أغسطس
10

قصة البث المباشر لتحري هلال شوال وكيف رؤي الهلال

أبدأ أولا بحمد الله على ما كان من توفيق ونجاح في البث المباشر لتحري هلال شوال لعام 1434 هـ، ولا أريد أن أبالغ وأقول أن عملية البث هذه كانت أنجح ما قام به المشروع لغاية الآن، ولذلك فلأقل أنها كانت من أنجح ما قام به المشروع. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن أنسب هذا النجاح لشخص أو شخصين، بل هو نتيجة تكامل وتعاون بين أطراف كثيرة ساهمت منذ فترة بهذا النجاح.

والموضوع يتلخص بأننا نرغب بتحري هلال شوال باستخدام تقنية التصوير الفلكي، ونريد أن نبث عملية التحري هذه على الهواء مباشرة على شبكة الإنترنت! والمقصود ليس بث صورة للراصدين والأجهزة، بل نريد أن نبث شاشة الحاسوب الذي نستخدمه أثناء التحري، ليشاهد المتابعون ما نقوم به بالتفصيل، بل وحتى يرى المتابعون معنا الهلال إن تمكنا من رؤيته.

بدأت القصة تراودني مع بداية شهر رمضان المبارك، وبدأت ملامح الخطة تتبلور في مخيلتي شيئا فشيئا، وأدركت من اللحظة الأولى أن البث لن ينجح إلا برغبة وعزيمة حقيقيتين من قبل أكثر من شخص، فالموضوع ليس بتلك البساطة التي قد يبدو عليه. فاتصلت بزميلي أحمد الهدبان في مدينة عمّان، وهو قد أبدى سابقا حماسه للقيام بتحري الهلال شهريا بتقنية التصوير الفلكي، وأحمد هو من الأعضاء المخضرمين في الجمعية الفلكية الأردنية وهو عضو في مشروعنا منذ زمن.

كانت المشكلة الأولى هي عدم وجود الأجهزة اللازمة لعملية الرصد في الأردن، فلا يوجد تلسكوب مناسب ولا كاميرا، ولا يوجد وقت لشرائهم، ولا توجد ميزانية في المشروع أصلا لشراء هذه القطع، فالدعم المادي للمشروع معدوم تقريبا! فكان الخيار الوحيد هو تجميع ما يمكن تجميعه من قطع غير مستعملة وشراء الباقي. والمشكلة الثانية هي كيف نرسل القطع المتوفرة حاليا في الإمارات إلى الأردن، فنريد شحن التلسكوب وقاعدته من الإمارات إلى الأردن، وبعد حساب تكاليف عدة خيارات، وجدت أن الخيار الأوفر هو أن أسافر للأردن حاملا معي القطع، وبالفعل حجزت تذكرة سفر إلى الأردن في اليوم التالي لمدة 24 ساعة! توكلت على الله حاملا الأغراض، ولعلمي بحساسية حمل تلسكوب فلكي في هذه الفترة، كلمت الزميل الدكتور حنا صابات رئيس الجمعية الفلكية الأردنية، طالبا منه كتابا رسميا لتسهيل المهمة، وبالفعل تجاوب معي وأرسل الكتاب في نفس اليوم.

وصلت المطار وأوقفني الأمن العسكري وأوقفتني الجمارك معا! ودار بيننا حوار قارب الساعة، ولولا توفيق الله لدخلت الأردن من دون الأجهزة، ولكن في النهاية وفقنا الله وكان منهم من فهم القصة ورغب بتسهيل المهمة، فدخلت مع الأجهزة بعد دفع مبلغ غير يسير من المال كجمرك على القطع المستعملة لمدة 3 سنوات!

كلمت أحمد الهدبان، وحضر فورا والتقينا وبدأت بتدريبه على استخدام الأجهزة في عز الظهيرة ونحن صيام. للأسف لم تعمل إحدى القطع بالشكل المناسب ولذلك لم يكتمل التدريب بشكل كامل، وبالطبع كنت مضطرا للعودة إلى الإمارات في اليوم التالي. وهكذا حصل.

عدت إلى الإمارات وكان تدريب أحمد غير مكتمل، لذلك بدأ القلق يتسلل إلى نفسي شيئا فشيئا، فإجازتي السنوية المحجوزة منذ فترة طويلة تبدأ بسفري إلى الأردن يوم الأربعاء 07 آب/أغسطس الموافق 29 رمضان، أي يوم التحري، وهذا يعني أنني لن أتمكن من المشاركة في التحري خاصة وأن الطائرة ستصل عمّان بعد الغروب! بدأت أفكر بتبكير سفري يوما واحدا، ولكن المشكلة الحقيقية كانت في زوجتى وابنتيّ! فلا توجد أماكن في الطائرة لتبكير سفرنا جميعا، ومن الصعب أن أتركهم لوحدهم جميعا يسافرون في اليوم التالي من الإمارات إلى الأردن! ولكن فاجأتني زوجتي أنها تحمست للموضوع وشجعتني على السفر وحدي قبل يوم وهي ستتولى أمور السفر لوحدها مع البنتين في اليوم التالي! لم يكون القرار سهلا! ولكن هذا ما حصل! فكل الشكر والتقدير لزوجتي على هذا التفهم بل وحتى التشجيع الكبير! وساهم زملاء لي في العمل بالمساعدة في هذا الشأن وغيره ومنهم السيد روني لبان والسيد عثمان موعد والسيد حسن خلف. فكل الشكر والتقدير لهم.

قد يسأل أحدهم وما علاقتنا بمعرفة كل هذه التفاصيل، في الواقع هناك سببان؛ الأول هو أن هذا النجاح الذي حصل ما كان ليتحقق لولا فضل الله أولا، ومن ثم بفضل أشخاص كان لكل منهم دور في جزئية معينة، فيستحقون لذلك الإشادة والشكر. ومن جهة أخرى أريد أن يعرف من تابعنا أن هذا العمل لم يتم بسبب عمل شخص أو شخصين بل تطلب تعاونا ومشاركة من قبل كثيرين ما زالت أسماء بعضهم لم تظهر بعد.

حتى الآن أمنّا الأجهزة في الأردن، وأمنّا الراصدين، وبقي أمر غاية في الأهمية، وهو كيف سنبث عملية التحري على الهواء مباشرة، والمشكلة ليست بالأدوات أو البرامج، فهذه أمور أصبحت لدينا خبرة فيها، بل المشكلة بوجود اتصال سريع بشبكة الإنترنت! فما كان مني إلا أن اتصلت بزميلي وأخي محمد العلاونة، وهو يعمل في منصب مرموق في شركة أمنية للاتصالات، وهي من أفضل مزودي الإنترنت في الأردن، فما كان منه إلا التجاوب الفوري، وبالفعل أمن لنا جهازا واتصالا سريعا بشبكة الإنترنت.

هكذا ارتحت جزئيا، فالأمور في الأردن تم تأمينها، ولكن بمرور الأيام واقتراب موعد البث دب القلق في نفسي مرة أخرى، فلمست تجاوب الناس الكبير بل واهتمام وسائل إعلام كبرى بالموضوع، فخشيت أن لا يتم بث الأردن بالشكل المطلوب، وهذا وارد، فأحيانا كان أمر تافه لا يخطر بالبال يخرب عملية رصد كاملة، لذلك بدأت بالتفكير بخطة بديلة، فما كان مني إلا أن كتبت ورقة تبين كيفية إجراء البث وأرسلتها لمحمد المغربي، ذلك الشاب العبقري الذي يعمل في دار الافتاء الليبية، والذي سبق وأن شارك في الدورة التدريبية في ليبيا، والتي كانت بهدف تدريب دار الإفتاء على استعمال التلسكوبات، وقد أبدع فيها! بالفعل كتبت الورقة وأرسلتها له، ولكن بصراحة لم أكن متفائلا كثيرا! فمحمد لم يجرب هذه التقنية من قبل اطلاقا، فضلا على أنه جديد أصلا على استخدام التلسكوب والتصوير الفلكي! فمن الصعب جدا عليه أن يركز في كلا الموضوعين! تحري الهلال والبث! ولكن استمرت مفاجآت محمد! بعد 24 ساعة كلمني وأخبرني أنه نفذ ما هو مكتوب في الورقة وطلب مني الدخول عن بعد على جهاز الحاسوب الخاص به للتأكد من أنه قام بالمطلوب على أكمل وجه، وهكذا كان! فاجأني مرة أخرى يوم الإثنين 05 آب/أغسطس الموافق 27 رمضان، فقام بالتحري والبث بشكل كاملا لهلال رمضان (آخر الشهر) وكان الأمر ناجحا تماما.

الآن فقط اطمأننت، فالبث والتحري جاهز بشكل كامل في كل من الأردن وليبيا…. وجاء يوم التحري! الأربعاء 07 آب/أغسطس 2013م الموافق 29 رمضان 1434 هـ، جاء أحمد الهدبان إلى منزلي في الساعة التاسعة صباحا، فالتحري سيتم من سطح المنزل، حيث السماء مكشوفة بالكامل، بل وتغيب الشمس خلف جبال الضفة الغربية. صعدنا إلى السطح وبدأنا بنصب الأجهزة وتجهيز البث. خلال نصف ساعة كانت أمورنا جاهزة، ووجهنا التلسكوب نحو الهلال، وسبحان الله، ظهر الهلال فورا! نعم لقد يسر الله أمورنا، ولم يعكر صفو الرصد أي شيء صغيرا كان أو كبيرا! ومن شدة الفرحة والاستعجال أرسلت لكل من أعرف أننا رأينا الهلال، ولكن بسبب العجلة كانت رسالتي تعلن أننا رأينا هلال شهر رمضان! فتلقيت عدة تعليقات مازحة من الأصدقاء! في الحقيقة لقد كانت ظروف الرصد صعبة، فأحمد لم ينم سوى ساعتين تلك الليلة، وكلانا صائم، وبدأنا نهارنا ونحن عطشين! فلم يكن لدينا طلب وقت الإفطار سوى زجاجات ماء!

