سبتمبر
29

«ولكنها تدور»!

يحار الملاحظ في معرفة السبب وراء معارضة المؤسسات الدينية الرسمية في بلادنا للاستعانة بعلم الفلك لتحديد بدايات الشهور القمرية، وكذلك الوسائل التقنية الحديثة، كالمناظير المقرِّبة وغيرها. إضافة إلى امتناعها عن الحديث عن الأسباب التي تفسر هذه المعارضة.
وكنت أوردت في مقالات سابقة وصف بعض الأعضاء الكبار في هذه المؤسسات للمتخصصين في علم الفلك، ومنهم مسلمون، سعوديون وغير سعوديين، بـ«الكذب» و«الجهل» و«ادعاء علم الغيب»، وغير ذلك مما يطعن في عدالتهم وعلمهم.
ويؤكد هؤلاء الفضلاء، إذا ما تحدثوا عن الأسباب التي تدفعهم إلى عدم الاستعانة بالوسائل العلمية والتقنية الحديثة في إهلال الأهلة -إضافة إلى تهوينهم من علم الفلك والفلكيين- أن مواقفهم تنبع من تمسكهم بالسنة النبوية الشريفة التي يؤكدون أنها تنص على الاعتماد في ذلك على الرؤية البصرية المباشرة وحدها.
ومن العدل القول إن بعض الأعضاء في هذه المؤسسات نفسها يحاولون دائما تغيير صورتها هذه. ومن هؤلاء الشيخ عبدالله بن عقيل الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، الذي اقترح على ولي الأمر، كما رأينا في مقالات سابقة، الأخذَ بالوسائل الحديثة في إهلال الأهلة. كما يحاول ذلك علماءُ آخرون من المنتسبين إلى هذه المؤسسات؛ ومن هؤلاء الشيخ محمد بن جبير والشيخ عبدالمجيد بن حسن -رحمهما الله- والشيخ عبدالله بن منيع، والدكتور عبدالوهاب أبو سليمان، وغيرهما، كما أشرت في مقالات سابقة.
وكنت أشرت في مقالات سابقة كذلك إلى أن بعض هذه المؤسسات تعمل في قراراتها على إفراغ الاقتراحات التي يوجهها ولي الأمر إليها من مضمونها. ومن ذلك قرار هيئة كبار العلماء عن اقتراح الشيخ ابن عقيل الذي تنقض بعضُ فقراته فقراتٍ أخرى فيه جاءت في صالح الاقتراح.
وأحد أسباب هذا التمنع طوال العقود الماضية إنما يعود إلى نفوذ بعض أعضاء الهيئة الكبار المحافظين وانسياق الأعضاء الآخرين لما يراه هؤلاء الكبار في آرائهم عن هذه المسألة.
وهناك سبب أكثر جوهرية لهذا التمنع الدائم يتمثل في أن الأعضاء الكبار في هيئة كبار العلماء لا يرون صحة ما يقوله علم الفلك عن النظام الفلكي أساساً. وتأتي معارضتهم للوسائل الحديثة في إهلال الهلال نتيجة حتمية لهذا الموقف المبدئي.
ومما يشهد بهذا تصريحُ الشيخ صالح الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، في تسجيل صوتي قبل أيام بما يكاد يكون تكفيراً لمن يقول بدوران الأرض حول الشمس. (وكان قد وصف، في تصريحات سابقة، الفلكيين بالكذب والجهل وادعاء علم الغيب).
فقد كان يجيب على سؤال وجه إليه عما يقوله «بعض الناس» من أن الأرض ليست مركز الكون وأن الشمس لا تدور حولها، وأن الأرض هي التي تدور حول الشمس. فقال:
«لا شك عندنا ولا عند المؤمنين بأن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور عليها والكواكب والأفلاك. وهذا مدلول القرآن والسنة. وأما الفكرة الغربية والفكرة العقلية البشرية فيقولون إن الأرض تدور والشمس ثابتة» (بتصرف).
ويقرب من قول الشيخ الفوزان قول الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- الذي كان عضواً في هيئة كبار العلماء، عن هذه القضية نفسها. إذ يقول في تسجيل له إجابة على السؤال نفسه:
«ظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض، ويجب علينا أن نأخذ بظاهر القرآن، وألا نترك هذا إلى أقوال العصريين. يجب ألا ندع هذا. وكيف يكون حال من كانت هذه عقيدته عند الله يوم القيامة. وهذا القول غير مسلَّم إلا إذا عرفناه معرفتنا لثيابنا التي علينا. وإذا كان الواقع هو كما يقول العصريون فيجب أن نؤول الكتاب والسنة بما يوافق الواقع لأنهما لا يخالفان الواقع» (بتصرف).
فيرى الشيخان الفاضلان أن من لوازم الإيمان الأخذ بظاهر القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في هذه القضية، وهو ما يعني الأخذ بما كان يقوله الأقدمون من ثبات الأرض ودوران الشمس عليها. ويشتركان كذلك في مخالفتهما ما يراه مئات الملايين من المسلمين في الوقت الحاضر، ومنهم علماء شرعيون كبار، حقيقة كونية لا تحتمل الجدل ولا تتعارض مع الإيمان بالنصوص الكريمة.
لكن الشيخ ابن عثيمين يختلف قليلاً عن الشيخ الفوزان في أنه أفسح المجال لإعادة تأويل النصوص الكريمة التي فهمها الأقدمون على ظاهرها تأويلا يتوافق مع ما يقوله العلم الآن عن كون الأرض تدور حول الشمس، وإن كان يوحي بأن هذا الأمر لا يزال موضع شك يتطلب البرهنة عليه.
ويتبين من هذا أن الموقف من دوران الأرض حول الشمس، وما يلزم عنه من حقائقِ أخرى، هو السبب الرئيس الذي يفسر مواقف بعض علمائنا الكبار من قضية الاستئناس بالعلوم الفلكية الحديثة لإهلال الأهلة. وهو ما يترتب عليه استمرار الجدل السنوي الذي لا يأتي بجديد ولا يفيد في تغيير تلك المواقف.
ويذكِّرني إنكارُ بعض علمائنا الأفاضل لهذه المسلَّمة العلمية التي لا يكاد يشك فيها الآن أحد من المسلمين وغير المسلمين بما حدث لي حين كنت في السنة الأولى المتوسطة. فقد كان الجيران مجتمعين في «دهليس» جارنا «حياء بن محمد السراني» (و«الدهليس» في لهجة سكان ضواحي المدينة المنورة هو مجلس الرجال المستقل عن البيت). وكنت أحاول أن أبين لهم أن الأرض تدور حول الشمس (وكان الحدثُ الأبرز الذي ألهب الخيال البشري حينذاك طيرانَ رائد الفضاء، جاجارين، في أول رحلة للإنسان إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض في 12 إبريل 1961م على متن مركبة الفضاء السوفييتية «فوستوك1»). فلم أشعر وأنا أتحدث، إلا بصفعة قوية يوجهها لي «عْوَض الشميلي»، وكان حديث عهد بالنزول من البادية «سامحه الله حياً وميتاً»، مصحوبة بزخة من الشتائم! ولا أذكر أن أحداً من الحاضرين اعترض عليه، وربما كان ذلك لأنهم كانوا يوافقونه في الإنكار عليّ، ويخافون على إيمانهم من هذه الأفكار الغريبة!
ومن المؤكد أن تلك الصفعة وتلك الشتائم أخف كثيراً مما واجهه العالم الإيطالي المشهور برونو الذي حكمت عليه الكنيسة «قبل أربعمائة سنة» بالموت حرقاً عقاباً له على هذا الرأي، أو ما حدث للعالم الإيطالي المشهور الآخر جاليليو جاليلي الذي حكمت عليه الكنيسة بالسجن بسبب هذا الرأي نفسه «في تلك الفترة نفسها». وهو الذي تنسب إليه الجملة المشهورة التي يروى أنه قالها بعد إرغامه على توقيع الوثيقة التي تراجع بموجبها عن ذلك الرأي خضوعاً لرأي الكنيسة: «ولكنها تدور»! (ومعنى كلامه: «إن تراجعي لا يغير من هذه الحقيقة الكونية شيئاً»).

