذين تولوا هذه المهمة من بعده بقدر ما تمثل تراجعا عن المستوى العلمي الفقهي المتقدم الذي كان يعلن عنه ذلك الاقتراح.
وتمثل الرسالة، كذلك، دفاعا مهمًّا عن المواقف التي ينادي بها المختصون في علم الفلك، كما أنها تدحض الاتهامات الباطلة التي توجه دائما إليهم وتصفهم بالكَذَبة والجهلة ومدعي علم الغيب.
يشير الشيخ ابن عقيل -رحمه الله- في بداية رسالته إلى «الحرج» الذي كان يعانيه مجلس القضاء الأعلى، والمسؤولون في الدولة، عند إثبات أهلة أشهر العبادات الموسمية، نتيجة للتخبط في إهلال الشهر مما يلجئ إلى «إكمال العدة» الذي لا يدل إلا على الحيرة والعشوائية. ويأتي هذا مقابلا لعدم شعور المؤسسات الدينية الرسمية عندنا الآن بمثل هذا الحرج، ولجوئها دائما إلى الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف الذي معناه أن «الصوم يوم يصوم الناس، إلخ». وهو احتجاج لا يهدف إلا إلى التغطية على القصور في إثبات الأهلة وتركه للمفاجآت وتلعُّب الواهمين.
ويورد الشيخ سببا ثانيا لتقديم اقتراحه، ذلك هو الرغبة في التخلص «من تطوع الذين يتطوعون برؤيته وما يترتب عليه من مفاجآت». والمتطوعون هم أولئك الذين يبادرون بالشهادة برؤية الهلال حتى في غير ليلة الترائي. وهذا حكم من الشيخ بأنهم يصدرون عن وهْم يدفعهم ليشهدوا برؤية هلال غير موجود.
ويختلف هذا الموقف عن موقف المسؤولين الذين جاءوا بعد الشيخ ابن عقيل الذين يثقون تلقائيا، وبإطلاق، بمجموعة محدودة من الواهمين ظلوا طوال الثلاثين سنة الماضية يبادرون بالشهادة برؤية الهلال وتقبل شهاداتهم مع مخالفتها للواقع. بل زاد الذين تلوه في رئاسة المجلس الأعلى للقضاء الدفاعَ عن هؤلاء والشهادة لهم بالتفوق على علماء الفلك الذين يرصدون الهلال بالمناظير المقربة. وزاد الشيخ عبدالله بن منيع، في السنوات الأخيرة، في دفاعه عنهم قوله إن الله تعالى ربما خصهم بقدرات بصرية استثنائية!
ومن أهم ما تتضمنه الرسالة رأي الشيخ ابن عقيل بأن استخدام المراصد في إثبات الأهلة «طريقة شرعية» معتبرة، وهي «تطوير» لطريقة «إثبات الأهلة». بل يرى أن استخدامها «واجب» لأن «واجب» الترائي الحقيقي لا يحصل إلا بها. ويتضاد هذا مع الممارسة التي لا تزال تتبعها المؤسسات الدينية الرسمية، ومنها المحكمة العليا، التي تقوم على أن تطبيق السنة النبوية لا يتحقق إلا بالرؤية بالعين المجردة.
ومن النقاط المهمة في خطاب الشيخ ابن عقيل إشارته إلى قصد مهم للتحقق من إثبات الأهلة بطريقة منضبطة، ذلك هو «توحيد أعياد المسلمين وصومهم وفطرهم بطريقة شرعية مقنعة». ويزيد على ذلك أن هذا التوحيد القائم على إثبات المملكة للأهلة بطريقة منضبطة إثبات لمكانتها في العالم الإسلامي ودعما لثقة المسلمين بقراراتها عن هذا الشأن. وكانت المؤسسات الدينية الرسمية عندنا ولا تزال تجادل بأن هذا المقصد ليس مطلوبا ولا مهمّا. وهو ما جعل المؤسسات المسؤولة عن الأهلة لا تعبأ به. وكانت نتيجة ذلك أن المملكة صارت تتعرض كل عام، وفي المؤتمرات الفلكية، والندوات التي تعقد لمناقشة قضية الأهلة في العالم الإسلامي، إلى كثير من الانتقادات والسخرية بسبب القرارات العشوائية في إثبات الأهلة.
ويشهد خطاب الشيخ ابن عقيل بالثقة بكفاءة «المختصين» في الفلك، وبأمانتهم وعدالتهم. وهو يؤكد على أن يكون القضاة الذين يرافقون المختصين وقت الترائي من «النابهين». وتبرز أهمية هذه الصفة من خلال ما عرضتُه في مقال سابق من أن بعض القضاة الذين يرافقون المترائين الآن يسخرون من المختصين في الفلك الذين يشاركون في لجان الترائي. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء القضاة يثقون بشهود الوهم ثقة مطلقة وينحازون إليهم على الرغم من تأكيد المختصين المرافقين بأن الشهادات التي قبلوها واهمة.
ويلفت النظر أن الشيخ ابن عقيل يجعل للمختصين الأولوية في الحكم في قضية الترائي. فهو يشير إلى أن هؤلاء هم الذين يحددون في البداية «زاوية الرؤية وموقع مولد الهلال من الأفق». وهم الذين يحددون لــ «القاضي ومن معه» مكان الهلال وارتفاعه وزاويته ليساعدوهم على رؤية الهلال بالعين المجردة. واللافت للنظر أكثر من ذلك إشارتُه إلى أن الأمر لا ينتهي عند عدم رؤية «القاضي ومن معه» الهلال بالعين المجردة. بل يقترح أن يرجعوا، إن لم يروه، إلى «الاستعانة بالأجهزة التي توضح رؤيته بعد ولادته ومعرفة ارتفاعه ومدة بقائه بعد غروب الشمس». ويدل هذا على معرفته بتفوق الأجهزة على العين المجردة، وأن رؤية «القاضي ومن معه» الهلال بواسطتها إثبات للهلال «على علم وبصيرة وحسب الأصول الشرعية».
والفارق كبير بين هذه الثقة بالمختصين وأجهزتهم وموقف المسؤولين الذين جاءوا من بعده الذين يدافعون عن شهود الوهم ويؤكدون علانية أنهم يتفوقون على المختصين في معرفة المكان الذي «يخرج!» منه الهلال، أو أنهم أقدر من المختصين في الحكم على غروب الشمس أو عدم غروبها، أو يقبلون ادعاء الواهمين بأن هذه الأجهزة غير دقيقة أو أنها تعمل بموجب برامج يدخلها الخطأ!
ويتميز الشيخ ابن عقيل كذلك بعدم احتكاره لقضية إثبات الهلال؛ وذلك من خلال اقتراحه بإشراك مراكز علمية وجهات حكومية عدة في هذا الشأن.
ومما يشهد، أخيرا، بتميز الشيخ ابن عقيل على الذين جاءوا من بعده رؤيتُه المتقدمة للــ»فتوح في مجال العلوم المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي» التي ينبغي الاستفادة منها لحل مشكل إثبات الهلال بعيدا عن الوقوع ضحية لوهم الواهمين.
والسؤال المهم، أخيرا: ماذا كان مصير هذا الاقتراح؟
وسأعرض لهذا في المقال القادم.

مشاركات سابقة «

» مشاركات الأحدث