 بدأنا البث فورا وكان الهلال واضحا على الشاشة، وتمكن كل من تابع البث من رؤية الهلال وبوضوح. الصورة التالية تبين شكل الهلال الذي رأيناه، وهذه الصورة عبارة عن تجميع لحوالي 50 إلى 100 صورة. وكان بعد القمر عن الشمس في أول الرؤية 7.0 درجة.

 

بعد دقائق كلمني الزميل والأخ صلاح الوائلي من قناة الجزيرة، وكنا قد اتفقنا سابقا على صعوبة عمل تغطية لتحري الهلال كما كنا نعمل كل عام، وذلك بسبب الظروف السياسية في المنطقة. ولكن رؤية الهلال بهذا الوضوح وفي ذلك الوقت قلب المعادلة! ففاجأني الأخ صلاح وقال لي: “يالله، خليك جاهز″! وبالفعل خلال دقائق نقلت قناة الجزيرة مباشر صورة هلالنا على الهواء مباشرة، وكان لنا مداخلة على الهواء مباشرة، وكان لنا مداخلة أخرى كذلك بعد حوالي ساعتين من ذلك الوقت، ونقلت الجزيرة الصورة مرة أخرى.

 

بعد دقائق شرفنا الأستاذ الدكتور عبد السلام غيث، وهو من أعلام علم الفلك في الأردن، واطلع على آلية العمل، وسعدنا كثيرا بلقائه وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث معه ومع ابنه لفترة لا بأس بها.

 وفي تلك الأثناء، وصل الأخ حيدر العبدلي وزملائه من قناة الحرة، وأجرى معنا لقاءات وقام بتغطية عملية التحري بشكل كامل. وبعد ذلك وصل الأخ أنس العران وزملائه من التلفزيون الكوري، وأجرى معنا لقاءات وقام بتغطية الحدث. لاحقا اتصل معنا تلفزيون الشارقة، وزودناه بصور الهلال، وأبدى رغبته بنقل التحري الذي نقوم به على الهواء مباشرة. وقبيل الغروب اتصل معنا تلفزيون سلطنة عمان، وأجرى لقاء هاتفي ظهر على الهواء مباشرة في تغطية واسعة يجريها التلفزيون العماني كل سنة. كما لا يفوتنا أن نشكر جنودا مجهولين كثر قاموا بالإعلان عن رصدنا منهم أعضاؤنا الأعزاء في شبكة الإعلاميين الفلكية، والأخ وائل الجرايشة مدير موقع عمّون في الأردن، والأخ حسن حيدر مدير وكالة قدس برس، والزميل الدكتور عبد الله المسند من السعودية والدكتور حمزة المزيني من السعودية. والأخ حسام الجبالي من قناة العربية.

لقد فاق عدد المتابعين لبثنا أي تصور، فمع نهاية البث، وجدنا أن عدد زوار صفحة البث وصل إلى 290 ألف زائر، وكان مجموع من شاهد بث الأردن 95 ألف شخص، كان أكبر تجمع للمتابعين في نفس اللحظة 3000 شخص!

 

وأثناء انهماكنا بالرصد والبث كلمني محمد المغربي من ليبيا، علمت بأنه بحاجة إلى مساعدة، ولكن للأسف كان وضعنا أصعب من أن نقدم في ذلك الوقت المساعدة لأي أحد، فما كنا نملك أن نساعده بأكثر من الدعاء وتمني التوفيق والنجاح له! وبالفعل! نجح محمد المغربي والفلكي القدير المهندس منصور اشقيفه من المركز الليبي للاستشعار عن بعد برؤية الهلال، وكم كان لهذا الخبر من أثر كبير على نفسي! فحقا سعدت كثيرا لنجاحهم برؤية الهلال ونجاحهم أيضا بالبث! وبالتالي في هذه اللحظة كان بإمكان زوار صفحتنا مشاهدة الهلال على الهواء مباشرة من مكانين مختلفين؛ الأول من مدينة عمّان في الأردن والثانية من مدينة طرابلس في ليبيا.

قبل أن أختم هذه التدوينة لا بد أن أشير إلى أهم ما قد يكون ينتظره القارئ الفلكي أو الخبير برؤية الهلال، وهو إلى متى بقينا نرى الهلال باستخدام هذه التقنية الفائقة! فهذه ثاني مرة أرصد فيها الهلال باستخدام تقنية التصوير الفلكي من الصباح وحتى الغروب بلا انقطاع! الأولى كانت في تحري هلال شهر شعبان من مدينة سوسة في ليبيا، وذك يوم 09 حزيران/يونيو 2013م حيث كان الغلاف الجوي خياليا ورائعا ولم أر مثله من قبل، فكانت قيمة الـ AOD للون الأحمر تساوي 0.08، وعند الغروب كان بعد القمر عن الشمس 12 درجة، وارتفاعه عن الأفق 06 درجات، وكان مكثه 37 دقيقة، وبقينا نرى الهلال حتى قبل 5 دقائق من غروب القمر، أي عندما أصبح على ارتفاع درجة، فعندها اختفى الهلال ولم نعد نراه حتى باستخدام تقنية التصوير الفلكي. أما بالنسبة لرصد هلال شوال هذا، فقد كانت السماء صافية ولكنها لم تكن بدرجة صفاء الغلاف الجوي في رصد ليبيا، فكانت قيمة الـ AOD بالنسبة للون الأحمر تساوي 0.05 طبعا هذه القيمة أفضل من ليبيا، ولكن هكذا كان الوضع في الصباح، إلا أنه أصبح أقل جودة نوعا ما بعد العصر. وقد بقينا نرى الهلال حتى الساعة السادسة والنصف، وبعدها أخذ بالاختفاء التدريجي شيئا فشيئا، حتى يمكنني القول أنه اختفى تماما بحدود الساعة السادسة و45 دقيقة. وعند غروب الشمس كان بعد القمر عن الشمس 10 درجات، وارتفاعه عن الأفق درجة واحدة، ومكثه أربع دقائق، فالشمس غابت في ذلك اليوم في الساعة السابعة و34 دقيقة، والقمر غاب في الساعة السابعة و38 دقيقة، أي أننا في ذلك اليوم لم نعد نرى الهلال قبل حوالي 45 دقيقة من غروب القمر (41 دقيقة قبل غروب الشمس)، أي عندما كان على ارتفاع 9 درجات عن الأفق. علما بأنه في رصدي ليبيا والأردن كان الأفق مكشوفا تماما، ففي ليبيا كان البحر هو الأفق، وفي الأردن كانت جبال الضفة الغربية هي الأفق.

 

وقد يسأل أحدهم، هل هذا الهلال لا يرى إلا إن تم تجميع العديد من الصور فوق بعضها البعض، ولا يظهر إلا إذا استخدمنا مرشح أحمر أو تحت أحمر! فقد بدأ العديد من المتابعين الترويج لمثل هذه المعلومات، وهي ليست صحيحة! فالهلال قد يظهر باستخدام تقنية التصوير الفلكي حتى وهو قريب من الشمس بدون تكديس صور وبدون مرشح تحت أحمر ولا حتى أحمر أحيانا! وإنما نستخدم هذه الوسائل حتى تكون الصورة أوضح للمتابع، فعلى سبيل المثال الصورة التالية تظهر هلال شوال الذي رصدناه، وهي عبارة عن صورة واحدة فقط. وفي ليبيا جربت إزالة المرشح والرصد مباشرة بدون استخدام أي مرشح، وأيضا ظهر الهلال ولكنه كان أصعب طبعا.

ختاما، فإننا نحمد الله على أن يسر أمورنا وحقق لنا هذا النجاح الباهر، كما نكرر شكرنا لكل من ساهم في إنجاح هذا الرصد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أغسطس
06

عندما يختلف الفلكيون في تصريحاتهم

لتحديد بداية الأشهر الهجرية فهناك أكثر من معيار فقهي معمول به في الامة حاليا، ولكن عندما يتبنى الفلكي أحد هذه المعايير الفقهية بالذات دون غيره ويعلن نتائجه الفلكية استنادا إليه، فهو بالتاكيد قد خرج في هذه الجزئية عن النطاق العلمي الفلكي الصارم المعروف بنتيجة الأحادية. وهذا بالضبط ما فعله بعض الفلكيين في تقدير غرة شوال لهذا العام. ولهذا قد تجد رأيين صوابين وربما ثلاث آراء صائبة ولكنها مختلفة.

 من الواضح أن علم الفلك علم يقيني قطعي بحيث أنه لا يتصور أن يخرج فلكيان بنتيجتين حسابتين مختلفتين صحيحتين لمسألة فلكية واحدة. فلو سألنا كل فلكيي العالم عن الموعد القادم لخسوف القمر أو كسوف الشمس أو حتى مواقيتها بعد قرن من الزمان، فسوف يأتون بنتائج متشابه تماما. وفي أسوأ الحالات قد تصل الفروق الحسابية -ولا أقول الاختلافات- الى دقيقة أو أجزائها. أما أن يصرح الفلكيون أنفسهم بمواعيد تصل فيه الفروق إلى يوم كامل فيما يخص غرر رمضان وشوال، فهذا بالتأكيد لا يطاق ولا يبرر مطلقا.