سبتمبر
12

هذه هي الأسباب!

تساءل الأخ العزيز الأستاذ «دعشوش» في تعليقه على مقالي السابق عن السبب الذي أدى إلى إفراغ اقتراح الشيخ عبدالله بن عقيل ـ رحمه الله-، الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، من مضمونه، وهل كان سبب ذلك أنه «دخل في موضوعٍ لا يخصه، أو لا يخص طبيعة عمله؟».
أما سبب ذلك فربما كان أن الشيخ ابن عقيل لم يكن عضواً في هيئة كبار العلماء، وأنه لم يحضر الجلسة التي أُقرت فيها التوصيات الست عن إثبات الأهلَّة. وهذا ما حرَم وجهةَ نظره من ممثل قوي لها يدافع عنها.
وهناك سبب ثانٍ يتمثل في أن أعضاء الهيئة النافذين كانوا محافظين جداً في نظرتهم لهذه القضية، وظلت الكلمة الفصل فيها لهؤلاء الأفاضل حتى الآن.
ومما يشهد بعدم قدرة أعضاء الهيئة غير النافذين على إقناعها دائماً بوجهات نظرهم غير التقليدية عن موضوع الأهلة، أنها استعرضت في اجتماع لها سنة 1394 هـ قرارات بعض المؤتمرات الإسلامية التي أوصت بالاستعانة بعلم الفلك في إهلال الأهلة وقضايا أخرى ذات صلة. ولم توافق على بعض تلك القرارات مما جعل ثلاثة من أعضاء الهيئة هم: الشيخ محمد بن جبير ــ رحمه الله-، والشيخ عبدالمجيد بن حسن ـ رحمه الله-، والشيخ عبدالله بن منيع ــ حفظه الله-، يكتبون «وجهة نظرهم» عن أحد قرارات الهيئة كما يلي «بتصرف»:
«فقد استعرضنا البحوث المقدمة للمجلس في موضوع (حكم العمل بالحساب في ثبوت دخول الشهر أو خروجه) وقرارات المؤتمرات المنعقدة؛ لبحث ذلك الموضوع، وأعدنا النظر في البحث المعدّ من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، ولم نجد فيما اطلعنا عليه من البحوث المذكورة بحثاً في الموضوع من أهل الاختصاص في علم الفلك.
وقد رأينا في تلك البحوث من يدَّعي: أن نتائج الحساب الفلكي قطعية الدلالة وينكر أن تكون مبنية على ظن أو تخمين، كما وجدنا فيهم من يدعي: أن نتائج الحساب الفلكي مبنية على الحدس والظن والتخمين وينكر قطعية نتائجها. وليس في الفريقين من يعتبر أهلاً لقبول قوله في قطعية النتائج أو ظنِّيتها؛ لكونه ليس من علماء الفلك.
وحيث إن الحكم في رأينا يختلف بالنسبة للأمرين: قطعية النتائج أو ظنيتها، حيث إن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي يقضي برد الشهادة برؤية الهلال دخولاً أو خروجاً إذا تعارضت معها؛ لأن من شروط اعتبار الشهادة بالإجماع: أن تكون منفكة عما يكذبها حسّاً وعقلاً، فإذا قرر الحساب الفلكي عدم ولادة الهلال، وجاء من يشهد برؤيته، كانت شهادته ملازمة لما يكذبها عقلاً، وهو القول باستحالة الرؤية للقطع بعدم ولادة الهلال، كما أن القول بظنية النتائج يقضي بردها ـ أي: النتائج ـ واعتبار الشهادة بالرؤية؛ لإمكانها، وظنية النتائج الفلكية، وذلك في حال تعارض الشهادة بالرؤية مع نتائج الحساب.
ونظراً إلى أن القول بقطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها من قبيل الدعوى من الطرفين، وأن القول في الأمور الشرعية يقتضي التحقق والتثبت والاستقصاء، فقد طلبنا من المجلس استقدام أصحاب اختصاص في علم الفلك؛ لمناقشتهم في ذلك والتحقق منهم فيما يدَّعيه الطرفان، كما تقضي بذلك مادة من لائحة أعمال المجلس، فرأى المجلس بالأكثرية عدم الحاجة إلى استقدامهم.
وعليه، فإننا نؤكد ضرورة استقدام خبراء في علم الفلك لتحقق دعوى قطعية نتائج الحساب الفلكي أو ظنيتها، وعلى ضوء ذلك نقرر ما نراه».
في 1395/2/14 هـ .
وتُبيِّن وجهة نظر الأعضاء الثلاثة أن الهيئة الموقرة لم تمتنع عن تبنِّي بعض تلك القرارات وحسب، بل لم ترَ ضرورة حتى لاستشارة «أصحاب الاختصاص» الذين كانوا سيساعدونها في اتخاذ قرار علمي بهذا الشأن.
ومما يشهد بتمنُّع الهيئة المبدئي أنه لم يظهر في توصيات اللجنة الست التي تبنتها أثرٌ لرأي اثنين من أعضاء اللجنة مختصَّين في الفلك، هما الشيخ محمد بن عبدالرحيم الخالد ومندوب جامعة الملك سعود الدكتور فضل أحمد نور محمد. بل لقد أكدت التوصيات عدم اعتبار خبرتهما بشكل واضح.
واستمر هذا التمنع حتى بعد إصدار مجلس الوزراء قراره رقم 143 بتاريخ 1418/8/22 هـ، بعنوان: «لائحة تحري رؤية هلال أوائل الشهور القمرية»، الذي قضى بتنفيذ التوصيات الست، وتزامن مع صدور ذلك القرار نشرُ الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء، الشيخ صالح اللحيدان، مقالاً مشهوراً أكد فيه المواقف التقليدية كلها من قضية إثبات الأهلة، ومن الغريب في ذلك المقال أن يستشهد الشيخ اللحيدان بقول ابن تيمية عن سكوت الفلكي اليوناني القديم بطليموس عن قضية الهلال، ويتخذ ذلك حجة ضد علماء الحساب المعاصرين. ويمكن مقارنة موقفه الذي يؤكد تفوق الشهود بالعين المجردة على المختصين في علم الفلك وعلى المنجزات العلمية الحديثة كذلك، بموقف الشيخ ابن عقيل الذي يوصي بالاستفادة من الـ «فتوح في مجال العلوم المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي» في إثبات الأهلة وغيره.
ولم تغيِّر الهيئة الموقرة موقفها من هذه القضية على الرغم من الإحصاءات العلمية التي قدِّمت لها، طوال السنين، عن مخالفة شهادة الشهود الذين كان المجلس الأعلى للقضاء يعتمد عليهم، ولا تزال المحكمة العليا تعتمد شهادتهم، للمعطيات الطبيعية للهلال.
وكنت عرضت في مقالات سابقة، العام الماضي، مواقف أعضاء كبار في هيئة كبار العلماء من هذه القضية، وأوردت أقوالهم التي يصفون فيها علماء الفلك بأنهم «كَذَبة» و«جَهَلة»، و«مدَّعون للغيب».
ومما أسهم في طمس اقتراح الشيخ ابن عقيل، طوال العقود الثلاثة الماضية وإلى الآن، أن أعضاء اللجنة المكلفة بشأن الأهلة في المحكمة العليا لا يزالون هم الأشخاص أنفسهم الذين ظلوا أعضاء فيها منذ كان إثبات الأهلة تابعاً للمجلس الأعلى للقضاء، بل إن رئيس المحكمة الآن ظل عضواً فيها سنين طويلة.
ولا يتوقع من هذه اللجنة التي لم تقتنع، طوال السنين الماضية، بما يقوله المختصون في علم الفلك أن تغير موقفها المبدئي الذي تعودت عليه ضد المختصين بعلم الفلك، ومن ثقتها المطلقة والتلقائية في المجموعة نفسها التي ظلت أكثر من ثلاثين سنة تشهد بما يخالف المعطيات الفلكية للأهلة، كما لا يتوقع أن ينتهي تحيز بعض القضاة لمن عرفوهم من هؤلاء الشهود، في المناطق التي يأتون منها.
وخلاصة القول إنه لا يمكن أن تنتهي القرارات العشوائية في قضية الأهلة إلا بإعادة الاعتبار لاقتراح الشيخ ابن عقيل ــ رحمه الله-، وإعادة هيئة كبار العلماء الموقرة النظر في مواقفها من المختصين بعلم الفلك.