كفلكي أعتقد أننا بمثل تلك التصريحات إنما نسيء الى انفسنا في كل مرة نحاول فيها تحديد بداية الشهر بتعبير من مثل: “رمضان فلكيا سيوافق كذا…” او “العيد فلكيا يوافق كذا وكذا…”. فكيف يستوي ان نكون اصحاب علم يقيني ثم نعطي نتائج متباينة تماما في المسألة الواحدة! مثل هذا التباين مقبول في مسائل فقهية او مسائل الرأي كالسياسة وبعض فروع العلم كعلم النفس وعلم الاجتماع مثلا، اما علم الفلك الحسابي فللمسألة الواحدة لا يمكن أن تقبل إلا نتيجة واحدة. وهكذا فمن غير الممكن أن تأتي حسابات بنتيجة مفادها ان كسوفا شمسيا سيكون غدا وحسابات أخرى تفيد بحدوث ذلك الكسوف بعد غد. ببساطة يجب أن تكون إحدى النتيجتين مغلوطة وهذا ما لا يفعله الفلكيون أبدا.

في رمضان هذا العام والذي ابتهج بتوحيد بدايته كل الفلكيين والعامة من الناس، نجد أن السعد لم يكتمل وأن الحظ جاءنا بعكاز. ففي حين ترى المشككين بصحة البداية بدأوا يتغامزون ويطالبون باستطلاع هلال شوال مساء الثلاثاء، فنجد حتى بعض الفلكيين المعروفين بعلمهم وصرامتهم العلمية يشيرون إلى أن الخميس هو غرة شوال وأول أيام عيد الفطر السعيد معللين ذلك بحقيقة صحيحة وهي أن القمر في مساء الأربعاء سيكون هلالا أتم اقترانه وسيمكث فوق الأفق لبضع دقائق بالنسبة لمعظم البلاد العربية وبالتالي وجب الفطر برأيهم في اليوم التالي أي الخميس. بينما تجد علماء فلك آخرين أجلاء أيضا ولا يقلون عن الفريق الأول علما وشهرة يصرحون بأن الجمعة هو غرة شوال مستندين إلى عدم امكانية مشاهدة الهلال الجديد مساء الأربعاء وذلك لاعتبارات فلكية صحيحة أيضا. إذن كيف يُفسر هذا الاختلاف بين الفلكيين أنفسهم وكيف سمحوا لأنفسهم به في حين لا يبرر الاختلاف في الحساب الفلكي اليقيني القطعي كما بينا أعلاه؟

الحقيقة أن السر في الاختلاف هذا يكمن في نقطة واحدة وبسيطة وهي محاولة الفلكيين في تحديد غرة الشهر بتعبير يتجاوز شرح وتفسير الحالة الفلكية للهلال وإمكانية الرؤية، لما من شأنه تحديد يوم الغرة بحسب معيارفقهي ما يتبنونه أنفسهم كفلكيين. إذن فالقضية تكمن في المعيار والمسألة مرة أخرى مسألة فقهية وليست فلكية. فعندما نتكلم عن الهلال وحساباته وأحواله كلها وإمكانية رصده فتلك مسألة فلكية صرفة ولا يجب أن يفتي فيها سوى الفلكيين. ولكن للأمر جانب آخر لا طاقة للفلكيين به ولا يجب أن يكون لهم فيه اكثر من أي مسلم آخر فيه من نصيب وهو الجانب الفقهي. فهذا الجانب غير موحد بين المسلمين وهو كأي مسألة فقهية تختلف باختلاف المذاهب والمراجع الدينية وإسناداتها. فمن الفقهاء من يشترط الرؤية العينية البسيطة بالعين المجردة ومنهم من يسمح باستخدام المراقب الفلكية وآخرون لا يمانعون بوسائل التصوير الضوئي. وفي الجانب الآخر تجد من الفقهاء من يسمح بالحساب وهو على نوعين حساب الرؤية وحساب الاقتران. إذن فالفلك وحساباته كما أسلفنا أعلاه لا يقبل نتيجتين أو رأيين ولكن المسألة الفقهية فهي تقبل هذا الاختلاف وتعلل أحيانا بالتيسير على الأمة وهذا ليس موضوع البحث.

إذاً ما الحل بالنسبة للفلكيين؟

طالما أن الفلكي مختص بأوضاع الهلال والشمس وحساب مواقيت شروق وغروب كل منهما ومكث القمر وأحواله وحساب إمكانية رصده وما الى ذلك من حسابات فالأجدر بنا أن نصرح بكل ذلك ونساند الفقهاء في حيثيات وملابسات تلك الحسابات ثم لينتهي دورنا كفلكيين عند توضيح وتفسير تلك المعايير الفلكية لقبول بداية الشهر بحمل الجانب التثقيفي في كل وسائل الإعلام والتحذير مما قد تقع في الاطراف التنفيذية من أخطاء حيال تطبيق ما ارتضه من تلك المعاير. فليس على الفلكي إذا القول أن غدا يوافق غرة كذا وكذا بل يحسن به التصريح بالقول أن الدول التي تتخذ مبدأ الرؤية الاستطلاعية بالعين المجردة معيارا لها فإن غرة الشهر توافق كذا. والدول التي تكتفي بوجود القمر فوق الأفق بعد غروب الشمس وقد تجاوز مرحلة الاقتران، فإن الغرة توافق كذا وهكذا بحيث لا نتورط بين العامة والخاصة بنتائج متباينة يلوكها المغرضون بين افكاكهم لتوجيه اسهمهم السامة في صدر العلم الذي لم يستحق أبونا آدم لقب انسانيته وشرف سجود الملائكة له الا بعد ان اكرمه الله به.

لذا علينا كفلكيين وسط أمة وبلاد لم توحد معاييرها الفقهية تجاه الأهلة وبدايات الشهور، تجنب الإشارة إلى تاريخ غرر الأشهر والأعياد بطريقة متبناه للجميع لأن هذا بمثابة وقود نعده بأنفسنا لحرق انفسنا كفلكيين أمام العامة وبمباركة كثيرين ممن ما زالوا يعادون العلم ويجهلونه بل وينعتونه بغير ما نعته الله تعالى.

ومع ذلك فأنا كفلكي لا أحاول إقصاء دور الفلكيين بل أقول بعد الدور العلمي الكبير الذي عليهم تأديته فللفلكيين الحق في إظهار أخطاء كل دولة أو تقصيرها في تحقيق المعيار الفلكي الذي ارتضه لأبنائها وذلك من من باب صون الأمانة والسؤال عما أودعهم الله من علم يوم القيامة. ولهذا فعلى كل دولة أولا اتخاذ ما يرتضيه فقهاؤها وعلماؤها من المعايير الفلكية لبدايات الشهور القمرية كالرؤية بالعين المجردة أو مع الاستعانة بالمرقب او حتى باستخدام تقنيات التصوير المتطورة او الاكتفاء بقبول حساب الرؤية او حتى حساب الاقتران مع وجود القمر فوق الأفق الغربي بعد غروب الشمس او غير ذلك من المعايير التي اعدها ودرسها وأشبعها دراسة فلكيون مسلمون عظام من كل العالم. بعد ان يقرر اصحاب الشأن معيارهم -مع امنيتنا كأمة أن يكون معيارا واحدا للجميع- يصبح لزاما عليهم بذل كل ما بوسعهم للتحقق من حماية ذلك المعيار بكل الوسائل العلمية حسابية كانت أم رصدية وبما يقتضيه الامر من تشكيل لجنان فلكية فقهية للتحقق من مشاهدة الشهود لأصحاب معايير الرؤية الاستطلاعية.

وإلى أن تتمكن الأمة من اتخاذ معيار واحد تتوحد جميعها تحته وبماركة كل من الفقهاء والفلكيين معا وتجنبا لأي لبس يجعلهم في دوائر الريبة العلمية فأنصح أخواني الفلكيين بالاكتفاء بتصريح الأحوال الفلكية للقمر ثم يكون إعلانهم حول حساب تاريخ غرة الشهر بحيث يخص كل بلد على حدى ومستندا إلى أساس معيار ذلك البلد بالذات. ثم بعد أن يتم الإعلان عن غرة الشهر في ذلك البلد يكون للفلكيين الحق الجلّي في محاكمة ذلك الإعلان في ذلك البلد ووضعه في المحك العلمي وهو معيارهم انفسهم بهدف المساهمة في التغيير باتجاه التطوير والأصلاح. فالفلكيون لا يجب أن ينحازوا لمعيار دون آخر، وبالنسبة لهم فكل بلد طبّق معياره بنجاح، فإعلانهم صحيح, وأي بلد أهمل معياره ولم يحْمِه كأن يقبل شهادات رؤية تخالف العلم – في الدول التي تشترط الرؤية- فليس على الفلكيين تجميل الأمر بل التقدم بالدلائل والبراهين العلمية على تلك النتائج غير المسنجمة والمعيار الذي ارتضاه ذلك البلد.

ونسأل الله لهذه الأمة الوحدة والصلاح.

أغسطس
03

حول علوم الطبيعة الأساسية (معهد الفلك وعلوم الفضاء في جامعة آل البيت: رؤية من الداخل – الجزء 4)

 معهد الفلك وعلوم الفضاء في جامعة آل البيت: رؤية من الداخل

الجزء 4: حول علوم الطبيعة الأساسية

بعد أن عالجنا سابقاً علوم الفلك والفضاء من منظور معرفي مع إشارة إلى بعض تطبيقاتها، وقبل أن نطرح بعض التساؤلات الحتمية، من قبيل: ماذا قد تستفيد الدول النامية (ومنها الأردن) من التدريس والبحث العلمي في تخصصات علوم الفلك والفضاء؟ ألا تعتبر هذه العلوم ضرباً من “الترف العلمي” بالنسبة للدول النامية؟ ألا توجد أولويات أكثر أهمية في الوقت الراهن؟ … وبما أن علوم الفلك والفضاء تنتمي إلى العلوم الطبيعية (التي لها تسميات أخرى كالعلوم البحتة pure sciences أو العلوم الأساسية fundamental sciences)، لا بد أولاً من طرح التساؤل الأشمل: لماذا العلوم الطبيعية (الفيزياء والكيمياء وعلم الحياة وعلم الأرض وعلم الفلك …)؟ وهو تساؤل قد يطرح حتى في الدول الصناعية المتقدمة من قبل عامة الناس أو من قبل الإداريين والسياسيين.