سبتمبر
12

إفراغ اقتراح الشيخ من مضمونه

أنهى الشيخ عبدالله بن عقيل – رحمه الله ـ رسالته إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ــ رحمه الله ــ التي يقترح فيها إنشاء مراصد لرصد الهلال، بتمنِّيه أن يُنفَّذ اقتراحه ليُعمل به في إهلال شهر رمضان 1403 هـ.
وقد أمر الملك فهد بإحالة الاقتراح إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الذي كوَّن لجنة لدراسته، ثم أحيل تقرير اللجنة إلى هيئة كبار العلماء لدراسته واتخاذ قرار بشأنه.
ونشرت مجلة البحوث الإسلامية (ج 29، ص 342) نص القرار الذي جاء فيه:
قرار رقم (108) وتاريخ 11/2 /1403 هـ
«ففي الدورة الثانية والعشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف، ابتداء من 20/10 حتى 11/2 /1403 هـ بحث المجلس موضوع إنشاء مراصد فلكية يستعان بها عند تحري رؤية الهلال، بناء على الأمر السامي الموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم (4ص19524) وتاريخ 8/18 /1403 هـ، والمحال من سماحته إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (26521 د)، وتاريخ 1403/9/1 هـ. واطلع على قرار اللجنة المشكلة بناء على الأمر السامي رقم (2/6) وتاريخ 1/2 /1403 هـ،.. المؤرخ في 5/16 /1403 هـ المتضمن «النقاط الست التالية»:
1- إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعاً.
2- إذا رئي الهلال بالعين المجردة، فالعمل بهذه الرؤية، وإن لم ير بالمرصد.
3- إذا رئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعيَّن العمل بهذه الرؤية، ولو لم ير بالعين المجردة؛.. الحديث يصدق أنه رئي الهلال، سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بها عن طريق المنظار، ولأن المثبت مقدم على النافي.
4- يطلب من المراصد من قبل الجهة المختصة عن إثبات الهلال تحري رؤية الهلال في ليلة مظنته، بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه.
5- (. . . ).
6- تعميم مراصد متنقلة؛ لتحري رؤية الهلال في الأماكن التي تكون مظنة رؤية الهلال، مع الاستعانة بالأشخاص المشهورين بحدة البصر، وخاصة الذين سبق لهم رؤية الهلال إ هـ.
وبعد أن قام المجلس بدراسة الموضوع ومناقشته ورجع إلى قراره رقم (2) الذي أصدره في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان من عام 1394 هـ في موضوع الأهلة، قرر بالإجماع: الموافقة على النقاط الست التي توصلت إليها اللجنة المذكورة أعلاه، بشرط أن تكون الرؤية بالمرصد أو غيره ممن تثبت عدالته شرعاً لدى القضاء كالمتبع، وأن لا يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر أو خروجه».
ولم يوافق عضو الهيئة الشيخ محمد بن جبيرــ رحمه الله ــ على النقطة الثانية وكتب اعتراضه عليها بخط يده.
ومن الواضح أن توصية اللجنة التي اعتمدتها الهيئة «في نقاطها الخمس خاصة» أفرغت اقتراح الشيخ ابن عقيل من مضمونه تماماً، وضمنت ألا تتاح الفرصة لمن يتراءى الهلال بالمراصد أن يشهد في المحاكم برؤيته إطلاقاً.
ويتبين ذلك في نقاط خمس منه.
1- نصت النقطة الأولى على «الاستعانة»، بدلاً من «الاعتماد»، على المراصد في تحري الهلال، ويوحي هذا بعدم الاقتناع باستخدام هذه الوسيلة.
2- تقدِّم النقطة الثانية قبول شهادة الشهود بالعين مباشرة حتى إن خالفت ما يقوله المختصون الذين يستخدمون المناظير المقرِّبة.
وتوحي النقطة الثانية كذلك باعتقاد أعضاء الهيئة أنه يمكن أن يُرى الهلال بالعين المجردة في الليلة نفسها التي لا يمكن أن يُرى فيها بالمرصد! ويدل هذا إما على عدم المعرفة بتفوق المراصد على العين البشرية المجردة، أو أنه من قبيل «رفع العتب»، كما يقال، حتى تعتذر اللجنة بأنها لم تلغِ الاعتماد على المراصد! ويتبين «رفع العتب» من نص النقطة الثالثة بأنه يمكن الاعتماد على المراصد «وإن لم ير بالعين المجردة»!
3- وضعت الهيئة عائقاً جوهرياً يضمن ألا يُستشهد بالمختصين الذين يستخدمون المراصد، ويتمثل هذا العائق في عبارة أن «المثبت مقدم على النافي». وما دام أنه يمكن أن تقبل شهادة من يدعي رؤية الهلال بالعين المجردة حتى إن لم ير بالمرصد «كما تقول النقطة الثانية» فهذا يجعل هؤلاء الشهود شهود إثبات، والمختصين الذين يتراءونه بالمرصد شهود نفي. ثم يقدم المثبت على النافي! وكان من نتائج إعمال هذه القاعدة أنه لم يحدث طوال الثلاثين سنة الماضية أن تقدم الذين يرصدون الهلال بالمناظير بإثبات رؤيتهم للهلال. ونتج عن ذلك أن صار إثبات الهلال خلال تلك الفترة كلها عن طريق شهادة من يدَّعون أنهم يرونه بالعين المجردة! وتختلف هذه القاعدة الأصولية عن القاعدة الأصولية التي استخدمها الشيخ عبدالله بن عقيل التي تعني أن استخدام المراصد واجب لإتمام واجب الترائي.
وكنت أشرت في مقالات سابقة إلى أنه لا يمكن المقارنة بين الإثبات والنفي إذا اختلفت وسيلتا الترائي.
4- تتضمن النقطة الرابعة أن الجهة المختصة «أي المجلس الأعلى للقضاء سابقاً، والمحكمة العليا حالياً» هي التي تقرر الليلة التي تكون «مظنة للهلال»، «بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه».
ولم تبين الهيئة الطريقة التي تقرر بها الجهتان «ليلة الترائي». وظلت تلك الليلة تحدد في عرف المجلس الأعلى للقضاء سابقاً والمحكمة العليا حالياً، دائماً، بأنها مساء اليوم التاسع والعشرين من الشهر اعتماداً على ثلاث طرق: 1ــ إكمال الشهر الماضي، 2ــ شهادة الشهود برؤية هلال الشهر الماضي، 3ــ الاعتماد على تقويم أم القرى. ولا تلتفت الجهتان إلى عدم وجود الهلال فوق الأفق في ذلك المساء، أو وجوده على ارتفاع لا تمكن رؤيته معه.
والوسيلة الوحيدة لتحديد تلك الليلة هي «الحساب الفلكي». لكن تقرير اللجنة وقرار الهيئة نصا على عدم الاعتداد به.
ولعلنا نتذكر أن أحد الأسباب لاقتراح الشيخ ابن عقيل هو الخلاص من الشهود «المتطوعين»! ومع هذا فقد نص قرار الهيئة على الاستعانة بهم وأوحى بالثناء عليهم!
وكان أول نتائج تفريغ اقتراح الشيخ ابن عقيل من مضمونه أن مجلس القضاء الأعلى أدخل شهر رمضان 1404 هـ وأخرجه خطأ، وصام الناس 28 يوماً اعتماداً على شهادة أحد شهود الوهم خطأً في الحالتين. وبدلاً من الالتفات إلى تقرير مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية عن ذلك الخطأ صار هذا الواهم، ومجموعة صغيرة معه، المقدمين في الشهادة.
واللافت للنظر أنه لم يعد أحد يذكر اقتراح الشيخ ابن عقيل!!