إن أكثر ما يزعج الباحثين في علوم الطبيعة هو السؤال الاستنكاري “ماذا نستفيد من دراسة هذه الظاهرة الطبيعية؟” أو “ما هي العوائد الاجتماعية و/ أو الاقتصادية من دراسة هذه الظاهرة أو تلك؟” … إذ يعرف الباحثون في مجال العلوم الطبيعية أن غايتهم الأساسية من البحث العلمي عموماً هي الحصول على فهم أفضل للطبيعة أو إحدى ظواهرها. فالغاية هي معرفية بالدرجة الأولى. إلا أن إجابة كهذه—مع أنها الإجابة الصادقة—قد لا ترضي رجال السياسة أو الإدارة أو رجال الأعمال، ممن يبحثون عن عوائد مادية مباشرة.

لكن علم الفلك تحديداً، عدا عن سعيه للحصول على فهم أفضل للكون وظواهره، يساهم في بناء رؤية لهذا العالم، كما يساهم في بناء شخصية الإنسان (ما يمكن تسميته بالوعي الفلكي) … فالإنسان المثقف فلكياً يصبح قادراً على طرح تساؤلات علمية—وفلسفية—كبرى حول نشأة الكون وأجرامه المختلفة، بل حول مصير هذا الكون وأجرامه المختلفة … والإنسان الذي اعتقد—في مرحلة ما—بأن الشمس هي مركز الكون هو—على الأرجح—أكثر تواضعاً وأقل أنانية من ذلك الذي اعتقد بأن الأرض هي مركز الكون … والإنسان الذي يعرف—حالياً—بأن الشمس هي نجم مما لا يقل عن 100 مليار نجم في مجرتنا “درب التبانة” هو أقل أنانية … وذلك الذي يعرف بأن شمسنا تقع في “ضواحي المجرة” لا في مركزها هو أقل أنانية أيضاً … والإنسان الذي يدرك بأن هناك ما لا يقل عن 100 مليار مجرة مثل مجرتنا في هذا الكون هو أقل أنانية … والإنسان الذي يدرك عدم وجود مركز لهذا الكون هو أيضاً أقل أنانية … إلا أن ما يثير دهشتي حقاً هو أنه ما زال بيننا أشخاص يعتقدون بأن الكون وأحداثه تتمركز حولهم شخصياً!!

في المقابل، بعيداً عن الفهم الأفضل للكون وعن بناء الشخصية، دعونا نأخذ بعض الأمثلة التاريخية للعوائد التطبيقية للعلوم الطبيعية عموماَ. على سبيل المثال، فإن الفيزيائي الإنجليزي إسحق نيوتن قد أرسى في كتابه “المبادئ الرياضية لفلسفة الطبيعة” مبادئ علم الحركة (الميكانيكا) والجاذبية. فمن كان يمكنه أن يتخيل—من معاصري نيوتن—أن كتاباً يحمل عنواناً مجرداً كهذا سوف تكون له تطبيقات تكنولوجية هائلة: فكل آلة صناعية، وكل مركبة نقل (من السيارة إلى القطار، ومن السفينة إلى الغواصة، ومن الطائرة إلى المركبة الفضائية …) تدخل في توصيفها قوانين نيوتن هذه …

ولو أخذنا مثالاً آخر، لكن من فيزياء القرن العشرين، هو النظرية العامة في النسبية (للفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين)—التي هي نظرية فيزيائية رياضية في هندسة الزمان والمكان ومعالجة محدثة لمفهوم الجاذبية (أدت هذه النظرية في النهاية إلى مفاهيم غير متوقعة بل وغاية في الغرابة، مثل توسع الكون وعدسات الجاذبية والثقوب السود  …). لم يخطر ببال أحد أن مثل هذه النظرية المجردة سيكون لها تطبيقات تكنولوجية مهمة. فلولا إدخال تأثير تباطؤ الزمان بالقرب من الكتل الكبيرة في حسابات منظومة أقمار تحديد الموقع GPS لنتجت أخطاء (تراكمية) في قدرة هذه المنظومة على تحديد مواقع النقاط والأجسام على سطح الأرض، ما يعني في النهاية فشلاً كاملاً لهذه المنظومة من الأقمار ذات التطبيقات الهائلة—أنظر الجزء (3) من هذه السلسلة.

في المقابل، دعونا نأخذ مثالاُ على الفرق بين البحث العلمي الأساسي وذلك التطبيقي. ومثالنا هو التأثير الكهروضوئي photoelectric effect. فقد لاحظ بعض العلماء في القرن التاسع عشر خروج إلكترونات (أو حصول شرارة كهربائية) من بعض المواد إثر تعرضها لأشعة الضوء أو للأشعة فوق البنفسجية … إلا أن التفسير والتوصيف المقداري الدقيق لهذه الظاهرة قد جاء عام 1905 على يد ألبرت أينشتاين، وهو الأمر الذي زاد من فهمنا للطبيعة الكمومية للضوء والجسيمات على حد سواء—هذا من منظور العلوم الأساسية. أما من منظور العلوم التطبيقية والهندسية، فقد أدى هذا المفهوم في النهاية إلى تطبيق تكنولوجي مهم، ألا وهو الخلايا الضوئية الجهدية photovoltaic cells (ما يعرف عموماً بالخلايا الشمسية التي تولد الكهرباء من ضوء الشمس). وتتركز البحوث الهندسية والتطبيقية حالياً في كيفية زيادة كفاءة الخلايا الشمسية لإنتاج أكبر كمية ممكنة من الكهرباء.

إذا، فالبحوث والاكتشافات في علوم الطبيعة الأساسية لا تهدف إلى إنتاج “تطبيق” ما بقدر ما تهدف إلى الحصول على فهم أفضل للطبيعة أو إحدى ظواهرها—بمعنى ما هي البحث العلمي لذاته. لكن، هذا الفهم الأفضل للطبيعة وظواهرها قد يعود علينا بالفائدة والتطبيق بعد عام أو عشرة أو مائة—لا نستطيع القول مسبقاً! وهذا ليس بالمصادفة، فالتطبيق التكنولوجي يتطلب فهماً أفضل لآليات عمل الطبيعة (قوانينها) نوعياً ومقدارياً بغية تسخيرها، وهذا الفهم لا يأتي إلا عن طريق علوم الطبيعة الأساسية.

يمكننا الآن العودة إلى بعض التساؤلات المبدئية حول علوم الفلك والفضاء. حيث يسلم البعض بأن لعلوم الفضاء تطبيقات عملية مهمة هي الأقمار الصناعية وتطبيقاتها (كما رأينا في الجزء 3 من هذه السلسلة) التي تدخل في الاتصالات الفضائية والملاحة وتحديد الموقع والاستشعار عن بعد والأرصاد الجوية … لكن، هل هناك تطبيق عملي ما لعلم الفلك أو للفيزياء الفلكية، أم أنه “علم محض”؟

في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، دعونا نتخيل لو أن النظام الشمسي (أي الشمس وما حولها من كواكب وأقمار وأجرام أخرى) كانت محاطة بسديم كثيف من الغبار والغاز بحيث أنه يحجب عنا رؤية أية نجوم أو مجرات أو غيرها من أجرام الفضاء البعيدة … هل يمكن أن يكون لهذا أي تأثير سلبي على حياتنا؟ يمكننا أن نتخيل—في حالة كهذه—أن التاريخ الأسطوري الميثولوجي والشعري الملحمي للبشرية كان سيختلف جذرياً … لكن ليس هذا فقط، بل إن المغامرة البشرية في الاستكشافات والفتوحات الجغرافية كانت ستتاثر سلبيا بسبب تأثر الملاحة البحرية! تخيلوا قبطان السفينة في عرض البحر دون نجوم يهتدي بها ليلاً. وعلى سبيل المثال، لقد عرف العرب والمسلمون تاريخياً—في عصور كنا فيها منتجين للعلم وأدواته لا مجرد مستهلكين—أن الارتفاع الزاوي للنجم القطبي عن الأفق كما يراه الراصد يمثل زاوية دائرة العرض لذلك الراصد.

ومن جهة أخرى، فإن الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية على اختلافها مزودة بأنظمة متباينة تساعدها على حفظ التوازن (كالجيروسكوبات) وعلى تحديد البعد والسرعة والتسارع (كمقياس التسارع وأنظمة الرادار) وعلى تحديد الاتجاه (أجهزة تتبع النجوم). ففي الفضاء الخارجي الخالي من التضاريس، فإن الوسيلة الأنجح لتحديد الاتجاه، خاصة على المدى المتوسط والبعيد، هي النجوم التي هي بمثابة “الرصيف الثابت” في الفضاء. لذا لو تخيلنا أن تلك النجوم قد حجبت عنا (كما افترضنا أعلاه)، فإن مصير الأقمار الصناعية وتطبيقاتها هو الفشل المحتم! وهذا مثال بسيط على أهمية علم الفلك حتى بمعناه الكلاسيكي (أي معرفة مواقع النجوم والأجرام السماوية وحركاتها) لعصب الحياة المعاصرة (أي الأقمار الصناعية وتطبيقاتها) …

وأما إمكانية مساهمة الدول النامية في علوم الفلك والفضاء فسنترك مناقشتها إلى الجزء التالي.

أغسطس
03

ماهية علوم الفضاء (معهد الفلك وعلوم الفضاء في جامعة آل البيت: رؤية من الداخل – الجزء 3)

معهد الفلك وعلوم الفضاء في جامعة آل البيت: رؤية من الداخل

الجزء 3: ماهية علوم الفضاء

في مجتمعاتنا المحلية، حين يُسأل أحد طلبة معهد الفلك وعلوم الفضاء—أو أحد خريجيه—عن موضوع دراسته فيجيب “علوم الفلك والفضاء”، تتراوح ردود الفعل الأولية ما بين الابتسامة الساخرة إلى التعليق الاستنكاري “إذاً سترسلون صواريخ إلى الفضاء؟!” أو “متى ستطلقون قمركم الصناعي؟!”.

هذا على مستوى المجتمع … أما في الوسط الجامعي والأكاديمي فالوضع ليس أفضل بكثير—كما رأينا في الجزء السابق وكما سنرى لاحقاً … إلى حد أن رئيس جامعة أسبق قد صرح لي ذات يوم بأن “الفضاء ليس ملكاً لنا” !! فجامعتنا، التي ينبغي أن تقود المجتمعات المحلية والمجتمع ككل وأن تكون منابر علم وتنوير، أصبحت هي نفسها منقادة من قبل المجتمع وإفرازاته السلبية … والجامعات التي ينبغي أن تقدم حلولاً لإشكاليات المجتمع وعيوبه أصبحت هي نفسها تعاني من هذه الإشكاليات والعيوب …   فما هي علوم الفضاء؟ وفيما تبحث هذه العلوم؟ وما هي تطبيقاتها؟ وهل يمكننا—كدولة نامية—أن نستفيد منها بل وأن نساهم فيها؟ أم أنها—كما ذهب ذلك الأكاديمي القيادي—حكر على الولايات المتحدة وروسيا والدول الكبرى؟!

في الحقيقة، إن مصطلح “علوم الفضاء” أصبح يستعمل بشكل فضفاض جداً اليوم ليغطي كافة العلوم والتقنيات المتعلقة بدراسة الفضاء القريب من الأرض وصولاً إلى أعماق الفضاء الخارجي (فهو في النهاية يتقاطع مع علم الفلك)—وهذا التعريف الفضفاض يستعمله مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي UNOOSA ومقره العاصمة النمساوية فيينا—ولنا عودة إلى هذه المؤسسة.

إن دراسة الطبقة الدنيا من الغلاف الجوي الأرضي (التروبوسفير) التي تجري فيها معظم تقلبات الحالة الجوية من غيوم وأمطار ورياح وعواصف—ويبلغ ارتفاعها المتوسط نحو 11 كيلومتر عن مستوى سطح البحر—هي موضع اهتمام علم الأرصاد الجوية (علم الأنواء الجوية) وعلم المناخ … أما الطبقات الأعلى، مثل الستراتوسفير والميزوسفير والأيونوسفير (الطبقة المتأينة)، فقد وجه العلماء اهتمامهم لدراستها حديثاً فيما يعرف بفيزياء الفضاء، وذلك بفضل تطوير المناطيد عالية الارتفاع وصواريخ السبر sounding rockets. إلا أن التطور الحاسم في هذا المجال قد جاء عام 1957 بعد إطلاق القمر الصناعي الأول “سبوتنيك-1″، والذي دشن رسمياً ولادة عصر الفضاء.

بعد ذلك التاريخ، أصبح بالإمكان دراسة ما يحيط بالأرض من وسط غازي (ما يعرف بالبلازما وهوغاز متأين) والفضاء ما بين الأرض والشمس (والرياح الشمسية)، وكذلك دراسة الأجرام السماوية الأخرى (كالقمر والكواكب وأقمارها والشمس والكويكبات والمذنبات …) من خلال المركبات الفضائية بأنواعها.

فالقمر (التابع) الصناعي هو أي جسم أطلقه الإنسان إلى الفضاء ليتحرك في مدار حول جرم فضائي طبيعي. ويميل الفلكيون وعلماء الفضاء إلى استعمال مصطلح “قمر صناعي” للإشارة إلى الأجسام التي توضع في مدار حول الأرض، بينما يميلون إلى استعمال مصطلح “مركبة مدارية” orbiter للأجسام التي توضع في مدار حول أي جرم فضائي آخر غير الأرض (كالشمس أو القمر أو الكواكب …).

وللأقمار الصناعية (والمركبات المدارية عموماً) وظائف متباينة للغاية، أوجزها فيما يلي:

1- الاستشعار عن بعد: وهو يعني تصوير القمر الصناعي للجرم الذي يدور حوله مدارياً (في الغالب هو كوكب الأرض) باستخدام الأشعة المنبعثة والمنعكسة طبيعياً عن هذا الجرم. وهذه الأشعة قد تكون في أي جزء من الطيف الكهرمغناطيسي، وبخاصة في مجال الأشعة تحت الحمراء والضوء المرئي. وهذا النوع يدعى بالاستشعار عن بعد الخامل passive remote sensing. إلا أن ثمة نوع آخر يدعى بالاستشعار عن بعد النشط active remote sensing، حيث يقوم القمر الصناعي بإصدار أشعة راديوية (مثلاً) باتجاه الجرم الذي يدور حوله ثم يقوم بالتقاط الأمواج الراديوية المنعكسة عنه (ما يدعى بالتصوير الراداري). أما تطبيقات الاستشعار عن بعد فمتباينة للغاية، منها: الأرصاد الجوية، وعلم المحيطات، واستكشاف مكامن المياه والثروات المعدنية والنفطية، والدراسات البيئية، والدراسات الزراعية …

2- الاتصالات الفضائية: وقد تنبأ كاتب الخيال العلمي البريطاني آرثر كلارك بإمكانية استعمال الأقمار الصناعية للاتصالات الفضائية عام 1945، إلا أن الفكرة لم تؤخذ جدياً … وحالياً، أصبح هذا المجال يحقق أرباحاً طائلة للمستثمرين في هذا القطاع (من خلال الأقمار المخصصة للاتصالات الخلوية أو تلك المخصصة للبث الفضائي التلفزيوني وغيرها …) !

3- أنظمة تحديد الموقع: وهي تعني استعمال منظومة من الأقمار الصناعية كمنصة فضائية مدارية بهدف تحديد مواقع النقاط والأجسام الواقعة على سطح الأرض. وربما أن أشهرها هي المنظومة المعروفة بأقمار الـ GPS التي أنشئت في البداية لغايات عسكرية … إلا أن دخولها إلى مجال التطبيقات المدنية ساهم في تطوير الجيوديسيا وعلم المساحة والملاحة بأنواعها …

4- التلسكوبات الفضائية: لا يسمح الغلاف الجوي الأرضي إلا بإنفاذ طيف الضوء المرئي والطيف الراديوي الآتيين من الفضاء، أما الأطياف الأخرى من الأشعة الكهرومغناطيسية فيتم امتصاص معظمها قبل أن تصل سطح الأرض. لذا، فإن ولادة عصر الفضاء قد أتاحت الفرصة للعلماء أن يرصدوا أجرام الكون بالأطياف الأخرى (أشعة غاما والأشعة السينية وفوق البنفسجية وتحت الحمراء) من خلال وضع التلسكوبات في مدارات فوق الغلاف الجوي، ما عمق فهمنا للكون وأجرامه—ويدعى هذا الفرع بالفيزياء الفلكية الفضائية space astrophysics .

5- الأقمار التجسسية والعسكرية: وهي متنوعة للغاية. ومنذ بداية التسعينيات أصبحت هذه الأقمار قادرة حتى على قراءة العناوين الرئيسية في صحيفة يحملها شخص واقف على سطح الأرض—مثلاً !

توجد بالطبع أشكال أخرى من المركبات الفضائية، ومنها المحطات المدارية التي يمكن أن يقيم على متنها رواد الفضاء، ومثال ذلك المختبر الفضائي سكاب لاب ومحطة مير الفضائية (قديماً) والمحطة الفضائية الدولية ISS. وعلى متن مثل هذه المحطات تجري تجارب في كل المجالات العلمية من الفيزياء وعلم المواد والكيمياء وعلم الحياة … حتى العلوم الهندسية المختلفة والعلوم الطبية والصيدلانية، وفي ظروف الجاذبية الصفرية. ويتم نقل رواد الفضاء بين الأرض والمحطة المدارية على متن كبسولات تحمل بوساطة الصواريخ. وسابقاُ استعمل الأمريكان مكوك الفضاء space shuttle لهذه الغاية (وهو ينطلق نحو المحطة الفضائية بمساعدة الصواريخ، وبعد انتهاء مهمته يعود المكوك إلى الأرض كطائرة).

أما المسابر الفضائية space probes على أنواعها، فتهدف إلى دراسة أجرام النظام الشمسي البعيدة من كواكب وأقمار ومذنبات وغيرها، وذلك إما بطريقة غير مباشرة (بالتصوير والتحليل الطيفي والفوتومتري)، بحيث يأخذ المسبار مداراً حول الجرم المستهدف أو يقترب منه دون وضعه في مدار كجسم بالستي (مقذوف)؛ أو بطريقة مباشرة وهذا يتطلب أن يهبط المسبار على سطح الجرم المستهدف (ما يدعى بمركبة الهبوط lander) وأن يقوم بأخذ عينات منه وتحليلها بطرق مختلفة (فيزيائية وكيميائية وجيولوجية …). ومركبات الهبوط إما أن يكون ثابتة أو متحركة (العربات الفضائية space rovers).

وجدير بالذكر أن الجرم الفضائي الوحيد الذي هبط عليه الإنسان من خلال مركبات مأهولة (أي تحمل بشراً) هو القمر، تابع الأرض، وذلك من خلال ست رحلات فضائية ضمن برنامج أبوللو بين عامي 1969 و1972، بحيث نزل رائدا فضاء في كل مرة ليصبح العدد الكلي إثنا عشر رائد فضاء وصلوا سطح القمر ثم عادوا إلى الأرض. أما بقية الرحلات المأهولة، فهي بين الأرض ومحطات الفضاء المدارية.