سبتمبر
12

اقتراح يَدحض الحججَ التقليدية كلها

نشرت «الشرق» الأسبوع الماضي رسالة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل، الرئيس الأسبق للمجلس الأعلى للقضاء بالنيابة، التي تتضمن اقتراحا تقدم به إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- بإنشاء مراصد لرصد هلال الأشهر القمرية، وأشهر العبادات الموسمية خاصة.
وتأتي أهمية تلك الرسالة التاريخية من كونها دليلا على ما كان يتمتع به الشيخ ابن عقيل من فقه بمقاصد الشريعة، وحس علمي يؤدي إلى الثقة بالإنجازات العلمية الحديثة، ولكونها دليلا على صحة موقف المنادين بالتخلص من العشوائية التقليدية في إثبات الهلال. ومن أهم ما تقتضيه الرسالة، إضافة إلى ذلك، دحض الحجج التي تتذرع بها المؤسسات الدينية الرسمية في بلادنا في اعتمادها على شهادة الواهمين برؤية الهلال كل عام. كما تشهد بأن ممارستها التي ظلت تتبعها خلال أكثر من ثلاثين عاما، بعد تقدمه بذلك الاقتراح، ليست دليلا على صحة موقف المسؤولين الذين تولوا هذه المهمة من بعده بقدر ما تمثل تراجعا عن المستوى العلمي الفقهي المتقدم الذي كان يعلن عنه ذلك الاقتراح.
وتمثل الرسالة، كذلك، دفاعا مهمًّا عن المواقف التي ينادي بها المختصون في علم الفلك، كما أنها تدحض الاتهامات الباطلة التي توجه دائما إليهم وتصفهم بالكَذَبة والجهلة ومدعي علم الغيب.
يشير الشيخ ابن عقيل -رحمه الله- في بداية رسالته إلى «الحرج» الذي كان يعانيه مجلس القضاء الأعلى، والمسؤولون في الدولة، عند إثبات أهلة أشهر العبادات الموسمية، نتيجة للتخبط في إهلال الشهر مما يلجئ إلى «إكمال العدة» الذي لا يدل إلا على الحيرة والعشوائية. ويأتي هذا مقابلا لعدم شعور المؤسسات الدينية الرسمية عندنا الآن بمثل هذا الحرج، ولجوئها دائما إلى الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف الذي معناه أن «الصوم يوم يصوم الناس، إلخ». وهو احتجاج لا يهدف إلا إلى التغطية على القصور في إثبات الأهلة وتركه للمفاجآت وتلعُّب الواهمين.
ويورد الشيخ سببا ثانيا لتقديم اقتراحه، ذلك هو الرغبة في التخلص «من تطوع الذين يتطوعون برؤيته وما يترتب عليه من مفاجآت». والمتطوعون هم أولئك الذين يبادرون بالشهادة برؤية الهلال حتى في غير ليلة الترائي. وهذا حكم من الشيخ بأنهم يصدرون عن وهْم يدفعهم ليشهدوا برؤية هلال غير موجود.
ويختلف هذا الموقف عن موقف المسؤولين الذين جاءوا بعد الشيخ ابن عقيل الذين يثقون تلقائيا، وبإطلاق، بمجموعة محدودة من الواهمين ظلوا طوال الثلاثين سنة الماضية يبادرون بالشهادة برؤية الهلال وتقبل شهاداتهم مع مخالفتها للواقع. بل زاد الذين تلوه في رئاسة المجلس الأعلى للقضاء الدفاعَ عن هؤلاء والشهادة لهم بالتفوق على علماء الفلك الذين يرصدون الهلال بالمناظير المقربة. وزاد الشيخ عبدالله بن منيع، في السنوات الأخيرة، في دفاعه عنهم قوله إن الله تعالى ربما خصهم بقدرات بصرية استثنائية!
ومن أهم ما تتضمنه الرسالة رأي الشيخ ابن عقيل بأن استخدام المراصد في إثبات الأهلة «طريقة شرعية» معتبرة، وهي «تطوير» لطريقة «إثبات الأهلة». بل يرى أن استخدامها «واجب» لأن «واجب» الترائي الحقيقي لا يحصل إلا بها. ويتضاد هذا مع الممارسة التي لا تزال تتبعها المؤسسات الدينية الرسمية، ومنها المحكمة العليا، التي تقوم على أن تطبيق السنة النبوية لا يتحقق إلا بالرؤية بالعين المجردة.
ومن النقاط المهمة في خطاب الشيخ ابن عقيل إشارته إلى قصد مهم للتحقق من إثبات الأهلة بطريقة منضبطة، ذلك هو «توحيد أعياد المسلمين وصومهم وفطرهم بطريقة شرعية مقنعة». ويزيد على ذلك أن هذا التوحيد القائم على إثبات المملكة للأهلة بطريقة منضبطة إثبات لمكانتها في العالم الإسلامي ودعما لثقة المسلمين بقراراتها عن هذا الشأن. وكانت المؤسسات الدينية الرسمية عندنا ولا تزال تجادل بأن هذا المقصد ليس مطلوبا ولا مهمّا. وهو ما جعل المؤسسات المسؤولة عن الأهلة لا تعبأ به. وكانت نتيجة ذلك أن المملكة صارت تتعرض كل عام، وفي المؤتمرات الفلكية، والندوات التي تعقد لمناقشة قضية الأهلة في العالم الإسلامي، إلى كثير من الانتقادات والسخرية بسبب القرارات العشوائية في إثبات الأهلة.
ويشهد خطاب الشيخ ابن عقيل بالثقة بكفاءة «المختصين» في الفلك، وبأمانتهم وعدالتهم. وهو يؤكد على أن يكون القضاة الذين يرافقون المختصين وقت الترائي من «النابهين». وتبرز أهمية هذه الصفة من خلال ما عرضتُه في مقال سابق من أن بعض القضاة الذين يرافقون المترائين الآن يسخرون من المختصين في الفلك الذين يشاركون في لجان الترائي. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء القضاة يثقون بشهود الوهم ثقة مطلقة وينحازون إليهم على الرغم من تأكيد المختصين المرافقين بأن الشهادات التي قبلوها واهمة.
ويلفت النظر أن الشيخ ابن عقيل يجعل للمختصين الأولوية في الحكم في قضية الترائي. فهو يشير إلى أن هؤلاء هم الذين يحددون في البداية «زاوية الرؤية وموقع مولد الهلال من الأفق». وهم الذين يحددون لــ «القاضي ومن معه» مكان الهلال وارتفاعه وزاويته ليساعدوهم على رؤية الهلال بالعين المجردة. واللافت للنظر أكثر من ذلك إشارتُه إلى أن الأمر لا ينتهي عند عدم رؤية «القاضي ومن معه» الهلال بالعين المجردة. بل يقترح أن يرجعوا، إن لم يروه، إلى «الاستعانة بالأجهزة التي توضح رؤيته بعد ولادته ومعرفة ارتفاعه ومدة بقائه بعد غروب الشمس». ويدل هذا على معرفته بتفوق الأجهزة على العين المجردة، وأن رؤية «القاضي ومن معه» الهلال بواسطتها إثبات للهلال «على علم وبصيرة وحسب الأصول الشرعية».
والفارق كبير بين هذه الثقة بالمختصين وأجهزتهم وموقف المسؤولين الذين جاءوا من بعده الذين يدافعون عن شهود الوهم ويؤكدون علانية أنهم يتفوقون على المختصين في معرفة المكان الذي «يخرج!» منه الهلال، أو أنهم أقدر من المختصين في الحكم على غروب الشمس أو عدم غروبها، أو يقبلون ادعاء الواهمين بأن هذه الأجهزة غير دقيقة أو أنها تعمل بموجب برامج يدخلها الخطأ!
ويتميز الشيخ ابن عقيل كذلك بعدم احتكاره لقضية إثبات الهلال؛ وذلك من خلال اقتراحه بإشراك مراكز علمية وجهات حكومية عدة في هذا الشأن.
ومما يشهد، أخيرا، بتميز الشيخ ابن عقيل على الذين جاءوا من بعده رؤيتُه المتقدمة للــ»فتوح في مجال العلوم المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي» التي ينبغي الاستفادة منها لحل مشكل إثبات الهلال بعيدا عن الوقوع ضحية لوهم الواهمين.
والسؤال المهم، أخيرا: ماذا كان مصير هذا الاقتراح؟
وسأعرض لهذا في المقال القادم.