وسنترك موضوع إمكانية مساهمة الدول النامية في دراسة الفضاء وعوائد ذلك عليها إلى الجزء المقبل.

 

يوليو
31

العـرب هم أول من قالوا بعـودة المذنبات دورياً

أثناء زيارتي العلمية لجامعة بابل العراقية في حزيران 1993 ، بناء على دعوة رسمية من قسم الفيزياء للجمعية الفلكية الاردنية ، تحدث رئيس قسم الفيزياء  الدكتور وفيق شاكر رضا  بحماسة كبيرة عن مشروعه العلمي الكبير: جمع أخبار الأرصاد العربية حول الظواهر الفلكية و الطبيعية مثل السوبرنوفا ، الخسوف و الكسوف ،  المذتبات و الشهب و النيازك  … الزلازل و الأعاصير ..إلخ .

و هذه الأرصاد و الأخبار واردة في ثنايا الكثير من الكتب التراثية العريبة : في التاريخ و الأدب  و الجغرافيا و الرحلات  و مختلف مناحي العلوم و الفكر الأخرى . إن مشروع الدكتور وفيق شاكر  رضا ، يمثل عملاً ريادياً و فريداً  في دراسة التراث العربي ،  و يمكن أن  نعثر فيها على الكثير من الأخبار و المعلومات العلمية المثيرة ، كما برهن الدكتور وفيق على ذلك و اهتمت بكشوفاته هذه جامعة ديورهام  Durham البريطاتية .

وأخذنا سوية  نقرأ  و بصوت عالٍ بعض هذه النصوص التي اكتشفها ، نقرأها   باستمتاع كبير ، يسبب طرافة السرد في الكثير من الأحيان ، و فجأة شدني أحد النصوص  بقوة ، إذ  جاء في أحد النصوص التراثية ، أن المذنب الذي ظهر  في سماء الموصل  في عام 684 هجري ، هو نفسه الذي ظهر  في السنوات الهجرية  420  و 490  و  553  هجرية . و هذا لعمري  نص مثير جداً  ، لأننا معشر الفلكيين ، هواة و علماء  ، نعرف أن الفلكي البريطاني  إدموند هالي ، المتوفي  سنة 1742 م ، هو أول من قال بعودة المذنب الشهير بإسمه ، مذنب هالي ، الذي ظهر حينها في عام 1682 م ، فبرهن على أنه هو تفسه الذي ظهر في عام 1531  و في عام 1607 م و أنه سيعود للظهور في أيام عيد الميلاد  Christmass عام 1758 م ، و هذا ما حدث فعلاً . 

و في سنة 1705  أصدر  هالي  كتابه   A Synopsis of the Astronomy  of Comets 

و في هذا الكتاب استعمل هالي  قوانين نيوتن في الجاذبية  كأول إتسان في التاريخ بعد نيوتن نفسه . و في  هذا الكتاب  كتب  هالي أيضاً ، بأن مذنب  1682  هو نفسه المذنب الذي ظهر  سنة  1607 م و أيضاً في سنة 1531 م.  و بناء على الحسابات و على قوانين نيوتن تنبأ بعودة هذا المذنب  في  آواخر سنة 1758 .  و هذا ما حدث فعلاً  ، و عليه أطلق الفلكيون على هذا المذنب إسم ( مذنب هالي ) . و للأسف لم يعش هالي  ليعيش  لحظات  ظهور هذا المذنب كما تنبأ  به هو نفسه    ، لأنه توفي  في سنة 1742 م .

و استطاع الفلكيون  متلبعة ظهورات هذا المذنب  رجوعاً إلى الوراء في التاريخ حتى عام  240  قبل الميلاد  . و كان الصينيون قد شاهدوه في كل هذه الظهورات الثلاثين ، باستثناء ظهور سنة  164  ق.م  ، و لكن هذا الظهور  وجد أن البابليين قد وصفوا  ظهوره  بتفاصيل ـ و قد نقش ذلك على رقيم  مسماري ، عثر عليه في المتحف البريطاني سنة 1985 م .

         و الحقيقة أن فكرة عودة نفس المذنب للظهور ، أول من قال بها هو العالم الفلكي الفرنسي  كاسيني Cassini  مدير أحد المراصد الفلكية ، حين زاره الفلكي  إدموند هالي  لرصد مذنب عام 1680 ، فأطلعه كاسيني على كتابه حول المذنبات و قال له : إن هذا المذنب 1680  هو نفسه المذنب الذي  ظهر في  سنة 1577 م وسنة  1665 م . و اقتنع هالي بهذه الفكرة الجريئة ، فمن الصعب أن يكون هناك ثلاثة مذتبات بتفس السرعة و الاتجاه  و لها ايضاً نفس المدار .

و كتب إدموند هالي رسالة إلى نيوتن  ، اعترف فيها ، بأن فكرة عودة المذنبات ، قد سمعها من الفلكي Cassini  .  هذه الفكرة لم تخطر قبل ذاك على بال  أحد علماء الفلك .

و الآن نعود إلى النص العربي التراثي ، الذي  عثر عليه الدكتور وفيق شاكر رضا  من كتاب تراثي عربي ، حققه و نشره  في عام 1969 م  المستشرق Ulrich  Haarmann  تحت العنوان :

حوادث الفترة  بين سنتي  682 – 687 هجرية ، كما دوّنها  شمس الدين بن إبراهيم الجزري في كتابه ( حوادث الزمان ) ، و أيضاً أبو بكر بن عبد الله بن أيبك الدواداري في كتابه ( كنز الدرر  و جامع الغـرر )  .

(أنظر النص في الرسالة التي بعثها إلي مشكوراً  البروفسور وفيق شاكر رضا)

 

و يقول هذا النص التراثي بأن المذنب الذي ظهر  في سماء مدينة الموصل العراقية سنة 1285 م هو نفسه المذنب الذي  ظهر قي السنة  1158 م  ،  و سنة  1096 م  و في سنة 1029 م .

إذن ، هذا القول  بعودة  مذنب و بشكل دوري (  هنا في هذه الحالة مرة كل حوالي 64.5 سنة ) سبق  ما قاله إدموند هالي  بفترة  1705 م – 1285 م =  420  سنة .  إن هذا لاكتشاف    عظيم ، يغير في كتابة التاريخ الفلكي ، و على الاتحاد العربي لعلوم الفضاء و الفلك و الجمعيات الفلكية في العالم العربي أن يعملوا على ذلك ، بالاتصال  بالمؤسسات الفلكية العالمية  ذات  العلاقة .

و آخيراً نضع فيما يلي النص  العربي ، مؤكدين و واثقين  من وجود آلاف  النصوص  العلمية   و الأرصاد لظواهر فلكية مختلفة ، و التي حين نجمعها  و نحققها ،  و نترجمها إلى اللغات الحية الأخرى ،  سوف تساعد في تصحيح  بعض سجلات هذه الظواهر الفلكية  و في إعادة  كتابة  تاريخ الفلك و العلوم الأخرى .

 ملاحظات  حول  النص

في النص التراثي  يظهر هذا المذنب  في السنوات التالية  :

سنة  1029 م  ثم في سنة 1096 م  : أي بعد  67 سنة

ثم يظهر في سنة 1158 م  : أي بعد  62 سنة بعد ظهور 1096 م

ثم ظهر في سنة 1285 م أي  بعد 127 سنة  ، مما يعني أن ظهوراً ما بين ظهور 1285م        و ظهور 1158  لم يشاهد  ، فإذا  قسمنا الفنرة 127 سنة على  2 فنحصل على رقم  63.5 ستة هي الفترة التي ظهر فيها المذنب بعد ظهور 1158  و قبل ظهور 1285 .

إذن  فإن فترة العودة  في كل مرة تتذبذب ما بين 67 سنة و  62 سنة ، أي بحوالي خمس سنوات

و هذا التذبذب  عادي و مألوف في المذنبات الدورية الأخرى التي نعرفها ، و على الأخص  في عودة ظهورات المذنب  هالي ، أشهر مذنب في التاريخ ، إذ نعـرف بتوثيق  30 ظهوراً  له ، ما بين سنة 240 قبل الميلاد و حتى عام 1985/1986 . فالتذبذب عنده يتأرجح  بين  79.25 سنة       و  74.4 سنة  ، أي ما يعادل : 4.85  سنة . أما إذا أخذنا الظهور  ما بعد القادم ، أي في سنة 2134 م  فيكون التذبذب : 79.25   -  72.67  =  6.58  سنة ، أي أن  التذبذب  يكون أكبر .

( بخصوص التذبذب في فترات عودة المذنب هالي ، أنظر الجدول التالي   )

 

إذن هناك  اختلافات طفيفة في دورية عودة هذا المذتب … و قد يعود ذلك إلى عدم الدقة  في نقل الروايات عنه  ، أو لأن تأثير جاذبية بعض الكواكب إذا ما صدف و أن اقترب منها  في بعض الظهورات ، و على الأخص كوكب المشتري و هناك اجتهادات علمية حول عوامل أخرى لا مجال لذكرها ، تؤثر في موعد العودة الدورية  للمذنب  .  و لكن الفكرة  صحيحة و جريئة  و قريبة من المنطق  العلمي المعروف عن فلك  المذنبات   .

و آخيراً يجب التحقق  في ماهية هذا المذنب  684 هحري ( 1285 ميلادي )  طبقاً  لجداول المذنبات المعروفة حتى الآن عند الفلكيين .     مرة أخرى ، على الاتحاد العربي  لعلوم الفضاء     و الفلك و الجمعيات الفلكية في العالم العربي ـ أن تقوم بواجبها  في هذا الموضوع .