سبتمبر
12

رسالة للتاريخ: رئيس مجلس القضاء الأعلى بالنيابة يدعو إلى إنشاء مراصد لإثبات الهلال!

ربما يستغرب القراء الكرام عنوان هذا المقال لمخالفته ما يعرفونه عن مقاومة المؤسسات الدينية الرسمية في بلادنا للاستعانة بالوسائل التقنية الحديثة لإثبات الهلال. وسيزداد استغرابهم حين يكون مقترِحُ هذه المراصد رأسَ مؤسسة ظلت لأكثر من خمسة وعشرين عاماً تقاوم ــ بَعْد اقتراحه ـ استخدامَ المراصد فعلاً، وهو ما استمرت عليه المحكمة العليا التي ورثت مهمة إثبات الأهلة عن تلك المؤسسة لخمس سنوات حتى الآن.

وجاء هذا الاقتراح في رسالة بعثها الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل رحمه الله، رئيس مجلس القضاء الأعلى بالنيابة، قبل اثنتين وثلاثين سنة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله. وسأورد هذه الرسالة لأهميتها التاريخية، وللنظرة العلمية المتقدمة التي تتضمنها ويجب أن يطلع عليها الناس. وأشكر بهذه المناسبة أحد الأصدقاء الأعزاء الذي لفت نظري إليها، وأشكر صاحب دار النشر الذي صوَّرها لي من الكتاب المنشورة فيه، وسمح لي بنشرها، وسأُرجئ التعليق عليها إلى المقال القادم.

وهذا نص الرسالة:

«بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم: فهد بن عبدالعزيز آل سعود، أيده الله بنصره.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

تعلمون ـ حفظكم الله ــ ما يعانيه مجلس القضاء الأعلى المختص بإثبات الأهلة من الإحراج عند إثبات دخول شهر رمضان وشوال وذي الحجة من كل عام، وكذلك ما يعانيه المسؤولون في الدولة ككل، لا سيما حينما تساهل الناس في ترائي الهلال، وضعف اهتمامهم به، مما يضطر المجلس إلى الرجوع لإكمال العدة، بينما يمكن أن يكون قد هلَّ في بعض البلدان، ولكن لم يجد من يهتم به ويعتني برؤيته، كما حدث فعلاً في إثبات شهر ذي الحجة هذا العام 1402 هـ، وبهذه المناسبة أتقدم لجلالتكم باقتراح قد كان في نفسي منذ مدة، وفيه خروج من هذا الحرج بإذن الله، كما أن فيه تطويراً لأسلوب إثبات الأهلة بطريقة شرعية، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، متفق عليه. وحديث: (لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه). وأخذاً بالقاعدة الشرعية: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن ذلك وجوب الأخذ بالأمثل من أساليب العمل بإثبات الأهلة، وتوحيد أعياد المسلمين وصومهم وفطرهم بطريقة شرعية مقنعة، في ظل دولتنا المسلمة التي تقود العالم الإسلامي، ويتطلع إليها المسلمون في هذا وغيره من الأمور الشرعية، وخلاصة الاقتراح أن يُعمل على إيجاد مراصد متخصصة تقوم بتحري الأهلة تُربط إدارياً بمن يراه جلالتكم، تُجعل هذه المراصد في مناطق متعددة من المملكة، يُراعى فيها الموقع الجغرافي من حيث خطوط الطول والعرض وزاوية الرؤية ومقدار اتساعها، وكذلك وضوح الرؤية، وعدم وجود الموانع التي تحول دون الرؤية، كالغيوم والضباب والغبار ونحوها، ويُزوَّد كل مرصد بعدد من المختصين يكون من بينهم من له إلمام بالعلم الشرعي، ويزود المرصد بالأجهزة اللازمة التي يحددها المختصون التي تمكِّن من رؤية الهلال حتى لو كان في المحاق، كما يمكن من رؤيته حال ما يولد، وتقوم هذه المراصد برصد الهلال ومتابعته على طول السنة، فإذا كان ليلة التحري ـ وسيحددها مجلس القضاء الأعلى بوقتهاـ فيَشْخص أحد القضاة النابهين ومعه عدد من ذوي الاختصاص المعروفين بصفاء النظر وحدَّته إلى المرصد، ويقوم المختصون بالمرصد بتحديد زاوية الرؤية وموقع مولد الهلال من الأفق، فإذا شاهده المختصون أروه القاضي ومن معه، فإن تمكنوا من رؤيته بالعين المجردة فذاك، وإلا فيمكنهم الاستعانة بالأجهزة التي توضح رؤيته بعد ولادته ومعرفة ارتفاعه ومدة بقائه بعد غروب الشمس، وبعد ذلك يتم إبلاغ المجلس من قبل القاضي ومن معه ثم يثبت الهلال على علم وبصيرة وحسب الأصول الشرعية. وبهذا يتيسر لمجلس القضاء أن يقوم بعمله في هذا المجال بطريقة منظمة شرعية لا تعتمد على تطوع الذين يتطوعون برؤيته وما يترتب عليه من مفاجآت وطول انتظار يؤثر على طريقة إثباته وعلى ما يترتب عليه من إجراءات من قبل ولاة الأمر، أعزهم الله، وبجانب هذا فسيعمد مجلس القضاء إلى الإعلام للناس عن تحري الرؤية بنفس الطريقة المعمول بها في إثبات الأهلة فيما سبق، لكي تتضافر الجهود على ما شرعه الله ورسوله من إثبات الأهلة بالرؤية وجعلها مواقيت للناس والحج، وإذا تم تنفيذ هذا الاقتراح بعد دراسة متكاملة وتكميل إجراءاته فسيعطي الانطباع لدى دول العالم الإسلامي بل ودول العالم أجمع أن هذه المملكة المسلمة المتمسكة بتعاليم الدين الإسلامي، قادرة بفضل الله ثم بأجهزتها وإمكانياتها على تحمل هذه المسؤولية والقيام بها وبغيرها، وليعلم الجميع مدى ما منَّ الله به على هذه المملكة المسلمة من فتوح في مجال العلوم المعاصرة والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي تتفيأ ظلاله في معظم مجالات الحياة.

وأقترح على جلالتكم في حالة موافقتكم تشكيل لجنة تدرس هذا المشروع، وترفع تقريراً مستعجلاً لجلالتكم، تتألف من مندوبين متخصصين عن المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا وجامعة الملك سعود ومصلحة الأرصاد الجوية، ومندوب من مجلس القضاء الأعلى لكي تدرس الموضوع من جميع أطرافه، وتضع التفاصيل الفنية والتنفيذية، وجدولاً زمنياً مستعجلاً للتنفيذ، وإن ما أعرفه عن جلالتكم ـ حفظكم الله ـ من همة في سرعة تنفيذ كل ما فيه الصالح العام ليجعلني أتطلع إلى تنفيذه على وجه يجعلنا نستفيد منه في إثبات شهر رمضان القادم بإذن الله وتوفيقه.

وفي الختام، أدعو الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفق جلالتكم لما فيه الخير والصلاح، لبلادنا وللأمة الإسلامية جمعاء، إنه سميع مجيب.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

رئيس مجلس القضاء الأعلى بالنيابة

ورئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى

عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل».

تاريخ الرسالة: 1402/12/24 هـ.

من كتاب: «الشيخ العلامة عبدالله بن عقيل.. سيرته الذاتية وأهم مراسلاته». اعتنى بجمعه وإخراجه: أبو عبدالله بلال بن محمود عدّار الجزائري. أشرف عليه وراجعه: صاحبه فضيلة الشيخ عبدالله بن عقيل ــ رحمه الله. دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط1، 1433 هـ، ج2، ص 124ـــ 126.

ولا يمكن لأحد أن يتجاسر على اتهام هذا العالم الفاضل بالتخلي عن السنة النبوية الشريفة، كما هي الاتهامات المعهودة لمن يقترح مثل هذا الاقتراح.

سبتمبر
12

حوار أخير مع الشيخ عبدالله بن منيع

أشرت في المقال الأول من هذه السلسلة إلى رأي هيئة كبار العلماء في المملكة بأن رؤية الهلال بـ «المراصد» رؤية صحيحة، وإلى فتوى الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله بأنها رؤية صحيحة كذلك.

أما الشيخ المنيع فيقول، في لقائه مع مجلة الدعوة، إننا: «لسنا مكلفين بتحري رؤية الهلال من المراصد»، ويكرر الرأي الذي يقول إن رؤية الهلال محكومة بالوسيلة التي تتوفر لكل الناس، ويعني بها الرؤية البصرية المباشرة.

وسبق أن أشرت إلى أن هذا ينطبق تماماً على تحديد أوقات الصلاة. فلماذا يجوز الاعتداد بالحساب الفلكي في تحديد الصلاة ولا نعتد به في تحديد بدايات الشهور القمرية؟

صحيح أنه لا توجد آية كريمة أو حديث شريف «يكلفاننا» باستخدام المراصد، وذلك لسبب بسيط هو أن هذه المناظير لم توجد إلا بعد أن اخترعها عالم الفلك الإيطالي الشهير جاليليو في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. كما أن الأحاديث الشريفة كلها التي تربط الصيام والفطر بالرؤية لم يُذكر فيها لفظ «العين» بوصفها الوسيلة الوحيدة للترائي! ويعني هذا أن العين كانت بطبيعتها الوسيلة المتوفرة في القديم لرؤية الهلال، وستكون الوسائل الأخرى التي ستجدُّ مثلها في كونها وسيلة وحسب.

ثم إن الذين يستخدمون المناظير لرصد الهلال لا يستخدمون إلا «أعينهم»، وهو ما يعني أنهم يستخدمون الوسيلة نفسها التي استخدمها الأقدمون، وهي العين! وليس الأمر أمر تكليف ديني بقدر ما هو استخدام للمنجزات العلمية لتسهيل أداء العين البشرية للتحقق من رؤية الهلال بشكل أفضل.

ويأتي تهوين الشيخ المنيع من استخدام المراصد مخالفاً لقرار هيئة كبار العلماء المشهور الذي أصدرته في سنة 1403 هـ، وكان هو أحد الأعضاء الموقعين عليه، ونصت فيه على إنشاء مراصد للاستعانة بها في رصد الأهلة. وهو القرار الذي ورد فيه:

1ـ إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعاً.

2- إذا رُئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعيَّن العمل بهذه الرؤية، ولو لم يُرَ بالعين المجردة.

وكما أشرت من قبل، لم يَدْعُ أحدٌ من الفلكيين المسلمين، والسعوديين خاصة، إلى التخلي عن الرؤية البصرية المباشرة، أما ما ينتقدونه فهو ثقة المحكمة العليا المطلقة في أشخاص يبادرون بالشهادة، واعتمادها لشهادتهم مع مخالفتها لما يقوله علماء الفلك المسلمون، ومنهم سعوديون، عن وضع الهلال.

ويأتي حديث الشيخ عن عدم الحاجة للمناظير في سياق ممارسة المحكمة العليا التي لا تلقي بالاً لحقيقة بسيطة، وهي أنه كيف يمكن للعين البشرية أن ترى شيئاً لا تستطيع أن تراه المناظير التي تفوق قوتها العين البشرية بمئات المرات؟ وكيف لم تلحظ المحكمة أنه لم يسبق أن تقدم أحد من الفلكيين في اللجان العشر التي تستطلع الهلال بالشهادة قبل، أو مع، الشهود المبادرين بالشهادات الواهمة؟ وليست هذه الظاهرة صدفة، إذ ستكون صدفة لو حدثت مرة واحدة، أما أن تكون هي القاعدة لثلاثين سنة تقريباً، فهذا ما يجب أن يلفت الانتباه.

ويلفت النظر قولُ الشيخ الفاضل إنه لو شهد شاهد بأنه «رآه بواسطة المرصد قوله هذا مقبول». لكن السؤال هو: هل يعرف الشيخ المنيع حالة واحدة شهد فيها أحد الفلكيين في المملكة برؤية الهلال عن طريق المرصد؟ وسبب عدم شهادتهم هو، كما سبق القول في مقالات سابقة، أن الفلكيين لا يشهدون بالوهم بل بالرؤية الحقيقية للهلال، في مقابل خفة المبادرين بالشهادة حتى ليعتقدوا أن أوهامهم حقائق!

ويمكن هنا العودة إلى ما قاله الشيخ المنيع عن مفهوم «النزر اليسير». وهي حجة يمكن أن يرد بها على ما يقوله من وجوب ألا يحرم المسلمون من ترائي الهلال بقصرها على أفراد معينين. وقد ناقشت هذا في المقال السابق، لكن مفهوم «النزر اليسير» ينطبق انطباقاً حرفياً على ما يمارس في المملكة في ترائي الهلال؛ ذلك أنه يُكتفى بشاهد واحد في إدخال رمضان وباثنين في إخراجه. يضاف إلى ذلك أنه لم يشهد، طوال الثلاثين سنة الماضية، بهلال رمضان وشوال، إلا مجموعة لا تزيد عن خمسة في منطقتين قريبتين من الرياض. فأين هي المعرفة المتيسرة للمسلمين التي يحتجُّ بها الشيخ المنيع، إذن؟

وقد تطور الأمر الآن إلى ما يتجاوز المناظير المقرِّبة، فإذا كانت التلسكوبات المتطورة المعروفة تتفوق على العين البشرية بمئات المرات، فقد استجدَّ الآن ما يتفوق على التلسكوبات قوة بمئات المرات، ذلك هو التصوير بكاميرا CCD فائقة الدقة والسرعة، ويشهد بدقتها ما كتبه المهندس محمد عودة، المشرف على المشروع الإسلامي لرصد الأهلة في الإمارات، في تدوينة له في موقع المشروع، من أن أحد الراصدين الفرنسيين أرسل له صورة لهلال شهر رمضان التقطها بهذه الآلة، فقد صور هلال شهر رمضان وقت الاقتران تماماً! و»كان عمر الهلال صفر ساعة وصفر دقيقة! وكان حينها على بعد 4.4 درجة من الشمس!».

ويقول المهندس عودة عن هذه الصورة إنها «تجميع لـ 4000 صورة التُقطت خلال ثوانٍ باستخدام كاميرا متخصصة، ومن ثم تجميعها بواسطة برنامج حاسوب متخصص، وبعد ذلك عولجت بتعديل قيم التباين، واستخدم عند التصوير مرشح أحمر لتحسين التباين».

ومن المؤكد أن هذه التقنية ستفيد في وضع حد لقضية الرؤية لأنها ببساطة رؤية بصرية موثوقة.

وقد استخدم مهندسو المشروع الإسلامي لرصد الأهلة وبعض الفلكيين في الأردن وبلدان عربية أخرى هذه التقنية في متابعة هلال شوال منذ صباح الأربعاء 2013/7/7م، وظهر فيها الهلال نحيفاً واضحاً منذ الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، واستمرت متابعته «إلى ما قبل 45 دقيقة من غروب الشمس في عمَّان حيث اختفى في شعاع الشمس».

وشارك في هذا التصوير جمع من المتخصصين، وتابع هذا الحدث التاريخي أكثر من مائتين وخمسين ألفاً عن طريق البث المباشر في الإنترنت وقنوات التلفزة. والسؤال الآن هو: ألا يعد هذا الجمع الكبير كافياً للحكم برؤية الهلال بهذه التقنية الجديدة الموثوقة؟ «يوجد تقرير المهندس عودة عن هذا في موقع المشروع الإسلامي لرصد الأهلة».

وهل يُتوقع أن يعترض الشيخ الفاضل على استخدام هذه التقنية الدقيقة اكتفاء بالعين المجردة التي تُوقع في الوهم دائماً وتثير كثيراً من اللغط كل عام؟

كنت آمل أن يستمر الشيخ المنيع على نهجه الذي عهدناه منه طويلاً، وكان يتمثل في جرأته على بيان افتئات الواهمين على الرؤية، والمطالبة بأن تكون رؤية الهلال موافقة للمعطيات العلمية للقمر.