يوليو
30

تفاوت الفترات ما بين الاطوار القمرية

قد يظن البعض ان المرحلة البدرية للقمر تحدث بعد الاقتران بفترات ثابته بينما الواقع غير ذلك والسبب بيضاوية مدار القمر حول الأرض. وانطلاقًا من قوانين الحركة على المدارات البيضاوية، فإن الحركة تكون سريعة عندما يكون القمر قريب من الأرض. وبحكم دوران الأرض حول الشمس، فان وضع مدار القمر يتغير بالنسبة للخط الواصل ما بين الأرض والشمس الذي به تحدد مرحلتي الاقتران والبدر.

ففي الوضع الممثل لشهر رمضان 1434هـ (انظر الجانب الأيمن من الشكل) نلاحظ ان المحور الأكبر لمدار القمر البيضاوي اقرب لموازاة خط الأرض والشمس. كما أن مرحلتي الحضيض [1] والاقتران [2] كانتا على ابعد نقاط المدار، مما جعل ظهور هلال شهر رمضان نحيلا وذلك لبعده عنا. اما طور البدر [4] فقد كان والقمر في اقرب نقطة على مداره من الأرض، مما جعله يظهر اكبر حجمًا. كما ان الانتقال من مرحلة التربيع الأول [3] إلى التربيع الثاني [5] فقد انحصر في الجزء الاقصر من المدار والقريب من الأرض حيث كانت السرعة كبيرة، لذا فان الفترة الزمنية ما بين التربعين مرورا بالبدر [من 3 من إلى 5] اقل من الفترة التي تمر بالحضيض حيث المسافة الاطول والسرعة الاقل. ولو نظرنا إلى الوضع بعد نصف سنة تقريبًا والممثل لشهر ربيع أول 1435هـ (كما يتضح في الجانب الأيسر من الشكل) نجد ان مواقع الحضيض والأوج قد انعكست عما هو في رمضان 1434هـ (لاحظ موازاة المحور الأكبر لخط الأرض والشمس) فهنا نجد أن الاقتران سيحصل بإذن الله والقمر في اقرب نقاطه على مداره، لذا فان الفترة الزمنية ما بين التربيعين مرورا بالاقتران اقصر منها مرورا بالحضيض.

ومن ناحية اخرى فلو كان المحور الأكبر لمدار القمر عمودي على خط الأرض والشمس، وهو ما سيكون بإذنه تعالى تقريبًا في شهر الحج 1434ه فسنجد ان الفترة من المحاق إلى البدرية متساوية تقريبا مع النصف الاخر من الدورة. وهكذا نجد ان هنالك تفاوت في اطوال الفترات الزمنية مابين اطوار القمر وذلك اعتمادا على وضعية مدار القمر بالنسبة للخط الواصل مابين الارض والشمس، هذا والله اعلم .

 

 

 

يوليو
28

حوار مع الشيخ عبدالله بن منيع

أشرت في مقالات سابقة إلى أن الشيخ عبدالله بن منيع، عضو هيئة كبار العلماء، كان لسنين طويلة، أشهر المنتقدين للطريقة التي كان يعمل بها المجلس الأعلى للقضاء في قبول شهادات الواهمين برؤية الهلال على الرغم من مخالفة شهاداتهم لواقعه كما يؤكده الحساب الفلكي. وكان رأيُه أنه يجب ألا تقبل تلك الشهادات إذا كان هناك ما يكذِّبها في ليلة الترائي.

وأشرت كذلك إلى أنه صار في السنوات الماضية القريبة يقول ببعض الآراء التي تفتح الباب لمجموعة الواهمين أنفسِهم ليدَّعوا رؤية الهلال في ليلة غرب فيها بعد غروب الشمس، وإن أكد الحساب الفلكي استحالة رؤيته بالعين المجردة. وقد غيَّر هؤلاء من طريقتهم، بالفعل، استئناسا برأيه!، فصاروا لا يشهدون إلا إذا قال الحساب الفلكي إن الهلال سيغرب بعد غروب الشمس (انظر مقالي «التحول المريب!»).

وملخص رأيه أنه إذا كان الهلال فوق الأفق وتقدم أحد للشهادة برؤيته فيجب قبولها بغض النظر عن ارتفاعه وبغض النظر عن الوقت الذي مكثه فوق الأفق بعد غروب الشمس. وحجته في ذلك أنه لا يستبعد أن الله يعطي بعض الناس قوة إبصار تفوق قدرات غيرهم! وكنت ناقشت هذا الرأي في مقالات سابقة وبينت عدم صحة هذه الحجة علميا.

وقد نشرت مجلة الدعوة (عدد2401، 1434/8/25 هـ ، ص 14-17) مقابلة مع الشيخ ابن منيع ورد فيها مزيد من الآراء غير الدقيقة علميا التي يمكن أن تشجع الواهمين بالرؤية على الاستمرار في أوهامهم المعهودة.

ومن العناوين التي وضعتها المجلة للمقابلة العنوان التالي المعبِّر: «النصوص صريحة في أن الشهر لا يثبت إلا بالرؤية والأخذ بالحساب في الإثبات طرح للنصوص الثابتة».

وأورد الشيخ الفاضل في المقابلة النصوص المعروفة التي يُحتج بها دائما لربط الصيام والفطر بالرؤية ثم عقب بقوله «وقد صدر قرار حكيم من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بوجوب الاقتصار في إثبات شهر رمضان دخولاً وخروجاً على الرؤية، وعلى هذا القول جماهير علماء المسلمين وفقهاؤهم قديماً وحديثاً».

والمشكل في هذا القول أنه يبدو أن «الرؤية» لا تعني إلا «الرؤية البصرية المباشرة». ويخالف هذا رأيَ هيئة كبار العلماء نفسِها بأن الرؤية بالمقربات البصرية رؤيةٌ، وما أفتى به الشيخ ابن باز -رحمه الله- من أن الرؤية بالمقربات رؤية كذلك.

ويتمثل مشكل حصر معنى «الرؤية» بـ«الرؤية البصرية المباشرة»، في أن الذين يدَّعون رؤية الهلال يتقدمون بشهاداتهم على الرغم من أن اللجان الرسمية الست التي كلفتها الدولة بالترائي، وتتوزع على مناطق المملكة كلها، لا تستطيع أن ترى الهلال الذي يدعي هؤلاء رؤيته في الليلة نفسها. ذلك مع أن هذه اللجان يُشرف عليها متخصصون موثوقون، ويشاركهم عدد من المهتمين، وتستخدم أحدث المقرِّبات الفلكية.

ومن الغريب أن يدعي أشهر الواهمين دائما، وتصدقه الجهات الرسمية!، أنه لا يمكن الاطمئنان إلى التلسكوبات لأن إعدادها في أماكن الترائي يستغرق وقتا طويلا وأنها تعمل ببرامج حاسوبية يدخلها الخطأ!

ولا يمكن أن يلام هذا الواهم على ادعاءاته هذه، بل يجب أن تلام الجهات التي تأخذ بشهادته الواهمة التي يدعمها بهذه الادعاءات التي تسخر من التقنيات المضبوطة والعلوم الناضجة الموثوقة! وهي ادعاءات تكفي وحدها، لرفض شهادته وشهادات رفاقه الواهمين الآخرين.

وقبول شهادة هؤلاء الواهمين يتناقض من حيث المبدأ مع ما يؤكده الشيخ المنيع في المقابلة من وجوب «التثبت من الرؤية»، وإعطاء التثبت منها ما تستحقه «من النظر والتثبت».

وتتضمن المقابلة كذلك آراءه المعروفة التي ترى الاطمئنان إلى الحساب الفلكي. ومن ذلك قوله إن علماء الفلك «في جميع أنحاء المعمورة من مسلمين وغيرهم لا يختلف بعضهم عن بعض في توقيت ولادة الهلال»، التي هي «قضية علمية لا تقبل الجدل ولا الاختلاف إلا عند منكري القضايا العلمية المعروفة لدى العلماء بالضرورة».

ويفصل في إجابته عن أحد الأسئلة أحوالَ الرؤية في عدد من النقاط. لكن الملاحظ أن تعبيره عن بعض المعطيات الفلكية يبدو متساهلا ومخالفا لما يقوله العلم عنها، ما يجعل كلامه مثيرا للَّبس، ويفتح الباب لتوهمات المتوهمين.

ومن تلك النقاط أنه: «إذا قال علماء الفلك إن الهلال مولود بعد الظهر وقبل غروب الشمس، ولكن لم يتقدم للجهة المختصة بإثبات الهلال من يشهد برؤيته، في هذه الحال أرى عدم اعتبار قول علماء الفلك بولادة الهلال إدخالاً للشهر، وأن العبرة بالرؤية الشرعية، وحيث لم تثبت فلا اعتبار للحساب». وقوله: «إذا قال علماء الفلك إن الهلال قد ولد قبل غروب الشمس، وجاء من يشهد برؤية الهلال، أرى اعتبار شهادته بعد التحقق من صحتها، فقد اتفق الحساب والرؤية على دخول الشهر».

وهذا الرأي غير ممكن علميا! فهو يوحي بأن من المحتمل أن يأتي من يشهد برؤية الهلال في هذه الحال! ذلك مع أن أقل مدة رؤي فيها بالعين المجردة بعد «ولادته» كانت 15 ساعة تقريبا. ويمكن الاستشهاد على عدم دقة هذا القول بحال هلال رمضان هذه السنة. فقد حدث الاقتران في الساعة العاشرة وست عشرة دقيقة بتوقيت المملكة صباح الإثنين 1434/8/29 هـ (قبل الظهر!). وغربت الشمس في مكة المكرمة مساء ذلك اليوم في الساعة السابعة وسبع دقائق، ومكث في الأفق دقيقة واحدة. ولم يتمكن أحد من رؤيته بأية وسيلة.