سبتمبر
12

حوار ثالث مع الشيخ عبدالله بن منيع

يُسوِّغ الشيخ عبدالله المنيع لمن يريد تقليد المملكة في إدخال رمضان وخروجه بقوله إن المملكة «لديها من التقيد والعناية البالغة في النظر في إثبات دخول شهر رمضان وخروجه ما ليس لدى كثير من الدول الإسلامية».

ولا شك أن المملكة تهتم بقضية إثبات دخول رمضان وخروجه، إلا أنه ليس من العدل إنكار ما تقوم به الدول الإسلامية الشقيقة من جهود للتأكد من دخول رمضان وخروجه. كما أن امتداح النفس في مقابل الحط من الآخرين لا يليق بأية حال.

هذا من حيث المبدأ، أما الواقع فهو أن الدول الإسلامية كلها تقريباً تتفوق على المملكة في إجراءات التأكد من دخول رمضان وخروجه. فهي لا تصوم ولا تفطر، باستثناء دول قليلة كتركيا والجزائر، إلا بالرؤية البصرية المباشرة. وتوجد في أكثرها لجان رسمية، وأخرى أهلية، كثيرة جداً تخرج إلى مختلف أنحاء الدولة المعينة لاستطلاع الهلال. ويشارك في تلك اللجان علماء فلك وعلماء دين وجمهور من المهتمين والهواة. ومن أشهر الدول في هذا الشأن إندونيسيا التي فيها أكثر من مائة لجنة رسمية، ويخرج في إيران أكثر من مائة وخمسين لجنة، ويخرج في المغرب عدد مماثل من تلك اللجان الرسمية والأهلية.

ومما يشهد باهتمام الدول الإسلامية الأخرى بالهلال إعلانُ دخول شهر رمضان وعيد الفطر في احتفالين رسميَّين يُذاعان علناً في الإذاعات وقنوات التلفزة، ويحضرهما كبار رجال المؤسسة الدينية وكبار المسؤولين في الدولة المعينة. وهو مظهر يُقصد به إلى جانب إشهار المناسبة إشراك مواطني تلك الدولة في المعلومات المتعلقة بإثبات الهلال.

ومن أوجه العناية الأخرى التي توليها الدول الإسلامية، وبعض المسلمين، للتأكد من رؤية الهلال، عدم الاكتفاء بشاهد واحد لإدخال الشهر وبشاهدين لإخراجه كما هو المتبع في المملكة. إذ يشترط المسلمون في إندونيسيا والهند والباكستان وغيرها من الدول الإسلامية، التي تتبع مذاهب سنية غير المذهب الحنبلي، أن يكون عدد شهود الرؤية جمعاً. وهذا ما يفسر تأخرهم عن المملكة في إهلال الشهر ليوم أو يومين في كثير من الأحيان.

ويشهد هذا كله بتفوق تلك الدول الإسلامية على المملكة في هذا الشأن، بعكس ما يقول الشيخ المنيع.

ذلك أن إجراءات التأكد من الهلال في المملكة أقرب ما تكون إلى العشوائية، وهو ما كتبتُ، وكتب عنه غيري مراراً، وهو ما سألخصه في ما يلي:

لا يوجد في المملكة إلا عشر لجان لاستطلاع الهلال من مناطق مختلفة. ويشارك في كل واحدة منها علماء فلك وقاض وبعض طلبة العلم وبعض المهتمين والهواة. ومع هذا العدد المتواضع من اللجان لم يحدث، ولو لمرة واحدة، أن أخذ المجلس الأعلى للقضاء سابقاً، أو المحكمة العليا منذ سنوات قليلة، برأي هذه اللجان، ولم يستأنس قط برأي المتخصصين فيها عن صحة شهادة الشهود.

ومما يشهد بتأخر المملكة كثيراً وراء الدول الإسلامية الأخرى في الاهتمام بترائي الهلال اعتماد المجلس الأعلى للقضاء سابقاً والمحكمة العليا الآن طوال الثلاثين سنة الماضية تقريباً، وإلى الآن، على عدد لا يزيد على خمسة أشخاص من منطقتين متقاربتين يشهدون دائماً برؤية الهلال، ويُحكم بعدالتهم تلقائياً، ويؤخذ بشهادتهم. هذا مع مخالفة شهادتهم دائماً، كما كتبتُ، وكتب غيري مراراً، لواقع الهلال. وتشهد بذلك دراسات إحصائية علمية تُظهِر أن شهادات هؤلاء تخالف واقع الهلال في أكثر من 80% من الحالات، وما بقي، من اتفاق شهاداتهم مع واقع الهلال، لا يعدو أن يكون مصادفة.

وكان المجلس الأعلى للقضاء يحتج لتقديم شهادة هؤلاء المبادرين بالشهادة برؤية الهلال بالقاعدة الأصولية التي تقول: «المثْبِتُ مقدَّم على النافي»، وهو ما يعني أنه إذا شهد هؤلاء برؤية الهلال، وقرر أعضاء لجان ترائي الهلال أنهم لم يروه، فإنه يؤخذ بقول هؤلاء الشهود، ولا يُنظر إلى ما يقوله الفلكيون إطلاقاً.

وكان رئيس المجلس يحتج دائماً بأنه لم يحدث قط أن تقدم إليه أحد من الفلكيين بالشهادة برؤية الهلال! لكن: كيف يمكن للفلكيين أن «يسبقوا» هؤلاء الواهمين الذين يشهدون برؤية الهلال قبل ليلة من إمكان رؤيته؟!

وزاد رئيس المجلس على ذلك كله بتصديقه ادعاءات «زعيم» هؤلاء الواهمين بأنه «أثبت» خطأ علماء الفلك السعوديين في مناسبات عدة وعن ظواهر متعددة! وهي ادعاءات بيَّن الفلكيون السعوديون عدم صحتها.

بل إن بعض القضاة الذين يرافقون لجان الترائي الرسمية في تلكم المنطقتين كثيراً ما يستخفون بما يقوله الفلكيون السعوديون حين يبينون لهم أنه ليس هناك هلال ليراه هؤلاء الشهود الواهمون، ويصادقون على تلك الشهادات الواهمة!

أما المحكمة العليا فصارت تستأنس بما يقوله الحساب الفلكي في عدم قبول شهادة من يشهد برؤية الهلال إذا غاب قبل الشمس. لكن هذا لم يسهم في كبح جماح المبادرين بالشهادة. وكنت عرضت لممارستهم في مقال سابق بعنوان «التحول المريب!»، بيَّنت فيه أن هؤلاء صاروا لا يشهدون حين يغرب الهلال قبل الشمس، وهو ما يعرفونه من اطلاعهم على ما يقوله الفلكيون. لكنهم صاروا يبادرون بالادعاء بأنهم يرونه حين يغرب بعد غروب الشمس بدقائق قليلة. وإن أكد علماء الفلك أن رؤيته مستحيلة.

وقد وجد هؤلاء سنداً لادعاءاتهم تلك في رأي الشيخ المنيع الذي صار يقول به في السنوات القليلة الماضية، وهو أنه يمكن قبول شهادة هؤلاء حتى في هذه الأوضاع المستحيلة احتجاجاً بأن الله تعالى ربما أعطاهم قوة بصر تفوق قوة أبصار الآخرين. وكنت بينت في مقالات سابقة عدم صحة هذا الرأي علمياً.

فهل يمكن لنا الآن، بعد أن رأينا عناية المسلمين الفائقة خارج المملكة لإثبات الأهلة، في مقابل ما يشبه أن يكون إجراءات عشوائية في المملكة، أن ندعي بأننا أفضل منهم في تحري الهلال؟!

بل إن الإجراءات القريبة من العشوائية التي تتبعها الهيئات المكلفة بإثبات الأهلة تؤدي إلى قدر كبير من اللغط الذي يثور كل عام في العالم الإسلامي عن إدخال رمضان وخروجه.

وهذا ما جعل كثيراً من المسلمين يتخلون في السنوات الأخيرة عن اتباع المملكة في إدخال رمضان وإخراجه. فقد أعلنت الجمعيات الإسلامية في أمريكا منذ سنوات قليلة أنها توقفت عن اتباع ما تقرره المملكة في هذا الشأن لمخالفته المعطيات العلمية للقمر.