ولم ير أحد هلال رمضان في العالم بالعين المجردة إلا في إحدى جزر بولينيزيا الفرنسية في المحيط الهادي (مدونة كتبها المهندس محمد عودة، «المشروع الإسلامي لرصد الأهلة»). ومن المعروف أن توقيت المملكة يتقدم على توقيت تلك الجزر بثلاث عشرة ساعة. ويعني هذا أن الاقتران حدث هناك في الساعة التاسعة وست عشرة دقيقة مساء الأحد الموافق 2013/7/7م. وغربت الشمس هناك يوم الإثنين 2013/7/8م الساعة السادسة مساء تقريبا. ويعني هذا أنه مضى على «ولادة» الهلال في الوقت الذي رؤي فيه عشرون ساعة و25 دقيقة، ومكث 42 دقيقة، ومع هذا كانت رؤيته صعبة.

يضاف إلى ذلك ما سيحدث في هلال شوال. فسيحدث الاقتران الساعة 12,50 دقيقة من صباح الأربعاء 1434/9/30 هـ بتقويم أم القرى، وستغرب الشمس في مكة المكرمة الساعة 6,56 مساء. ويعني هذا أن عمر الهلال حينذاك سيكون 16 ساعة وست دقائق. ومع هذا لن يمكث في أفق مكة المكرمة إلا عشر دقائق بعد غروب الشمس وستكون رؤيته مستحيلة.
وفي المقال التالي مزيد من النقاش.

يوليو
28

ماذا تعلّمتُ من طلبتي؟

مع إسدال الستار على العام الدراسيّ (وانتهاء الفصل الصيفيّ للتوّ)، أقف لأتأمّل في عملي، والذي يتضمّن التدريس، والبحث، والعمل الإداريّ والتواصل والتوعية. إن العالم الحديث سريع جدا ومحموم، والأشهر تمضي أحياناً دون أن تعطينا فرصة للتفكير بما ننجزه، وبما تعلّمناه، وبالتغييرات التي يجب أن نحدثها في حياتنا. لقد كان الفيلسوف الإنجليزيّ “جون لوك” هو من أشار للتعلّم بأنه “بداية تكوين الإنسان النبيل”، لكنه أشار للتأمّل والمراجعة بأنها “عمليّة اللمسات الأخيرة لتكوين الإنسان النبيل”.

ومن بين الأفكار التي لفتت انتباهي وأنا أستذكر لحظات مهمة من عامي الدّراسي، لحظات ما أسهل أن نغفل عنها، مواقف من التفاعل مع الطلبة، والتي تعلّمتُ منها بعض الأشياء المهمة، وهي ما قادتني لمحاولة التفكير فيما تعلّمته من الطلبة على مرّ السنين…

أولاً، أتعلّم من طلبتي من خلال مناسبات ومواقف عديدة: من خلال ما يكتبون في أوراق امتحاناتهم أو الواجبات والمهمّات التي أكلّفهم بها، ومن خلال رسائل البريد الإلكترونيّ التي أتبادلها معهم، والأهمّ من ذلك كلّه ما يتمّ خلال المناقشات التي نجريها في مكتبي، حيث غالباّ ما يكشفون عن طرقهم في التفكير وأنماط حياتهم واتجاهاتهم وآمالهم المستقبلية.

واحدٌ من أهم الأمور التي تعلّمتها باكراً كأستاذ ومربِّ هو أنّ الطلبة ليسوا فقط ذوي أنماط تعلّمية مختلفة، (فالبعض يفضّل الشروحات اللفظية، والبعض يتعلّم بشكل أفضل من خلال العرض البصريّ، على السبّورة أو على الشاشة، فيما آخرون يفضّلون النماذج المجسّمة والأنشطة العملية، إلخ.)، بل إنهم كذلك يحملون شخصيات متباينة بشكل كبير. لذلك فإن على المعلّمين والمربّين أن يجدوا الطريقة المثلى والأكثر فعالية للولوج إلى ذهن كلّ طالب. وفي هذا السياق، أود الإشارة إلى مقولة عظيمة قرأتّها مؤخّراّ، ويجدر بكلّ معلّم أن يبقيها في ذهنه في كلّ الأوقات : “لن يهتمّ الطلبة بالتعلّم حتى يتعلّم المدرّسون الاهتمام بهم !”.

وبالفعل، عندما نتفاعل نحن المعلّمين والمربّين مع الطلبة بشكل جدّيّ، وعندما نستمع لهم بقدر ما نتحدّث، فإننا نتعلّم الكثير. لكن هل نتعلّم من الطلبة اليوم أكثر مما تعلّمه المدرّسون والمربّون من طلبتهم في الماضي؟ أعتقد ذلك فعلاً، فلدى طلبة اليوم معارف وخبرات عامة أكثر، إذ لديهم مصادر أكثر في متناولهم، وطرقٌ تعليمية أكثر تعددا، وفرصٌ أعظم للمشاركة، واستقلالية أكبر مما كان لدى الطلبة في أي وقت مضى…

ومع ذلك، فإن الاستقلالية والقدرة الكبيرة على تحصيل المعلومات والمعرفة لا تعني أبداً أن الطلبة باتوا غير محتاجين لمعلّميهم. على العكس من ذلك، فهم، أكثر من أيّ وقت مضى، يشعرون بالاضطراب والتشوّش في هذا العالم السريع، حيث المتاح كثيرٌ جداً ولكنّ الصعب عليهم معرفة من أين يبدأون وأيّ مسار يسلكون. كثيرا ما يكون التعليم اليوم غامرا، إذ صار التركيز على المنهجيّة في التفكير بدلاً من كمّ المعلومات، وعلى الصرامة والضبط في التفكير، والبحث، والكتابة، إلخ. إن الطلبة كثيرا ما يحسّون بالتشويش والإحباط، لدرجة الشعور بالشلل، فيكونون مستعدّين للاستسلام وتقبّل الفشل في مادة دراسية ما.

وهكذا، فإن الأمر الثاني الذي تعلّمته هو أن أُبسّط وأُسهّل العملية التعلّمية للطلبة بقدر الإمكان. في الواقع، غالباً ما نميل بشكل مغلوطٌ تجاه الإكثار من المعلومات على حساب المعرفة والتعلّم الحقيقيّين؛ فالكتب الدراسية زاد سمكها بشكل كبير، ومحتوى المناهج الدراسيّة صار أكثر زخماً، والمنافسة العالميّة على الوظائف جعلتنا نسعى لحشو أدمغة الطلاب أكثر وأكثر. لكن الخبرة التعليمية علّمتنا أنّ الفائدة والجدوى هي في “ما قلّ ودلّ”، إذا كنا نبغي تطوير العقل بدلاً من حشوه، وإذا أردنا بناء أسس قوية للتعلّم مدى الحياة… وبهذا الصدد، ها هي توصية مني لمصمّمي المناهج ومؤلّفي الكتب الدراسيّة: الرجاء تخفيف كمّ محتوى المادة الدراسيّة…

ثمّ بالطبع، هناك الهاجس المعروف تجاه التقييم والدرجات، وكلّ واحد مذنبٌ ومسؤول عن هذه الظاهرة ولو جزئياً: فالآباء يريدون أن يحصل أبناؤهم على درجات الامتياز فقط، والطلبة تعلّموا أن يقيسوا نجاحهم من خلال معدّل علاماتهم، والمعلّمون يشدّدون ويركّزون على الاختبارات والدرجات، جاعلين طلبتهم يعتقدون أنّ درجة 77 مثلاً تختلف حقيقةً عن درجة 80، وكأنها تظهر فرقاً ذا دلالة! إلى آخره من الأخطاء التي أدّت الى ذلك الهوس بالتقييم والدرجات… ولذا، فإنّ إحدى مهامّي كمدرّس هي دوما محاولة خفض توتّر الطلبة نحو الاختبارات والدرجات.

علّمني الطلبة أيضاً الكثير في مجال العلم والمعرفة والتقنيات المختلفة، خاصة في العالم الرقميّ المتغيّر بسرعة. فمن خلال أسئلتهم التي تتحدّي شرحي بنمط استفهام “لكن لماذا…؟”، ومن خلال تزويدهم إيّاي بمصادر ومراجع لم أكن على دراية بها (إذ يتمتع طلبة اليوم بقدرات عالية على العثور على الجواهر المعرفية على الإنترنت)، وبتعريفي بتقنيات جديدة، من خلال ذلك كلّه فإنني أتعلّم خلال تدريسي، وأنمو وأتطوّر مع طلبتي… 

وأخيراً، على مدى السنين، وصلتُ لإدراك أنّ الطلبة ينظرون الى أساتذتهم بأبعد من كونهم معلّمين، فهم يعتبرون بعضهم على الأقلّ مثالاً يُحتذى. طلبتُنا يراقبوننا باستمرار وبالطرق كافّة : فهم يتابعون طريقة تفكيرنا، وأنماط حديثنا، وأخلاقنا وسلوكيّاتنا، وطرقنا في التفاعل والتواصل معهم ومع الآخرين، وشخصياتنا وكيفية ظهورنا وحضورنا. وفي خلفية أذهانهم فإنهم (باستمرار وبلا وعي) يسألون أنفسهم : هل هذا الشخص هو من أريد أن أحذو حذوه وأن يكون قدوتي ؟

يمكنني القول في الختام وبكلمة واحدة : من خلال التعليم والتفاعل مع الطلبة، فإننا نحن المدرّسين والمربّين نتعلّم التواضع. صحيح أننا نقدّم بعض المعرفة والخبرة، لكننا نكتشف بعد فترة أن العملية ذات اتجاهين باستمرار، ويلعب طلبتنا فيها دوراً مهماً. إنها رحلة لنا جميعاً مع بعض…

 ترجمة أ. بسمة ذياب لمقال نضال قسوم الصادر بجريدة غولف-نيوز يوم الجمعة 26 يوليو 2013:

http://gulfnews.com/opinions/columnists/what-i-have-learned-from-my-students-1.1213331

مشاركات سابقة «

» مشاركات الأحدث