لذلك كله ينبغي أن نتواضع قليلاً ولا ندعي فضلاً على غيرنا من المسلمين في إجراءات التأكد من دخول رمضان وخروجه لأن قصورنا في هذا الشأن لا يخفى على أحد.

سبتمبر
12

حوار ثان مع الشيخ عبدالله بن منيع

من حالات الهلال التي عرض لها الشيخ عبدالله بن منيع في المقابلة التي أجرتها معه مجلة «الدعوة»، وأشرت إليها في مقالي السابق، أنه «إذا قال علماء الفلك إن الهلال لا يولد إلا بعد غروب الشمس بثلاث ساعات مثلاً، وجاء من شهد برؤية الهلال بعد غروب الشمس أرى رد شهادته -ولو كانوا جمعاً- حيث إن هذه الشهادة لم تنفك عمَّا يكذبها فهي شهادة باطلة».

وهذا القول غير دقيق علميا لأنه يوحي بقصر عدم قبول شهادة الشهود على حالة ولادة الهلال بعد فترة طويلة من غروب الشمس. أما «ولادة» الهلال فيمكن أن تحدث في أية لحظة قبل غروب الشمس وبعد غروبها. فيمكن أن يحدث الاقتران، مثلا، بالتزامن مع غروب الشمس، وينشأ عن هذا الاقتران أحيانا أن تغرب وهي كاسفة. ولم تخف هذه الحالة على الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- الذي أفتى بعدم قبول شهادة من يشهد برؤية الهلال إذا غربت الشمس وهي كاسفة، لأن ذلك يعني أن الهلال لم يولد بعد. وفي إجابة الشيخ المنيع عن سؤال المجلة عن اعتماد الحساب الفلكي قال: «لم يكلفنا -تعالى- بمعرفة بدء الشهر القمري بما لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس كالحساب الفلكي».

وهذه حجة قديمة يلجأ إليها الذين لا يرون الاستعانة بالحساب الفلكي، وهي لا تعدو أن تكون مغالطة.

ذلك أن عدد الذين يعرفون الحساب الفلكي الآن في العالم الإسلامي كثير، يضاف إليهم أعداد كثيرة أخرى في العالم. بل إن مدارسنا تدرِّس شكلا مبسطا من علم الفلك يتعلق بالمجموعة الشمسية والظواهر الكونية كالكسوف والخسوف ودورات الأفلاك، وغير ذلك. كما صار الاطلاع على الحسابات الفلكية سهلا جدا بوجود مئات المراكز العلمية الموثوقة، ويدير بعضها علماء مسلمون ثقات، بالإضافة إلى مئات المواقع الفلكية الموثوقة في فضاء الإنترنت. ويعني هذا أن هذا العلم لم يعد وقفا على عدد قليل من الناس كما كان في القديم.

وكان حريا بالشيخ الفاضل أن يوجه هذه الحجة نفسها إلى المحكمة العليا التي تعتمد اعتمادا كليا كل عام على أشخاص لا يزيدون عن خمسة يغامرون بالشهادة الواهمة دائما بما لا يتفق مع المعطيات العلمية للقمر. وهم يدعون أنهم يعرفون عن أحوال الهلال ما لا يعرفه غيرهم. فلو كانت حجة عدم الاعتماد على «النزر اليسير» صحيحة لوجب استخدامها لمنع الاعتماد على هؤلاء الخمسة الذين يدعون معرفة لا تتوفر لغيرهم.

ومن الحجج الأخرى التي ساقها الشيخ المنيع لرد الاعتماد على الحساب الفلكي قوله: «لو كان الأخذ بالحساب الفلكي في إدخال الشهور وإخراجها متجهاً ومشروعاً؛ لبيَّنه الله تعالى على لسان رسوله، ولما جاء تعليق الأمر بالصوم والفطر بالرؤية فقط».

وهذه حجة أخرى، بل مغالطة أخرى، لا يمل المناوئون للحساب الفلكي من تكرارها، ويستغرب صدورها من الشيخ المنيع خاصة. ذلك أنه عضو في لجنة تقويم أم القرى. وهي التي تحدد أوقات الصلوات الخمس طوال العام اعتمادا على الحساب الفلكي. وقد جاءت النصوص الكريمة التي تحدد مواقيت الصلوات بعلامات طبيعية ظاهرة بيَّنها جبريل -عليه السلام- للرسول -صلى الله عليه وسلم- لدخول وقت الصلوات وخروجه.

فلو صحت الحجة التي أوردها الشيخ المنيع عن إدخال الشهور وإخراجها لكانت صحيحة كذلك لرد تحديد أوقات الصلوات بالحساب الفلكي. إذ يمكن القول إنه لو كان «إدخال أوقات الصلوات وإخراجها بالحساب الفلكي متجهين ومشروعين لبينه الله تعالى على لسان رسوله، ولما جاء تعليق الأمر بالصلاة بتلك العلامات فقط».

والحساب الفلكي وسيلة حديثة لم يعرفها المسلمون في عهد النبوة، ويمكن أن يقاس على كثير من الوسائل الحديثة التي جدت في حياة البشر. ومن ذلك، مثلا، أن الله تعالى امتنَّ في القرآن الكريم على عباده بتيسيره ركوب الخيل والإبل والحمير والبغال لهم. لكن هذه الدواب لم تعد وسيلة للتنقل في دنيانا المعاصرة، واستبدل بها غيرها.

كما امتن تعالى على عباده في القرآن الكريم بحملهم في البر والبحر. ولم يذكر حملهم في الجو الذي لم يتيسر إلا في المائة السنة الأخيرة.

فهل يمكن القول بأن استخدام وسائل النقل الحديثة غير متوجه لأن الله تعالى لو أراد استخدامنا لها لبينه لنبيه؟ ويرى كثير من المفسرين المعاصرين أن هذه الوسائل الحديثة تدخل في قوله تعالى بعد امتنانه على عباده بتيسير وسائل النقل القديمة، «ويخلق ما لا تعلمون»(النحل،8), إذ يقول أحد المفسرين إنها تعني ما: «يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها بأعيانها، لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره، وأما ما ليس له نظير في زمانهم فإنه لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه بأنه إشارة إلى الوسائل التي تسهل حياة الناس في العصور التالية لعصر النبوة».

ومن الواضح أنه يمكن قياس الحساب الفلكي على هذا. وأدى موقف الشيخ المنيع المناوئ للحساب الفلكي إلى وقوعه في ما يشبه التناقض. فقد رأينا في المقال السابق قوله عن دقة الحساب الفلكي في تحديد ولادة الهلال. وهو ما يفصل فيه في مكان آخر من المقابلة بقوله: «أقوال الفلكيين مبنية على نظريات فلكية تعتمد الحساب في تقدير سير الأفلاك، ومن نتائج هذه العلوم الفلكية: معرفة الكسوف والخسوف ابتداءً وانتهاءً زماناً ومكاناً، وهي علوم يؤكد مجموعة كبيرة من علماء الإسلام في الفلك قديماً وحديثاً صحة نتائجها». وأنه «لا شك أن علم الفلك في عصرنا الحاضر قد تطور وأصبحت بعض مسائله حقائق علمية». وكان الأولى أن تنتهي هذه الآراء الإيجابية عن علم الفلك إلى أن يثق الشيخ المنيع بما يقوله الحساب الفلكي. لكنه يعود، بدلا من ذلك، إلى القول: «وفضلاً عن ذلك فإن علم الحساب مبني على أمور عقلية لا مجال للحس في اعتبارها. وحيث إن التقديرات العقلية تحتمل الخطأ والاضطراب فضلاً عمَّا في تحصيل نتائجها من الكلفة والمشقة».

وهو قول ينقض بشكل كامل ما قاله عن دقة علم الفلك ونظرياته. ولا يخفى أن ما قاله الشيخ المنيع هنا لا يعدو أن يكون قول ابن تيمية بألفاظه تقريبا.

وفي المقال التالي مزيد من النقاش.

مشاركات سابقة «

» مشاركات الأحدث